أبوعبدالرحمن العباسي
08-11-2009, 06:43 AM
هذا جزء من كتابي " فوائد تأصيلية من كتب التراجم " أنشره هاهنا للفائدة :
وقفات مع الإمام محمد بن يحيى الذهلي
الوقفة الأولى : شذرات من الترجمة :
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ( 3 / 728 ـ 730 ) :
محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي ، الحافظ ، أبو عبد الله النيسابوري الإمام .
قال أبو عمرو المستملي : سمعت أحمد يقول : لو أن محمد بن يحيى عندنا لجعلناه إماماً في الحديث .
وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : محمد بن يحيى إمام زمانه .
وقال : وكتب عنه أبي بالرَّي ، وهو ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين ، سئل أبي عنه فقال : ثقة .
وقال النسائي : ثقة مأمون .
وقال النسائي : ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث .
وقال ابن أبي داود : حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري ، وكان أمير المؤمنين في الحديث .
وقال ابن عقدة عن ابن خراش : كان محمد بن يحيى من أئمة العلم .
وقال الخطيب : كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المأمونين .
وقال ابن خزيمة : حدثنا محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل عصره بلا مدافعة .
وقال الدارقطني : من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علل الزهري لمحمد بن يحيى .
وقال ابن الأخرم : ما أخرجت خراسان مثله .
وقال أبو أحمد الفراء : محمد بن يحيى عندنا إمام ثقة مبرِّز . أ هـ ملخصاً
الوقفة الثانية : الإمام الكبير والعالم الجليل قد يروي الضعيف :
جاء في ترجمته في التهذيب ( 3 / 728 ) : (( قال محمد بن داود الِمصَّيصي : كنا عند أحمد فذكر محمد بن يحيى حديثاً فيه ضعف ، فقال له أحمد : لا تذكر مثل هذا ، فخجل فقال له أحمد : إنما قلتُ هذا إجلالاً لك يا أبا عبد الله )) .
وفي القصة فوائد عدة منها :
أولاً : أن الخطأ والزلل قد يقع من الإمام الكبير والعالم النحرير .
ثانياً : أنه ليس من شرط العالم ألا يخطئ ، فإن ذكر الذهلي للحديث الضعيف لم يستوجب عند أحمد القدح فيه أو الذم له أو التنقيص منه .
ثالثاً : المناصحة ببيان الخطأ وتوضيح الزلل .
رابعاً : مناصحة المخطئ وإن كان جليل القدر عظيم الخطر .
خامساً : من مقاصد المناصحة إرادة زين المنصوح والبعد به عما يدنسه من الخطأ وما يحط من قدره من الزلل .
سادساً : الرجوع إلى الحق وقبول النصح من خلق العلماء ومن شيم أهل الحق والإنصاف .
سابعاً : الحذر كل الحذر من الاحتجاج بالضعيف من الحديث .
ثامناً : الرفق في المراجعة وبيان الخطأ .
تاسعاً : لا يلزم أن يكون النصح سراً فإن الإمام أحمد نصح الذهلي على رؤوس الأشهاد ، والتحقيق أن الأمر يعود إلى المصلحة والمفسدة وحال المنصوح ومدى تقبله للنصح .
تطبيق واقعي :
فإذا اطلع مطلع أو وقف قارئ على شئ من الحديث الضعيف في كتب بعض العلماء كالشيخ ابن عثيمين أو الشيخ ابن باز أو الشيخ صالح الفوزان مثلاً ، فإن ذلك لا يقدح في العالم ولا يحط من قدره ولا يقلل من علمه فإن أصل منهج هؤلاء الاحتجاج بالصحيح ولكنهم ربما اجتهدوا فأخطأوا أو أحسنوا الظن فقلدوا أو أصابهم ما يصيب البشر من النسيان والذهول أو غير ذلك من الأعذار ، بخلاف من كان أصل منهجه الاحتجاج بكل ما هب ودب فهو لا يلتفت إلى صحيح أو ضعيف ولا يميز بين غث أو سمين ، ولذلك تكثر وتفحش في كتبه الروايات الضعيفة والأحاديث المنكرة والموضوعة .
الوقفة الثالثة : الخطأ والسهو لا يسلم منه الأئمة :
جاء في ترجمته في التهذيب ( 3 / 728 ـ 729 ) : (( قال أبو إسحاق المُزَكِّي : سمعتُ الدَّغُولي يقول : سمعتُ محمد بن يحيى يقول : لما رحلتُ بابني إلى العراق سألوني : أي حديث عند أحمد أغرب ؟ فسألته عن حديث يحيى بن سعيد عن عثمان بن غياث عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر حديث الإيمان ، وقد كنتُ سمعته قديماً وحدثت به عنه ، فقال : يا أبا عبد الله ليس هذا الحديث عندي ، قال : فخجلتُ وسكتُّ ، ثم قدمنا بغداد أيضاً ، يعني من البصرة ، فدخلنا على أحمد فقال : أخبرني أي حديث استغربت عن مسدد من حديث يحيى بن سعيد ؟ فقلت : حديث عثمان بن غياث في الإيمان ، فقال أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد عن عثمان بن غياث ، ثم أخرج كتابه فأملى علينا ، فسكتُّ ، فتعجب أصحابه من صبري عليه .
قال : فأُخبر أحمد أنه كان سأله عن الحديث قبل خروجه إلى البصرة . فكان أحمد إذا ذكره قال : محمد بن يحيى العاقل .
وهذه القصة عظيمة وفيها فوائد جليلة منها :
أولاً : وقوع الخطأ من الإمام العالم .
ثانياً : ليس من شرط العالم ألا يخطئ .
ثالثاً : الأدب مع الأئمة وتوقيرهم .
رابعاً : اتهام النفس عند مناطحة الجبال .
خامساً : زيارة العلماء بعضهم بعضاً .
سادساً : احتمال هفوات الأئمة ولو ترتب على ذلك شئ من الإضرار بالمحتمل .
الوقفة الرابعة : إجلال العلماء بعضهم بعضاً :
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 283 ) : (( وكان محمد بن يحيى من أئمة أهل الحديث ، كما قال أبو نعيم الأصبهاني : أنبأنا محمد بن عبد الله يعني الحاكم ، سمعتُ يحيى بن منصور القاضي يقول : سمعتُ خالي عبد الله بن علي ابن الجارود يقول : سمعتُ محمد بن سهل ابن عسكر يقول : كنا عند أحمد بن حنبل فدخل محمد بن يحيى ، فقام إليه أحمد وتعجب منه الناس ، ثم قال لبنيه وأصحابه : اذهبوا إلى أبي عبد الله فاكتبوا عنه )) .
وانظر تهذيب التهذيب ( 3 / 728 ) .
وهذه القصة فيها من الفوائد :
أولاً : زيارة العلماء بعضهم بعضاً .
ثانياً : إجلال العلماء بعضهم بعضاً .
ثالثاً : حث طلبة العلم على الأخذ من العالم المأمون .
رابعاً : تنبيه طلبة العلم إلى فضل العالم سواء بإظهار التبجيل له أو بحثـِّهم وأمرهم بالأخذ عنه .
الوقفة الخامسة : ضوابط تقديم خبر الثقة على نفي المجروح للجرح :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 263 ) : (( وقال الخلال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يحكي عن أبيه كلامه في داود الأصبهاني ، وكتاب محمد بن يحيى النيسابوري فقال : جاءني داود فقال : تدخل على أبي عبد الله وتعلمه قصتي وأنه لم يكن مني ، يعني ما حكوا عنه.
قال فدخلت على أبي فذكرت له ذلك ، قال : ولم أعلم أنه على الباب . فقال لي : كذب قد جاءني كتاب محمد بن يحيى ، هات الضبارة . قال الخلال : وذكر الكلام فلم أحفظه جيداً ، فأخبرني أبو يحيى عن زكريا أبو الفرج الرازي قال: جئتُ يوماً إلى أبي بكر المروزي وإذا عنده عبد الله بن أحمد ، فقال له أبو بكر : أحب أن تخبر أبا يحيى ما سمعت من أبيك في داود الأصبهاني . فقال عبد الله : لما قدم داود من خراسان جاءني فسلم علي فسلمتُ عليه فقال لي : قد علمت شدة محبتي لكم وللشيخ ، وقد بلغه عني كلام أحب أن تعذرني عنده ، وتقول له : إن هذا ليس مقالتي أو ليس كما قيل لك . فقلت : لا تريد ؟ فأبى ، فدخلت على أبي فأخبرته أن داود جاء فقال : إنه لا يقول بهذه المقالة وأنكر .
قال : جئني بتلك الإضبارة فأخرج منها كتاباً فقال : هذا كتاب محمد بن يحيى النيسابوري وفيه أنه ـ يعني داود الأصبهاني ـ أحل في بلدنا الحال والمحل ، وذكر في كتابه أنه قال : القرآن محدث ، فقلت له : إنه ينكر ذلك . فقال : محمد بن يحيى أصدق منه ، لا نقبل قول عدو الله . أو نحو ما قال أبو يحيى ، وأخبرني أبو بكر المروزي بنحو ذلك .
والقصة عظيمة وجليلة ومهمة فيها من الفوائد :
أولاً : أن أهل السنة يردون العلم إلى كبيرهم وإمامهم .
ثانياً : إعلام أهل السنة بعضهم بعضاً بالمخالفين للسنة الناكبين عن طريقها .
ثالثاً : أن علماء السنة في كل بلد هم حراس العقيدة وحماة الملة في بلدهم .
رابعاً : تواصل أهل السنة مع بعضهم وإحاطة بعضهم بعضاً بالمستجدات والأخبار .
خامساً : قبول العلماء لأخبار إخوانهم من العلماء الثقات ، والحكم بمقتضى تلك الأخبار والعمل على وفقها ، بضوابط معروفة لذلك ستأتي .
سادساً : أن علماء السنة لا تغرهم دعاوى المحبة وكلمات التملق وإنما يحكمون على الناس على وفق المناهج .
سابعاً : حكاية الجرح عند الحوجة إلى ذلك وعدم التورع من بيان أحكام العلماء على أهل البدعة والمخالفة .
ثامناً : الغضب للدين والغيرة على الشريعة المطهرة كما هو ظاهر من دعاء الإمام أحمد على داود الأصبهاني .
تاسعاً : اختلاف نظر العلماء في الجرح في الرجل الواحد ما بين جارحٍ وهاجرٍ ومشددٍ في أمره ومحذرٍ منه ومضلل له ومبدع ٍ ، وما بين مثن ٍ عليه مادح ٍ له معتذر ٍ عن خطئه أو منكر ٍ لوقوعه ، وكل ذلك لا يقدح في أحد الطرفين إن كان صادراً عن اجتهادٍ ونظر ، وقصتنا هذه أصدق مثال على ذلك إذا قارنت كلام الإمام أحمد والإمام أبي حاتم الرازي في داود الأصبهاني وبين النقول الآتية :
يقول الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ ( 2 / 572 ) : (( داود بن علي الحافظ الفقيه المجتهد أبو سليمان الأصبهاني البغدادي فقيه أهل الظاهر . . . قلتُ : منع الإمام أحمد أن يدخل عليه داود ، وبدعه لكونه قال القرآن محدث )) .
ويقول في سير أعلام النبلاء (13 / 97 ) : (( داود بن علي بن خلف الإمام البحر الحافظ العلامة عالم الوقت أبو سليمان البغدادي المعروف بالأصبهاني مولى أمير المؤمنين المهدي رئيس أهل الظاهر . . وأما داود فقال : القرآن محدث فقام على داود خلق من أئمة الحديث وأنكروا عليه قوله وبدعوه )) .
ويقول في الميزان ( 3 / 26 ) : (( داود بن علي الأصبهاني الظاهري الفقيه أبو سليمان ، قال أبو الفتح الأزدي : تركوه ، كذا قال . مولده سنة مائتين وسمع من سليمان بن حرب والقعنبي ومسدد وابن راهويه ، وصنف الكتب .
قال الخطيب في تاريخه : كان إماماً ورعاً زاهداً ناسكاً وفي كتبه حديث كثير لكن الرواية عنه عزيزة جداً . . )) .
تاسعاً : قبول موجبات الجرح من أقوال وأفعال إذا شهد بها الثقة الصادق وعدم الالتفات إلى إنكار المجروح .
وهذه المسألة لها ضوابط لابد من ذكرها فنقول :
إذا شهد الثقة سواء كان عالماً من علماء أهل السنة أو طالب علم أو عامي على رجل أنه قال أو فعل أمراً يستلزم جرحه وأنكر المجروح الخبر فلا يخرج الأمر عن ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون المجروح معروفاً عند المتلقي بالعدالة والسنة .
والثانية : أن يكون المجروح مجهولاً عند المتلقي غير معروفٍ عنده لا بعدالة ولا بجرح .
والثالثة : أن يكون معروفاً عند المتلقي بالجرح .
ففي الحالة الأولى : لابد من التثبت من الخبر والتدقيق في الرواية لمعرفة وجه الحقيقة في الأمر ولابد من مراعاة ما يلي :
1. التثبت من صدقة الرواية وصحة نسبة القول أو الفعل إلى من حُكي ذلك عنه .
2. التأكد من أن الذين نقلوا الخبر كان مستندهم المشاهدة أو السماع ولم ينقل إليهم الخبر عن المجروح بواسطة قوم ٍ آخرين وإن كانوا ثقات عندهم .
3. النظر في بساط الحال لمعرفة ملابسات وقوع الرواية لاحتمال أن يكون لها وجه من التخريج ، بحملها على معنى لا يوجب القدح والجرح .
4. النظر في العلاقة بين نقلة الخبر وبين المجروح للتأكد من عدم وجود أدنى درجة بين الطرفين من فساد ذات البين أو الغيرة أو التنافس العلمي .
5. النظر إلى بقية الثقات والعدول الذين يسكنون ذات البلد أو يجالسون المجروح هل وافقوا النقلة على صحة الخبر أم خالفوهم .
6. النظر في دفاع المجروح عن نفسه فإنه إما أن ينفي وقوع الخبر ويكذب النقلة ، وإما أن يقر بوقوع الخبر ولكن يوجهه إلى معنى معين وإما أن يعتذر عنه بسوء فهم أو خطأ اجتهاد أو سورة غضب ونحو ذلك .
والخلاصة : أنه في هذه الحالة لا يقبل الخبر ولا يرد إلا بعد تمحيص وتدقيق ، ولا يعمل بمقتضاه من الجرح إذا اعتذر المجروح عنه بعذر له وجاهة ونظر .
وفي الحالة الثانية والثالثة : لابد من قبول الخبر والأخذ بمقتضاه من الجرح إذ إنه لا شئ يقاومه ، ولا يلفت إلى إنكار المجروح لاسيما وإن روى الخبر عنه جمع من الثقات العدول .
وأكبر شاهد على هذا التقسيم أن نتأمل في قصتين :
الأولى : قصتنا هذه وهي قصة الإمام أحمد مع داود بن علي بن خلف الأصفهاني الظاهري فإن الإمام أحمد قبل فيه خبر الإمام محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري ولم يلتفت لإنكاره لأمور :
1. أنه لم يكن معروفاً عند الإمام أحمد بعدالة ، ويدل على ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى ( 6 / 264 ) : (( قال الخلال : وأخبرني الحسين بن عبد الله ـ يعني الخرقي والد أبي القاسم صاحب المختصر ـ قال سألت أبا بكر المروزي عن قصة داود الأصبهاني وما أنكر عليه أبو عبد الله فقال : كان داود خرج إلى خراسان إلى إسحاق بن راهوية فتكلم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد وشيخ من أصحاب الحديث من قطيعة الربيع ، شهدا عليه أنه قال : القرآن محدث ، فقال لي أبو عبد الله : من داود بن علي الأصبهاني لا فرج الله عنه ؟ فقلت : هذا من غلمان أبي ثور ، قال : جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن داود الأصبهاني قال ببلدنا : إن القرآن محدث . ثم إن داود قدم إلى هنا ، فذكر نحو قصة عبد الله )).
2. أن داود بن علي شهد عليه بهذا القول كل علماء خراسان وليس محمد ابن يحيى وحده . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 264 ) : (( قال الخلال : أخبرني محمد بن جعفر الراشدي لقيت ابن محمد بن يحيى بالبصرة عند بندار فسألته عن داود فأخبرني بمثل ما كتب به محمد بن يحيى إلى أحمد بن حنبل وقال : خرج من عندنا من خراسان بأسوأ حالة ، وكتب لي بخطه وقال : شهد عليه بهذا القول بخراسان علماء نيسابور )) .
3. أن داود بن علي قد اشتهر بعدائه لأهل الحديث وضم إلى مسألة القول في القرآن بدعاً أخرى ، جاء في ترجمته في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ( 3 / 389 ) : (( داود بن خلف الأصبهاني : كان ضالاً مبتدعاً مموهاً ممخرقاً ، قد رأيته وسمعت كلامه ، وحكيت لأبي وأبي زرعة فلم يرضيا مقالته ، وأما أبي رحمه الله ، فحمل إليه كتاب له يسميه كتاب البيوع ، وقصد أهل الحديث وذمهم وعابهم بكثرة طلبهم للحديث ، ورحلتهم في ذلك ، فأخرج أبي كتاباً في الرد عليه في نحو خمسين ورقة )) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 283 ) : (( . . فهو أحد الوجهين للإنكار على داود الأصبهاني وغيره ممن قال : إنه محدث وأطلق القول بذلك ، وإن كان داود وأبو معاذ وغيرهما لم يريدوا بقولهم إنه محدث أنه بائن عن الله كما يريد الذين يقولون إنه مخلوق ، بل ذهب داود وغيره ممن قال إنه محدث وليس بمخلوق من أهل الإثبات ؛ أنه هو الذي تكلم به ، وأنه قائم بذاته ليس بمخلوق منفصل عنه ، ولعل هذا كان مستند داود في قوله لعبد الله : أحب أن تعذر بي عنده ، وتقول له ليس هذا مقالتي أو ليس كما قيل لك ، فإنه قد يكون قصد بذلك : أني لا أقول إنه محدث بالمعنى الذي فهموه وأفهموه ، وهو أنه مخلوق ، وليس هذا مذهبي ، ولم يقبل أحمد قوله لأن هذا القول منكر ، ولو فسره بهذا التفسير لما ذكرناه ، ولأنه أنكر مطلقاً فلم يقر باللفظ الذي قاله وقد قامت عليه البينة به ، فلم يقبل أحمد إنكاره بعد الشهادة عليه ، ولأنه أظهر مع هذه البدعة بدعة أخرى وهي إباحة التحليل وهو مذهبه )) .
والثانية : قصة محمد بن يحيى الذهلي مع البخاري والتي سنفرد لها فصلاً خاصاً فنقول :
الوقفة السادسة : جرح محمد بن يحيى للبخاري :
جاء في هدى الساري للحافظ ابن حجر ص ( 658 ـ 659 ) : (( قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه : قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومائتين فأقام بها مدة يحدث على الدوام ، قال : فسمعت محمد بن حامد البزار يقول : سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول : سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه ، قال : فذهب الناس إليه فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى . قال : فتكلم فيه بعد ذلك .
وقال حاتم بن أحمد بن محمود : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به ، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث ، وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله فإني استقبله ، فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور ، فدخل البلد فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن يحيى : لا تسألوه عن شئ من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف مت نحن عليه وقع بيننا وبينه وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ بخراسان ، قال : فازدحم الناس على محمد ابن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال : أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا ، قال فوقع بين الناس اختلاف فقال بعضهم : قال لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال بعضهم : لم يقل ، فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتى قام بعضهم إلى بعض ، قال : فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم .
وقال أبو أحمد بن عدي : ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور واجتمع الناس عنده حسده بعض شيوخ الوقت فقال لأصحاب الحديث : إن محمد بن إسماعيل يقول لفظي بالقرآن مخلوق ، فلما حضر المجلس قام إليه رجل فقال : يا أبا عبد الله ما تقول باللفظ في القرآن مخلوق هو أو غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثاً ، فألح عليه فقال : القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة ، والامتحان بدعة ، فشغب الرجل وقال : قد قال لفظي بالقرآن مخلوق .
وقال الحاكم : حدثنا أبو بكر بن أبي الهيثم حدثنا الفربري قال : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : إن أفعال العباد مخلوقة فقد حدثنا علي بن عبد الله حدثنا مروان بن معاوية حدثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يصنع كل صانع وصنعته )) ، قال البخاري : وسمعت عبيد الله بن سعيد ـ يعني أبا قدامة السرخسي ـ يقول : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة ، قال محمد بن إسماعيل : حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة ، فأما القرآن المبين المثبت في المصاحف الموعي في القلوب فهو كلام الله غير مخلوق . قال الله تعالى : ( بل هو آيات بـيـنات في صدور الذين أوتوا العلم ) قال : وقال إسحاق بن راهوية : أما الأوعية فمن يشك أنها مخلوقة ، وقال أبو حامد ابن الشرقي : سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلم ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه .
وقال الحاكم : ولما وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ انقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة ، قال الذهلي : ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا ، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤوس الناس فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمال . قلت : وقد أنصف مسلم فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا .
وقال الحاكم أبو عبد الله : سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول : سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري يقول : دخلت على البخاري فقلت : يا أبا عبد الله إن هذا رجل مقبول بخراسان خصوصاً في هذه المدينة ، وقد لجَّ في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى ؟ قال فقبض على لحيته ، ثم قال : ( وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) . اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً ولا طلباً للرياسة وإنما أبت علي نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير ، ثم قال لي : يا أحمد إني خارج غداً لتخلصوا من حديثه لأجلي .
وقال الحاكم أيضاً : عن الحافظ أبي عبد الله بن الأخرم قال : لما قام مسلم ابن الحجاج وأحمد بن سلمة من مجلس محمد بن يحيى بسبب البخاري ، قال الذهلي : لا يساكنني هذا الرجل في البلد فخشي البخاري فسافر .
وقال غنجار في تاريخ بخارى : حدثنا خلف بن محمد قال : سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف بنيسابور يقول : كنا يوماً عند أبي إسحاق القرشي ومعنا محمد بن نصر المروزي فجرى ذكر محمد ابن إسماعيل ، فقال محمد بن نصر : سمعته يقول : من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله . فقلت له : يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا فأكثروا فقال : ليس إلا ما أقول لك ، قال أبو عمرو : فأتيت البخاري فذاكرته بشئ من الحديث حتى طابت نفسه فقلت : يا أبا عبد الله هاهنا من يحكي عنك أنك تقول لفظي بالقرآن مخلوق فقال : يا أبا عمرو احفظ عني : من زعم من أهل نيسابور وسمى غيرها من البلدان بلاداً كثيرة أنني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله ، إلا أني قلت : أفعال العباد مخلوقة .
وقال الحاكم : سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول : سمعت محمد بن نعيم يقول : سألت محمد بن إسماعيل لما وقع في شأنه ما وقع عن الإيمان فقال : قول وعمل ويزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق وأفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ ، على هذا حييت وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله تعالى )) .
يقول أبو عبد الرحمن العباسي : وقصة الخلاف بين محمد بن إسماعيل البخاري وشيخه محمد بن يحيى الذهلي وموقف العلماء من ذلك الخلاف قصة مشهورة معروفة وفيها فوائد مهمة وعظيمة منها :
أولاً : بيان العلاقة الحميمة الجيدة التي كانت بين الشيخ وتلميذه أول الأمر والتي تصلح أن تكون مثالاً لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين أهل السنة علماء ومشايخ وطلبة علم ، ومن الصور المعبرة عن جمال هذه العلاقة ما يلي :
1. استقبال محمد بن يحيى للبخاري عند قدومه نيسابور خارج البلد على مرحلتين أو ثلاث مراحل .
2. حثه للعلماء وطلبة العلم وعامة الناس على الخروج لاستقبال البخاري عند دخوله نيسابور .
3. حث محمد بن يحيى الناس على الذهاب إلى البخاري وطلب العلم عنده وسماع الحديث في مجلس درسه .
ثانياً : مكانة العلماء عند العامة والولاة في ذلك الزمان فقد كانوا في منزلة لا تدانيها منزلة فهم القادة والموجهون ، الرأي رأيهم والقول قولهم ، إليهم المرجع والمنتهى والكل يصدرون عن رأيهم ، ويظهر ذلك جلياً في استقبال الناس للبخاري عند دخوله نيسابور ، وفي سطوة محمد بن يحيى لما أمر الناس بهجر البخاري والنفور من مجلسه .
ثالثاً : حكمة محمد بن يحيى لما أمر بعدم سؤال البخاري عن أصول العقائد فإنه نظر إلى أمرين :
1. خشي أن يخطئ البخاري في الجواب فيقع الخلاف بينه وبين علماء السنة في نيسابور .
2. خشي ما يترتب على هذه الوقيعة والخلاف من شماتة أهل البدع بأهل السنة والجماعة .
ولذلك فإن العالم الفاضل إن عرف بمخالفة في شئ معين فلا يصح أن يسأل عن هذا الشئ حتى لا يؤدي ذلك إلى الفتنة والهرج والمرج وتحول بعض الناس عليه وشماتة المخالفين من أهل البدع وفرحهم بمقالته .
رابعاً : حرص الناس على طلب العلم ومجالسة العلماء ومزاحمة الطلبة بالركب في حلق العلم ، ولعل هذا يبدو جلياً في ازدحام الناس في حلقة البخاري حتى امتلأت الدار والسطح .
وقفات مع الإمام محمد بن يحيى الذهلي
الوقفة الأولى : شذرات من الترجمة :
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ( 3 / 728 ـ 730 ) :
محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي ، الحافظ ، أبو عبد الله النيسابوري الإمام .
قال أبو عمرو المستملي : سمعت أحمد يقول : لو أن محمد بن يحيى عندنا لجعلناه إماماً في الحديث .
وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : محمد بن يحيى إمام زمانه .
وقال : وكتب عنه أبي بالرَّي ، وهو ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين ، سئل أبي عنه فقال : ثقة .
وقال النسائي : ثقة مأمون .
وقال النسائي : ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث .
وقال ابن أبي داود : حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري ، وكان أمير المؤمنين في الحديث .
وقال ابن عقدة عن ابن خراش : كان محمد بن يحيى من أئمة العلم .
وقال الخطيب : كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المأمونين .
وقال ابن خزيمة : حدثنا محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل عصره بلا مدافعة .
وقال الدارقطني : من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علل الزهري لمحمد بن يحيى .
وقال ابن الأخرم : ما أخرجت خراسان مثله .
وقال أبو أحمد الفراء : محمد بن يحيى عندنا إمام ثقة مبرِّز . أ هـ ملخصاً
الوقفة الثانية : الإمام الكبير والعالم الجليل قد يروي الضعيف :
جاء في ترجمته في التهذيب ( 3 / 728 ) : (( قال محمد بن داود الِمصَّيصي : كنا عند أحمد فذكر محمد بن يحيى حديثاً فيه ضعف ، فقال له أحمد : لا تذكر مثل هذا ، فخجل فقال له أحمد : إنما قلتُ هذا إجلالاً لك يا أبا عبد الله )) .
وفي القصة فوائد عدة منها :
أولاً : أن الخطأ والزلل قد يقع من الإمام الكبير والعالم النحرير .
ثانياً : أنه ليس من شرط العالم ألا يخطئ ، فإن ذكر الذهلي للحديث الضعيف لم يستوجب عند أحمد القدح فيه أو الذم له أو التنقيص منه .
ثالثاً : المناصحة ببيان الخطأ وتوضيح الزلل .
رابعاً : مناصحة المخطئ وإن كان جليل القدر عظيم الخطر .
خامساً : من مقاصد المناصحة إرادة زين المنصوح والبعد به عما يدنسه من الخطأ وما يحط من قدره من الزلل .
سادساً : الرجوع إلى الحق وقبول النصح من خلق العلماء ومن شيم أهل الحق والإنصاف .
سابعاً : الحذر كل الحذر من الاحتجاج بالضعيف من الحديث .
ثامناً : الرفق في المراجعة وبيان الخطأ .
تاسعاً : لا يلزم أن يكون النصح سراً فإن الإمام أحمد نصح الذهلي على رؤوس الأشهاد ، والتحقيق أن الأمر يعود إلى المصلحة والمفسدة وحال المنصوح ومدى تقبله للنصح .
تطبيق واقعي :
فإذا اطلع مطلع أو وقف قارئ على شئ من الحديث الضعيف في كتب بعض العلماء كالشيخ ابن عثيمين أو الشيخ ابن باز أو الشيخ صالح الفوزان مثلاً ، فإن ذلك لا يقدح في العالم ولا يحط من قدره ولا يقلل من علمه فإن أصل منهج هؤلاء الاحتجاج بالصحيح ولكنهم ربما اجتهدوا فأخطأوا أو أحسنوا الظن فقلدوا أو أصابهم ما يصيب البشر من النسيان والذهول أو غير ذلك من الأعذار ، بخلاف من كان أصل منهجه الاحتجاج بكل ما هب ودب فهو لا يلتفت إلى صحيح أو ضعيف ولا يميز بين غث أو سمين ، ولذلك تكثر وتفحش في كتبه الروايات الضعيفة والأحاديث المنكرة والموضوعة .
الوقفة الثالثة : الخطأ والسهو لا يسلم منه الأئمة :
جاء في ترجمته في التهذيب ( 3 / 728 ـ 729 ) : (( قال أبو إسحاق المُزَكِّي : سمعتُ الدَّغُولي يقول : سمعتُ محمد بن يحيى يقول : لما رحلتُ بابني إلى العراق سألوني : أي حديث عند أحمد أغرب ؟ فسألته عن حديث يحيى بن سعيد عن عثمان بن غياث عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر حديث الإيمان ، وقد كنتُ سمعته قديماً وحدثت به عنه ، فقال : يا أبا عبد الله ليس هذا الحديث عندي ، قال : فخجلتُ وسكتُّ ، ثم قدمنا بغداد أيضاً ، يعني من البصرة ، فدخلنا على أحمد فقال : أخبرني أي حديث استغربت عن مسدد من حديث يحيى بن سعيد ؟ فقلت : حديث عثمان بن غياث في الإيمان ، فقال أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد عن عثمان بن غياث ، ثم أخرج كتابه فأملى علينا ، فسكتُّ ، فتعجب أصحابه من صبري عليه .
قال : فأُخبر أحمد أنه كان سأله عن الحديث قبل خروجه إلى البصرة . فكان أحمد إذا ذكره قال : محمد بن يحيى العاقل .
وهذه القصة عظيمة وفيها فوائد جليلة منها :
أولاً : وقوع الخطأ من الإمام العالم .
ثانياً : ليس من شرط العالم ألا يخطئ .
ثالثاً : الأدب مع الأئمة وتوقيرهم .
رابعاً : اتهام النفس عند مناطحة الجبال .
خامساً : زيارة العلماء بعضهم بعضاً .
سادساً : احتمال هفوات الأئمة ولو ترتب على ذلك شئ من الإضرار بالمحتمل .
الوقفة الرابعة : إجلال العلماء بعضهم بعضاً :
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 283 ) : (( وكان محمد بن يحيى من أئمة أهل الحديث ، كما قال أبو نعيم الأصبهاني : أنبأنا محمد بن عبد الله يعني الحاكم ، سمعتُ يحيى بن منصور القاضي يقول : سمعتُ خالي عبد الله بن علي ابن الجارود يقول : سمعتُ محمد بن سهل ابن عسكر يقول : كنا عند أحمد بن حنبل فدخل محمد بن يحيى ، فقام إليه أحمد وتعجب منه الناس ، ثم قال لبنيه وأصحابه : اذهبوا إلى أبي عبد الله فاكتبوا عنه )) .
وانظر تهذيب التهذيب ( 3 / 728 ) .
وهذه القصة فيها من الفوائد :
أولاً : زيارة العلماء بعضهم بعضاً .
ثانياً : إجلال العلماء بعضهم بعضاً .
ثالثاً : حث طلبة العلم على الأخذ من العالم المأمون .
رابعاً : تنبيه طلبة العلم إلى فضل العالم سواء بإظهار التبجيل له أو بحثـِّهم وأمرهم بالأخذ عنه .
الوقفة الخامسة : ضوابط تقديم خبر الثقة على نفي المجروح للجرح :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 263 ) : (( وقال الخلال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يحكي عن أبيه كلامه في داود الأصبهاني ، وكتاب محمد بن يحيى النيسابوري فقال : جاءني داود فقال : تدخل على أبي عبد الله وتعلمه قصتي وأنه لم يكن مني ، يعني ما حكوا عنه.
قال فدخلت على أبي فذكرت له ذلك ، قال : ولم أعلم أنه على الباب . فقال لي : كذب قد جاءني كتاب محمد بن يحيى ، هات الضبارة . قال الخلال : وذكر الكلام فلم أحفظه جيداً ، فأخبرني أبو يحيى عن زكريا أبو الفرج الرازي قال: جئتُ يوماً إلى أبي بكر المروزي وإذا عنده عبد الله بن أحمد ، فقال له أبو بكر : أحب أن تخبر أبا يحيى ما سمعت من أبيك في داود الأصبهاني . فقال عبد الله : لما قدم داود من خراسان جاءني فسلم علي فسلمتُ عليه فقال لي : قد علمت شدة محبتي لكم وللشيخ ، وقد بلغه عني كلام أحب أن تعذرني عنده ، وتقول له : إن هذا ليس مقالتي أو ليس كما قيل لك . فقلت : لا تريد ؟ فأبى ، فدخلت على أبي فأخبرته أن داود جاء فقال : إنه لا يقول بهذه المقالة وأنكر .
قال : جئني بتلك الإضبارة فأخرج منها كتاباً فقال : هذا كتاب محمد بن يحيى النيسابوري وفيه أنه ـ يعني داود الأصبهاني ـ أحل في بلدنا الحال والمحل ، وذكر في كتابه أنه قال : القرآن محدث ، فقلت له : إنه ينكر ذلك . فقال : محمد بن يحيى أصدق منه ، لا نقبل قول عدو الله . أو نحو ما قال أبو يحيى ، وأخبرني أبو بكر المروزي بنحو ذلك .
والقصة عظيمة وجليلة ومهمة فيها من الفوائد :
أولاً : أن أهل السنة يردون العلم إلى كبيرهم وإمامهم .
ثانياً : إعلام أهل السنة بعضهم بعضاً بالمخالفين للسنة الناكبين عن طريقها .
ثالثاً : أن علماء السنة في كل بلد هم حراس العقيدة وحماة الملة في بلدهم .
رابعاً : تواصل أهل السنة مع بعضهم وإحاطة بعضهم بعضاً بالمستجدات والأخبار .
خامساً : قبول العلماء لأخبار إخوانهم من العلماء الثقات ، والحكم بمقتضى تلك الأخبار والعمل على وفقها ، بضوابط معروفة لذلك ستأتي .
سادساً : أن علماء السنة لا تغرهم دعاوى المحبة وكلمات التملق وإنما يحكمون على الناس على وفق المناهج .
سابعاً : حكاية الجرح عند الحوجة إلى ذلك وعدم التورع من بيان أحكام العلماء على أهل البدعة والمخالفة .
ثامناً : الغضب للدين والغيرة على الشريعة المطهرة كما هو ظاهر من دعاء الإمام أحمد على داود الأصبهاني .
تاسعاً : اختلاف نظر العلماء في الجرح في الرجل الواحد ما بين جارحٍ وهاجرٍ ومشددٍ في أمره ومحذرٍ منه ومضلل له ومبدع ٍ ، وما بين مثن ٍ عليه مادح ٍ له معتذر ٍ عن خطئه أو منكر ٍ لوقوعه ، وكل ذلك لا يقدح في أحد الطرفين إن كان صادراً عن اجتهادٍ ونظر ، وقصتنا هذه أصدق مثال على ذلك إذا قارنت كلام الإمام أحمد والإمام أبي حاتم الرازي في داود الأصبهاني وبين النقول الآتية :
يقول الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ ( 2 / 572 ) : (( داود بن علي الحافظ الفقيه المجتهد أبو سليمان الأصبهاني البغدادي فقيه أهل الظاهر . . . قلتُ : منع الإمام أحمد أن يدخل عليه داود ، وبدعه لكونه قال القرآن محدث )) .
ويقول في سير أعلام النبلاء (13 / 97 ) : (( داود بن علي بن خلف الإمام البحر الحافظ العلامة عالم الوقت أبو سليمان البغدادي المعروف بالأصبهاني مولى أمير المؤمنين المهدي رئيس أهل الظاهر . . وأما داود فقال : القرآن محدث فقام على داود خلق من أئمة الحديث وأنكروا عليه قوله وبدعوه )) .
ويقول في الميزان ( 3 / 26 ) : (( داود بن علي الأصبهاني الظاهري الفقيه أبو سليمان ، قال أبو الفتح الأزدي : تركوه ، كذا قال . مولده سنة مائتين وسمع من سليمان بن حرب والقعنبي ومسدد وابن راهويه ، وصنف الكتب .
قال الخطيب في تاريخه : كان إماماً ورعاً زاهداً ناسكاً وفي كتبه حديث كثير لكن الرواية عنه عزيزة جداً . . )) .
تاسعاً : قبول موجبات الجرح من أقوال وأفعال إذا شهد بها الثقة الصادق وعدم الالتفات إلى إنكار المجروح .
وهذه المسألة لها ضوابط لابد من ذكرها فنقول :
إذا شهد الثقة سواء كان عالماً من علماء أهل السنة أو طالب علم أو عامي على رجل أنه قال أو فعل أمراً يستلزم جرحه وأنكر المجروح الخبر فلا يخرج الأمر عن ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون المجروح معروفاً عند المتلقي بالعدالة والسنة .
والثانية : أن يكون المجروح مجهولاً عند المتلقي غير معروفٍ عنده لا بعدالة ولا بجرح .
والثالثة : أن يكون معروفاً عند المتلقي بالجرح .
ففي الحالة الأولى : لابد من التثبت من الخبر والتدقيق في الرواية لمعرفة وجه الحقيقة في الأمر ولابد من مراعاة ما يلي :
1. التثبت من صدقة الرواية وصحة نسبة القول أو الفعل إلى من حُكي ذلك عنه .
2. التأكد من أن الذين نقلوا الخبر كان مستندهم المشاهدة أو السماع ولم ينقل إليهم الخبر عن المجروح بواسطة قوم ٍ آخرين وإن كانوا ثقات عندهم .
3. النظر في بساط الحال لمعرفة ملابسات وقوع الرواية لاحتمال أن يكون لها وجه من التخريج ، بحملها على معنى لا يوجب القدح والجرح .
4. النظر في العلاقة بين نقلة الخبر وبين المجروح للتأكد من عدم وجود أدنى درجة بين الطرفين من فساد ذات البين أو الغيرة أو التنافس العلمي .
5. النظر إلى بقية الثقات والعدول الذين يسكنون ذات البلد أو يجالسون المجروح هل وافقوا النقلة على صحة الخبر أم خالفوهم .
6. النظر في دفاع المجروح عن نفسه فإنه إما أن ينفي وقوع الخبر ويكذب النقلة ، وإما أن يقر بوقوع الخبر ولكن يوجهه إلى معنى معين وإما أن يعتذر عنه بسوء فهم أو خطأ اجتهاد أو سورة غضب ونحو ذلك .
والخلاصة : أنه في هذه الحالة لا يقبل الخبر ولا يرد إلا بعد تمحيص وتدقيق ، ولا يعمل بمقتضاه من الجرح إذا اعتذر المجروح عنه بعذر له وجاهة ونظر .
وفي الحالة الثانية والثالثة : لابد من قبول الخبر والأخذ بمقتضاه من الجرح إذ إنه لا شئ يقاومه ، ولا يلفت إلى إنكار المجروح لاسيما وإن روى الخبر عنه جمع من الثقات العدول .
وأكبر شاهد على هذا التقسيم أن نتأمل في قصتين :
الأولى : قصتنا هذه وهي قصة الإمام أحمد مع داود بن علي بن خلف الأصفهاني الظاهري فإن الإمام أحمد قبل فيه خبر الإمام محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري ولم يلتفت لإنكاره لأمور :
1. أنه لم يكن معروفاً عند الإمام أحمد بعدالة ، ويدل على ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى ( 6 / 264 ) : (( قال الخلال : وأخبرني الحسين بن عبد الله ـ يعني الخرقي والد أبي القاسم صاحب المختصر ـ قال سألت أبا بكر المروزي عن قصة داود الأصبهاني وما أنكر عليه أبو عبد الله فقال : كان داود خرج إلى خراسان إلى إسحاق بن راهوية فتكلم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد وشيخ من أصحاب الحديث من قطيعة الربيع ، شهدا عليه أنه قال : القرآن محدث ، فقال لي أبو عبد الله : من داود بن علي الأصبهاني لا فرج الله عنه ؟ فقلت : هذا من غلمان أبي ثور ، قال : جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن داود الأصبهاني قال ببلدنا : إن القرآن محدث . ثم إن داود قدم إلى هنا ، فذكر نحو قصة عبد الله )).
2. أن داود بن علي شهد عليه بهذا القول كل علماء خراسان وليس محمد ابن يحيى وحده . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 264 ) : (( قال الخلال : أخبرني محمد بن جعفر الراشدي لقيت ابن محمد بن يحيى بالبصرة عند بندار فسألته عن داود فأخبرني بمثل ما كتب به محمد بن يحيى إلى أحمد بن حنبل وقال : خرج من عندنا من خراسان بأسوأ حالة ، وكتب لي بخطه وقال : شهد عليه بهذا القول بخراسان علماء نيسابور )) .
3. أن داود بن علي قد اشتهر بعدائه لأهل الحديث وضم إلى مسألة القول في القرآن بدعاً أخرى ، جاء في ترجمته في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ( 3 / 389 ) : (( داود بن خلف الأصبهاني : كان ضالاً مبتدعاً مموهاً ممخرقاً ، قد رأيته وسمعت كلامه ، وحكيت لأبي وأبي زرعة فلم يرضيا مقالته ، وأما أبي رحمه الله ، فحمل إليه كتاب له يسميه كتاب البيوع ، وقصد أهل الحديث وذمهم وعابهم بكثرة طلبهم للحديث ، ورحلتهم في ذلك ، فأخرج أبي كتاباً في الرد عليه في نحو خمسين ورقة )) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( 6 / 283 ) : (( . . فهو أحد الوجهين للإنكار على داود الأصبهاني وغيره ممن قال : إنه محدث وأطلق القول بذلك ، وإن كان داود وأبو معاذ وغيرهما لم يريدوا بقولهم إنه محدث أنه بائن عن الله كما يريد الذين يقولون إنه مخلوق ، بل ذهب داود وغيره ممن قال إنه محدث وليس بمخلوق من أهل الإثبات ؛ أنه هو الذي تكلم به ، وأنه قائم بذاته ليس بمخلوق منفصل عنه ، ولعل هذا كان مستند داود في قوله لعبد الله : أحب أن تعذر بي عنده ، وتقول له ليس هذا مقالتي أو ليس كما قيل لك ، فإنه قد يكون قصد بذلك : أني لا أقول إنه محدث بالمعنى الذي فهموه وأفهموه ، وهو أنه مخلوق ، وليس هذا مذهبي ، ولم يقبل أحمد قوله لأن هذا القول منكر ، ولو فسره بهذا التفسير لما ذكرناه ، ولأنه أنكر مطلقاً فلم يقر باللفظ الذي قاله وقد قامت عليه البينة به ، فلم يقبل أحمد إنكاره بعد الشهادة عليه ، ولأنه أظهر مع هذه البدعة بدعة أخرى وهي إباحة التحليل وهو مذهبه )) .
والثانية : قصة محمد بن يحيى الذهلي مع البخاري والتي سنفرد لها فصلاً خاصاً فنقول :
الوقفة السادسة : جرح محمد بن يحيى للبخاري :
جاء في هدى الساري للحافظ ابن حجر ص ( 658 ـ 659 ) : (( قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه : قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومائتين فأقام بها مدة يحدث على الدوام ، قال : فسمعت محمد بن حامد البزار يقول : سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول : سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه ، قال : فذهب الناس إليه فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى . قال : فتكلم فيه بعد ذلك .
وقال حاتم بن أحمد بن محمود : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به ، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث ، وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله فإني استقبله ، فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور ، فدخل البلد فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن يحيى : لا تسألوه عن شئ من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف مت نحن عليه وقع بيننا وبينه وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ بخراسان ، قال : فازدحم الناس على محمد ابن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال : أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا ، قال فوقع بين الناس اختلاف فقال بعضهم : قال لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال بعضهم : لم يقل ، فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتى قام بعضهم إلى بعض ، قال : فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم .
وقال أبو أحمد بن عدي : ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور واجتمع الناس عنده حسده بعض شيوخ الوقت فقال لأصحاب الحديث : إن محمد بن إسماعيل يقول لفظي بالقرآن مخلوق ، فلما حضر المجلس قام إليه رجل فقال : يا أبا عبد الله ما تقول باللفظ في القرآن مخلوق هو أو غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثاً ، فألح عليه فقال : القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة ، والامتحان بدعة ، فشغب الرجل وقال : قد قال لفظي بالقرآن مخلوق .
وقال الحاكم : حدثنا أبو بكر بن أبي الهيثم حدثنا الفربري قال : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : إن أفعال العباد مخلوقة فقد حدثنا علي بن عبد الله حدثنا مروان بن معاوية حدثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يصنع كل صانع وصنعته )) ، قال البخاري : وسمعت عبيد الله بن سعيد ـ يعني أبا قدامة السرخسي ـ يقول : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة ، قال محمد بن إسماعيل : حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة ، فأما القرآن المبين المثبت في المصاحف الموعي في القلوب فهو كلام الله غير مخلوق . قال الله تعالى : ( بل هو آيات بـيـنات في صدور الذين أوتوا العلم ) قال : وقال إسحاق بن راهوية : أما الأوعية فمن يشك أنها مخلوقة ، وقال أبو حامد ابن الشرقي : سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلم ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه .
وقال الحاكم : ولما وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ انقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة ، قال الذهلي : ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا ، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤوس الناس فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمال . قلت : وقد أنصف مسلم فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا .
وقال الحاكم أبو عبد الله : سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول : سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري يقول : دخلت على البخاري فقلت : يا أبا عبد الله إن هذا رجل مقبول بخراسان خصوصاً في هذه المدينة ، وقد لجَّ في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى ؟ قال فقبض على لحيته ، ثم قال : ( وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) . اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً ولا طلباً للرياسة وإنما أبت علي نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير ، ثم قال لي : يا أحمد إني خارج غداً لتخلصوا من حديثه لأجلي .
وقال الحاكم أيضاً : عن الحافظ أبي عبد الله بن الأخرم قال : لما قام مسلم ابن الحجاج وأحمد بن سلمة من مجلس محمد بن يحيى بسبب البخاري ، قال الذهلي : لا يساكنني هذا الرجل في البلد فخشي البخاري فسافر .
وقال غنجار في تاريخ بخارى : حدثنا خلف بن محمد قال : سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف بنيسابور يقول : كنا يوماً عند أبي إسحاق القرشي ومعنا محمد بن نصر المروزي فجرى ذكر محمد ابن إسماعيل ، فقال محمد بن نصر : سمعته يقول : من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله . فقلت له : يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا فأكثروا فقال : ليس إلا ما أقول لك ، قال أبو عمرو : فأتيت البخاري فذاكرته بشئ من الحديث حتى طابت نفسه فقلت : يا أبا عبد الله هاهنا من يحكي عنك أنك تقول لفظي بالقرآن مخلوق فقال : يا أبا عمرو احفظ عني : من زعم من أهل نيسابور وسمى غيرها من البلدان بلاداً كثيرة أنني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله ، إلا أني قلت : أفعال العباد مخلوقة .
وقال الحاكم : سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول : سمعت محمد بن نعيم يقول : سألت محمد بن إسماعيل لما وقع في شأنه ما وقع عن الإيمان فقال : قول وعمل ويزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق وأفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ ، على هذا حييت وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله تعالى )) .
يقول أبو عبد الرحمن العباسي : وقصة الخلاف بين محمد بن إسماعيل البخاري وشيخه محمد بن يحيى الذهلي وموقف العلماء من ذلك الخلاف قصة مشهورة معروفة وفيها فوائد مهمة وعظيمة منها :
أولاً : بيان العلاقة الحميمة الجيدة التي كانت بين الشيخ وتلميذه أول الأمر والتي تصلح أن تكون مثالاً لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين أهل السنة علماء ومشايخ وطلبة علم ، ومن الصور المعبرة عن جمال هذه العلاقة ما يلي :
1. استقبال محمد بن يحيى للبخاري عند قدومه نيسابور خارج البلد على مرحلتين أو ثلاث مراحل .
2. حثه للعلماء وطلبة العلم وعامة الناس على الخروج لاستقبال البخاري عند دخوله نيسابور .
3. حث محمد بن يحيى الناس على الذهاب إلى البخاري وطلب العلم عنده وسماع الحديث في مجلس درسه .
ثانياً : مكانة العلماء عند العامة والولاة في ذلك الزمان فقد كانوا في منزلة لا تدانيها منزلة فهم القادة والموجهون ، الرأي رأيهم والقول قولهم ، إليهم المرجع والمنتهى والكل يصدرون عن رأيهم ، ويظهر ذلك جلياً في استقبال الناس للبخاري عند دخوله نيسابور ، وفي سطوة محمد بن يحيى لما أمر الناس بهجر البخاري والنفور من مجلسه .
ثالثاً : حكمة محمد بن يحيى لما أمر بعدم سؤال البخاري عن أصول العقائد فإنه نظر إلى أمرين :
1. خشي أن يخطئ البخاري في الجواب فيقع الخلاف بينه وبين علماء السنة في نيسابور .
2. خشي ما يترتب على هذه الوقيعة والخلاف من شماتة أهل البدع بأهل السنة والجماعة .
ولذلك فإن العالم الفاضل إن عرف بمخالفة في شئ معين فلا يصح أن يسأل عن هذا الشئ حتى لا يؤدي ذلك إلى الفتنة والهرج والمرج وتحول بعض الناس عليه وشماتة المخالفين من أهل البدع وفرحهم بمقالته .
رابعاً : حرص الناس على طلب العلم ومجالسة العلماء ومزاحمة الطلبة بالركب في حلق العلم ، ولعل هذا يبدو جلياً في ازدحام الناس في حلقة البخاري حتى امتلأت الدار والسطح .