الفخيييم
19-03-2010, 11:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل في كتابه الكريم: { تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [القصص: 83]. والصلاة والسلام على رسوله الأمين وقدوة المتقين وخير الخلق أجمعين.
أما بعد:
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بوصية الله لخلقه من فوق سبع سماواته: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } [النساء: 131]. وصيته - صلى الله عليه وسلم - كما روى أبو نجيح العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ...» الحديث.
التقوى هي الكلمة التي من أجلها جاءت الرسل وأنزلت الكتب، هي كلمة التوحيد، وحق الله على العبيد، ليست مجرد كلمة تُلقى في مقدمة المحاضرات والخطب والندوات فحسب، مبناها صغير ولكن معناها كبير جدًا، تنوء بحملها الجبال الراسيات، مأخوذة من التوقي؛ وهي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } [التحريم: 6].
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وروي عن طلق بن حبيب أنه قال: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تجتنب معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، وعن ابن مسعود قال: حقيقة التقوى: أن يطاع الله فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُجحد.
وسأل عمر عنها أُبيّاً بن كعب فقال: هل مشيت في طريق فيه شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا صنعت؟ قال: شمَّرت عن ثوبي، قال أبي: فذلكم التقوى.
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن من الذنوب صغيرة
إن الجبال من الحصى
إن البحار من قطرة، وإن الشجرة من الحبة، وعلى كل حال بأقصر عبارة وأوجز إشارة: التقوى هي طاعة الله فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، ومن طاعة الله طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، قال تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ } [الحشر: 7]، { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [النساء: 80]، وفي الحديث: «كلكم يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».
هذا ومكانها القلب، وفي الحديث أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى صدره ثلاثًا، وقال: «التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا».
وللتقوى ثمرات عدة؛ منها: أن الله علَّق عليها الحصول على العلم قال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ } [البقرة: 282]، وعلق الله القبول، يقول أحد السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لكنت من المتقين؛ لأن الله يقول: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المائدة: 27]، وعلَّق الله عليها حياة القلوب وتمييزها بين الحق والباطل، قال تعالى: { إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } [الأنفال: 29]، وفيها تكفير للذنوب وستر للخطايا وأجر عظيم، قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } [الطلاق: 5]، وفيها تيسير كل عسير، قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [الطلاق: 4].
وإذا الأمور التوت وتعقدت
جاء القضاء من الإله فحلها
فلعل عسرًا بعد يسر علَّها
ولعل من عقد الأمور يحلها
كما وعد الله من اتقاه بالحصول على الرزق من وجه لا يخطر بباله.
قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [الطلاق: 2، 3].
عليك بتقوى الله إن كنت غافلاً
يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري
فكيف تخاف الفقر والله رازق
فقد رزق الطير والحوت في البحر
ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة
ما أكل العصفور شيئًا مع النسر
تزول عن الدنيا فإنك لا تدري
إذا جن ليل هي تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة
وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر
وكم من عروس زينوها لزوجها
وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
وكم من صغار يُرتجى طول عمرهم
وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكًا
وأكفانه في الغيب تنسج ولا يدري
فمن عاش ألفًا وألفين فلا
بد من يوم يسير إلى القبر
وهي صلة بين العبد وربه، وفيها محبة الله ومحبة عباده، ولقد جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين التقوى وحسن الخلق؛ لأن التقوى تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يُصلح ما بينه وبين الناس، فهي توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته، وفي الحديث: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
ولقد حار الناس بجميع طبقاتهم وعلى حسب أمزجتهم وميولهم في مكمن السعادة وأين تكون!! فمنهم من رأى أنها في الجاه والمنصب وأن يصبح للمرء عبيدٌ وخدمٌ، ومنهم من رأى أنها في المال والولد والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والحرث والأنعام، ومنهم من رأى أنها في الأكل والشرب والزاد والعتاد فلا جوع ولا حرمان، ومنهم من رأى أنها في العافية والصحة فلا مرض ولا بؤس ولا سقم، وخاض الناس فيها، وقد أنصف من قال: إن السعادة كل السعادة في تقوى الله.
ولست أرى السعادة جمع مالٍ
ولكن التقي هو السعيد
يتبع إن شاء الله
الحمد لله القائل في كتابه الكريم: { تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [القصص: 83]. والصلاة والسلام على رسوله الأمين وقدوة المتقين وخير الخلق أجمعين.
أما بعد:
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بوصية الله لخلقه من فوق سبع سماواته: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } [النساء: 131]. وصيته - صلى الله عليه وسلم - كما روى أبو نجيح العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ...» الحديث.
التقوى هي الكلمة التي من أجلها جاءت الرسل وأنزلت الكتب، هي كلمة التوحيد، وحق الله على العبيد، ليست مجرد كلمة تُلقى في مقدمة المحاضرات والخطب والندوات فحسب، مبناها صغير ولكن معناها كبير جدًا، تنوء بحملها الجبال الراسيات، مأخوذة من التوقي؛ وهي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } [التحريم: 6].
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وروي عن طلق بن حبيب أنه قال: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تجتنب معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، وعن ابن مسعود قال: حقيقة التقوى: أن يطاع الله فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُجحد.
وسأل عمر عنها أُبيّاً بن كعب فقال: هل مشيت في طريق فيه شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا صنعت؟ قال: شمَّرت عن ثوبي، قال أبي: فذلكم التقوى.
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن من الذنوب صغيرة
إن الجبال من الحصى
إن البحار من قطرة، وإن الشجرة من الحبة، وعلى كل حال بأقصر عبارة وأوجز إشارة: التقوى هي طاعة الله فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، ومن طاعة الله طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، قال تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ } [الحشر: 7]، { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [النساء: 80]، وفي الحديث: «كلكم يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».
هذا ومكانها القلب، وفي الحديث أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى صدره ثلاثًا، وقال: «التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا».
وللتقوى ثمرات عدة؛ منها: أن الله علَّق عليها الحصول على العلم قال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ } [البقرة: 282]، وعلق الله القبول، يقول أحد السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لكنت من المتقين؛ لأن الله يقول: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المائدة: 27]، وعلَّق الله عليها حياة القلوب وتمييزها بين الحق والباطل، قال تعالى: { إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } [الأنفال: 29]، وفيها تكفير للذنوب وستر للخطايا وأجر عظيم، قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } [الطلاق: 5]، وفيها تيسير كل عسير، قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [الطلاق: 4].
وإذا الأمور التوت وتعقدت
جاء القضاء من الإله فحلها
فلعل عسرًا بعد يسر علَّها
ولعل من عقد الأمور يحلها
كما وعد الله من اتقاه بالحصول على الرزق من وجه لا يخطر بباله.
قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [الطلاق: 2، 3].
عليك بتقوى الله إن كنت غافلاً
يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري
فكيف تخاف الفقر والله رازق
فقد رزق الطير والحوت في البحر
ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة
ما أكل العصفور شيئًا مع النسر
تزول عن الدنيا فإنك لا تدري
إذا جن ليل هي تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة
وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر
وكم من عروس زينوها لزوجها
وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
وكم من صغار يُرتجى طول عمرهم
وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكًا
وأكفانه في الغيب تنسج ولا يدري
فمن عاش ألفًا وألفين فلا
بد من يوم يسير إلى القبر
وهي صلة بين العبد وربه، وفيها محبة الله ومحبة عباده، ولقد جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين التقوى وحسن الخلق؛ لأن التقوى تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يُصلح ما بينه وبين الناس، فهي توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته، وفي الحديث: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
ولقد حار الناس بجميع طبقاتهم وعلى حسب أمزجتهم وميولهم في مكمن السعادة وأين تكون!! فمنهم من رأى أنها في الجاه والمنصب وأن يصبح للمرء عبيدٌ وخدمٌ، ومنهم من رأى أنها في المال والولد والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والحرث والأنعام، ومنهم من رأى أنها في الأكل والشرب والزاد والعتاد فلا جوع ولا حرمان، ومنهم من رأى أنها في العافية والصحة فلا مرض ولا بؤس ولا سقم، وخاض الناس فيها، وقد أنصف من قال: إن السعادة كل السعادة في تقوى الله.
ولست أرى السعادة جمع مالٍ
ولكن التقي هو السعيد
يتبع إن شاء الله