صلاح الشيخ إبراهيم
01-02-2010, 08:02 AM
محمد بن عبدالوهاب نقد من الداخل للعلامة عصام العماد 3
--------------------------------------------------------------------------------
الشيخ محمد بن عبد الله المسعري
1. صاحب الكتاب القيم "أصل الإسلام وحقيقة التوحيد" للشيخ الوهابي الكبير محمد بن عبد الله المسعري ... ولقد كان من كبار الوهابية، لكن الفتنة الكبرى التي خلقها توحيد الشيخ كانت حاضرة في عقله وقلبه، وبعد أن قرأ وجمع وتأمل في النصوص القرآنية والنبوية غادر توحيد الشيخ بلا عودة، وقال كلمته المشهورة بين العلماء المحققين من الوهابيين: "... أما بعد: فهذه رسالة مختصرة عن أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد، وأدلته من القرآن الكريم، وممَّا ثبت في السنة النبوية الشريفة سميناها: "أصل الإسلام وحقيقة التوحيد" وكان الدافع إلى كتابتها أموراً منها:
أولاً: مشكلة قديمة (في توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب) حول تعريف "العبادة" وعلاقتها بمفهوم "الإله"، ترتب عليها الحكم بغير وجه حق على الكثير من أهل القبلة بالشرك، ومفارقة الإسلام، والخروج من الملّة، وهو أمر كبير خطير، ومن الأصول والمهمات التي تحتاج إلى البرهان القاطع، والحجة اليقينية البالغة، ولا يجوز أن يكون من الإجتهاديات!.
ثانياً: إضطراب، وعدم إنضباط القسمة التقليدية للتوحيد إلى "توحيد الربوبية"، و"توحيد الألوهية"، و"توحيد الأسماء والصفات"، هذا الإضطراب له علاقة جوهرية بالمشكلة السابقة، فضلاً عن أنَّه تقسيم ضعيف غير مقنع، ولا منتج؛ لأنَّه:
الف: تقسيم غير منضبط لتداخل الأقسام.
ب: وغير جامع لخروج أركان مهمة للتوحيد منها كتوحيد "الحاكمية" وتوحيد "الحب والموالاة" ولا يمكن إدخالها إلا بتكلف، وبطريقة مصطنعة.
جـ: وغير مانع لدخول ما ليس من أصول التوحيد فيها، كأكثر مباحث "الصفات" التي هي فرع، وليست أصلاً.
د: عرفي اصطلاحي مجرد، وليس بـ"شرعي"، لعدم استقرائه لما جاءت به نصوص الكتاب والسنة من معاني "الإله" و"العبادة" و"الرب"... وغيرها.
هـ: وغير مطابق لواقع الشرك والعبادة عند البشرية عامة، وعند العرب خاصة عند نزول القرآن. فهو بني على قسمة متخيلة، لا على إستقراء لواقع معقَّد من المعتقدات المتداخلة، التي تحتاج إلى سبر وتقسيم بعد إستقراء واسع، مع أنَّ الكتاب العزيز قد أشار إليها، وناقش أكثرها!!.
ثالثاً: إشكالات عدة (في توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب) ظهرت في هذا الزمان... حول حقيقة التوحيد، وأقسامه، وشموله لقضايا "الحاكمية" و"الموالاة والمعاداة"، هذه الإشكالات ترتبت على نقاط الضعف والقصور في القسمة التقليدية (الموجودة عند الشيخ محمد عبدالوهاب) المذكورة أعلاه، وساهم فقهاء السلاطين... في تضخيم الإشكالية، وتضليل العامة، بل والخاصة، خدمة لأسيادهم من أئمة الكفر والجور، وتولوا أعداء الله، وعادوا أولياء الله،... فهم يتمسحون بـ"توحيد" (يعني التوحيد الذي رسمه الشيخ محمد عبدالوهاب) مشوه مبتور، يدور حول "الموتى"، والقباب، والأشجار، والأحجار، والرمال، والقبور!!.
فحالهم كما بينه ابن القيم في مدارج السالكين:
" إذا جاء الحق معارضاً في طريق رئاستهم طحنوه، وداسوه بأرجلهم، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه حسب الإمكان، فإن لم يجدوا بدلاً أعطوه السكة والخطبة، وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء (الحق) ناصراً لهم، وكان لهم، صالوا به وجالوا، وأتوا إليه مذعنين، لا لأنَّه الحق بل لموافقته غرضهم وأهواءهم."
فيا له من توصيف رائع لحالهم الخبيث، فاستمع إلى تصريحات مشايخهم، وتأمَّل في مسمَّيات الأحزاب والجماعات المدافعة عنهم، "جمعية أهل السنة والحديث" "أنصار السنة المحمدية" "جنود الصحابة"، وعليك بكتبهم التي يوزِّعونها مجاناً "القطبية هي الفتنة فأحذروها" و "طاعة الرحمن في طاعة السلطان" "الحاكمية وفتنة التكفير".
ونحن نقول: إنَّ ظاهرة ترك توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب لم تنحصر في السعودية وحدها، بل هي ظاهرة عمّت كل العالم، وأنا أعرف هنالك الكثير من الذين عرفتهم والذين لم أعرفهم _ وهم كثير _ منذ زمن الشيخ محمد عبدالوهاب إلى هذا الزمان... وفي هذا يقول الشيخ محمد عبدالوهاب وهو يشتكي من الذين كانوا معه، ثم تركوه حينما تبين لهم شطحاته في فهم التوحيد، ويذكر منهم الإمام الشيخ محمد بن عبدالله بن فيروز الحنبلي ، وكان من أبرز العلماء الذين عاصروا الشيخ محمد عبدالوهاب وتأثروا بدعوته، فكتب الشيخ محمد عبدالوهاب رسالة لأحمد بن إبراهيم _ من علماء منطقة مرات _ يمدح العلامة ابن فيروز ويقول:
"ولكن تعرف ابن فيروز أنَّه أقربهم إلى الإسلام، وهو رجلٌ من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ ابن تيمية وابن القيم خاصة..."
... ومن المعلوم أن الشيخ الإمام ابن فيروز كان من الذين يقتدون بمؤلفات ابن تيمية وابن القيم، ويحسنون فهمها وعرضها، وكان سلفياً حنبلياً... ويكفي أنَّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب مدحه بأنَّه من الذين ينهجون منهج ابن تيمية وابن القيم، وأنَّه كان على مذهبه فوصفه بأنَّه كان حنبلياً... لكن الإمام الشيخ ابن فيروز الحنبلي بعد أن تأمَّل في كتب الشيخ عبدالوهاب حول التوحيد وجد عند الشيخ مخالفات صريحه للتوحيد الذي رسمه القرآن الكريم ورسمته السنة الصحيحة، و حين أدرك الثغرات الموجودة في توحيد الشيخ كتب ونصح للشيخ ببصيرة الطبيب الحكيم الذي يقدم العلاج... وقد يكون العلاج جراحة عضوية إن إحتاج الأمر إلى ذلك... وكان _ _ من أوائل الذين فصلوا بين توحيد القرآن الكريم وبين توحيد الشيخ عبدالوهاب... كما أنَّه من أوائل من تنبه إلى الأخطار والأمراض الموجودة في كتابات الشيخ عبدالوهاب عن التوحيد... لكن الشيخ محمد عبدالوهاب رفض نصيحة الإمام ابن فيروز لأنَّه كان غارقاً في عبادة نفسه، أو لأنَّه لم يكن يدرك الأبعاد الخطيرة في فهمه للتوحيد... ولو كان الشيخ أصغى إليه وخرج من عبادة ذاته لقادته الفطرة إلى التوحيد الذي أراده الله ورسوله (ص)... لكن الجدل مع خصومه جعل حقيقة التوحيد القرآني تتعقَّد عنده، كما جعل صوت الفطرة تضعف لديه... فتصور نفسه هو وحده القادر على فهم آيات التوحيد في القرآن والسنة، وزجَّ نفسه في متاهات ومنزلقات، وأقام نفسه حكماً على ما يعلم وما لايعلم، وكانت النتيجة أنَّه أخرج الإمام ابن فيروز الحنبلي السلفي عن الإسلام، بعد أن أشاد به وعظَّمه، وقال في أحد رسائله بأنَّه:
"كافر كفراً كبيراً مخرجاً من الملة."
... والتكفير ثم القتل هو مصير كل علماء الإسلام الذين عاصروا الشيخ ونصحوه، مع إنَّهم من أهل بلدته ومن المشاركين له في المذهب، وفي الحقيقة إنَّها كانت مفاجأة لكثير من الوهابيين المتأخرين والمعاصرين حين أدركوا بأنَّ كبار علماء السلفية والحنبلية في زمنه نصحوه وخالفوه، وفي هذا يقول الوهابي المعاصر الكاتب المعروف عبدالله العثيمين حين رأى جمهور علماء نجد ردّوا عليه:
"واضح من رسائل الشيخ (محمد عبدالوهاب) أنَّ دعوته لقيت معارضة شديدة من قبل علماء نجد، فالمتتبع لها يلاحظ إنَّ أكثر من عشرين عالماً أو طالب علم وقفوا ضدها في وقت من الأوقات، وفي مقدمة هؤلاء المعارضين عبدالله المويس ، وسليمان بن سحيم من الرياض."
والآن نعود إلى موضوعنا ونواصل ذكر بعض الذين تركوا الوهابية.
الشيخ سلمان العودة
2. ومنهم العالم الكبير الشيخ الوهابي _ سابقاً _ سلمان العودة الذي كان من كبار علماء الوهابية الذين مدحهم الشيخ ابن باز، وتربى عليهم الجيل المعاصر في المملكة العربية السعودية، لكنَّه بعد أن أدرك الفرق بين التوحيد في القرآن الكريم وبين توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب، وأدرك كيف تسلل أعداء الإسلام من خلال فتنة التوحيد الذي إخترعه الشيخ محمد عبدالوهاب... كتب في العقيدة كتابات بيّن فيها مشكلات دعوة الشيخ عبدالوهاب، وبيّن الأمراض التي أصيب بها المجتمع السعودي بسبب كتابات الشيخ محمد عبدالوهاب عن التوحيد... ومن خلال خطبه ومحاضراته التي لقيت قبولاً بين الشباب السعودي ترك الكثير منهم توحيد الشيخ عبدالوهاب... وهو يصرّح بشجاعة في كتابه القيّم "أخلاق الداعية" بأنَّ الشرك الذي طرحه عبدالوهاب هو "شرك القبور"!! ولا علاقة له بـ"شرك القصور"!!
وهكذا وصف الشيخ سلمان العودة دعوة التوحيد للشيخ عبدالوهاب بأنَّها تقليدية وبعيدة عن الواقع .
وكانت هذه وقفة شجاعة من الشيخ سلمان في الدفاع عن التوحيد الذي أراده الله تعالى في كتابه أمام الذين إفتروا على الله، حين خلطوا بين توحيد القرآن الكريم وبين توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب.
ومن المؤسف أنَّ الإشكالات الكبيرة التي طرحها الشيخ سلمان العودة واجهت هجمة شرسة ضده من قبل شرذمة من الوهابيين الذين ما زالوا مصرّين على التمسك بتوحيد الشيخ محمد عبدالوهاب، ومن هنا نجد مجموعة من الكتب تهاجم الشيخ سلمان منها:
1_ تناقضات رموز الصحوة للشيخ الوهابي التقليدي عبد العزيز بن ريس الريس.
2_ كشف الشبهات العنصرية عن الدعوة الإسلامية السلفية للشيخ الوهابي التقليدي عبد العزيز بن ريس الريس.
3_ وإنكشف القناع (حقيقة بعض الدعاة الذين كانوا يتوارون وراء أقنعة) للشيخ الوهابي التقليدي عبد العزيز بن ريس الريس.
4_ أهل الحديث هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية للوهابي التقليدي الشيخ ربيع المدخلي هاجم وإنتقد فيه سلمان العودة.
5_ كتاب دع التمسح بأئمة السنة يا سلمان العودة.
6_ كتاب إتحاف البشر في كلام العلماء في سلمان العودة وسفر الحوالي.
دور الشهيد سيد قطب في إستنقاذي من توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب
في الحقيقة حدثت لي قصة قريبة من القصة التي حدثت للشيخ سلمان العودة، ودار بيني وبين إخواني من الوهابيين حوار طويل حول المشكلات الموجودة في توحيد الشيخ... وكل المشكلات تصدر عن سببٍ واحدٍ، هو ذهول الشيخ عن القرآن الكريم وعجزه عن التدبّر والإحاطة بكل آيات التوحيد ومعرفة دلالاتها.
ولا شك إنَّه كان لبعض علماء أهل السنة الذين التفتوا إلى مزالق توحيد الشيخ دور كبير في إستنقاذي من توحيد الشيخ، ويبقى الدور الأكبر هو للشهيد سيد قطب _ رضوان الله عليه _ فهو عرَّفني ما في عقيدة الشيخ من إنحراف... وكان حريصاً على تصحيح عقيدة التوحيد عند الشيخ عبدالوهاب، وكشف ما في عقيدته من زيف وضلال... ومن هنا كان كبار مشايخ الوهابية في السعودية يمقتون كتب سيد قطب لإنحرافها عن توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب.
وفي الحقيقة إنَّني عندما قرأت كتاب في ظلال القرآن للسيد قطب _ بعد قرآءة كتاب الشيخ سليمان بن عبدالوهاب _ أعجبت به إعجاباً شديداً، وإضطربت عقيدتي في توحيد الشيخ إضطراباً شديداً، هزَّ ثقتي بطريقة الشيخ في دراسة التوحيد... وكانت طريقة الشهيد سيد قطب في عرض التوحيد تنفذ في خفةٍ إلى قلبي فتفعل به الأفاعيل... وأتذكر حينما كنت في السعودية رآني بعض زملائي وأنا أقرأ كتاب "في ظلال القرآن" للسيد قطب... فقال لي أحدهم برفق؟
ألم تصدر فتوى من الشيخ ابن باز ومن كل مشايخ المملكة في تضليل سيد قطب؟
قلت: أقرأت أنت كتب سيد قطب؟
قال: إنَّني لا أقرأ كتب الضلال.
وطال الحوار لكن دون جدوى، لأنَّ القرار قد صدر بإحراق كتب سيد قطب، لأنَّها تخالف التوحيد الذي رسمه الشيخ محمد عبدالوهاب.
ولي شاهد من كتاب الوهابية في أثر سيد قطب في صرف الناس عن كتب الشيخ عبدالوهاب... قال الشيخ العالم الوهابي التقليدي عثمان عبد السلام نوح في كتابه "الطريق إلى الجماعة الأم" وهو يتحدث عن دور سيد قطب في صرف الناس وإبعادهم عن توحيد الشيخ عبدالوهاب... ثم ينقل عبارة عن سيد قطب يرى أنَّها قادت الكثير من الوهابيين إلى التمسخر من التوحيد الذي رسمه عبدالوهاب... ويقول:
"...قال سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن" (4/2114_2116): "إنَّ عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم () ربّه أن يجنبه هو وبنيه إيَّاها، لاتتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم، أو التي كانت تزاولها الوثنيات في صور شتى، مجسمة في أحجار، أو أشجار، أو حيوان، أو طير، أو نجم، أو نار، أو روح، أو أشباح... إنَّ هذه الصور الساذجة كلها لاتستغرق كل صور الشرك بالله، ولاتستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله. والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصورة الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها، ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة!
ولابدَّ من التعمّق في إدراك طبيعة الشرك، وعلاقة الأصنام بها، كما أنَّه لابدَّ من التعمّق في معنى الأصنام، وتمثل صورها المتجددة مع الجاهليات المستحدثة!
إنَّ الشرك بالله _ المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله _ يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لاتكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده. ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته، بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله، حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته... وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة...
والأمثلة الحاضرة في حياة البشر تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته... إنَّ العبد الذي يتوجه لله بالإعتقاد في ألوهيته وحده، ثم يدين لله في الوضوء، والطهارة، والصلاة، والصوم، والحج، وسائر الشعائر؛ بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الإقتصادية والسياسية والإجتماعية لشرائع من عند غير الله. ويدين في قيمه وموازينه الإجتماعية لتصورات وإصطلاحات من صنع غير الله، ويدين في أخلاقه، وتقاليده، وعاداته، وأزيائه، لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء _ مخالفة لشرع الله وأمره _ إنَّ هذا العبد يزاول الشرك في أخصّ حقيقته، ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله في أخصّ حقيقتها... وهذا مايغفل عنه الناس اليوم، فيزاولونه في ترخّص وتميع، وهم لا يحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان! والأصنام... ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة... فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتخفى وراءها لتعبيد الناس بإسمها، وضمان دينونتهم له من خلالها... إنَّ الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر... إنَّما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها، يتمتم حولها بالتعاويذ والرقى... ثم ينطق بإسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها!
فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق بإسمها الحكّام والكهاّن، ويقررون بإسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال... فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها!
إذا رفعت "القومية" شعاراً، أو رفع "الوطن" شعاراً، أو رفع "الشعب" شعاراً، أو رفعت "الطبقة" شعاراً... ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله، وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض... بحيث كلَّما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه، ونفذت إرادة تلك الشعارات _ أو بالتعبير الصحيح الدقيق: إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات _ كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله... فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجرٍ أو خشبةٍ؛ ولقد يكون الصنم مذهباً أو شعاراً!
إنَّ الإسلام لم يجئ لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية!، ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة من موكب الرسل الموصول، ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام، لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب!
إنَّما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطرق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن، وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة... ولابد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة، وتقرير ما إذا كانت توحيداً أم شركاً؟ دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام!
... إنَّ الشرك بالله لايتمثل فحسب في الإعتقاد بألوهية غيره معه، بقدر ماتتمثل في إقامة شعارات لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ ومقتضيات!"
هذه العبارات إقتطفتها من كتاب الوهابي المذكور... ولكن لأنَّه قطّع وحذف بعض كلمات سيد قطب فرجعت إلى نفس "في ظلال القرآن" ونقلت العبارة منه... ولابدَّ من طرح هذه العبارة على إخواننا الوهابيين لأنَّ لها دوراً كبيراً في معالجة العقل الوهابي من توحيد الشيخ عبدالوهاب. من أجل ذلك نجد أنَّ الوهابي التقليدي الشيخ عثمان عبد السلام نوح في كتابه "الطريق إلى الجماعة الأم" يذكر آثار تفسير سيد قطب "في ظلال القرآن" على كثير من قادة أهل السنة وقادة الوهابية في العالم، و ينقل عن العالم السني الشيخ حسن الترابي أنَّه قال في شأن أتباع توحيد الشيخ عبدالوهاب:
"إنَّهم يهتمون بشرك القبور ولايهتمون بالشرك السياسي فلنترك هؤلاء يطوفون حول قبورهم حتى نصل إلى قبة البرلمان."
وهكذا نقل عن العالم السني الشيخ عبد الله عزام أنَّه قال في شأن الشرك الذي رسمه الشيخ محمد عبدالوهاب في خطاب وجهه إلى هيئة كبار علماء السعودية حينما إلتقى بهم في الحج، حيث قال لهم:
"إنَّ موضوع محاربة الشرك الذي نادى به العلماء السابقون أمثال محمد بن عبدالوهاب في عبادة الأوثان والتمسح بالقبور قد إنتهى، وحلَّ محله شرك من نوع آخر، وذلك هو شرك الحكم بشريعة البشر وترك شريعة الله."
غفلة الشيخ محمد عبدالوهاب عن علم أصول الفقه هي وراء إخفاقه في معرفة التوحيد
ومن يتأمَّل في كتابات بعض الوهابيين سوف يعرف أنَّها تعتبر ثورة خطيرة ضد توحيد الشيخ... وأتذكر أنَّه حينما كنت أدرس في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض كيف أصبح هنالك مجموعة كبيرة من مشايخ الوهابية يدركون إخفاق الشيخ محمد عبدالوهاب في رسم التوحيد كما إراده الله ورسوله... ويرون أنَّ هنالك سبباً هاماً في إخفاقه، فالشيخ لم يستخدم المنهج العلمي المتمثل بعلم أصول الفقه حين بحث عن التوحيد في القرآن الكريم والسنة النبوية، من أجل أن يعرف العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والظاهر، والمؤول، والمحكم والمتشابه من نصوص التوحيد في القرآن والسنة... ويرون أنَّ هذا ناتج من عدم تعمّق الشيخ في دراسة علم أصول الفقه؛ ولو درسه دراسة كاملة لما وقع في تلك الأخطاء الشنيعة والقبيحة التي شوّهت صورة التوحيد الذي أراده الله ورسوله... وفي هذا الشأن يقول الإمام الشيخ العالم السلفي سعيد حوى في كتابه القيّم "جولات في الفقهين الكبير والأكبر":
"ولو درس علم أصول الفقه لتجنّب كثيراً من الأغلاط الشائعة أو الأوهام القاتلة، ولعرف كيف يضع النصوص موضعها وبدون ذلك فإنَّه يبقى معرضاً للأغلاط. إنَّه حتى المحدثون (أهل الحديث) يعتمدون في كثير من تحقيقاتهم ما وصل إليه الأصوليون (علماء أصول الفقه) من تحقيق... فالعلوم الإسلامية كل منها يخدم الآخر."
... إننا بحاجة أن ننقل كلام سيد قطب وكلام سعيد حوى في توحيد محمد عبدالوهاب من أجل أن نعيد الثقة في العقل الوهابي بكتب غير الشيخ عبدالوهاب عن التوحيد... ولاغرابة أن نجد أنَّ الكثير من الوهابيين التقليديين _ غير الإصلاحيين _ يعلنون بأنَّ سيد قطب وسعيد حوى قد إنحرفا عن توحيد الشيخ... لأنَّهما أرادا أن نقرأ التوحيد كما جاء في القرآن الكريم... لذلك كله كانت الحملة الشديدة من قبل الوهابيين التقليديين على سيد قطب وسعيد حوى على السواء. وأي دارس لكتب الوهابيين المقلدين للشيخ عبدالوهاب في التوحيد يلمح لديهم عقدة من سيد قطب ومن سعيد حوى.!
وحينما كنت وهابياً كنت أقرأ للشيخ الوهابي التقليدي مقبل بن هادي الوادعي في كتابه "فضائح ونصائح" كلمات كانت تجعلني أعتقد بأنَّ سيد قطب مات مشركاً، فهو يقول عن سيد قطب:
"أنَّ من أئمة أهل البدع"
ويقول:
"إمام من أئمة أهل البدع والضلال"
وهكذا يقول الشيخ الوهابي التقليدي ربيع بن هادي المدخلي عن سيد قطب بأنه:
"ضالّ كبير" ،
ويقول الوهابي التقليدي الشيخ عبيد عبدالله الجابري _ بعد أن بيَّن بأنَّ توحيد سيد قطب كان سبباً لخروج كثير من وهابية العصر عن توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب _ قال _ في محاضرته في شريط (الضوابط) _ الوجه الأول _ عن تفسير سيد قطب "في ظلال القرآن"...:
"هو ليس في ظلال القرآن بل هو في ظلال الشيطان".
والآن نعود إلى موضوعنا الأصلي وهو معرفة بعض الوهابيين الذين تركوا منهج دراسة الشيخ محمد عبدالوهاب لنصوص التوحيد في القرآن والسنة، بعد أن وصفوه بالتوحيد التقليدي تارة، وبالتوحيد البدوي تارة أخرى، وبالتوحيد الساذج مرة ثالثة.
الشيخ سعيد بن مسفر
3. ومنهم العالم الكبير الشيخ الوهابي _ سابقاً _ سعيد بن مسفر، وهو من كبار الوهابيين الذين كانوا من أنصار توحيد الشيخ عبدالوهاب، ثم كتب أسباب تركه لتوحيد الشيخ... وهو _ الآن _ ممَّن يكتبون عن "التوحيد في القرآن الكريم" ليدفعوا عن التوحيد المشكلات التي إنبثقت من فهم عبدالوهاب لنصوص التوحيد في القرآن... وتناول في كتبه نقد أولئك الذين يخلطون بين منهج هذا الدين في طرح التوحيد وبين منهج الشيخ في طرحه... وهما منهجان لاعلاقة بينهما، ولامجال للإلتباس فيهما...
والمشكلة الكبرى هي في الوهابيين المقلدين للشيخ محمد عبدالوهاب كالشيخ إبن باز والشيخ العثيمين، ممَّن يكتبون عن "التوحيد في الإسلام" وهم يعنون به التوحيد عند الشيخ عبدالوهاب، ويحاولون أن يحصروا التوحيد في الإسلام في كتاب "التوحيد" أو كتاب "كشف الشبهات"... وغيرهما من كتب الشيخ محمد عبدالوهاب... والتوحيد في الإسلام أمر آخر لاعلاقة له بكثير من المسائل التي طرحها الشيخ محمد عبدالوهاب وألصقها بالتوحيد... إنَّ معرفة التوحيد في الإسلام ينبغي تلمسها من القرآن ذاته، وفي هذه الكتابات التي كتبت من العائدين من الوهابية، نجد الثورة الشاملة على توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب في كل صوره وأنواعه، والتمرّد الكامل على كل كتابات الشيخ عبدالوهاب... وقد كتب الشيخ الوهابي _ سابقاً _ سعيد بن مسفر كتابه القيّم "الدعوة إلى الله تجارب وذكريات" بيَّن فيه رحلته من توحيد عبدالوهاب إلى توحيد القرآن... وقال وهو يبحث عن الجماعة الوهابية التي أطلقت على نفسها "الجماعة السلفية" في مصر:
"... أما ما يمكن قبوله من المؤاخذات على هذه الجماعة (الوهابية) فما يلي: (... لا ينبغي الوقوف عند حدّ الحديث عن الصفات، وشرك الأموات والأضرحة، بل لابدَّ من ذلك مع الإهتمام بشرك الأحياء المتمثل في شرك الطواغيت الذين يرفضون شريعة الله، ويصرّون على اقصائها عن الحياة، وتحكيم القوانين الوضعية...) ،
وقال _ ايضاً _ ينتقد الوهابية لسبب:
"حصر الإهتمام في محاربة البدع القديمة التي لم تعد تتجاوز المباحث النظرية في العقيدة، في حين لاتصرف مثل هذا القدر من الإهتمام في البدع المعاصرة كقضايا التغريب والعلمانية... ."
الأسباب الرئيسية التي جعلت علماء أهل السنة والسلفية يتركون توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب
وها نحن أولاء رأينا ونرى أنَّ كبار الوهابية على مدار التاريخ أمس واليوم من الذين آمنوا بتوحيد الشيخ محمد عبدالوهاب، ولكنَّهم _ الآن _ نصبوا لتوحيد الشيخ العداء... وحين نتأمَّل في أسباب ترك الوهابية سنجد أسباباً كثيرة ولكنَّنا نريد _ هنا _ أن نشير إلى أسباب ثلاثة:
مشكلة التقليد المطلق للشيخ محمد عبدالوهاب
السبب الأول:
أذكر حادثاً وقع لي يبيِّن حقيقة هذا السبب الأول، وذلك حينما كنّا في السعودية للدرس والتدريس... كنَّا مجموعة من المقلدين للشيخ محمد عبدالوهاب في مسجد من مساجد الرياض، وبعد الصلاة بدأنا نتحدث عن القبوريين وما قاله الشيخ عنهم... وبعد أن خرجنا من المسجد خطر لنا أمر وهو أنَّنا منذ فترة نتحدث في مناطق الرياض عن القبور والقبوريين مع أنَّه لايوجد في الرياض أحد من القبوريين، ولايوجد أحد من مشركي القبور الذين وصفهم الشيخ فعرفنا _ فيما بعد _ إنَّنا نردِّد كلمات الشيخ في القبور والقبوريين في حين أنَّه لم يكن هنالك داعي للحديث عن ذلك لا سيما ونحن نعيش في عاصمة الشيخ محمد عبدالوهاب، وقد تمَّ هدم كل القبور فيها... ووقعت هذه الحادثة لنا ووقعت أمثالها ممَّا ذكره لي غير واحد... وقد أشار إلى ذلك العالم الوهابي الكبير الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في إحدى محاضراته فقال:
"...لما تروح إلى السعودية الآن لاتجد قبراً ... ومع ذلك تجد أنَّه هناك طائفة من العلماء لايحسنون من أمور العقيدة إلَّا ما تكلم به الشيخ محمد عبدالوهاب... مع العلم أنَّ البيئة والقرى التي يتكلمون فيها بهذا الكلام لاتجد فيها إنساناً يقول مثل هذا... إذن هذه السلفية التقليدية لا تساوي شيئاً."
ومن هنا نجد أنَّ كبار قادة الفكر الوهابي يصرِّحون برفض الطريقة التي سلكها الشيخ محمد عبدالوهاب في التعامل مع آيات التوحيد في القرآن الكريم، ويعبِّرون عن أتباع طريقة الشيخ بـ"السلفية التقليدية"، كما عبَّر عنها العالم الوهابي المعاصر الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وغيره...
مشكلة الخلط بين توحيد السلف الصالح وبين توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب
السبب الثاني:
... يعود إلى أنَّ الذين إتبعوا توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب كانوا يحسبون أنَّ الشيخ قد نهج منهج السلف الصالح في معرفة التوحيد، وحين أدركوا الفرق بين منهج الشيخ وبين منهج السلف في معرفة التوحيد سارعوا إلى ترك الوهابية والإلتحاق بالسلفية... والمشكلة الكبرى التي ينبغي طرحها للعقل الوهابي من أجل إستنقاذه من الوهابية... هي إنَّنا لابدَّ أن نعالجه من الخلط والخبط بين السلفية والوهابية، وقد أشار إلى هذه المشكلة الخطيرة العالم السني الكبير الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه القيم _ السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي حيث يقول:
"في الوقت الذي كانوا _ أي الوهابيين _ يتبرّمون بكلمة الوهابية التي توحي بأنَّ ينبوع هذا المذهب _ بكل ما يتضمنه من مزايا وخصائص _ يقف عند الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فدَعاهم ذلك إلى أن يستبدلوا بكلمة الوهابية هذه، كلمة (السلفية)، وراحوا يروِّجون هذا اللقب الجديد عنواناً على مذهبهم القديم المعروف، ليوحوا إلى الناس بأنَّ أفكار هذا المذهب "الوهابي" لاتقف عند محمد عبدالوهاب، بل ترقى إلى السلف، وأنَّهم في تبنّيهم لهذا المذهب، أمناء على عقيدة السلف وأفكارهم ومنهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه... يرى أصحابه أنَّهم دون غيرهم من المسلمين على حق، وأنَّهم دون غيرهم الأمناء على عقيدة السلف، والمعبرون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه."
--------------------------------------------------------------------------------
الشيخ محمد بن عبد الله المسعري
1. صاحب الكتاب القيم "أصل الإسلام وحقيقة التوحيد" للشيخ الوهابي الكبير محمد بن عبد الله المسعري ... ولقد كان من كبار الوهابية، لكن الفتنة الكبرى التي خلقها توحيد الشيخ كانت حاضرة في عقله وقلبه، وبعد أن قرأ وجمع وتأمل في النصوص القرآنية والنبوية غادر توحيد الشيخ بلا عودة، وقال كلمته المشهورة بين العلماء المحققين من الوهابيين: "... أما بعد: فهذه رسالة مختصرة عن أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد، وأدلته من القرآن الكريم، وممَّا ثبت في السنة النبوية الشريفة سميناها: "أصل الإسلام وحقيقة التوحيد" وكان الدافع إلى كتابتها أموراً منها:
أولاً: مشكلة قديمة (في توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب) حول تعريف "العبادة" وعلاقتها بمفهوم "الإله"، ترتب عليها الحكم بغير وجه حق على الكثير من أهل القبلة بالشرك، ومفارقة الإسلام، والخروج من الملّة، وهو أمر كبير خطير، ومن الأصول والمهمات التي تحتاج إلى البرهان القاطع، والحجة اليقينية البالغة، ولا يجوز أن يكون من الإجتهاديات!.
ثانياً: إضطراب، وعدم إنضباط القسمة التقليدية للتوحيد إلى "توحيد الربوبية"، و"توحيد الألوهية"، و"توحيد الأسماء والصفات"، هذا الإضطراب له علاقة جوهرية بالمشكلة السابقة، فضلاً عن أنَّه تقسيم ضعيف غير مقنع، ولا منتج؛ لأنَّه:
الف: تقسيم غير منضبط لتداخل الأقسام.
ب: وغير جامع لخروج أركان مهمة للتوحيد منها كتوحيد "الحاكمية" وتوحيد "الحب والموالاة" ولا يمكن إدخالها إلا بتكلف، وبطريقة مصطنعة.
جـ: وغير مانع لدخول ما ليس من أصول التوحيد فيها، كأكثر مباحث "الصفات" التي هي فرع، وليست أصلاً.
د: عرفي اصطلاحي مجرد، وليس بـ"شرعي"، لعدم استقرائه لما جاءت به نصوص الكتاب والسنة من معاني "الإله" و"العبادة" و"الرب"... وغيرها.
هـ: وغير مطابق لواقع الشرك والعبادة عند البشرية عامة، وعند العرب خاصة عند نزول القرآن. فهو بني على قسمة متخيلة، لا على إستقراء لواقع معقَّد من المعتقدات المتداخلة، التي تحتاج إلى سبر وتقسيم بعد إستقراء واسع، مع أنَّ الكتاب العزيز قد أشار إليها، وناقش أكثرها!!.
ثالثاً: إشكالات عدة (في توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب) ظهرت في هذا الزمان... حول حقيقة التوحيد، وأقسامه، وشموله لقضايا "الحاكمية" و"الموالاة والمعاداة"، هذه الإشكالات ترتبت على نقاط الضعف والقصور في القسمة التقليدية (الموجودة عند الشيخ محمد عبدالوهاب) المذكورة أعلاه، وساهم فقهاء السلاطين... في تضخيم الإشكالية، وتضليل العامة، بل والخاصة، خدمة لأسيادهم من أئمة الكفر والجور، وتولوا أعداء الله، وعادوا أولياء الله،... فهم يتمسحون بـ"توحيد" (يعني التوحيد الذي رسمه الشيخ محمد عبدالوهاب) مشوه مبتور، يدور حول "الموتى"، والقباب، والأشجار، والأحجار، والرمال، والقبور!!.
فحالهم كما بينه ابن القيم في مدارج السالكين:
" إذا جاء الحق معارضاً في طريق رئاستهم طحنوه، وداسوه بأرجلهم، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه حسب الإمكان، فإن لم يجدوا بدلاً أعطوه السكة والخطبة، وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء (الحق) ناصراً لهم، وكان لهم، صالوا به وجالوا، وأتوا إليه مذعنين، لا لأنَّه الحق بل لموافقته غرضهم وأهواءهم."
فيا له من توصيف رائع لحالهم الخبيث، فاستمع إلى تصريحات مشايخهم، وتأمَّل في مسمَّيات الأحزاب والجماعات المدافعة عنهم، "جمعية أهل السنة والحديث" "أنصار السنة المحمدية" "جنود الصحابة"، وعليك بكتبهم التي يوزِّعونها مجاناً "القطبية هي الفتنة فأحذروها" و "طاعة الرحمن في طاعة السلطان" "الحاكمية وفتنة التكفير".
ونحن نقول: إنَّ ظاهرة ترك توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب لم تنحصر في السعودية وحدها، بل هي ظاهرة عمّت كل العالم، وأنا أعرف هنالك الكثير من الذين عرفتهم والذين لم أعرفهم _ وهم كثير _ منذ زمن الشيخ محمد عبدالوهاب إلى هذا الزمان... وفي هذا يقول الشيخ محمد عبدالوهاب وهو يشتكي من الذين كانوا معه، ثم تركوه حينما تبين لهم شطحاته في فهم التوحيد، ويذكر منهم الإمام الشيخ محمد بن عبدالله بن فيروز الحنبلي ، وكان من أبرز العلماء الذين عاصروا الشيخ محمد عبدالوهاب وتأثروا بدعوته، فكتب الشيخ محمد عبدالوهاب رسالة لأحمد بن إبراهيم _ من علماء منطقة مرات _ يمدح العلامة ابن فيروز ويقول:
"ولكن تعرف ابن فيروز أنَّه أقربهم إلى الإسلام، وهو رجلٌ من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ ابن تيمية وابن القيم خاصة..."
... ومن المعلوم أن الشيخ الإمام ابن فيروز كان من الذين يقتدون بمؤلفات ابن تيمية وابن القيم، ويحسنون فهمها وعرضها، وكان سلفياً حنبلياً... ويكفي أنَّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب مدحه بأنَّه من الذين ينهجون منهج ابن تيمية وابن القيم، وأنَّه كان على مذهبه فوصفه بأنَّه كان حنبلياً... لكن الإمام الشيخ ابن فيروز الحنبلي بعد أن تأمَّل في كتب الشيخ عبدالوهاب حول التوحيد وجد عند الشيخ مخالفات صريحه للتوحيد الذي رسمه القرآن الكريم ورسمته السنة الصحيحة، و حين أدرك الثغرات الموجودة في توحيد الشيخ كتب ونصح للشيخ ببصيرة الطبيب الحكيم الذي يقدم العلاج... وقد يكون العلاج جراحة عضوية إن إحتاج الأمر إلى ذلك... وكان _ _ من أوائل الذين فصلوا بين توحيد القرآن الكريم وبين توحيد الشيخ عبدالوهاب... كما أنَّه من أوائل من تنبه إلى الأخطار والأمراض الموجودة في كتابات الشيخ عبدالوهاب عن التوحيد... لكن الشيخ محمد عبدالوهاب رفض نصيحة الإمام ابن فيروز لأنَّه كان غارقاً في عبادة نفسه، أو لأنَّه لم يكن يدرك الأبعاد الخطيرة في فهمه للتوحيد... ولو كان الشيخ أصغى إليه وخرج من عبادة ذاته لقادته الفطرة إلى التوحيد الذي أراده الله ورسوله (ص)... لكن الجدل مع خصومه جعل حقيقة التوحيد القرآني تتعقَّد عنده، كما جعل صوت الفطرة تضعف لديه... فتصور نفسه هو وحده القادر على فهم آيات التوحيد في القرآن والسنة، وزجَّ نفسه في متاهات ومنزلقات، وأقام نفسه حكماً على ما يعلم وما لايعلم، وكانت النتيجة أنَّه أخرج الإمام ابن فيروز الحنبلي السلفي عن الإسلام، بعد أن أشاد به وعظَّمه، وقال في أحد رسائله بأنَّه:
"كافر كفراً كبيراً مخرجاً من الملة."
... والتكفير ثم القتل هو مصير كل علماء الإسلام الذين عاصروا الشيخ ونصحوه، مع إنَّهم من أهل بلدته ومن المشاركين له في المذهب، وفي الحقيقة إنَّها كانت مفاجأة لكثير من الوهابيين المتأخرين والمعاصرين حين أدركوا بأنَّ كبار علماء السلفية والحنبلية في زمنه نصحوه وخالفوه، وفي هذا يقول الوهابي المعاصر الكاتب المعروف عبدالله العثيمين حين رأى جمهور علماء نجد ردّوا عليه:
"واضح من رسائل الشيخ (محمد عبدالوهاب) أنَّ دعوته لقيت معارضة شديدة من قبل علماء نجد، فالمتتبع لها يلاحظ إنَّ أكثر من عشرين عالماً أو طالب علم وقفوا ضدها في وقت من الأوقات، وفي مقدمة هؤلاء المعارضين عبدالله المويس ، وسليمان بن سحيم من الرياض."
والآن نعود إلى موضوعنا ونواصل ذكر بعض الذين تركوا الوهابية.
الشيخ سلمان العودة
2. ومنهم العالم الكبير الشيخ الوهابي _ سابقاً _ سلمان العودة الذي كان من كبار علماء الوهابية الذين مدحهم الشيخ ابن باز، وتربى عليهم الجيل المعاصر في المملكة العربية السعودية، لكنَّه بعد أن أدرك الفرق بين التوحيد في القرآن الكريم وبين توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب، وأدرك كيف تسلل أعداء الإسلام من خلال فتنة التوحيد الذي إخترعه الشيخ محمد عبدالوهاب... كتب في العقيدة كتابات بيّن فيها مشكلات دعوة الشيخ عبدالوهاب، وبيّن الأمراض التي أصيب بها المجتمع السعودي بسبب كتابات الشيخ محمد عبدالوهاب عن التوحيد... ومن خلال خطبه ومحاضراته التي لقيت قبولاً بين الشباب السعودي ترك الكثير منهم توحيد الشيخ عبدالوهاب... وهو يصرّح بشجاعة في كتابه القيّم "أخلاق الداعية" بأنَّ الشرك الذي طرحه عبدالوهاب هو "شرك القبور"!! ولا علاقة له بـ"شرك القصور"!!
وهكذا وصف الشيخ سلمان العودة دعوة التوحيد للشيخ عبدالوهاب بأنَّها تقليدية وبعيدة عن الواقع .
وكانت هذه وقفة شجاعة من الشيخ سلمان في الدفاع عن التوحيد الذي أراده الله تعالى في كتابه أمام الذين إفتروا على الله، حين خلطوا بين توحيد القرآن الكريم وبين توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب.
ومن المؤسف أنَّ الإشكالات الكبيرة التي طرحها الشيخ سلمان العودة واجهت هجمة شرسة ضده من قبل شرذمة من الوهابيين الذين ما زالوا مصرّين على التمسك بتوحيد الشيخ محمد عبدالوهاب، ومن هنا نجد مجموعة من الكتب تهاجم الشيخ سلمان منها:
1_ تناقضات رموز الصحوة للشيخ الوهابي التقليدي عبد العزيز بن ريس الريس.
2_ كشف الشبهات العنصرية عن الدعوة الإسلامية السلفية للشيخ الوهابي التقليدي عبد العزيز بن ريس الريس.
3_ وإنكشف القناع (حقيقة بعض الدعاة الذين كانوا يتوارون وراء أقنعة) للشيخ الوهابي التقليدي عبد العزيز بن ريس الريس.
4_ أهل الحديث هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية للوهابي التقليدي الشيخ ربيع المدخلي هاجم وإنتقد فيه سلمان العودة.
5_ كتاب دع التمسح بأئمة السنة يا سلمان العودة.
6_ كتاب إتحاف البشر في كلام العلماء في سلمان العودة وسفر الحوالي.
دور الشهيد سيد قطب في إستنقاذي من توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب
في الحقيقة حدثت لي قصة قريبة من القصة التي حدثت للشيخ سلمان العودة، ودار بيني وبين إخواني من الوهابيين حوار طويل حول المشكلات الموجودة في توحيد الشيخ... وكل المشكلات تصدر عن سببٍ واحدٍ، هو ذهول الشيخ عن القرآن الكريم وعجزه عن التدبّر والإحاطة بكل آيات التوحيد ومعرفة دلالاتها.
ولا شك إنَّه كان لبعض علماء أهل السنة الذين التفتوا إلى مزالق توحيد الشيخ دور كبير في إستنقاذي من توحيد الشيخ، ويبقى الدور الأكبر هو للشهيد سيد قطب _ رضوان الله عليه _ فهو عرَّفني ما في عقيدة الشيخ من إنحراف... وكان حريصاً على تصحيح عقيدة التوحيد عند الشيخ عبدالوهاب، وكشف ما في عقيدته من زيف وضلال... ومن هنا كان كبار مشايخ الوهابية في السعودية يمقتون كتب سيد قطب لإنحرافها عن توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب.
وفي الحقيقة إنَّني عندما قرأت كتاب في ظلال القرآن للسيد قطب _ بعد قرآءة كتاب الشيخ سليمان بن عبدالوهاب _ أعجبت به إعجاباً شديداً، وإضطربت عقيدتي في توحيد الشيخ إضطراباً شديداً، هزَّ ثقتي بطريقة الشيخ في دراسة التوحيد... وكانت طريقة الشهيد سيد قطب في عرض التوحيد تنفذ في خفةٍ إلى قلبي فتفعل به الأفاعيل... وأتذكر حينما كنت في السعودية رآني بعض زملائي وأنا أقرأ كتاب "في ظلال القرآن" للسيد قطب... فقال لي أحدهم برفق؟
ألم تصدر فتوى من الشيخ ابن باز ومن كل مشايخ المملكة في تضليل سيد قطب؟
قلت: أقرأت أنت كتب سيد قطب؟
قال: إنَّني لا أقرأ كتب الضلال.
وطال الحوار لكن دون جدوى، لأنَّ القرار قد صدر بإحراق كتب سيد قطب، لأنَّها تخالف التوحيد الذي رسمه الشيخ محمد عبدالوهاب.
ولي شاهد من كتاب الوهابية في أثر سيد قطب في صرف الناس عن كتب الشيخ عبدالوهاب... قال الشيخ العالم الوهابي التقليدي عثمان عبد السلام نوح في كتابه "الطريق إلى الجماعة الأم" وهو يتحدث عن دور سيد قطب في صرف الناس وإبعادهم عن توحيد الشيخ عبدالوهاب... ثم ينقل عبارة عن سيد قطب يرى أنَّها قادت الكثير من الوهابيين إلى التمسخر من التوحيد الذي رسمه عبدالوهاب... ويقول:
"...قال سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن" (4/2114_2116): "إنَّ عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم () ربّه أن يجنبه هو وبنيه إيَّاها، لاتتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم، أو التي كانت تزاولها الوثنيات في صور شتى، مجسمة في أحجار، أو أشجار، أو حيوان، أو طير، أو نجم، أو نار، أو روح، أو أشباح... إنَّ هذه الصور الساذجة كلها لاتستغرق كل صور الشرك بالله، ولاتستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله. والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصورة الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها، ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة!
ولابدَّ من التعمّق في إدراك طبيعة الشرك، وعلاقة الأصنام بها، كما أنَّه لابدَّ من التعمّق في معنى الأصنام، وتمثل صورها المتجددة مع الجاهليات المستحدثة!
إنَّ الشرك بالله _ المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله _ يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لاتكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده. ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته، بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله، حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته... وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة...
والأمثلة الحاضرة في حياة البشر تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته... إنَّ العبد الذي يتوجه لله بالإعتقاد في ألوهيته وحده، ثم يدين لله في الوضوء، والطهارة، والصلاة، والصوم، والحج، وسائر الشعائر؛ بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الإقتصادية والسياسية والإجتماعية لشرائع من عند غير الله. ويدين في قيمه وموازينه الإجتماعية لتصورات وإصطلاحات من صنع غير الله، ويدين في أخلاقه، وتقاليده، وعاداته، وأزيائه، لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء _ مخالفة لشرع الله وأمره _ إنَّ هذا العبد يزاول الشرك في أخصّ حقيقته، ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله في أخصّ حقيقتها... وهذا مايغفل عنه الناس اليوم، فيزاولونه في ترخّص وتميع، وهم لا يحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان! والأصنام... ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة... فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتخفى وراءها لتعبيد الناس بإسمها، وضمان دينونتهم له من خلالها... إنَّ الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر... إنَّما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها، يتمتم حولها بالتعاويذ والرقى... ثم ينطق بإسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها!
فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق بإسمها الحكّام والكهاّن، ويقررون بإسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال... فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها!
إذا رفعت "القومية" شعاراً، أو رفع "الوطن" شعاراً، أو رفع "الشعب" شعاراً، أو رفعت "الطبقة" شعاراً... ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله، وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض... بحيث كلَّما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه، ونفذت إرادة تلك الشعارات _ أو بالتعبير الصحيح الدقيق: إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات _ كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله... فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجرٍ أو خشبةٍ؛ ولقد يكون الصنم مذهباً أو شعاراً!
إنَّ الإسلام لم يجئ لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية!، ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة من موكب الرسل الموصول، ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام، لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب!
إنَّما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطرق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن، وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة... ولابد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة، وتقرير ما إذا كانت توحيداً أم شركاً؟ دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام!
... إنَّ الشرك بالله لايتمثل فحسب في الإعتقاد بألوهية غيره معه، بقدر ماتتمثل في إقامة شعارات لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ ومقتضيات!"
هذه العبارات إقتطفتها من كتاب الوهابي المذكور... ولكن لأنَّه قطّع وحذف بعض كلمات سيد قطب فرجعت إلى نفس "في ظلال القرآن" ونقلت العبارة منه... ولابدَّ من طرح هذه العبارة على إخواننا الوهابيين لأنَّ لها دوراً كبيراً في معالجة العقل الوهابي من توحيد الشيخ عبدالوهاب. من أجل ذلك نجد أنَّ الوهابي التقليدي الشيخ عثمان عبد السلام نوح في كتابه "الطريق إلى الجماعة الأم" يذكر آثار تفسير سيد قطب "في ظلال القرآن" على كثير من قادة أهل السنة وقادة الوهابية في العالم، و ينقل عن العالم السني الشيخ حسن الترابي أنَّه قال في شأن أتباع توحيد الشيخ عبدالوهاب:
"إنَّهم يهتمون بشرك القبور ولايهتمون بالشرك السياسي فلنترك هؤلاء يطوفون حول قبورهم حتى نصل إلى قبة البرلمان."
وهكذا نقل عن العالم السني الشيخ عبد الله عزام أنَّه قال في شأن الشرك الذي رسمه الشيخ محمد عبدالوهاب في خطاب وجهه إلى هيئة كبار علماء السعودية حينما إلتقى بهم في الحج، حيث قال لهم:
"إنَّ موضوع محاربة الشرك الذي نادى به العلماء السابقون أمثال محمد بن عبدالوهاب في عبادة الأوثان والتمسح بالقبور قد إنتهى، وحلَّ محله شرك من نوع آخر، وذلك هو شرك الحكم بشريعة البشر وترك شريعة الله."
غفلة الشيخ محمد عبدالوهاب عن علم أصول الفقه هي وراء إخفاقه في معرفة التوحيد
ومن يتأمَّل في كتابات بعض الوهابيين سوف يعرف أنَّها تعتبر ثورة خطيرة ضد توحيد الشيخ... وأتذكر أنَّه حينما كنت أدرس في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض كيف أصبح هنالك مجموعة كبيرة من مشايخ الوهابية يدركون إخفاق الشيخ محمد عبدالوهاب في رسم التوحيد كما إراده الله ورسوله... ويرون أنَّ هنالك سبباً هاماً في إخفاقه، فالشيخ لم يستخدم المنهج العلمي المتمثل بعلم أصول الفقه حين بحث عن التوحيد في القرآن الكريم والسنة النبوية، من أجل أن يعرف العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والظاهر، والمؤول، والمحكم والمتشابه من نصوص التوحيد في القرآن والسنة... ويرون أنَّ هذا ناتج من عدم تعمّق الشيخ في دراسة علم أصول الفقه؛ ولو درسه دراسة كاملة لما وقع في تلك الأخطاء الشنيعة والقبيحة التي شوّهت صورة التوحيد الذي أراده الله ورسوله... وفي هذا الشأن يقول الإمام الشيخ العالم السلفي سعيد حوى في كتابه القيّم "جولات في الفقهين الكبير والأكبر":
"ولو درس علم أصول الفقه لتجنّب كثيراً من الأغلاط الشائعة أو الأوهام القاتلة، ولعرف كيف يضع النصوص موضعها وبدون ذلك فإنَّه يبقى معرضاً للأغلاط. إنَّه حتى المحدثون (أهل الحديث) يعتمدون في كثير من تحقيقاتهم ما وصل إليه الأصوليون (علماء أصول الفقه) من تحقيق... فالعلوم الإسلامية كل منها يخدم الآخر."
... إننا بحاجة أن ننقل كلام سيد قطب وكلام سعيد حوى في توحيد محمد عبدالوهاب من أجل أن نعيد الثقة في العقل الوهابي بكتب غير الشيخ عبدالوهاب عن التوحيد... ولاغرابة أن نجد أنَّ الكثير من الوهابيين التقليديين _ غير الإصلاحيين _ يعلنون بأنَّ سيد قطب وسعيد حوى قد إنحرفا عن توحيد الشيخ... لأنَّهما أرادا أن نقرأ التوحيد كما جاء في القرآن الكريم... لذلك كله كانت الحملة الشديدة من قبل الوهابيين التقليديين على سيد قطب وسعيد حوى على السواء. وأي دارس لكتب الوهابيين المقلدين للشيخ عبدالوهاب في التوحيد يلمح لديهم عقدة من سيد قطب ومن سعيد حوى.!
وحينما كنت وهابياً كنت أقرأ للشيخ الوهابي التقليدي مقبل بن هادي الوادعي في كتابه "فضائح ونصائح" كلمات كانت تجعلني أعتقد بأنَّ سيد قطب مات مشركاً، فهو يقول عن سيد قطب:
"أنَّ من أئمة أهل البدع"
ويقول:
"إمام من أئمة أهل البدع والضلال"
وهكذا يقول الشيخ الوهابي التقليدي ربيع بن هادي المدخلي عن سيد قطب بأنه:
"ضالّ كبير" ،
ويقول الوهابي التقليدي الشيخ عبيد عبدالله الجابري _ بعد أن بيَّن بأنَّ توحيد سيد قطب كان سبباً لخروج كثير من وهابية العصر عن توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب _ قال _ في محاضرته في شريط (الضوابط) _ الوجه الأول _ عن تفسير سيد قطب "في ظلال القرآن"...:
"هو ليس في ظلال القرآن بل هو في ظلال الشيطان".
والآن نعود إلى موضوعنا الأصلي وهو معرفة بعض الوهابيين الذين تركوا منهج دراسة الشيخ محمد عبدالوهاب لنصوص التوحيد في القرآن والسنة، بعد أن وصفوه بالتوحيد التقليدي تارة، وبالتوحيد البدوي تارة أخرى، وبالتوحيد الساذج مرة ثالثة.
الشيخ سعيد بن مسفر
3. ومنهم العالم الكبير الشيخ الوهابي _ سابقاً _ سعيد بن مسفر، وهو من كبار الوهابيين الذين كانوا من أنصار توحيد الشيخ عبدالوهاب، ثم كتب أسباب تركه لتوحيد الشيخ... وهو _ الآن _ ممَّن يكتبون عن "التوحيد في القرآن الكريم" ليدفعوا عن التوحيد المشكلات التي إنبثقت من فهم عبدالوهاب لنصوص التوحيد في القرآن... وتناول في كتبه نقد أولئك الذين يخلطون بين منهج هذا الدين في طرح التوحيد وبين منهج الشيخ في طرحه... وهما منهجان لاعلاقة بينهما، ولامجال للإلتباس فيهما...
والمشكلة الكبرى هي في الوهابيين المقلدين للشيخ محمد عبدالوهاب كالشيخ إبن باز والشيخ العثيمين، ممَّن يكتبون عن "التوحيد في الإسلام" وهم يعنون به التوحيد عند الشيخ عبدالوهاب، ويحاولون أن يحصروا التوحيد في الإسلام في كتاب "التوحيد" أو كتاب "كشف الشبهات"... وغيرهما من كتب الشيخ محمد عبدالوهاب... والتوحيد في الإسلام أمر آخر لاعلاقة له بكثير من المسائل التي طرحها الشيخ محمد عبدالوهاب وألصقها بالتوحيد... إنَّ معرفة التوحيد في الإسلام ينبغي تلمسها من القرآن ذاته، وفي هذه الكتابات التي كتبت من العائدين من الوهابية، نجد الثورة الشاملة على توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب في كل صوره وأنواعه، والتمرّد الكامل على كل كتابات الشيخ عبدالوهاب... وقد كتب الشيخ الوهابي _ سابقاً _ سعيد بن مسفر كتابه القيّم "الدعوة إلى الله تجارب وذكريات" بيَّن فيه رحلته من توحيد عبدالوهاب إلى توحيد القرآن... وقال وهو يبحث عن الجماعة الوهابية التي أطلقت على نفسها "الجماعة السلفية" في مصر:
"... أما ما يمكن قبوله من المؤاخذات على هذه الجماعة (الوهابية) فما يلي: (... لا ينبغي الوقوف عند حدّ الحديث عن الصفات، وشرك الأموات والأضرحة، بل لابدَّ من ذلك مع الإهتمام بشرك الأحياء المتمثل في شرك الطواغيت الذين يرفضون شريعة الله، ويصرّون على اقصائها عن الحياة، وتحكيم القوانين الوضعية...) ،
وقال _ ايضاً _ ينتقد الوهابية لسبب:
"حصر الإهتمام في محاربة البدع القديمة التي لم تعد تتجاوز المباحث النظرية في العقيدة، في حين لاتصرف مثل هذا القدر من الإهتمام في البدع المعاصرة كقضايا التغريب والعلمانية... ."
الأسباب الرئيسية التي جعلت علماء أهل السنة والسلفية يتركون توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب
وها نحن أولاء رأينا ونرى أنَّ كبار الوهابية على مدار التاريخ أمس واليوم من الذين آمنوا بتوحيد الشيخ محمد عبدالوهاب، ولكنَّهم _ الآن _ نصبوا لتوحيد الشيخ العداء... وحين نتأمَّل في أسباب ترك الوهابية سنجد أسباباً كثيرة ولكنَّنا نريد _ هنا _ أن نشير إلى أسباب ثلاثة:
مشكلة التقليد المطلق للشيخ محمد عبدالوهاب
السبب الأول:
أذكر حادثاً وقع لي يبيِّن حقيقة هذا السبب الأول، وذلك حينما كنّا في السعودية للدرس والتدريس... كنَّا مجموعة من المقلدين للشيخ محمد عبدالوهاب في مسجد من مساجد الرياض، وبعد الصلاة بدأنا نتحدث عن القبوريين وما قاله الشيخ عنهم... وبعد أن خرجنا من المسجد خطر لنا أمر وهو أنَّنا منذ فترة نتحدث في مناطق الرياض عن القبور والقبوريين مع أنَّه لايوجد في الرياض أحد من القبوريين، ولايوجد أحد من مشركي القبور الذين وصفهم الشيخ فعرفنا _ فيما بعد _ إنَّنا نردِّد كلمات الشيخ في القبور والقبوريين في حين أنَّه لم يكن هنالك داعي للحديث عن ذلك لا سيما ونحن نعيش في عاصمة الشيخ محمد عبدالوهاب، وقد تمَّ هدم كل القبور فيها... ووقعت هذه الحادثة لنا ووقعت أمثالها ممَّا ذكره لي غير واحد... وقد أشار إلى ذلك العالم الوهابي الكبير الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في إحدى محاضراته فقال:
"...لما تروح إلى السعودية الآن لاتجد قبراً ... ومع ذلك تجد أنَّه هناك طائفة من العلماء لايحسنون من أمور العقيدة إلَّا ما تكلم به الشيخ محمد عبدالوهاب... مع العلم أنَّ البيئة والقرى التي يتكلمون فيها بهذا الكلام لاتجد فيها إنساناً يقول مثل هذا... إذن هذه السلفية التقليدية لا تساوي شيئاً."
ومن هنا نجد أنَّ كبار قادة الفكر الوهابي يصرِّحون برفض الطريقة التي سلكها الشيخ محمد عبدالوهاب في التعامل مع آيات التوحيد في القرآن الكريم، ويعبِّرون عن أتباع طريقة الشيخ بـ"السلفية التقليدية"، كما عبَّر عنها العالم الوهابي المعاصر الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وغيره...
مشكلة الخلط بين توحيد السلف الصالح وبين توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب
السبب الثاني:
... يعود إلى أنَّ الذين إتبعوا توحيد الشيخ محمد عبدالوهاب كانوا يحسبون أنَّ الشيخ قد نهج منهج السلف الصالح في معرفة التوحيد، وحين أدركوا الفرق بين منهج الشيخ وبين منهج السلف في معرفة التوحيد سارعوا إلى ترك الوهابية والإلتحاق بالسلفية... والمشكلة الكبرى التي ينبغي طرحها للعقل الوهابي من أجل إستنقاذه من الوهابية... هي إنَّنا لابدَّ أن نعالجه من الخلط والخبط بين السلفية والوهابية، وقد أشار إلى هذه المشكلة الخطيرة العالم السني الكبير الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه القيم _ السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي حيث يقول:
"في الوقت الذي كانوا _ أي الوهابيين _ يتبرّمون بكلمة الوهابية التي توحي بأنَّ ينبوع هذا المذهب _ بكل ما يتضمنه من مزايا وخصائص _ يقف عند الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فدَعاهم ذلك إلى أن يستبدلوا بكلمة الوهابية هذه، كلمة (السلفية)، وراحوا يروِّجون هذا اللقب الجديد عنواناً على مذهبهم القديم المعروف، ليوحوا إلى الناس بأنَّ أفكار هذا المذهب "الوهابي" لاتقف عند محمد عبدالوهاب، بل ترقى إلى السلف، وأنَّهم في تبنّيهم لهذا المذهب، أمناء على عقيدة السلف وأفكارهم ومنهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه... يرى أصحابه أنَّهم دون غيرهم من المسلمين على حق، وأنَّهم دون غيرهم الأمناء على عقيدة السلف، والمعبرون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه."