أعلامٌ ورجال من ودمدني-4-

بقلم / عمر سعيد النـور

 

جمعتنا نحن نخبة من أبناء مدينة ودمدني مناسبة سعيدة في هذا الشهر المبارك بمنزل أخ كريم وصديق عزيز من أبناء ودمدني ، وكان بحق لقاءاً جميلا ورائعاً وممتعاً، وضمن ما تطرق إليه الحديث في ذلك اللقاء الجميل سيرة بعض أعلام المدينـة ، وعندما جاء دور الأمير محمـد عبد الرحمن نقد الله ، ما ذكروه إلاَّ بخير .. فكنت تسمع منهم عبارات مثل :\"رجل محترم / أمير اسم على مسمى / يجبرك على احترامه / كان عند زيارته لنا لا أستطيع أن أكلمه وأنا جالس ، بحركة لا إرادية تجدني وقد وقفت وأنا أحادثه/ رغم انتماءه السياسي كان يحظى باحترام وتقدير كل أهل المدينة / كان مواصلاً ،ويهتم بتفقد أحوال الناس والسؤال عنهم ..الخ \" ، هذه التعليقات التي قدمت جانباً منها صدرت من أشخاص يسكنون أحياء مختلف بمدينة ودمدني ، وبالطبع لهم اتجاهاتهم السياسية المختلفة أيضاً ،(وما كلهم أولاد أنصار) ،ولكنهم جميعاً أجمعوا على هذا الرجل النادر.

هذا الرجل الخلوق كان علماً وواجهة تتقاصر دونها المناكب والأعناق ،ومع ذلك كان ـ رحمه الله ـ يبتعد عن الأضواء وما تجر إليه من ذكر المفاخر والمظاهر الزائفة ولم أذكر أنه فخر بنسب أو حسب أو مطاولة من هذا القبيل ، وان كان في المنبر والناصية من الشرف والسؤدد ، وشهادتي هذه أذكر فيها ما عرفت به الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله وما وعيت وحفظته عن سيرته العطرة ،وأقول فيه كما قال الشاعر :

المجد مجد الخالدين ورثتـــــه

وهززت أحلى طلعه الحانـي فطاب

نعم الوقود وقود عمرك كله

شـــرف وعلم لا يهيــن ولا يهاب

لا لم تمت كل الروائع حية

والمؤمنـــون لهم حكايـات عجاب

ولد الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله بمدينة ودمدني وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة البندر الأولية ثم أنتقل بعدها للدراسة بالمعهد العلمي بام درمان ، وبعد إكماله الدراسة بالمعهد سافر للقاهرة برفقة المرحوم حسين شريف الصحفي الشهير والعضو البارز بحزب الأمة وهناك التحق بالأزهر الشريف ، وبعد تخرجه عاد للسودان ليدير أعمال والده ، ثم كانت له أعماله الخاصة حيث أنشاء مشروعاً زراعياً كبيراً بســنار ( ود هاشم جنوب ).

ولئن كان في تاريخ هذه المدينة المتفردة أمثلة ساطعة عديدة فإن الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله كان ـ رحمه الله ـ من أبرز وأنصع تلك الأمثلة وأعظمها نفعاً للناس ، تراه فترى فيه الوقار والسكينة والهدوء والتواضع الجم ، والأمير نقد الله ينتمي لأسرة حازت المجد بجميع أطرافه ، فوالده حاج عبد الرحمن نقد الله زعيم الأنصار بود مدني ، كان يحظى باحترام وتقدير كل أهل المدينـة ، وكان ـ رحمه الله ـ رجلاً وقوراً ، يتمتع بشخصية قوية وله مكانته الكبيرة ، ويعمل له ألف حساب ،(ورغم أن هناك حكومة ومسـئولين وشرطة ...)،إلاَّ أنه بين الأنصــار فـ ( ..الكلمة كلمته والشورة شورته)،لا يعقد أمر يخص الدناقلة والأنصار إلاَّ بعد أخذ رأيه ، ويتم تنفيذه بالحرف ، من ذلك مسائل الزواج وغيرها ، ... ففي الزواج مثلاً يرى أنه ( ينتهي بانتهاء العقد وإشهار الزواج ) ، وكان يحذر من الطبل والزمر ، وفي هذا الخصوص تحضرني قصة طريفة عن زواج أحد أبناء الدناقلة ، فبعد ذهاب حاج عبد الرحمن لمنزله فور الفراغ من إجراءات العقد ، وانصراف الكبار من الأهل والعشيرة .. أولاد الحلال أحضروا فناناً لإحياء ليلة العرس ، واستطاعوا إقناع العريس وأهله بعد جهدٍ جهيد وبعد مفاوضات وحديث من نوع : ( يا زول أفرح وخلينا نفرح معاك .. دي ليله في العمر .. وإذا ما فرحت هسع حتفرح متين .. وحاج عبد الرحمن في سابع نومه الآن ) ، ومازالوا يحاورونه ويجادلونه ويُلحون عليه حتى ظفروا منه بالموافقة في نهاية المطاف .. وكان لهم ما أرادوا .

وعلى الرغم من أن العريس تعامل مع الموضوع بمنتهى الحيطة والحذر ، فهو من جانب ظل يؤخر موعد بداية الحفل حتى أنتصف الليل ، ومن جانب آخرٍ جعله في أضيق نطاق ممكن( أقفل الباب وجعل الحفل قاصراً فقط على أقرب الأقربين ) ، وعلى الرغم من أن الناس في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون مكبرات الصوت والساون سيستم ، إلاَّ أن صوت الغناء وصل لأسماع حاج عبد الرحمن وهو يغط في نومه فهب منزعجاً وأخذ عصاه وخرج من منزله يتتبع الصوت إلى أن وصل لمكان الحفل ، فطرق الباب طرقاً عنيفاً ، فعلم من بالداخل أن ذلك هو حاج عبد الرحمن بشحمه ولحمه .. والذين حضروا تلك الواقعة ذكروا بأن المكان في لحظات قد خلأ تماماً من الناس ، وكان أول المختفين عريس الهناء ، فدخل حاج عبد الرحمن المنزل والشرر يتطاير من عينيه ، وهو يســأل بتركيز عن العريس(أمانه ما وقع راجل)،وبحث عنه بنفسه في كل ركن من أركان المنزل إلى أن عثر عليه متخفياً تحت أحدى الأسرة !! فنال المسكين علقة ساخنة من الشيخ جزاء سماعه لنصيحة أهل السوء فانقلبت ليلة عرسه لكرب بدلاً من فرح .وفي زماننا هذا إذا مد الرجل يده لابن أخيه تتصدى له زوجة الأخ كالكلب المسعور محتجةً ( زمن !! ).

ومما أذكره أيضا أن الأنصار يتجمعون من مختلف أحياء المدينة للصلاة في العيدين ( الفطر والأضحى ) وذلك بالساحة الواقعة أمام منزل حاج عبد الرحمن ـ حتى أيام الحكم العسكري ـ وأستمر ذلك حتى بعد وفاته والى يومنا هذا .

والذي خلد أثر هذا الرجل العظيم أن الله جلت قدرته قد جعل الخير والنفع والصلاح من بعده في أبنائه وأحفاده البررة الذين حملوا الرسالة من بعده ورفعوا الراية وساروا على درب والدهم صاحب التاريخ الناصع والسيرة العطرة . ويعتبر الأمير محمـد عبد الرحمن نقد الله هو الابن الأكبر للحاج عبد الرحمن نقد الله يليـه ( إبراهيم ) ، وكان تاجراً بام درمان ثم ( الأمير عبد الله نقد الله ) القيادي السابق بحزب الأمة ووزير الداخليـة الأسـبق ، ثم ابنه الأصغر المرحوم ( أحمد نقد الله )، رجل الأعمال وصاحب المشاريع الزراعية بجنوب النيل الأزرق ـ رحمهم الله أجمعين ـ ... أما حفيده من ابنه عبد الله فهو الأمير نقد الله المناضل الجسور والقيادي البارز بحزب الأمة ، ووزير الشئون الدينية والأوقاف الأسبق متعه الله بالصحة والعافية. أما الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله فله من الأبناء (صلاح، وكمال ،والصادق ،ومصطفى ، وعبد الرحمن ، والهادي ، وعبد السلام ).

والأمير محمد عبد الرحمن نقد الله ـ عليه الرحمة ـ استطاع أن يملأ وعن جدارة الفراغ الذي نجم عن وفاة والده ، فصار من بعده أميراً بل زعيماً للأنصار وكبيراً للدناقلة يزور الصغير والكبير دون استثناء وبكل تواضع وأريحيه ، يتفقد أحوالهم وأوضاعهم ، وكان على اتصال دائم معهم يقطع المسافات من أجلهم ، وما رأت ـ عيناي مثل هذا الرجل ـ رحمه الله تعالى ـ في دماثة خلقه ولين جانبه وتودده للناس مع غناء عنهم .

إن في حسن الخلق نيل محبة الله ومغفرة الذنوب ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : \" أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً \". فكان ـ عليه الرحمه ـ كثير الحسنات ، وعاش حياته عزيزاً كريماً يعطي ولا يأخذ وأذكر تماماً ونحن صبية صغاراً كنا نرى لوري الأمير المحمل بجوالات الذرة وهو يقوم بتوزيع حمولته على الأهل والأنصار ، بل والجيران كذلك دون تمييز ، ويتكرر هذا المشهد كل عام في موسم الحصاد ، كما أنه ـ رحمه الله ـ يتصف بالتواضع وحب الناس ورغبة شديدة في قضاء حاجات الآخرين وحل مشاكلهم والتوسط لدى من يملك اتخاذ القرار لمساعدة شخص ما أو قضاء حاجة محتاج ، لا يبخل بجاهه ، ولا يتبرم بالرغم من كثرة ما يطلب منه ، خاصة إذا كان لمساعدة إنسانا محتاجاً لخدمة معينة ، ومما يحكى عنه أنه في أحدى المرات كان يجلس أمام متجر ( الطيب نقـد ) بالسوق الكبير ، يتجاذب أطراف الحديث مع بعض الأشخاص ، فإذا بشخص يركب دراجه بالجانب الآخر من الشارع ، يلقى بالتحية على الأمير بالاسم ، ثم يترجل عن دراجته ويقف مكانه!!، الحاضرون ذكروا بأن الأمير بحث في جيبه بسرعة فلم يجد نقوداً ، فاستدان من الطيب نقد مبلغ خمسة جنيهات ، دسها في جيبه ثم ذهب إلى حيث كان يقف الرجل فسلمه المبلغ(بصوره خفيه)وعاد إدراجه ، حدث كل ذلك وسط دهشة الحضور وذلك لسببين:(أن المبلغ وقتها كان ضخماً ، والثانية أن الأمير هو الذي ذهب للرجل في مكان وقوفه بالطرف الآخر من الشارع)..وهكذا كان دائماً كريماً جواداً ، وهو يفعل ذلك عن قناعه بأن ما ينفق سيكون له رصيد خير عند الله مبارك فيه بإذنه ، وليس سراً حديث الناس عنه ولسان حالهم يردد قول الشاعر زهير :


تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله

ولم لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتقي الله ســـائله

ويسجل التاريخ في أنصع أسفاره لهذا الرجل المتفرد صاحب السجل الحافل بالمواقف الإنسـانية البهية، كيف أنه استطاع بالحكمة وبُعد النظر أن يحفظ للأنصار وحدتهم وتماسكهم في أحلك الظروف ، وأصعب المواقف ، والكبار من أهل المدينة يذكرون تماماً تلك الأحداث المؤسفة التي أعقبت انقسام الأنصار بين مؤيدٍ للصادق المهدي ، ومؤيدٍ لعمه الهادي ، حيث أقتحم أنصار الهادي المهدي دار حزب الأمة بشارع النيل بجوار البلدية وهم يهللون ويكبرون ويرددون الهتافات المنددة بالطرف الآخر وتصفهم \"بالكفرة الفجرة ؟!! \" ، واحتلوا بالفعل الجزء الجنوبي من المبني !! ، فتصدى لهم نجل الأمير( الصادق ) مستنكرا فعلتهم هذه ، فتعرض للأسف للاعتداء من بعض المتحمسين ، الأمر الذي أدى لتدخل آخرين لنصرة إبن الأمير بقيادة بابكر حاج يوسف أبو الروس وآخرين ، وكادت أن تحدث كارثة يروح من جرائها العشرات .. وانتهت تلك الأحداث المؤسفة باعتقال تلك الجماعة المقتحمة للدار ، باعتبار أن المبنى كان أصلاً مسجلاً بالملك الحر باسم السيد الصادق المهدي ، وفور سماع الأمير للخبر حضر على عجل ، وقابل مدير مركز الشرطة ، ثم أرسل في طلب ابنه ( الصادق ) ليقدم تنازلاً عن البلاغ ، وبعد ما تم له ما أراد ، لم يغادر مركز الشرطة إلاَّ بعد أن اطمأن على إطلاق سراح الجميع وهم كُثر ، ولم يكتفي بذلك بل طلب من ابنه مُسامحة المعتدي وأن يُقبل رأسه!! ( كان أكبر منه سناً ) ، هذا التصرف العقلاني من هذا الشيخ الحكيم كان له وقع السحر في نفوس تلك الجماعة ، فسرعان ما تصافى الجميع وعادت المياه لمجاريها ، ونتيجة لذلك لم تأخذ العلاقة بين أنصار الصادق وأنصار عمه الهادي بمدينة ودمدني تلك الصورة الحادة التي كان عليها الحال في بعض المناطق الأخرى .

جانب آخر حرص عليه هذا الرجل الحكيم ، وهو علاقته الحميمة بكل ألوان الطيف بالمدينة ، وأصدق مثال على ذلك اللقاء اليومي الذي يجمعه بالعديد منهم ، عند المكتبة الوطنية بعمارة الدمياطي ، حيث يهيئ لهم صاحب المكتبة المرحوم عيسي عبد الله المكان بالكراسي مع \" قهوة \" جورج الحلواني الشهيرة، فيجتمع في هذا المكان كوكبة من الشخصيات الهامة بالمدينة نذكر منهم أحمد دهب المحامي والأستاذ عمر محمد عبد الله وعزت أبو العلاء ودكتور عبد الرحيم أبو عيسي ، وينتظر الأمير بهذا المكان حتى وقت وصول البص السريع ( بص الخواجة ) وهو يحمل الصحف والمجلات فيتناول طائفة منها ويغادر ، وهناك لقاء آخر بمتجر شقيقه ( أحمد ) \" نقد الله بازار \" ، إذ بمجرد وصول الأمير يتجمع في لحظات كل جيران المرحوم أحمد نقد الله ، فَيكوِّنون شبه ملتقى أو ندوة يومية ، نذكر منهم حسن هاشم وأحمد دهب وحامد البوشي ودكتور يوسف الحضري إلى جانب نائب مدير بنك باركليز ومحمد علي حسونه ـ رحمهم الله أجمعين ـ ، حيث يستمر اللقاء حتى موعد أذان الظهر .

غاية ما هناك أن الحديث عن مناقب هذا الرجل ومآثره التي لا تحصى عددا ومكاناً لهي من أصعب الأمور ، فنحن مهما تحدثنا عنه فلن نستطيع أن نوفيه حقه ، ونقول لأبنائه وأقرباءه أن يفرحوا بسجاياه الكريمة ، وفعاله الحميدة ، وأن يرجوا له من ربه خيراً .

توفي الأمير / محمد عبد الرحمن نقد الله في عام ( 1973م ) رحمه الله رحمة البررة الأتقياء ، وتغمده بواسع رحمته ونسأله تعالى أن ينزل على قبره الأنس والغفران ، وأن يثبته بالقول الثابت ، اللهم أرحمه ونقه من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم أسكنه فسيح جناتك ، وأجعله من الفائزين يوم الدين يأرب العالمين كما نسأله أن يجمعنا به ووالدينا بالجنات ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .



والشخصية التالية تتلمذت على يديه أجيال متعددة ، اعتاد الجميع على مناداته بالأستاذ فهو بحر من العلوم ويندر أن يحضر أحد مجلسه دون أن ينهل شيئاً من علومه ومعارفه ، ذلكم هو الأستاذ والرياضي المطبوع عمر محمد عبد الله ـ رحمه الله ـ ولعل الجميع ممن يعرفون أستاذنا عمر محمد عبد الله أو تعاملوا معه يتفقون على أنه صاحب قامة رفيعة ، وأننا والله لنقف أمامه فخورين ونحن نراه صورة من صور الأعلام والرواد في بلادنا الحبيبة ، وأن أتحدث عن واحد عملاق في أدبه وعلمه وأخلاقه ، فلا أعتقد أنني أستطيع أن أوفيه حقه أو بعض حقه ، ويصعب علي أن أتحدث عن أبو محمد ، ذلك أن شعوري نحوه يجعل من المستحيل علي أن أتحدث بموضوعية ولكني مع ذلك سوف أساهم بجهد متواضع في هذا الموضوع .

و أبو محمـد أخ أكبر وصديق عزيز ، تربطني به علاقة الأخوة والتلمذة ، فأنا أعتبره أستاذي في الحياة ، تعلمت على يديه معاني الوفاء والإخلاص والتفاني في العمل ، فمعرفتي بالأخ عمر محمد عبد الله تعود لنادي النيل شيخ الأندية بمدينـة ودمدني عندما كنت نائباً له في السكرتارية ، وكان النادي وقتها يعج بالعمالقة أذكر منهم : ( شيخ بله ، والمهندس محمود جادين والمهندس محمد عبد الكريم عساكر والمهندس حسين عبد الرحمن وسعد أحمد زكي ومعاوية السناري وعبد الرحيم فقيري عبد القادر والأستاذ الزبير تميم الدار وسيد الليثي وحسن علقم ( شيخ العرب ) ، والأستاذ سليمان جيبتي وبروفسير نصر الدين محمد نصر الدين ودكتور إبراهيم عبد الرحيم والحاج عبد الله أبو عاقلة والمهندس أحمد لطفي الخانجي والمهندس عبد العزيز عبد المنعم حافظ واللواء شرطة إبراهيم علي شرف الدين واللواء شرطة أحمد السيد محمد صالح واللواء أمن أحمد موسى واللواء شرطة عبد المنعم محمد السيد واللواء شرطة عثمان الخواض والعميد سجون عبد القوي الطيب نقد والعقيد شرطة محمد إبراهيم خليفة ( مُوني ) وعيسى البدوي ( شنكل ) وابنه عبد المنعم وأحمد محجوب وعبد المنعم أحمد سليمان جيبتي و عمر علي الحوري وجمال أبو عاقلة وإبراهيم صابوني والأستاذ الهادي أحمد يوسف والأستاذ محي الدين الحضري والمهندس عباس مدني حميدة ،وقاسم أبو عاقلة ومشيل ونيس شنودة والخواجة دميتري وسيد العوض وحاج إسماعيل إبراهيم الريح والمهندس ميرغني عساكر وحسن أبو رأس وعبد الباقي حاج البشير والعم عبادي والعم علي فرح وبروفسير يوسف قمر و المهندس أحمد عبد الحليم خليفة ومحمد عبد الحليم خليفة والمهندس عابدين آدم والأستاذ / مبارك عبد الوهاب والأستاذ /هاشم عوض ومحمد أحمد المقدم وعبد الباقي الليثي والأستاذ كمال محمد علي الليثي والعم محمد سليم حامد وأخيه يسن والعم احمد حميده وأخيه سليمان ومحمود فتح الله شندي والعم أحمد إبراهيم عمر والعم عبد الله شمت والعم طه شرف الدين والعم علي مرجان والعم يوسف محمد الحاج وسليمان محمد الأمين وأحمـد محمد عثمان وموريس الأطرش وحشمت وعنتر محمود وحميده ساتي ومحجوب البدوي دشين ومبارك محمد يوسف والدرديري محمد سعيد والأساتذة معتصم وصلاح وحمدي الفيومي ومحمد يوسف السناري وجعفر مصطفى(سلطان)وعمنا إسماعيل وسعيد ومامون قديم وعلي جيلاني آدم ,وإبنه طارق والمهندس جيلاني درويش ومصباح الطاهر وحسن إدريس ومحمد حوفي ومصطفى الزبير وإبراهيم الطيب نقد والأستاذ بشرى الأمين حمد وعثمان حسين عدلان ومحمد يوسف العربي وصلاح محمد مختار وطلال أحمد سـتيبة والطيب حمدين ومحمد لأظ والجيلي مهدي وعمر محمد أحمد وعوض محمد إبراهيم وابنه المهندس مرتضى والمهندس سعد أبو عاقلة خوجلي والزاكي عبد القادر ومنير عوض الله وخالد علي الحناوي ومحمد إبراهيم محمد علي ومحمد الريح أبو صفر ومدثر يوسف (القطر)والعالم/هشام محمود وحسان ابوبكر ابوعاقلة ومالك محمد عثمان ابوعاقله وعابدين عبد الرحيم (يَكَا)وعلي بريقع والأمين الدايش والريح أبوصفر والعقيد عبد الوهاب محمد علي وعثمان ورشاد بدوي والأستاذ سيف الدين عيسى والعم علي محمود وسليمان عوض ،وأ.عمر يعقوب المرضي ومدثر يوسف موسي عبدالناصر(الشيخ)وعبد الرحيم جبتي وعبدالله (النقيح)ومعاوية ومصطفى عبد القادر والطيب وقاسم جقود ومحمد كبشوره وعلي وعادل وعماد سيد الليثي وجلال ونادر وياسر الريح أبو إدريس وإبراهيم وماهر الجزار والمهندس عبد الله وسليم عبد الله وعز الدين بور وصلاح الصادق أبو عاقلة ويوسف العمري وهاشم نوري وعبد الله عبد الهادي والأستاذ موسى اللورد وكابتن محمد عبد الرحمن خدوري ومحمد ابوالعلاء وحسن الحضري وابنه ممدوح وحمزه بلدو وبيومي طه ونصر الدين شاني ومحمد عثمان الطاهر عساكر وصلاح البوشي وفاروق العبد والأخير عضو نشط بالنادي وأهلاوي على السكين !!ومثله كذلك الصادق بابكر بدري وعابدين بحر فهما أعضاء بالنادي نشاطهما ملحوظ وحضورهما يومي إلاَّ أنهما يشجعان فريق الاتحاد ، كما أن النادي كان يضم قبل تولينا إدارته لاعبين أفذاذ أمثال : العم سعد محمد إبراهيم والأمين محمد الأمين ( محيرقه ) وأخيه الحاج محمد الأمين وإسماعيل قديم وجلال عثمان وتنه وحسن صغيرون وأبوجرفل وبشرى وهبه وقاسم ميرغني ومرحوم الحارس الذي أشتهر وقتها بلقب الساحر ، ثم هناك داموك وسيد سليم وعبده مصطفى الحناوي والطيب الحوري وصديق عثمان ومحمد بُابكر ومحمد محمود جلودي وعبد الجبار محي الدين وأحمد اسكوب وحسن المجاهد وجعفر الحارس ودفع الله النويري ( قرز ) والرشيد عباس ومعاوية السناري (القرود)ومنصور الشيخ وأحمد الحوري وعبدالعال ساتي ، وفي عهدنا كان سمير صالح وعُلَماَ وصالح ياي وجلال النور وعز الدين خورشيد وصالح عبد الله وعز الدين الجعلي والأسيد وإبراهيم بدوي والجيلي يونس وعبدالعظيم الروسي والريح محمد الحسن وعصام محجوب والهادي سليم والليح والعوض والفاتح الريشة وعبد الغفار جبارة وعبد الغني ، والطاهر يوسف فرح وصلاح(كاتنقا) ويوسف صغيرون وصلاح التكيشا ومحمد علي جوكي وصلاح جوكي وشريف ود الصين ومحمد عباس وعبد المتعال محمد عبد الله وشيخ إدريس بركات وحكيم علي مرجان وفيصل ربيع وسانتو المناقل والنيل حسين فضل وحجو وعادل يسن ومحمد محمود حموري والإمام محمد البشير وعبدالفضيل الكريبه وعوض الكريم الريح وأمير حفره ووالي الدين وعبد الله عبد الله والحارس حافظ والحارس هشام الريح ، وغيرهم مما لا تسعفني الذاكرة بهم ـ رحم الله من كان ميتاً ، وأطال عمر من كان حياً منهم ـ .

وخلال مخالطتي للأستاذ / عمر محمد عبد الله تعلمت منه الكثير ، فهو يحترم شخصك ورأيك ، وكان يدلني باستمرار على طرق الخير ويمنحني الصلاحية والثقة بالنفس والتشجيع ، وكان دقيقاً جداً في الأعمال حريصاً على أداء الواجب ، وأن يكون العمل متكاملاً وواضحاً .

وأقول أن شعوري نحو هذا الأستاذ والمربي الفاضل هو مزيج من المحبة .. والتقدير .. والإعجاب ، أما المحبة .. فحصيلة معرفة وثيقة تجاوزت خمسة وعشرين عاماً ، ومع المعرفة الطويلة تتكشف للمرء جوانب كثيرة من شخصية رفيقه .. يراه في حالتي غضبه ورضاه .. وحالتي حزنه .. وسعادته ، وحالتي يأسه .. ورجائه، واشهد الله أنني لم أره غاضباً قط .. الأدق أن أقول إنه كان دائماً قادراً على إخفاء غضبه ( وليس الشديد بالصرعة )، لم اسمعه يتلفظ بكلمة نابيه واحدة بحق أحد .. حاضراً كان أو غائباً ، وتلك خصلة تُحب وتُعشق ، وأشهد الله أنني لم أره يائساً قط ، ودواعي اليأس حوله كثيرة ، ومبررات القنوط تمور في كل مكان ، ولكنه خُلق متفائلاً بطبعه ، يرى الجزء الملآن من الكأس ، ويلمح الوجه المضيء من القمر ، ويرى الجوانب الإيجابية في الطبيعة البشرية ، وهو مع هذا يصل إلى حد العناد فيما هو حق ، ولهذا السبب فقد عانى ما عانى مع أمن نميري ، وكان ـ رحمه الله ـ دائماً مستعداً وجاهزاً( لكومر ) أمن الدولة ، وأذكر أنه في أحدى المرات قد أحضر معه مجموعة كبيرة من الصحف والمجلات ، وكنت أجلس إلى جواره ، فتناولت منه إحدى تلك المجلات أتصفحها ، في هذا الأثناء طلبني أحد اللاعبين فذهبت إليه وأنا أحمل المجلة في يدي ،.. ولم تمضي دقائق إلاَّ ورأيت أبو محمد ينادي على اسمي قائلاً : \" يلا يا عمر الجماعة وصلوا \" ، فألتفت ناحيته لاستبين من هم الجماعة الذين قصدهم في حديثه ، فإذا بي أرى أثنين من ضباط أمن نميري يقفون أمامه ، فعدت إليه وأنا أسلمه المجلة ، فوجه حديثه لي : \" يا عمر يا ولدي ناولني الشنطة ( كان يحتفظ في غرفة السكرتارية بشنطة صغيرة ( هاندباق ) يضع بداخلها بعض الملابس لمثل هذه المواقف ) ، وأستمر في الكلام : \" ما تنسونا من صالح الدعاء ، وابقوا عشرة \" وأخذ يتحرك ناحية الباب بصحبة رجلي الأمن وهو يوجه حديثه لي ووصاياه بخصوص موضوعات متصلة بالنادي .. واستمر يتكلم حتى والسيارة تتحرك به مبتعدة !! ، نوعية نادرة من البشر ، جاهدوا وناضلوا نضالاً لا هوادة فيه ، وعبر كل العهود ( من الاستعمار .. وحتى الإنقاذ ) ، والغريب في الأمر أنه لم يسلم من الجميع ، حتى صار السجن مكاناً مألوفاً بالنسبة له ، ومما يذكره عنه أهل المدينـة ، أنه والعم حسنين النصيري ، كانا سبباً وراء إلغاء الاحتفال السنوي الذي كانت تقيمه المديرية أيام الاستعمار الإنجليزي بمناسبة ( عيد جلوس الملكة ) وكان هذا الاحتفال يقام بميدان الحرية (الملك سابقاً) جنوب مصلحة المساحة والمحكمة الشرعية ، وشرق نادي الاتحاد ، حيث تنصب الخيام ، وتقام الزينات ويستعرض مدير المديرية الإنجليزي الطابور العسكري الذي يمر من أمام المنصة على أنغام موسيقى الشرطة ، وتوزع فيه المرطبات والحلوى على الحضور من المفتشين وكبار الموظفين والأعيان ... المهم هذه المرة اكتملت الاستعدادات تماماً بالميدان ، حيث نصبت الصيوانات وأزدان المكان بالأعلام والزينات ، وصُفت المقاعد وخُطط الميدان لمرور الموكب .. وكعادته في كل مره حضر مفتـش المركـز(الإنجليزي) بصحبة ضابط المجلس (البلدية) في الليلة السابقة للاحتفـال حيث وقفا على اللمسات الأخيرة للاحتفال ، وراجعا كل كبيرة وصغيرة عن الاحتفال ، وانصرفا وهما راضيان تماماً عن ما تم من تحضيرات ، ولكن الذي لم يحسـبا له حساباً هو أن يأتي الأستاذ عمر محمد عبد الله والعم حسنين النصيري في جنح الظلام ، ويقوما بفتح ماسورة ري الميدان ( على الأخر ) وكانت من نوع ستة بوصة ، وبينما كان المفتش الإنجليزي وزميله ضابط المجلس يغطان في نوم عميق كان الماء يتدفق بغزارة من حنفية ماسورة البلدية ، وعندما أصبح الصبح حضرا في الصباح الباكر ليكونا في استقبال مدير المديرية ، فإذا بهما يجدان الميدان وقد امتلأ تماماً بالمياه والمقاعد تطفو على سطح الماء، وهكذا ذهبت كل مجهوداتهم أدراج الرياح ،ومن عجبٍ أن مفتش المركز سارع على الفور بإصدار أوامره للشرطة بالقبض على الاثنين إضافة لثالث هو المرحوم محمد عبد الله موسى ، فهو بخبرته الطويلة قد توصل بالحاسة السادسة إلي أن الفاعل لابد أن يكون من بينهم ؟!! ، وبالفعل القي القبض على عمر محمد عبد الله وحســنين النصيري ومحمد عبد الله موسى .

والمفتش الإنجليزي كان محقاً في حساباته عن المتسبب فيما حدث ، فالثلاثة عرف عنهم نضالهم ضد المستعمر ، حيث تعددت مرات القبض عليهم ، بسبب توزيعهم للمنشورات المناهضة للمستعمر ، أو بسبب تنظيم وقيادة المظاهرات المنادية بجلاء المستعمر عن أرض بلادنا الحبيبة ، وظل ( الثلاثة ) رهن الاعتقال لفترة ليست بالقصيرة ، ولكنهم قطعاً كانوا راضين تماماً من أنهم تسببوا في إلغاء هذا الاحتفال المهم بالنسبة للمستعمر .

وكانت هذه الواقعة سبباً لتهكم الناس وقفشاتهم الضاحكة للمقلب الذي شربه مفتش المركز ، ونسجوا قصصاً من الخيال عن المواجهة التي تمت بين مدير المديرية ومفتش المركز ، فالأخير كان ينتظر الإشادة على دقة التنظيم ، وروعة الإخراج ، فإذا بالأمر ينقلب لتقريع ونقد لأذع من مدير المديرية ، والذي عنفه لعدم وضعه حراسة على مكان الاحتفال .

وهكذا مدني دائماً وعلى مر العصور وعبر مختلف أنظمة الحكم كانت قلعة للنضال ، لا تعرف الانحناء إلاَّ لرب العالمين .

والأستاذ عمر محمد عبد الله كرس حياته لخدمة وطنه ، فكان نعم المواطن الصالح ، ذا تواضع وحنكة واقتدار ولقد خصه الله عز وجل بكيان إنساني متفرد معجون بطين الأرض وصلابة الأيمان .. لا تجده متكلفاً.. بسيط غير متحذلق .. ووطني غير منافق ورفيق بلا ضعف ، ذلك هو الرجل الأمين الذي عرفته ، يسبقه دائما نبله وإنسانيته !!، فهو لم يسعى طوال حياته لمنصب أو لجاه أو وجاهة اجتماعية ، وليس أدعاء أن بعض مواقع الإدارة العليا لا تعدم الفرص لجعل البسطاء وجهاء ،إذا عرفوا كيف يتقدمون الصفوف بسرعة الثعالب ونعومة الثعابين ! ولم يكن له من بين هؤلاء مكان وليس له في تقبيل المقامات نصيب ، فالوطن لديه محبة وولاء وتضحية وانتماء وتفاعل ، والمواطنة الصادقة عنده تنبع من الشعور والإحساس والانتماء العميق لهذا البلد المعطاء.

و أبو محمـد خدماته لبلاده كثيرة وشاملة سواء تلك التي قدمها من خلال عمله كمعلم بوزارة التربية والتعليم ، أو من خلال نضاله في مكافحة المستعمر الدخيل ، أو من خلال دوره المشهود في مؤتمر الخريجين أو عندما كان مسئولاً وقطباً بارزاً في الحزب الوطني الاتحادي ، أو من خلال عمله بمجلس الاتحاد المحلي لكرة القدم أو من خلال عمله كرئيس لتحرير صحيفة الأضواء الأسبوعية،والتي كان صاحب امتيازها في ذلك الوقت السياسي البارز في الاتحادي الديمقراطي الأستاذ / أحمد زين العابدين المحامي ، ولعل أحد أهم إنجازاته وهى كثيرة ، نجاحه في تلك الصحيفة بممارسة العمل الصحفي بأساليبه الصحيحة .. والتي كنا نطالعها بإعجاب ، فقد كانت تحمل في مضامينها رسالة هامة وهي بث الوعي لكافة شرائح المجتمع السوداني ، وأمتاز الأستاذ عمر محمد عبد الله بأسلوبه الصريح وبراعته في قراءة الواقع السياسي السوداني وكفاءته العالية في التحليل وقراءة المستقبل ، فهو يحسن التقاط الفكرة المفيدة ويصوغها بأسلوب أدبي رفيع ، وكانت المجلة شاهداً ثابتاً ، وذات قيمة ثقافية واجتماعية ، فضلاً عن كونها متخصصة في الجانب السياسي ، كما لمسنا التغيير من نمطية الإثارة المعهود في الصحف الحزبيـة والسياسية لأسلوب جديد من حيث المعنى والمضمون ، تتجلى من خلال مقالاته عبر الصحف ، أو من خلال الصحيفة التي يشرف عليها ، والواقع أنه بذل جهداً جهيداً وعملاً متواصلاً حتى تم له ما أراد ، وقد حاولت بعض الجهات الأخرى محاكاته والاستفادة من خبراته في هذا الجانب ، ومن الإنصاف الإشارة إلى مثل هذه الأعمال ، لأننا لو أغفلنا هذا التميز لأصبحنا جاحدين .

وباختصار شديد إن أبا محمد رجل فاضل كريم الأخلاق ، عف اللسان ، عفيف اليد ، لطيفاً دمث التعامل ، مثقف واسع الثقافة .. وواسع المعرفة ، سريع الجواب عرف عنه الشجاعة والشموخ ونقاء القلب ، ويتمتع بشخصية قوية ، وعلى درجة عالية من الذكاء ، والبرا&#