أعلامٌ ورجال من ودمدني-5-

بقلم / عمر سعيد النـور

 

محمد عبيد مبارك

تعلو مقامات بعض الناس في هذه الدنيا ، ويذيع صيتهم ، ويشيع ذكرهم ، ويظل الضوء مسلطاً عليهم ، ما داموا يعتلون المناصب ، ويتمتعون بالجاه الذي حظوا به أو المال الذي ملكوه ، فإذا أدبرت الدنيا عنهم ، فتركوا المناصب أو تركتهم ، أو توارى بريق الجاه عنهم ، وقل مالهم أو ذهب ، أو غيبهم الموت ، أمسك الناس عن ذكرهم لانقطاع المصالح والأسباب التي كانت تربطهم بهم ، إلا مَن كان في سيرته متواضعاً ، أو كان لسانه رطباً بالكلمة الطيبة ، وقول الحق ، لا يتلوث بغيبة إنسان أو الطعن فيه ، ومن كان نظيفاً لا يحمل الحقد أو الغيرة ، سموحاً ، يتمنى الخير حتى لمن أساء إليه ، فإن الناس لا تنساه بعد خروجه من منصبه أو موته ، ويعتلي في قلوبهم منصبا لا يزول عنه ، وهو منصب لا يستطيع غيره الحصول عليه بالمال أو الجاه ، إنها محبة الله ، ومن أحبه الله جعل محبته في قلوب الناس ، وهكذا كان بروفسير محمد عبيد مبارك وكانت سيرته بين الناس .

مولده ومراحل دراسته :

ولد محمد عبيد مبارك عام 1937م ، وتلقى تعليمه الابتدائي بالشكابة والمرحلة الإعدادية والثانوية بالمدرسة المصرية بالخرطوم ( كلية فاروق سابقاً ) ، ثم التحق بكلية العلوم جامعة الخرطوم والتي تخرج فيها بمرتبة الشرف في علم النبات (أبريل 1960م) ، واختير بعد تخرجه معيداً بنفس الكلية ، أكمل بعدها دراسة الماجستير بجامعة الخرطوم ، ثم أرسل في بعثة دراسية للمملكة المتحدة حيث نال درجة الدكتوراه من جامعة ويلز.


معرفتي به :

سمعت بهذا الرجل الفذ والعالم الجليل وبدماثة أخلاقه ، وكنت أرى أخبار نشاطاته في وسائل الأعلام المختلفة ، فقد كان له حضور إعلامي متميز حتى آخر لحظة من حياته ، ولكني لم أعرفه شخصياً إلا عندما جمعني به أخ كريم لا يقل عنه دماثة خلق وحسن أدب وهو الدكتور محمود عبد الله إبراهيم العميد الأسبق للطلاب بالجامعة وكان ذلك قبيل التحاقي بالعمل بالجامعة بعمادة شئون الطلاب مشرفاً للنشاطات الطلابية ، ومن أول جلسة أسرني في دائرة تواضعة ، قمة في التهذيب ، فيه وقار العلماء ( وقار طبيعي لا تكلف فيه ولا اصطناع ).

عطاءات وإنجازات متواصلة :

إن كان تاريخ جامعة الجزيرة يسجل للدكتور الهادي الزين النحاس كونه صاحب الفكرة الأولى لإنشاء هذه الجامعة وله القدح المعلى في ذلك منذ أن كانت تحت مسمى كلية طب ناصر كما يحفظ للمرحوم الشيخ /آدم دفع الله قدورة عضو المكتب التنفيذي لاتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل الفضل بعد المولى الكريم في تسميتها بهذا الاسم ، في الاجتماع الشهير لاتحاد المزارعين بالرئيس الأسبق جعفر نميري ، إذ نادى من داخل الاجتماع بأن يكون الاسم سودانياً خالصاً ، وفي مساء نفس اليوم أبلغ نميري المجتمعين موافقته على تسـمية الجامعة الوليدة باسم ( جامعة الجزيرة ) ، فكان التجاوب السريع لاتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل بقرارهم التاريخي بتحمل نسبة 50% من تكلفة إنشاء هذه الجامعة ، فأنه يسجل بأحرف من نور لبروفسير محمد عبيد مبارك دوره الكبير في إرساء الدعائم والبنيات الأساسية لهذه الجامعة الفتية ، حيث تسلمها في عام 1975م أرضاً يباباً ، فصارت في عهده واقعاً معاشا ، بل وتبوأت عن جدارة صدارة مؤسسات التعليم العالي ، وذلك بفضل العمل الدؤوب الذي لا يعرف الكلل أو الملل ، فقد كانت الجامعة في عهده كخلية من العمل المخلص الصادق الأمين ، كان فيه لكل من يعمل معه النحلة التي لا تعطي إلاَّ عسـلاً ،وكان لا يكل أو يمل يتحرك في كل الاتجاهات لبناء تلك الجامعة الوليدة ، حتى شبت عن الطوق وهذه هي شواغل وهموم هذا الرجل الكفء ، وكانت له ـ عليه الرحمة ـ الصلاحية والقدرة على اتخاذ القرار المناسب تربوياً وهي هموم ومشاغل العارف بمهنته المدرك تماماً لمسؤوليته ، المضطلع بأمانته المؤمن تماماً بسمو رسالته ، وكانت تدفعه دائما جدية وقوة دافعة ، فهو ـ رحمه الله ـ كان يعلم تماماً أن الطريق لم يكن مُعبداً وأن الوصول للهدف لن يكون سهلاً ولا هيناً ، ولابد من شحذ الهمم وتضافر الجهود والطاقات بكل وسيلة ممكنة ، للوصول للغاية والمراد ، فسلك طريقاً متوازناً متناســقاً. ويعتبر بروفسير محمد عبيد مبارك من قلائل السودانيين الذين تحملوا هذه المسؤولية الخطيرة لفترة طويلة وفي عهده ( 1975م ـ 1985م ) تم على يديه إرساء الدعائم والبنيات الأساسية لجامعة الجزيرة ، وقد تمثل ذلك في وضع الهياكل الأساسية للمناهج الدراسية وفق فلسفة الجامعة التي حددها قانون إنشائها ، وتدريب أعضاء هيئة التدريس داخل وخارج البلاد بالإضافة إلى المنشآت المختلفة من مباني الكليات والمعامل والورش والمكتبة المركزية ومنازل الأساتذة ، و تم على يديه أيضاً استحداث وترسيخ تدريب الطلاب عن طريق المقررات الدراسية والساعات المعتمدة في الفصول الدراسية المختلفة مع التقييم المستمر لأداء الطالب أثناء الفصل الدراسي الواحد ، وقد استدعى ذلك جهداً خارقاً ، حيث صاحب قيام الجامعة التخفيض المستمر لقيمة الجنيه السوداني منذ سبتمبر 1979م ، وقد ساعده في ذلك رجال أفذاذ من العاملين نذكر منهم نائب المدير / بروفسير علي محمد الحسن والمرحوم/ محمـد أحمـد المقدم الذي لعب دوراً مشهوداً في جلب كافة الأجهزة والمعدات الخاصة بمختلف كليات الجامعة ونذكر أيضا في الأمانة العامة العم المرحوم محمد عمر أحمـد ومدير مكتبه المتفرد حسين أحمد عبد الله والذي خلفه الشاب الخلوق عادل عمر ، وهناك كبير مهندسي الجامعة عبد الحفيظ النور والذي أعقبه الأخ المهندس قاسم بيطري وبمكتب الخرطوم محمـد المهيد والأخ هاشم حسن والأخ الفاتح وفي عمادة الطلاب دكتور محمود عبد الله إبراهيم ، ودكتور حسين آدم ودكتور عبدالمتعال قريشاب ،ودكتور محمد الطريفي ودكتور الأمين والأستاذة الفضلى نفيسة يوسف صبير مشرفة الطالبات ،التي كانت تحكم بمفردها مملكة الطالبات بكل جدارة واقتدار بشخصيتها المؤثرة والقوية ، ومن المشرفين هاشم عثمان محمد أحمد ومحمد إبراهيم خالد ( ود اللورد )وعبد الرحيم الصديق ومحمد إبراهيم وميرغني دريسه وعوض الكريم الريح والمرحومة سعاد عبادي ، والأستاذة سميرة والأستاذة اسماء ، وفي الكلية الإعدادية بروفسير يوسف قمر وبروفسير عصام البوشي والمرحوم أ. هاشم عوض وأ. مبارك عبد الوهاب منصوري ، وفي الطب بروفسير بشير حمد وبروفسير صلاح الدين طه صالح وبروفسير عوض السيد مصطفى ، وبروفسير عثمان طه ودكتور سيد محمـد أحمـد ود. محمداني ود.عباس الكارب ود.حافظ الشاذلي ودكتور مصطفى محمد أحمد ودكتور عثمان حمور ودكتور إبراهيم سُكر ودكتور مزمل حسن ، ومسجل الكلية الأستاذ / بابكر عبد القادر ، وفي الزراعة بروفسير يوسف محمد الطيب وبروفسير عمر حسن جحا،ودكتور عثمان كشـومة وبروفسير الصادق عماره ودكتور بدر الدين حسن جاد الله ، وفي العلوم والتكنولوجيا دكتور فيليب موصلي وبروفسير بشير الفاضل مكي ودكتور النور كمال الدين أبو صباح ودكتور صلاح النعيم وفي الاقتصاد بروفسير رفعت عبد الكريم وبروفسير علي عبد القادر ودكتور عبدالرضي عشره ميرو وبروفسير ميرغني عبدالعال حمور ودكتور الطاهر محمـد نور ودكتور عمر المقلي ودكتور حاتم محمد مهران ، ودكتور محمد الأمين تاج الأصفياء ودكتور سليمان دبيلو ودكتور عبد الله الخضر والمرحوم دكتور سباعي ودكتور يوسف طه جمعة ( رئيس قسم الاقتصاد الزراعي والمدير المؤسس للاستثمار بالجامعة ) ، وهنالك المدير المؤسس لمركز الدراسات السكانية الإنجليزي ( روبن ميلز ) وفي الشؤون العلمية دكتور محمد المهدي بشير والأستاذة نور عبد الرحيم محمود ، وفي شؤون الأفراد الأخوان الأمين الطيب الصادق وكمال خضر الجزولي ومحمود حسن علي كنانة والصادق علي عبد الرحمن ( قمر ) ، وكمال موسى وعصمت محمد نور والفاتح محمد أحمد الصول ، وفي الحسابات الأخ عبد الرحيم عمر المبارك والأخ مبارك عبد القادر وفاروق حامـد والأخ يوسف محمد بابكر وبقية العقد الفريد ، وفي الخدمات الشاب المتفرد الحاج مكي مدني والذي استفادت الجامعة كثيراً من علاقاته المتميزة بمختلف المسئولين ومجتمع المدينة ، وأذكر أن الجامعة في ذلك الوقت كانت تضم ما يناهز الأربعين أستاذاً أجنبياً أذكر منهم أنكوز سميث وماكنيلز . وهؤلاء جميعاً عاونوه وساهموا مساهمة فاعلة وشاركوا معه مشاركة جادة وأصيلة في تأسيس هذه الجامعة الفتية حتى صارت منارة سامقة بين مؤسسات التعليم العالي بالسودان ، والتي تعتبر بحق وصدق من معاقل التعليم العالي ، وقد نفع الله بها وبخريجيها البلاد والعباد ، فأمدت السودان بشباب مؤهلين مقتدرين ، سدوا حاجة البلاد بكفاءة وإخلاص .

والقيادي المؤهل من أمثال بروفسير عبيد هو الذي يستطيع أن يعدّل ويطور ويميّز بالحركة والتجديد المفيد ، كما كان ـ رحمه الله ـ خير مساعد ومساند للطلاب ، وساعد في حل العديد من المشاكل والمعوقات التي كانت تعترض طريقهم ، حتى الشخصي منها ، ما رأيته يستمتع بإجازة يفرغ فيها لنفسه وأهله ، في حين كان بإمكانه أن يستمتع بإجازته ، ويكلف من ينوب عنه ، وما سافر يوماً إلا وكانت حقيبة كتبه وأبحاثه وأوراق حاجات للناس يقضيها في مقدمة ما يأخذه معه ، ولذلك لم يورث أبناءه سوى سيارة موريس ماينر (هلكانة)،وقطعة أرض فضاء بتوفير المياه ( خطة إسكانية )

وصدقوني إن جامعة الجزيرة في تلك المرحلة الدقيقة والحساسة كانت في أمس الحاجة لرجل في همة بروفسير عبيد ، فهذه الأمانة الثقيلة لا يحملها إلا الكبار المؤصلون . وإحقاقاً للحق فأن الذين جاؤا من بعده كانوا على شاكلته نذكر منهم بروفسير عمر حسن جحا والمهذب الخلوق والمبدع بروفسير ميرغني عبدالعال حمور وبروفسير تجاني حسن الأمين وشعلة الحماس بروفســير محمــد علي مجذوب وأخير مولانا بروفسير إسماعيل حسن حسين الرجل النادر الصفات ، ( مِنَ المؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَّن قَضَى نَحبَهُ ومِنهُم مَّن يَنتَظِر وَما بَدَّلُوا تَبِديلاً ) .


عبيد العالم والخبير الدولي :

إلى جانب أعبائه الإدارية شارك بروفسير عبيد ـ رحمه الله ـ في تأليف كتابين عن بيئة النبات في السودان ، صدر الأول في الولايات المتحدة عام 1981م ، والثاني في هولندا عام 1982م ، وبعد تقاعده عن الإدارة الأكاديمية في عام 1985م ، شارك بنشاط ملحوظ في أعمال مجلس الأساتذة ولجان الجامعة المختلفة ولا سيما تلك الخاصة بشؤون الطلاب ، كما أهتم بالكتابة والنشر الأكاديمي وأهتم بشكل خاص بالاحتفال بيوم الغذاء العالمي واليوم العالمي للبيئة .. حيث عمل مستشاراً لمنظمة اليونسكو العربية وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ، وشارك بنصيب وافر في إعداد الخطة القومية لمحاربة الجفاف والتصحر والتي نشرت عام 1977م بواسطة المجلس القومي للبحوث ، وكان رحمه الله عضواً بالجمعية السودانية لحماية البيئة ، والجمعية الايكولوجية البريطانية والاتحاد العالمي لحماية البيئة ، ودارت أبحاثه العلمية في مجالات : ـ

1. توزيع المجموعات النباتية في البيئة الصحراوية .
2. نمط توزيع الأشجار في بيئة السافنا .
3. نمو وانقراض بادرات أشجار الهشاب .
4. بيولوجية الأزهار في نباتات أعشاب النيل .
5. انتشار نباتات أعشاب النيل بالبذور .
6. استراتيجية التكاثر لأعشاب النيل .

وقد نشرت أبحاثه العلمية في المجلات الآتية : ـ

Sudan Notes and Records
Crop Science
Vegetatio
Journal of Applied Ecology



الخبر الحزين :

رغم مشاغل بروفسير عبيد الجمة ، كانت له ارتباطاته العلمية المتعددة داخل وخارج السودان ، فقد شارك في العديد من الفعاليات العلمية عربياً ودولياً ، وفي كل تلك الفعاليات كان دائماً وكالعادة له حضور مميز ، وشاءت أرادت المولى الكريمة أن تكون النهائية في هذا الميدان الذي نذر نفسه له ، حيث واتته المنية وهو يشارك باسم الجامعة في مؤتمر الجامعات العربية بالقاهرة ( 1989م ) ، فارتفعت روحه إلى بارئها طاهرة ، وعندما علم مدير الجامعة (وقتها) الأخ الفاضل بروفسير ميرغني عبدالعال حمور بالخبر الحزين ، تحرك في كل الاتجاهات ، ليكون استقبال جثمانه الطاهر ووداعه لمثواه الأخير بالصورة التي تليق ومكانة الرجل ، وإنني بكل التقدير أسجل هنا لهذا الرجل الخلوق الاهتمام البالغ والوفاء العظيم الذي عبر عنه بمتابعته المستمرة بالاتصال ببروفسير يوسف قمر الذي كان يرافق الفقيد لنفس المؤتمر ، كما أشرف بنفسه ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ على إجراءات الحجز بالخطوط الجوية السودانية لنقل الجثمان من القاهرة ، وتابع لحظة إقلاع الطائرة بالجثمان الطاهر من مطار القاهرة ، وحتى استقباله بمطار الخرطوم ، كما نسق مع الوالي وحكومة الولاية والنقابات بالجامعة ، لتجهيز كافة الترتيبات المتعلقة بالتشــييع والدفن ، وأشرف بنفسه أيضاً على ترتيبات ( حفل التأبين ) للفقيد العزيز ، فكون لذلك لجنة ممثلة لكل ألوان الطيف بالجامعة ، وتابع أعمال اللجنة وقدم لها الدعم المادي والمعنوي ، كما ألقى في الحفل كلمة مؤثرة عن الفقيد ومآثره وما قدم من جليــل الأعمـال ( تأتي على قدر الكرام المكارم ) فله من المولى الكريم الجزاء الأوفى ، ومنا التقدير والامتنان .

ود مدني تودع عبيد :

ونعود لإجراءات دفن فقيدنا العزيز ، ونذكر أن الخبر قد انتشر بين الناس بدرجة كبيرة ، كما نعاه والي الجزيرة عبر أجهزة الإعلام المختلفة وأبدى حزنه وترحم وأثنى عليه وذكر خسارة البلاد بوفاته وواسى أفراد أسرته وأهل المدينة ، وفي يوم التشييع تحركت من الجامعة أرتال من السيارات والحافلات والبصات وحتى عربات النقل الكبيرة ، وهي تحمل كتل من البشر ( طلاباً وعاملين وأساتذة ) ، فلم يبقى بالجامعة أحد سوى من كانت عليهم نوبات الحراسة ، وانضمت إليهم كتل أخرى من أهل المدينة ، فأهل ودمدني يعرفون تماماً أقدار الرجال ، ويحفظون لهذا الرجل العظيم ما قدم من جليل الأعمال حتى صارت جامعة الجزيرة على ما هي عليه ، ثم انضمت لهؤلاء جموع أخرى من أبناء الذيدَّاب والعاملين ببركات وجيران أهله ، وجموع أخرى من الرسميين يتقدمهم والي الولاية ووزراء حكومته ومحافظ مشروع الجزيرة ونائبه وكبار موظفي المشروع ، إلى جانب وفد رفيع من التعليم العالي وآخر لجامعة الخرطوم ، وقد سارت جنازته في موكب مهيب يحف بها الجلال ويتدافع فيها طلاب الجامعة والأساتذة والعاملون والمعزون بالمناكب يحملون جثمان الفقيد الطاهر من أمام منزل أسرته ببركات حتى المقابر ، فلا عجب أن يبكيه كل من عرفه وأن يبكيه الصغار قبل الكبار وأن يترحم عليه الجميع ويتغنوا بذكر مناقبه الإنسانية وحسن خلقه ، فقد كانت جنازته مشهداً عظيماً يؤكد هذه الحقيقة ، وهكذا هم العظماء دائماً قريبون من الناس مهتمون بتفاصيل حياتهم ، فتجد حضورهم مبهجاً وغيابهم مُفجعاً. يقول الشاعر :

لســـنا على الموت أغلى لو نحاسبه
من أنبيــــــاء وأمراء إذا ذكروا
أحق بالفخر كل الفخر من تركت
يداه علماً به الأجيــــــال تفتخر

خـســارة كبيرة :

الخسارة في هذا الرجل أننا فقدناه في قمة عطاءه وتألقه ونشاطه ، وهو ملء السمع والبصر والفؤاد ، فكان رحيله فاجعة صدمت الذين عرفوه وأحبوه أو سمعوا عنه .

فقد السودان بوفاته واحداً من علماءه ، صاحب المسؤوليات المتعددة والاهتمامات المتنوعة ، والاختصاصات المتميزة ، فقدت إنساناً كسب قلوب الناس بحسن خلقه وتواضعه وأدبه الجم ، فهذا الرجل يعتبر نموذجاً يحتذي به في الإخلاص وفي حب الخير للجميع ، وتسهيل كل ما يحقق للعاملين والطلاب رغبتهم بكل سهولة ويسر ويقدم هذه المساعدة وهو في قمة السعادة ، وهذا ما يجعل الجانب الإنساني في هذا الرجل شيئاً اعتقد أنه لا مثيل له ، فلم يتذمر شخص من سوء معاملته ، بل كان الثناء عليه ممن يعرفونه في كل مكان من داخل وخارج الجامعة ، فقد تميز بالذكاء والفطنة والتعقل والروية ، والمعضلات من القضايا يحلها دونما تعقيد لخبرته ودربته وبصيرته الثاقبة ، وما أكثر الذين شهدتهم يقصدون مكتبه من قليلي الحيلة وضعفاء الناس ، فيقابلهم ، ولم يشهد أحد من موظفيه أنه رد إنسـاناً عن بابه ، أو أدَّعى أنه غير موجود كما يفعل الكثير من أصحاب الكراسي الدوارة ، ففي وقته متسعٌ لسماعهم وتلبية طلباتهم ما وسعته صلاحيته ، وقد حكى لي الأخ صلاح حسن حسين وكان سكرتيراً تنفيذياً لمكتبه عن تعامله الإنساني الرقيق : سلامه عليهم عند دخوله وخروجه ، وتبسطه معهم وتفقده أحوالهم ، رفع من قدره في أعينهم وزاد من هيبته في نفوس كل من يخدمه ، هيبة الحب والإخلاص والتفاني ، ويقول تعالى : ( للذينَ أحسَنُوا الَّحُسَنى وَزيَادةٌ ولا تَرهق وَجَوههُم قَتَرٌ ولاَ ذِلةٌ أُولئِك أصحَابُ الجنَّة هُم فِيَها خَالِدُونَ )

فقدنا صاحب الوجه الرضي والقلب النقي والابتسامة البراقة والكلمة الطيبة والسيرة العطرة .

فقدنا فارس المؤتمرات العلمية وصاحب العشرات من الأبحاث والمحاضرات والمؤلفات .

فقدنا الرجل الكفؤ الذي جمع في إهابه عدة رجال بعدة اختصاصات وعدة اهتمامات ، كان فيها جميعها صاحب الإتقان المخلص والهمة العالية والعمل الدؤوب ، وفقدنا رجل المواقف والحكمة صاحب الفكر الثاقب والنظرة البعيدة.

فقدنا الإنسان الذي لم يستهن يوماً في حياته بمخلوق لأنه فقير أو صغير الشأن ، لم يستغل إنسان أو يضطهده أو يسئ إليه ، بل كان من أبر الناس وألطفهم مع صغار موظفيه بل وعمال الجامعة وشهيرة تلك قصته مع الحارس الجديد لمنزله( خفير ليل ) ، فقد ذهب إليه ـ رحمه الله ـ في صباح اليوم الثاني وهو يحمل له شاي الصباح ، فسأله ملاطفاً عن الأحوال ، فرد الحارس الهُمام : " مافيِِّّ عوجه يا دكتور ، لكن والله البعوض حمانا النوم !! " ... لم يتعامل معه بسلطوية صاحب القرار ، ولم يتخذ مدير الجامعة قراراً وقتياً بفصله ، وإنما تبســم وذهب لحال سبيله . وهكذا كان دائماً ـ رحمه الله ـ يفعل الخير لوجه الله وحده لا يبتغي به رياءً ولا شكورا، فلم يتردد يوماً في أداء خدمة يستطيعها لمن يستحقها ممن لا يعرف ، فإن لم يستطعها أعتذر بأسف صادق يترسم على محياه ، لم أره يرفع صوته قط في النقاش ، أو يقلل من الاحتفاء ، وإظهار التقدير عند كل لقاء بحكم المخالطة والعمل ، واشهد أنني على مدى سنوات عملي في الجامعة لم أجد فيه شيئاً من غير ذلك حتى مع صغار موظفيه ومراسليه ، فمقدرته على التعبير عن احترامه للإنسان كبيراً كان أو صغيراً رائعة ونادرة ، ولا يستطيعها كل إنسان ، وقدر ما عرفت وخالطت من البشر في مراتب المسؤولية المختلفة اعتبره من القلة الذين عرفت فيهم المقدرة على ضبط النفس ، وكبح جماح الانفعال ، وعدم إظهاره على ملامح الوجه للشخص الذي أخطاء أو تسبب في ذلك الانفعال ، لذا فقد ارتفعت منزلته عند الناس لا بمنصبه ولا بعلمه ، ولا بجاهه وإنما بتواضعه ، ( من تواضع لله رفعه ) ، فالتواضع في معاملة الجميع تاج يرفرف على راس المسؤول ، والناس شهود الله في أرضه ، فهم المقياس ، الذين يترحمون على هذا ولا يذكرون بالخير ذاك ، والدين المعاملة ، والكل راحل .. ولن يبقى إلاَّ الذكر الحسن أو الذكر السيئ ، وبروفسير عبيد كان من أكثر الناس تواضعاً مع أقل الناس شاناً ، وقد أقتصر زميل لنا بعمادة شؤون الطلاب وصف بروفسير عبيد في كلمة واحدة بأنه: ( ود قبائل ) وفعلاً هو في مجموعه إنساناً أصيلاً نادراً وطباعه تلك لا تصدر إلاَّ من أولاد القبائل ، ولهذه التسمية قصة مفادها أن ذلك الزميل كان يود السفر للخرطوم في أمر من أموره الخاصة ، ولما علم بأن إحدى ســيارات الجامعة ستتجه إلى هناك ـ من السائق الذي يسكن معه بنفس الحي ـ طلب منه توصيله معهم ، فوافق وحدد له موعد التحرك ، ووعده بالمرور عليه بالمنزل ، وهذا ما تم بالفعل في صباح اليوم التالي إذ بدأ به ، ثم اتجهت السيارة للكلية الإعدادية لتتوقف عند منزل بروفسير عبيد ، والذي كان يقف وقتها خارج المنزل وهو يحمل حقيبته ( الشهيرة ) . زميلنا ذاك ارتبك وتلخبط كيانه إذ لم يكن يعلم بأن رفيق السفر سيكون مدير الجامعة!! قال : ألتفت بسرعة للسائق وعاتبته لعدم إعلامي برفيق السفر ، فرد بأن الموضوع ( عادي ) ... ويواصل زميلنا وصف الموقف بأنه وسط هذه الربكة ، رأى بروفسير عبيد يتجه نحوه بخطوات مسرعة ، فمد يده نحو مقبض الباب لفتحه للنزول من المقعد الأمامي ، ولكنه كان أسرع منه فضغط الباب من الخارج ، بمعنى ( خليك مكانك ) ،ومد له يده مصافحاً باسمه ، وبادره مبتسماً بأن لا داعي لنزوله ، فهو يرتاح في الركوب في المقعد الخلفي ، ( بِشرُ الكريم في وجهه يلوح .. وتاج المروءة التواضع ) ، وهذا ما تم بالفعل ، جلس هذا الرجل الكبير في منصبه وعقله وتصرفه في المقعد الخلفي للسيارة البوكس ( دبل كاب ) والجميع يعلم كيف أن المقاعد الخلفية لمثل هذا النوع من السيارات تكون ضيقةً ومتعبةً خاصةً في مشوار مثل الخرطوم ؟!! ، بينما جلس صديقي الموظف الصغير بالجامعة مرتاحاً في المقعد الأمامي ، ينعم بهواء المكيف ويمد رجليه ما شاء الله لهما أن تمتدا ، هذا إلى جانب تمتعه بوجبة إفطار مجانية ببوفيه( البتول ) بالمسيد على حسـاب البروف !!.. ( وَيُؤثرُونَ عَلَى أَنفسهم وَلَو كانَ بهم خَصاصَة وَمَن يُوق شُحَّ نَفسِهِ فَأولئِك هُمُ المفلحُون ) سورة الحشر ..... ( وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام ) ، وبروفسير عبيد هُديَّ لهذا الخلق .

يا صاحـب الخلـق الرضـي وباذل الــود المتيــــــن
مازلـت حتى في الـردى في السـابقين الأولين

وللمقارنة أذكر هنا قصة مشابهة ولكن على النقيض منها ، بطلها أحد عمداء الكليات بالنشيشيبة ، ومفادها : أن سائق آخر من نفس الجامعة كان يقوم بتوصيل ذلك العميد من المدينة الجامعية بالنشيشيبة إلى الكلية الإعدادية بسيارة شبيه ( بوكس دبل كاب ) ، فتصادف وقوف أحد الزملاء بالجامعة على الطريق ، فما كان من السائق إلا أن توقف ليحمل الزميل ، والرجل لشدة تهذيبه لم يشأ أن يركب بالداخل ، وإنما أكتفي بالركوب بالصندوق الخلفي للسيارة ، تلك الواقعة لم تمر بسلام ، إذ أن هذا العميد ( الذي عُرفَ بالغطرسةِ والتعاليِ )، استوقف السائق خارج أسوار الجامعة ، وسأله عن سبب وقوفه لأخذ الرجل دون إذنه ، فرد السائق بأنه ما كان يظن أن أمراً كهذا يستوجب الإذن إذ أن الرجل هو الميكانيكي الأول بالجامعة وهو زميل ويتجه لنفس المكان الذي نود الذهاب إليه ، فطلب منه ذلك العميد ـ سامحه الله ـ أن يعود أدراجه لنفس المكان الذي أخذ منه الزميل ، ثم أمره بأن يطلب منه النزول ، فتم له ما أراد ، لم يكتفي بذلك بل وجه نقداً لاذعاً للسائق محذراً إياه من تكرار مثل هذا التصرف مستقبلاً ؟!!، الطريف في الأمر أن السائق وفور عودته من ذلك المشوار ، أتجه لمكتب مدير الخدمات طالباً نقله لأي موقع آخر بالجامعة أو إنهاء خدماته ؟ ( إن لم يكن وفاق ففراق ) ، وفيما علمت لاحقاً أن الأخ مدير الخدمات ـ وبعد أن استجاب لطلب نقل السائق ـ وجد صعوبة كبيرة في إيجاد بديل يرضى بالعمل مع ذلك المتكبر المتغطرس ؟!! ، هذه الواقعة يعلمها كل العاملين بالجامعة ، وذكرناها للمقارنة بين رجل .. ورجل ، وتصرف ود قبائل يحمل درجة الدكتوراه..وبين تصرف ترابي يحمل نفس المؤهل للأسف !!، والرجال مواقف ، ترى ماذا سيكون عليه حال زميلي ذاك لو كان المسافر بالسيارة للخرطوم ذلك العميد ؟!! ـ أظن أن ذلك ما كان ليحدث ، إذ أشك أن السائق كان سيعرض عليه من أصله اصطحابه معهم للخرطوم !! ـ .

ولكن يبقى من المهم الإشارة هنا إلى أنه من حسن الطالع أن جل علماء وأساتذة وعمداء الجامعة وبلا مجاملة كانوا على شاكلة بروفسير عبيد ، حتى ليخيل إليك أن اختيارهم تم وفقاً لمواصفات خاصة ، إذ تسودهم روح من الود والاحترام ، طباعهم هادئة ومهذبون ،وجميعهم كأنهم فريقاً واحداً أو أسرة واحدة ،( ويبقى الشاذ شاذاً في كل مجتمع )، وإنني حقيقة أدين لتلك المجموعة المتفردة بالوفاء والتقدير والامتنان لكل ما كسبناه في حياتنا العملية من قدرات وخبرات وما حظينا به من دعم وتوجيهات كريمة من أولئك الأفذاذ .

أسرة الفقيد العزيز :
تزوج بروفسير عبيد من ابنة عمه السيدة ( أمونة عبد القادر مبارك ) وللحق نقول أنها لم تكن أقل منه عظمة ، فقد تحملت لوحدها عبء تربية الأبناء ورعايتهم وربتهم على الفضيلة والإيمان كأحسن ما تكون التربية والرعاية ، والحمد لله فقد قيض الله لها أبناءاً بررة صالحين فجازوها بعد ممات والدهم بالعرفان والإحسان والمثابرة ، وهذا ما يجعلنا نمسح دمعة حزن فراقه بمسيرة أبنائه فهم جميعهم من الخيار ، وجميعهم كانوا والحمد لله من النوابغ ، ولهما أربعة أبناء : ـ

ـ أ. أماني محمد عبيد محاضر بكلية الاقتصاد جامعة الجزيرة .
ـ دكتورة ميسون محمد عبيد اختصاصي طب باطن مستشفى الملك فهد بن عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية .
ـ دكتور العباس محمد العبيد ( يحضر لدراسات عليا ) .
ـ مهندس انتصار محمد العبيد خريجة كلية الهندسة جامعة الخرطوم ( قسم الهندسة المدنية ) .

رحل عبيد وستبقى ذكراه :

رحمك الله يا أبا العباس فأنك لم ترحل .. نعم لم ترحل فبأعمالك الجليلة بقيت وستبقى في قلوبنا، فالهامات السامقة تظل أبداً في الذاكرة والوجدان ، فعندما استعيد شريط مواقفك تدمع عيناي وأهز رأسي وأردد هل يوجد عوض له ؟ فبعض الأشياء عندما نفقدها لا نشعر بقيمتها فحسب بل نتألم لأجل القيمة التي خسرناها والتي لن تعود ... وتلك الأعمال الرجولية والمواقف الرائعة من كرمك وحسن خلقك ورحابة صدرك وصلة رحمك وحرصك على الغير وابتسامتك الحنون لمن تسقبله أو تودعه ، لا أقدر أن أمنع صدري من التأوه ، لقد زرعت بصماتك لكل فرد وكل بصمة تسجل لك في هذه الحياة أنك إنسان عظيم ،... وصاحب الخلق الحسن في الدنيـا كالمسك يفارق ولكنه يترك ذكره من بعده عطراً يتضوع ، وريحاً زكيةً تترك آثارها طيبة على كل من جالسـه ، ولم يمت من ارتفعت منزلته عند الناس لا بمنصبه ولا بعلمه ، ولا بجاهه وإنما بتواضعه ، فمن تواضع لله رفعه الله ، ونحن لا نملك سوى الدعاء أن يغفر الله لمحمد عبيد المبارك ، وأن يوفق أبناءه إلى كل خير ويحملوا طيب والدهم المخلص ووفاءه الجم أنه ســميع مجيب ، اللهم أجعل كل ما قدمه عبيد في موازين أعماله في الآخرة ، وجزاءه خيراً على ما قدم لوطنه من خير عميم ، فقد رسم من القدوة ما سيبقى أثره على الناس ، نسأل الله القدير أن يتغمده بواسع رحمته ويضاعف له الأجر والمثوبة .... يقول الشاعر :

ستذكر أجيــال تجئ خُطَاكم
ويُكتـبُ تاريــخٌ نقـي يطــولُ
ســبيل المعالي كان دربـاً سـلكته
صـعوداً إلى العلياء ليس يزولُ
فشــيدت آثاراً وأنشأت حاضــراً
فصــرت بقلب العالميــن تجولُ
أحبــك شــيبٌ في بـلادي وفتيــة
وأثنى عليــك نســوة وكهـولُ
خاتمة :

وإنني في ختام هذه السيرة العطرة ، أتوجه بالنداء للرجل الأصيل بروفسير إسماعيل حسن حسين مدير جامعة الجزيرة لتسمية المكتبة المركزية للجامعة بالمدينة الجامعية باسم هذا العالم الجليل ، والمؤسس للجامعة ، وفاءً لهذا الرجل الكبير ، فالوفاء من خلق الكرام ، ويجب أن نكون أوفياء خاص