المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أسرار القرآن



النيل العوض الحليو
11-01-2010, 02:30 AM
من أسرار القرآن
د‏.‏ زغلـول النجـار
‏262‏ـ بإنا كفينـــاك المســـتهزئين‏*‏‏*‏ الحجـر‏:95*‏

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم سورة‏(‏ الحجر‏),‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها تسع وتسعون‏(99)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي أصحاب الحجر وهم قوم نبي الله صالح ـ عليه السلام ـ وذلك في الآيات‏(80‏ ـ‏84)‏ من هذه السورة المباركة‏.‏
وقد سبق لنا استعراض سورة الحجر وماجاء فيها من ركائز العقيدة والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي وعد الله ـ تعالي ـ بالدفاع عن خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقوله العزيز‏:‏

(‏إنا كفيناك المستهزئين‏)(‏ الحجر‏:95)‏
من الإعجاز التاريخي والإنبائي في الآية الكريمة
أولا‏:‏ حماية الله ـ تعالي ـ لرسوله من المستهزئين من كفار العرب‏:‏
أخرج الحافظ البزار ـ رحمه الله ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ مر رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فغمزه بعضهم‏,‏ فجاء جبريل ـ أحسبه قال فغمزهم ـ فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا‏.‏ وفي توضيح ذلك قال محمد بن إسحاق‏:‏ كان هؤلاء المستهزئون خمسة نفر‏,‏ وكانوا ذوي مكانة في قومهم‏,‏ من بني أسد بن عبد العزي‏(‏ أبو زمعة الأسود بن المطلب‏),‏ ومن بني زهرة‏(‏ الأسود بن عبد يغوث‏),‏ ومن بني مخزوم‏(‏ الوليد بن المغيرة‏),‏ ومن بني سهم‏(‏ العاص بن وائل‏),‏ ومن خزاعة‏(‏ الحارث بن الطلاطلة‏)‏ فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ الاستهزاء أنزل الله ـ تعالي ـ قوله العزيز‏:‏ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين‏,‏ إنا كفيناك المستهزئين‏,‏ الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون‏(‏ الحجر‏:93‏ ـ‏95)‏
وهو تهديد شديد ووعيد أكيد من الله ـ تعالي ـ لكل متطاول علي مقام رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ من الملاحدة والكفار المشركين‏.‏
وقال ابن إسحاق إن جبريل أتي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وهؤلاء الخمسة المتطاولون علي رسول الله يطوفون بالبيت‏,‏ فقام وقام رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي جنبه‏,‏ فمر به الأسود بن المطلب فرمي في وجهه بورقة خضراء‏,‏ فعمي‏,‏ ومر به الأسود بن عبد يغوث‏,‏ فأشار إلي بطنه‏,‏ فاستسقي‏(‏ بطنه‏)‏ فمات منه حبنا‏(‏ أي نتيجة الانتفاخ البطن من الاستسقاء‏),‏ ومر به الوليد بن المغيرة‏,‏ فأشار إلي أثر جرح بأسفل كعب رجله‏,‏ كان قد أصابه قبل ذلك بسنين‏,‏ فانتقض به جرحه‏,(‏ أي تجدد بعد مابرئ‏)‏ فقتله‏,‏ ومر به العاص بن وائل‏,‏ فأشار إلي أخمص قدمه‏,(‏ أي مالم يصب الأرض من باطن قدمه‏),‏ ثم خرج علي حمار له يريد الطائف فربض به علي شبارقة‏(‏ أو شبرقة‏,‏ وهي شجرة عالية ذات أشواك‏)‏ فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته‏,‏ ومر به الحارث بن الطلاطلة‏,‏ فأشار إلي رأسه‏,‏ فامتخض قيحا‏,‏ فقتله‏,‏ وهكذا أهلك الله ـ تعالي ـ هؤلاء الخمسة الذين تطاولوا علي مقام سيد المرسلين‏.,‏ وجعل في انتقام الله ـ تعالي ـ منهم عبرة للمعتبرين‏.‏
ثانيا‏:‏ حماية الله ـ تعالي ـ لرسوله من جهل أبي جهل وأمثاله‏:‏
‏(1)‏ تروي لنا كتب السيرة أن أبا جهل تطاول علي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ قائلا‏:‏ واللات والعزي لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن علي عنقه‏,‏ ولأعفرن وجهه بالتراب‏..‏ فما ان اقترب قليلا من رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ليفعل به ماحلف عليه حتي رجع يهرول‏,‏ وهو يتقي وجهه بيديه‏,‏ فقال له الكفار‏:‏ مالك يا أبا الحكم؟ قال‏:‏ رأيت بيني وبينه خندقا من نار‏,‏ ورأيت أجنحة وهولا تكاد تتخطفني‏,‏ فبلغ ذلك رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وفي ذلك نزل قول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ ـ‏(‏ أرأيت الذي ينهي‏*‏ عبدا إذا صلي‏*‏ أرأيت إن كان علي الهدي‏*‏ أوأمر بالتقوي‏*‏ أرأيت إن كذب وتولي‏*‏ ألم يعلم بأن الله يري‏*‏ كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية‏*‏ ناصية كاذبة خاطئة‏*‏ فليدع ناديه‏*‏ سندع الزبانية‏*‏ كلا لا تطعه واسجد واقترب‏)(‏ العلق‏9‏ـ‏19)‏

(2)‏ وبالمثل يروي ابن إسحاق أن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ مر بكل من الوليد بن المغيرة‏,‏ وأمية بن خلف‏,‏ وأبي جهل بن هشام‏,‏ فهمزوه‏,‏ واستهزأوا به‏,‏ فأنزل الله ـ تعالي ـ قوله الحق‏:‏
ولقد استهزيء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ماكانوا به يستهزؤون‏)(‏ الأنبياء‏:41)‏

(3)‏ كذلك روي ابن إسحاق أن رجلا من أراش‏(‏ أو إراشه‏)‏ قدم إلي مكة بإبل له‏,‏ فابتاعها منه أبو جهل‏,‏ فمطله بأثمانها‏,‏ فأقبل الإراشي ووقف علي ناد من قريش‏,‏ ورسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في ناحية من المسجد جالس‏,‏ فقال الإراشي‏:‏ يامعشر قريش‏,‏ من رجل يؤديني‏(‏ أي يعينني علي أخذ حقي‏)‏ علي أبي الحكم بن هشام‏,‏ فإني رجل غريب‏,‏ ابن سبيل‏,‏ وقد غلبني علي حقي؟ فقال له أهل ذلك المجلس‏:‏ أتري ذلك الرجل الجالس‏,(‏ يعنون رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏)‏ اذهب إليه فإنه يؤديك عليه‏(‏ وقالوا ذلك استهزاء برسول الله لما يعلمون مما بينه وبين أبي جهل من العدواة‏)‏ فأقبل الأراشي حتي وقف إلي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقال له‏:‏ ياعبد الله إن أبا الحكم ابن هشام قد غلبني علي حق لي قبله‏,‏ وأنا رجل غريب‏,‏ ابن سبيل‏,‏ وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه‏,(‏ أي يأخذ لي حقي منه فأشاروا إليك‏,‏ فخذ لي حقي منه‏,‏ يرحمك الله‏,‏ قال ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ انطلق إليه‏,‏ وقام معه‏,‏ فلما رآه المشركون قام معه‏,‏ قالوا لرجل ممن معهم‏:‏ اتبعه‏,‏
فانظر ماذا يصنع‏!‏ وخرج رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتي جاء بيت أبي جهل فضرب عليه بابه‏,‏ فقال أبو جهل‏:‏ من هذا؟ قال ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ محمد‏,‏ فاخرج إلي‏,‏ فخرج إليه‏,‏ وما في وجهه من رائحة‏(‏ أي بقية من روح‏,‏ أي مرتعدا خائفا ما في وجهه قطرة من دم‏)‏ قد انتقع أو امتقع لونه‏,‏ أي تغير‏,‏ فقال له ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ أعط هذا الرجل حقه‏,‏ قال‏:‏ نعم‏,‏ لاتبرح حتي أعطيه الذي له‏,‏ قال الراوي‏:‏ فدخل ثم خرج إليه بحقه‏,‏ فدفعه إليه‏,‏ ثم انصرف رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏,‏ وقال للأراشي إلحق بشأنك‏,‏ فأقبل الأراشي علي ذلك المجلس‏,‏ فقال‏:‏ جزاه الله خيرا‏,‏ فقد والله أخذ لي حقي‏.‏
وعاد الرجل الذي بعثه المشركون ليراقب الموقف إليهم‏,‏ فقالوا له‏:‏ ويحك‏!‏ ماذا رأيت؟ قال‏:‏ عجبا من العجب‏,‏ والله ماهو إلا أن ضرب عليه محمد بابه‏,‏ فخرج إليه وما معه روحه‏(‏ من شدة الفزع‏)‏ فقال له‏:‏ أعط هذا حقه‏,‏ فقال‏:‏ نعم‏,‏ لاتبرح حتي أخرج له حقه‏,‏ فدخل ثم خرج إليه بحقه‏,‏ فأعطاه إياه‏,‏ ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء إلي منتدي قريش‏,‏ فقالوا له‏:‏ ويلك‏!‏ مالك ؟ والله مارأينا مثل ماصنعت قط‏!‏ قال‏:‏ ويحكم‏,‏ والله ماهو إلا أن ضرب علي بابي‏,‏ وسمعت صوته‏,‏ فملئت رعبا‏,‏ ثم خرجت إليه‏,‏ وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل‏,‏ مارأيت مثل هامته‏,‏ ولا قصرته‏(‏ أي عنقه‏),‏ ولاأنيابه لفحل قط‏,‏ والله لو أبيت لأكلني‏,‏ ولقد كان أبو جهل بن هشام ـ مع عداوته لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وبغضه إياه‏,‏ يذله الله ـ تعالي ـ له إذا رآه كما روي ابن إسحاق‏.‏
ثالثا ـ انتقام الله ـ تعالي ـ من أبي لهب وآل بيته وأمثاله انتصارا لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏

(1)‏ تروي كتب السيرة أنه لما نزل الوحي بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:(‏ والنجم إذا هوي‏*‏ ماضل صاحبكم وماغوي‏*‏ وماينطق عن الهوي‏*‏ إن هو إلا وحي يوحي‏*‏ علمه شديد القوي‏*‏ ذو مرة فاستوي‏*‏ وهو بالأفق الأعلي‏*‏ ثم دنا فتدلي‏*‏ فكان قاب قوسين أو أدني‏)(‏ النجم‏:1‏ ـ‏9).‏
جاء عتيبة بي أبي لهب إلي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في كفر ووقاحة وتبجح قائلا‏:‏ أنا أكفر بالنجم إذا هوي‏,‏ وبالذي دنا فتدلي‏.‏
ثم بالغ في وقاحته‏,‏ وقلة أدبه فشق قميص رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وحاول أن يتفل في وجهه الشريف فلم يصبه‏,‏ فدعا عليه النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قائلا‏:(‏ اللهم سلط عليه كلبا من كلابك‏)‏ فانصرف عتيبة ساخرا مستهزئا‏.‏
ومرت الأيام حتي خرج عتيبة مع نفر من قريش في تجارة إلي بلاد الشام‏,‏ وفي الطريق نزلوا في مكان يقال له الزرقاء‏(‏ وهو مدينة كبيرة في الأردن اليوم‏),‏ وبعد أن استراحوا وضعوا العشاء‏,‏ ولما جلسوا لتناوله طاف بهم أسد من الأسود‏,‏ وزأر عليهم فارتعدت فرائص عتيبة‏,‏ فقال له أصحابه‏:‏ من أي شي ترتعد؟ فو الله مانحن وأنت إلا سواء‏!‏ فقال لهم‏:‏ إن محمدا قد دعا علي‏,‏ وماترد له دعوة‏,‏ ولا أصدق منه لهجة‏!!‏ ومن شدة رعب عتيبة لم يدخل يده في الطعام‏.‏ وعندما جاء وقت النوم أحاط القوم انفسهم ومتاعهم‏,‏ وجعلوا عتيبة في وسطهم وناموا‏.‏ ثم جاء الاسد يشم رؤوسهم رجلا رجلا وهم يغطون في نوم عميق حتي انتهي الي عتيبة بن ابي لهب فهشمه هشمة كانت اياها‏,‏ وقام القوم فزعين من نومهم علي صراخ عتيبة‏,‏ فقال وهو بآخر رمق‏:‏ ألم أقل لكم إن محمدا اصدق الناس لهجة‏,‏ ياويلي وويل أخي هو والله آكلي كما دعا علي محمد‏,‏ قتلني وهو بمكة وأنا ببلاد الشام‏,‏ وقد استجيب دعاؤه‏...‏ ومات عتيبة‏.‏

(2)‏ كذلك تروي لنا كتب السيرة أن أبا لهب بن عبدالمطلب وامرأته أم جميل بنت حرب بن امية كانا من اشد الناس عداء لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فكانت أم جميل تحمل الشوك فتطرحه علي طريق رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حيث يمر فانزل الله تعالي فيهما قوله الحق‏:(‏ تبت يدا ابي لهب وتب‏*‏ ما أغني عنه ماله وما كسب‏*‏ سيصلي نارا ذات لهب‏*‏ وامرأته حمالة الحطب‏*‏ في جيدها حبل من مسد‏*)(‏ المسد‏:1‏ ـ‏5).‏
ويروي ابن إسحاق أن أم جميل حين سمعت مانزل فيها‏,‏ وفي زوجها من القرآن‏,‏ أتت رسول الله صلي الله علي وسلم وهو جالس في المسجد الحرام عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق‏,‏ وفي يدها فهر من حجارة‏(‏ والفهر هو حجر علي مقدار ملء الكف‏),‏ فلما وقفت عليهما اخذ الله ببصرها عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم تعد تري إلا أبا بكر‏,‏ فقالت‏:‏ ياأبا بكر‏:‏ اين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني‏,‏ والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه‏,‏ ثم انصرفت بعد ان تفوهت بشعر بذئ‏,‏ فقال ابو بكر‏:‏ يارسول الله أما تراها رأتك؟ فقال ما رأتني‏,‏ لقد أخذ الله ببصرها عني‏.‏

(3)‏ وكان أمية بن خلف إذا رأي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ همزه ولمزه فأنزل الله ـ تعالي ـ فيه‏:(‏ ويل لكل همزة لمزة‏*‏ الذي جمع مالا وعدده‏*‏ يحسب أن ماله أخلده‏*‏ كلا لينبذن في الحطمة‏*‏ وما ادراك ما الحطمة‏*‏ نار الله الموقدة‏*‏ التي تطلع علي الافئدة‏*‏ انها عليهم مؤصدة‏*‏ في عمد ممددة‏)‏

(‏الهمزة‏:1‏ ـ‏9).‏
‏(4)‏ وروي ابن هشام ان رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ كان اذا جلس مجلسا فدعا فيه الي الله ـ تعالي ـ وتلا فيه شيئا من القرآن الكريم خلفه في مجلسه اذا قام النضر بن الحارث فحدثهم عن ملوك فارس ثم يقول‏:‏ والله ما محمد باحسن حديثا مني‏,‏ وما حديثه الا اساطير الأولين‏,‏ اكتتبها كما اكتتبتها‏,‏ فانزل الله ـ تعالي ـ فيه‏:‏ وقالوا اساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا‏*‏ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والارض إنه كان غفورا رحيما

(‏الفرقان‏:6,5).‏
وانزل ربنا كذلك قوله العزيز‏:(‏ ويل يومئذ للمكذبين‏*‏ الذين يكذبون بيوم الدين‏*‏ وما يكذب به إلا كل معتد أثيم‏*‏ اذا تتلي عليه آياتنا قال أساطير الأولين‏*‏ كلا بل ران علي قلوبهم ماكانوا يكسبون‏*‏ كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏*‏ ثم إنهم لصالوا الجحيم‏*‏ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون‏).‏

(‏سورة المطففين‏:10‏ ـ‏17).‏
‏(5)‏ وروي ابن إسحاق أن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ جلس يوما في المسجد الحرام مع الوليد بن المغيرة‏,‏ فجاء النضر بن الحارث حتي جلس معهم‏,‏ وفي المجلس غير واحد من قريش‏,‏ فتكلم الرسول الخاتم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فعرض له النضر بن الحارث ورد عليه الرسول حتي افحمه‏,‏ ثم قرأ عليه وعليهم قول الحق ـ تبارك وتعالي‏:(‏ انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون‏*‏ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون‏*‏ لهم فيها زفير وهم فيها لايسمعون‏)(‏ الانبياء‏:98‏ ـ‏100).‏
وقال ابن اسحاق‏:‏ ثم قام رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وأقبل عبدالله بن الزعبري السهمي حيت جلس‏,‏ فقال له الوليد‏:‏ والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبدالمطلب انفا وما قعد‏,(‏ أي ما استطاع ان يقارع حجته او يرد عليه‏)‏ وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم‏,‏ فقال عبد الله بن الزعبري‏:‏ أما والله لو وجدته لخصمته‏,‏ فسلوا محمدا‏:‏ أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة‏,‏ فعجب الوليد‏,‏ ومن كان معه في المجلس من قولة ابن الزعبري‏,‏ ورأوا أنه قد احتج وخاصم‏,‏ فذكر ذلك لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده‏,‏ إنهم إنما يعبدون الشياطين‏,‏ ومن أمرتهم الشياطين بعبادته‏,‏ فأنزل الله ـ تعالي ـ في ذلك قوله العزيز‏:‏إن الذين سبقت لهم منا الحسني أولئك عنها مبعدون‏*‏ لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون‏(‏ الأنبياء‏:‏ من‏102,101).‏
وتأتي هذه الوقائع وأمثالها انطلاقا من هذا الوعد الإلهي المطلق الذي قطعه ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي ذاته العلية فقال لخاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ

(‏ إنا كفيناك المستهزئين‏.‏ الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون‏*‏ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون‏*‏ فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين‏*‏ واعبد ربك حتي يأتيك اليقين‏)(‏ الحجر‏:95‏ ـ‏99).‏
وهذا الوعد الإلهي قد تحقق في حياة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ كما أسلفنا في الأحداث التي اخترناها من بين المئات ـ كما تحقق في مئات من الحالات بعد وفاته وسوف يتحقق في الحاضر والمستقبل وفاء لوعد الله الذي لا يتخلف‏.‏ ووفاؤه في القديم هو من صور الإعجاز التاريخي‏,‏ ووفاؤه في الحاضر والمستقبل هو من صور الإعجاز الإنبائي في كتاب الله‏.‏ وعلي ذلك فليس من قبيل الحدس أو الأمل بل هو من قبيل اليقين القاطع أن يتنزل عقاب الله الرادع بكل من تطاول علي دين الله‏,‏ وكتابه ورسوله‏.‏
ويبقي التأكيد في سورة الحجر علي أن الذين يسيئون الي مقام رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في القديم والحديث هم المشركون‏,‏ يبقي ذلك ومضة من ومضات الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي يزيد عن الأربعة عشر قرنا‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتي يبقي القرآن الكريم حجة الله ـ تعالي ـ علي خلقه الي يوم الدين‏.‏
عن صحيفة الاهرام المصرية
19/5/