المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلمانيه نشاتها وتطورها واثارها في الحياه الاسلاميه المعاصره



ام نوران
21-03-2010, 06:42 PM
العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة
الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي

ملخص هذه المادّة

--------------------------------------------------------------------------------
تحدثت مقدمة الكتاب عن التقليد الأعمى الذي أصاب الأمة الإسلامية، والذي تمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من مناهجها ونظمها وقيمها، ومن خلالها تبين سبب اختيار موضوع العلمانية؛ مع ذكر المباحث التي اشتملت عليها هذه الرسالة، وجاء في ختام هذه المقدمة بيان معنى العلمانية ومدلولاتها وموقف الإسلام من هذا الغزو الوافد على بلاد المسلمين.

ثم ورد الحديث عن التحريف والابتداع في الدين النصراني، وابتدئ بالحديث عن تحريف العقيدة سواء كان في قضية الألوهية أو تحريف الأناجيل وتأليف الأناجيل الكاذبة، ثم انتقل إلى الحديث عن تحريف الشريعة متمثلاً في فصل الدين عن الدولة، مدعين نسبتها إلى المسيح عليه السلام، ثم تحدث عن البدع المستحدثة في الدين النصراني كالرهبانية والغلو في الدين والأسرار المقدسة وعبادة الصور والتماثيل والمعجزات والخوارق وصكوك الغفران، التي جعلت النصرانية توصم بأنها ديانة تركيبية انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة شكلت ديناً غير متسق ولا متجانس.

تلا ذلك ذكر الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في المجتمع الأوروبي، وبيان الصراع بين الكنيسة والعلم في القرن السابع عشر والثامن عشر ومطلع العصر الحديث، والذي يعتبر من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي. ثم ورد الكلام عن الثورة الفرنسية التي كانت فاتحة عصر جديد ضد الكنيسة والملاك الإقطاعيين، وقد جرى الحديث بعده عن الفكر اللاديني ومدارسه الإلحادية التي سعت إلى تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس، واختتم هذا الباب بالكلام عن نظرية التطور الداروينية.

وقد تطرق الكتاب إلى الحديث عن العلمانية في الحكم بعد ذلك، فبيّن أن عملية الفصل بين السياسة وبين الدين والأخلاق بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة لدى سياسيي القرون الوسطى، ثم تكلم عن العلمانية في الاقتصاد، وبين أن للكنيسة أثراً فعالاً في اقتصاد القرون الوسطى، موضحاً أثر المذاهب اللادينية على الاقتصاد، ثم تحدث عن علمانية العلم الناتجة عن الصراع بين الكنيسة والعلم.

وعقب هذا انتقل إلى الحديث عن العلمانية في الاجتماع والأخلاق وأثرها على المجتمعات اللادينية في القرون الوسطى والعصور الحديثة، مع بيان أثر العلمانية في الأدب والفن والذي أدى إلى ضياع المجتمعات الغربية اللادينية.

وبعدها تكلم عن أسباب العلمانية في الحياة الإسلامية، فبين أن انحراف الأمة الإسلامية في مفهوم الألوهية والإيمان بالقدر من أسباب تقبل المسلمين الذاتي للأفكار العلمانية، وكذلك التخطيط اليهودي الصليبي وتنفيذه في الحملات الصليبية على العالم الإسلامي كان له الأثر الكبير في انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية، ثم انتقل إلى بيان مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، وأكد أن هذه المظاهر العلمانية قد أدت إلى إنشاء جيل أكثر مسخاً وانحلالاً، مما أدى إلى انتشار الفوضى الأخلاقية في جميع أرجاء العالم الإسلامي.

واختتم الكتاب ببيان حكم العلمانية في الإسلام، ثم ورد توضيح بعض النواحي التي تتنافى فيها العلمانية مع الإسلام، مع ذكر النتائج السيئة التي يجنيها الإنسان بسبب اعتناقه لنظام العلمانية.



عناصر العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة

--------------------------------------------------------------------------------

1 - تمهيد


وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ [النحل:51-52]


قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]


أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]

2 - مقدمة الكتاب


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فقد أعظم الله تعالى المنة على هذه الأمة بأن بعث فيها أفضل رسول، وأنزل إليها أكمل دين وأقوم شريعة، فكانت الأمة التي استحقت أن تسمى "المسلمين" لتحقق معاني الإسلام فيها؛ إسلام القلب والجوارح، إسلام الفرد والمجتمع، إسلام الحياة كلها لله تعالى وحده لا شريك له.

وهو الإسلام الذي تضمنته تلك الكلمة العظيمة التي تعدل الكون كله؛ بل ترجح به (لا إله إلا الله) وظلت الأمة الإسلامية قروناً تقود الجماعة البشرية، وتسيطر على العالم المتحضر إلا قليلاً، وتتبوأ مركز الأمة الوسط بين العالمين؛ كل ذلك بفضل إدراكها لتلك الكلمة العظيمة، والعمل بمقتضاها، وتحقيق مدلولها في واقع الحياة، ثم أخذ شأن الأمة الإسلامية في الانحطاط، وحضارتها في الذبول، وفقدت شيئاً فشيئاً، مركزها المرموق ومنزلتها السامية، ولم يكن لذلك من سبب إلا أن نور (لا إله إلا الله) قد خفت، ومقتضياتها قد أهملت، ومدلولاتها قد انحسرت.

ولما كانت كلمة (لا إله إلا الله) هي روح هذه الأمة وسر وجودها ومنبع حياتها، فإنها ظلت تفقد من ذاتيتها وأصالتها بمقدار ما تفقد من نور هذه الكلمة العظيمة، حتى آل الأمر في العصور الأخيرة إلى الفقدان الكامل أو شبه الكامل.

وعندما تصاب أمة من الأمم بهذا المرض المدمر "فقدان الذات" فإن أبرز أعراضه يتمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من مناهجها ونظمها وقيمها .

وقد وقع ذلك في حياة الأمة الإسلامية تأويلاً لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه }.

ولم يكن أخطر من هذا المرض إلا الجهل بحقيقته وعدم إدراك أسبابه، فكان التشخيص الخاطئ سبباً في العلاج الخاطئ، الذي جاء بمضاعفات جديدة.

لقد خُيِّل للأمة أن هذا الداء العضال يمكن مداواته باستعارات ساذجة، ومظاهر جوفاء، وترقيعات صفيقة، تتلقاها جميعها من الكفار الذين أصبحت تخجل من أن تسميهم بهذا الاسم؛ بل أسمتهم "العالم المتحضر" و"الأمم الراقية"!!

وكان استعدادنا الذاتي وقابليتنا للذوبان هما المبرر الأكبر للحرب النفسية الشرسة التي نسميها "الغزو الفكري" تلك التي استهدفت مقومات وجودنا وأسس أصالتنا.

وجاءت طلائع الغزو الفكري -كما هو الحال في سبل الشيطان- متعددة الشعارات، متباينة الاتجاهات، عليها من البهرجة والبريق ما يكفي لتضليل وإغراء أمة منبهرة مهزوزة.

جاءت الاشتراكية والقومية والوطنية والديمقراطية والحرية وفلسفة التطور واللادينية، وغيرها من المسميات والشعارات، وسرت عدوى هذه الأوبئة سريان النار في الهشيم، وتغلغلت في العقول والقلوب التي فقدت رصيدها من (لا إله إلا الله) أو كادت، وتربت على ذلك أجيال ممسوخة هزيلة، أخذت على عاتقها مهمة تعبيد أمتها للغرب والإجهاز على منابع الحياة الكامنة فيها.

ومرت في مطلع هذا القرن حقبة مظلمة، راجت فيها سوق الأفكار الموبوءة والمذاهب المنحرفة، حتى أظهر أعداء الإسلام تفاؤلهم بأن هذه الأمة ستلفظ أنفاسها عما قليل.

ولكن الله تعالى رد كيدهم في نحورهم، وأنبت في وسط الركام والظلام رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فانفجرت في كل بلد إسلامي حركة جهادية، وانبثق من تلك الحركات فكر أصيل يستمد من الكتاب والسنة مباشرة، مهتدياً بالوثبات التجديدية التي لم يخل منها عصر من عصور الإسلام، وتكمن قوة هذا الفكر -بل حياته- في سر واحد فقط، هو إدراك أن سبب انحطاط هذه الأمة هو انحرافها عن حقيقة "لا إله إلا الله" وأن الطريق إلى بعثها يبتدئ من تصحيح مفهوم هذه الكلمة وما تفرع منها، وإزالة ما علق في ذهن الأمة حولها من غبش واضطراب .

وكان مقتضى هذا الإدراك -من الوجهة المنهجية العلمية- أن ما يسمى "علم الكلام" الذي شغل علماء العقائد الماضون به أنفسهم أصبح مسألة تاريخية، وأن العودة إلى صفاء العقيدة الإسلامية ووضوح تصوراتها ومفهوماتها تستدعي منهجية أصيلة نقية كل النقاء من التأثيرات الإغريقية القديمة، ومن إيحاءات وسموم الغزو الفكري الحديث.

ولم يكن الإيمان بهذه الحقيقة سهل المنال؛ بل إن الرجال الذين اكتشفوها عانوا بأنفسهم مرارة التجربة وهم يحاولون دراسة الإسلام وفق منهجية غريبة عنه، ورأوا أن من حق دينهم ومن حقنا نحن الأجيال التالية ألا تتكرر المأساة، وأن ينيروا الطريق باختطاط منهج علمي أصيل، وتأسيس دراسات إسلامية تخصصية تدرس العقيدة الإسلامية، بل تدرس الأفكار والمذاهب غير الإسلامية على ضوء ذلك المنهج الأصيل.

وكان من هؤلاء الرجال: الشيخ الفاضل محمد أمين المصري رحمه الله (الرئيس السابق لقسم الدراسات العليا بكيلة الشريعة بـمكة المكرمة ) الذي بذل جهده لإدخال مادة "المذاهب الفكرية" ضمن برنامج الدراسات العليا لفرع العقيدة.

وكان من توفيق الله -تعالى- أن عهد بتدريس هذه المادة إلى علم من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، هو الأستاذ "محمد قطب " حفظه الله .

وكان من توفيقه سبحانه لكاتب هذا البحث أن يلتحق بفرع العقيدة، وأن يختار رسالته لنيل درجة التخصص الأولى "الماجستير" في هذه المادة وعلى يد ذلك الأستاذ.
أسباب اختيار المؤلف لموضوع العلمانية


وإذ كان عليَّ أن أختار مذهباً فكرياً ليكون موضوعاً لرسالتي، فقد هداني الله لاختيار مذهب العلمانية وآثرته على غيره لأسباب، منها:

1- غموض المدلول الحقيقي لهذا الاصطلاح الخادع بالنسبة لكثير من المثقفين فضلاً عن العامة، فبالرغم من الكساد الذي بدأت المذاهب الأخرى كـالشيوعية والاشتراكية تمنى به بعد اكتشاف الجماهير لحقيقتها، ما تزال أسهم العلمانية مرتفعة، سواء باسمها الصريح، أو تحت شعار الديمقراطية ، أو شعار "الدين لله والوطن للجميع" أو شعار "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين".

2- التوافق بين ذات العلمانية بوصفها فكرة غربـية واعية وبين موضوعها المتمثل في عزل الدين عن توجيه الحياة، وهو ما يعاني منه الواقع الإسلامي المعاصر، فـ العلمانية -موضوعياً- موجودة في كل نواحي الحياة الإسلامية المعاصرة، وإن لم يكن لها وجود ذاتي متكامل، كما هو الحال في أوروبا .. هذا التوافق يجعل تقبلها -ذاتياً- أمراً سهلاً، ومن ثم يحتم على ذوي الاختصاص دراستها وكشف زيفها وإيضاح تعارضها مع المفهوم الصحيح للإسلام ومقتضيات "لا إله إلا الله" .

وقد عرفت منذ اللحظة الأولى أن مهمتي ليست بيسيرة، وأن عليَّ أن أخوض في ميادين بعيدة عن مجال دراستي الشرعية البحتة، جاعلاً كل قراءاتي السابقة في الفكر الغربي بمثابة التمهيد فقط لما يجب علي أن أنهض به.

وفعلاً خصصت نصف المدة المحددة للرسالة -تقريباً- في اطلاع دائب وقراءة متواصلة، مسترشداً بالتوجيهات القيمة والآراء السديدة التي كان أُستاذي الفاضل يزودني بها باستمرار، فاطلعت على أمهات النظريات والاتجاهات في السياسة والاقتصاد والعلم والاجتماع والأدب والفن، وكنت كلما ازددت إيغالاً في الاطلاع ازدادت ثقتي، وقوي عزمي على إكمال الطريق، ومع أن المراجع المذكورة آخر الرسالة لا تساوي إلا جزءاً مما قرأت، فإنني لا أشعر بشيء من الخسارة، بل أحمد الله تعالى الذي أراني الفكر الجاهلي الأوروبي على حقيقته.. والحق أنني علمت علم اليقين أن هذا الفكر ليس باطلاً فحسب، بل هو أيضاً تافه هزيل، وتمنيت من أعماقي أن يهب الله كل شباب أمتي ما وهب لي من معرفة تفاهته وهزاله.
المباحث التي اشتملت عليها الرسالة


ثم ابتدأت الكتابة مقسماً الموضوع خمسة أبواب:

- الباب الأول: موضوعه دين أوروبا الذي انحرفت عنه إلى اللادينية، أثبت فيه تحريف الدين النصراني، وأنه لا يمثل دين الله الحق، لا في العقيدة ولا في الشريعة، وتعرضت بالنقد للتحريفات والبدع والخرافات النصرانية، ورغم اتفاقي مع دعاة اللادينية في نقد النصرانية ، فقد كنت مخالفاً لهم في منهجهم، وفي بعض الأحيان أعرض وجهة نظرهم وأنقدها.

وسيلحظ القارئ في هذا الباب الإفاضة وعدم التساهل، وما ذاك إلا نتيجة اقتناعي بأن السبب الأكبر في انحراف أوروبا من صنع الكنيسة، وأن الإسلام يحارب الخرافة كما يحارب الإلحاد.

- الباب الثاني: موضوعه أسباب العلمانية .

مع أن تحريف النصرانية في الحقيقة هو السبب الممهد للعلمانية ، فقد خصصت هذا الباب للأسباب المباشرة لها، وهي:

1- الطغيان الكنسي: دينياً وسياسياً ومالياً، مؤيداً بالشواهد التاريخية.

2- الصراع بين الكنيسة والعلم، عرضت فيه الصراع النكد عرضاً تاريخياً منذ نظرية كوبرنيك إلى نظرية نيوتن مروراً بمدرسة النقد التاريخي، ومذهب الربوبيين والملحدين الأوائل.

3- الثورة الفرنسية: التي نجحت في إقامة أول دولة اللادينية في أوروبا النصرانية ، أضحت أسبابها وآثارها واستغلال القوى الهدامة لها.

4- نظرية التطور: التي كانت إيذاناً بانتهاء وصاية الكنيسة الفكرية على أوروبا ، وانسحابها من الميدان إلى الأبد.. وقد تحدثت عن الآثار المدمرة للنظرية في الفكر والحياة وتطبيقها المريب في حقول المعرفة وميادين السلوك.

والحق أن هناك أسباباً قد لا تقل عن هذه، غير أنني آثرت ألا أعرضها، بصفتها أسباباً مستقلة، فالقوى الهدامة "اليهود" يمكن اعتبارها سبباً مستقلاً، لكنني لم أعرضها بهذا الاعتبار، لأن اليهود كما سيتضح من ثنايا البحث - يستغلون الأحداث ولا يصنعونها، فاكتفيت بعرض نماذج من استغلالاتهم في مواطنها، مثل:

استغلال الثورة الفرنسية لتحطيم الرابطة الدينية والخروج من (الجيتو).. واستغلال الداروينية لنشر الإلحاد والإباحية..واستغلال الثورة الصناعية للسيطرة على اقتصاد العالم.. واستغلال الديمقراطية لتوجيه السياسة الدولية.

على أنني قد عرضت نظريات اليهود مستقلة في مواطنها، مثل: ريكاردو ، وماركس في الاقتصاد، ودوركايم وفرويد في الاجتماع والأخلاق، وذلك لضمان وحدة الموضوعات وتماسكها، ومثل هذا يقال في حركة الإصلاح الديني التي هزت الكنيسة وحطمت الوحدة الشكلية للعالم المسيحي.

- الباب الثالث: العلمانية في الحياة الأوروبية:

وهو الباب الرئيسي في الموضوع، وقد قسمته حسب التقسيم التقليدي ستة فصول:

- الأول: في الحكم والسياسة، تعرضت فيه للفكر السياسي اللاديني وأشهر نظرياته، مثل: النظرية الخيالية، نظرية العقد الاجتماعي، نظرية الحق الإلهي، ثم النظريات الحديثة التي تقوم على "الميكافيللية ، فلسفة التطور، الديمقراطية " بتفسيريها الليبرالي والشيوعي.

وقد انتهجت أسلوب النقد بطريق العرض، فقد كنت أعرض أية نظرية كما يراها أصحابها عرضاً يوحي للقارئ بنقدها دون أن أتقول عليهم، وهكذا في بقية الفصول.

وقد رأيت أن أفضل أسلوبٍ لرد هذه النظريات هو عرض آثارها الواقعية ونتائجها التطبيقية، مستشهداً بشهود من أهلها، وذلك لسببين:

1- أن تطبيق أية نظرية هو المحك الحقيقي لنجاحها أو إخفاقها.

2- أن مناقشة تفصيلات النظريات اللادينية المختلفة فوق كونها تستهلك جهداً كبيراً لا تتفق مع حكم الإسلام فيها، الذي يرفض تلك التصورات جملة رفضاً أساسيا، كما سيتضح في الباب الخامس.

- الثاني: في الاقتصاد، تحدثت فيه عن النظام الإقطاعي، ثم عن المذاهب اللادينية الاقتصادية: المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي، المذهب الكلاسيكي الرأسمالي، المذهب الشيوعي، عارضاً نظريات كل مذهب، ثم عقبت على ذلك بعرض الواقع المعاصر والنتائج الفظيعة التي نجمت عن فصل الاقتصاد عن الدين، مؤيداً كل ذلك بالشواهد الواقعية، سواء في الغرب الرأسمالي أو الشرق الشيوعي.

- الثالث: علمانية العلم، تحدثت فيه عن الأسس والملابسات التي قامت عليها لادينية العلم، مثل: موقف الكنيسة، والإرث الديني والوثني في النفسية الأوروبية، الذي يصور الإله عدواً للإنسان، يتعمد تجهيله كما في سفر التكوين وأساطير الإغريق.. ومظاهر لادينية العلم مثل: استبعاد الغائية والاكتفاء بالعلل الصورية، حذف اسم الله من أي بحث علمي، والاستعاضة بتعبيرات ملتوية كما في مسألة أصل الحياة، وتعميم التفسيرات الميكانيكية للكون والحياة، ورفع شعار العلم للعلم في الغرب، والعلم للمذهب في الدول الشيوعية .

وعقبت -كالمعتاد- بالحديث عن أثر الفصل بين العلم والدين في المجتمع المعاصر ونتائجه السيئة، مثل: انتشار الإلحاد، وظهور الفوضى العقائدية والقلق على الأجيال المثقفة، واستحالة العلم نفسه إلى خطر يهدد البشرية جمعاء.

- الرابع: علمانية الاجتماع والأخلاق، مهدت له بالحديث عن مجتمع وأخلاق القرون الوسطى في ظل الكنيسة، ثم فصلت القول في النظريات والمدارس الاجتماعية اللادينية -مبتدئاً بالحديث عن أصول وولادة علم الاجتماع - وهي: نظرية العقد الاجتماعي- المدرسة الطبيعية، المدرسة الوضعية العقلية (كونت ، دوركايم ) النظرية الاجتماعية الشيوعية، النظرية العضوية والنفعيون، الدراسات النفسية الحديثة (السلوكية - التحليل النفسي)"، ثم أردفت لذلك بالحديث عن الواقع الاجتماعي والأخلاقي المعاصر مكتفياً بنموذج واحد، هو قضية المرأة وما نجم عنها من الشرور الاجتماعية المستطيرة.. وقدمت نماذج واقعية للهبوط الخلقي الشائن الذي تعاني منه المجتمعات اللادينية المعاصرة، شرقاً وغرباً .

- الخامس: في الأدب والفن، تحدثت فيها عن الاتجاهات الأدبية الأوروبية:

1- عصر النهضة "الكلاسيكية الجديدة" وما هدفت إليه من بعث التراث الوثني الإغريقي وإنماء النزعة الإنسانية.

2- العصر الحديث:

أ- الرومانسية: تصويرها للهروب، مثاليتها، تأليه الطبيعة.

ب- الواقعية: نشأتها، أهدافها، ميزاتها الفنية.

3- الأدب المعاصر "من الواقعية إلى اللامعقول" المؤثرات الفكرية والاجتماعية فيه، اتجاهاته الكبرى:

أ- الإباحية، مع سرد نماذج لها.

ب- الضياع "اللاانتماء" مع أمثلة أدبية له.

وفي مقابل الواقع المعاصر في كل مجال عرضت هنا نماذج موجزة لمدارس الضياع المعاصرة "الوجودية ، الرمزية ، السوريالية ، العلمية... إلخ".

وكان من أبرز العقبات التي واجهتني في هذا الباب محاولة عرض النظريات المعقدة بأسلوب موجز سهل الإدراك.. وأحمد الله إذ أعانني على ذلك .

- السادس: ماذا بقى للدين، وهو تكملة عامة للباب مع التركيز على يوم الدين أو ساعته، وبيان الإفلاس الذي منيت به الكنائس، وكيف أصبحت مباءات للمفاسد العصرية.

- الباب الرابع: العلمانية في الحياة الإسلامية:

لقد رأيت منذ وضع خطة الموضوع، أنه لا ينبغي بحث العلمانية بصفتها مذهباً فكرياً غربياً دون التعرض لآثارها في الحياة الإسلامية.

والحق أن العلمانية في العالم الإسلامي جديرة برسالة مستقلة، لكنني أرجو أن أكون قد وفقت لعرض أسبابها ومظاهرها عرضاً شافياً.. مع مراعاة حجم الرسالة ومدتها، هذا مع أن الحديث عن العلمانية ونتائجها في أوروبا هو في الحقيقة شامل لمظاهرها في كل مكان على سبيل الإجمال.

وقد قسمت هذا الباب إلى فصلين كبيرين:

الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي، وقد أوجزتها في سببين بارزين:

انحراف المسلمين الذي يقابل تحريف النصرانية في أوروبا ، أوضحت فيه صور ذلك الانحراف، لاسيما ما يتعلق منها بالتوحيد والعقيدة، وانحسار مفهومات الإسلام في مجال الشعائر التعبدية بتأثير الأفكار الصوفية والركود الحضاري العام، واختتمته بنماذج لتقبل المسلمين الذاتي للعلمانية .

2- التخطيط اليهودي الصليبي: تحدثت فيه عن جذور العداوة التاريخية للمسلمين من قبل اليهود والنصارى، وأبديتها، والخطة الجديدة للغزو، وإفادتها من الواقع الإسلامي المنحرف، وقسمت المؤامرة إلى أربعة أجنحة كبرى (قوى الاحتلال المباشر، المستشرقون ، المبشرون ، الطوائف اليهودية والنصرانية والباطنية ).. وفصلت القول في جهود وأعمال كل جناح في سبيل تحقيق الهدف المشترك: إخراج المسلمين من دينهم وصبغهم بالصبغة الغربية اللادينية .

الثاني: مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية: وهو فصل كبير قسمته إلى ثلاثة أقسام:

1- في الحكم والتشريع: تحدثت فيه عن بداية الانحراف المتمثلة في تخلف المسلمين الحضاري، وجمود الاستنباط الفقهي، وتوهم دعاة اليقظة بأن سبب تأخر المسلمين هو عجزهم التنظيمي والإداري وما أدى ذلك إليه من تبلور فكرة (الإصلاح).. واستيراد التنظيمات ثم التشريعات الكافرة، وكيف انتهى الأمر بالحركة الإصلاحية إلى العلمانية الكاملة في تركيا ، وإلى إقصاء الشريعة في البلاد العربية، ومصر خاصة، بالتعاون بين الاستعمار ودعاة الإصلاح، وأثر ذلك في ظهور الأفكار السياسية اللادينية والأحزاب المتعددة الانتماءات.

2- في التربية والثقافة: تحدثت فيه عن المستوى التربوي والثقافي للعالم الإسلامي قبل احتكاكه بالحضارة الغربية اللادينية، وكيف تمت الازدواجية الخطرة في التعليم، وحركة التغريب الأولى، ثم عن الدعوات الهادفة إلى لادينية التربية والثقافة، مثل " الدعوة إلى اقتباس الحضارة الغربية خيرها وشرها، واحتقار الماضي الإسلامي تربوياً وتاريخياً، وتطوير الأزهر، وتطبيق المناهج التعليمية الغربية، واستيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب".

3- في الاجتماع والأخلاق: ابتدأته بالحديث عن سوء تمثيل المجتمع الإسلامي لحقيقة الإسلام، والتقبل الذاتي لتقليد الغرب، ثم فصلت القول فيما أًسْمِي (قضية تحرير المرأة)، ابتداءً من جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوى ، وانتهاءً بـقاسم أمين وحركة النهضة النسائية ، مع إيضاح دور العلماء والزعماء والأدباء الذين أسهموا في المؤامرة، وسريان الفكرة إلى بلاد الشام والمغرب فضلاً عن تركيا ، والنتائج الواقعية لها.

- الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام:

وقد رأيت أن يكون هو خاتمة أبواب الرسالة، وقسمته إلى فصلين:

الأول: فصل تمهيدي بعنوان: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟

أوضحت فيه الفروق الجوهرية بين الإسلام والنصرانية المحرفة عقيدةً وشريعةًَ وتاريخاً وواقعاً، مما ينفي أي مبرر عقلي لاستيراد هذا المذهب المنحرف.

الثاني: حكم العلمانية في الإسلام:

بينت فيه حكم العلمانية على ضوء أصول العقيدة الإسلامية والمدلول الحقيقي لكلمة " لا إله إلا الله " ومفهومي " الطاغوت والعبادة "، وخرجت من ذلك بنتيجة هي أن العلمانية تتنافى مع الإسلام من جهتين:

1- كونها حكماً بغير ما أنزل الله.

2- كونها شركاً في عبادة الله، وفصلت القول في ذلك مورداً الأدلة من الآيات والأحاديث ومستشهداً بأقوال علماء السلف .

ومن خلال ذلك ناقشت شبهة التعلل بحرية أداء الشعائر التي تسمح بها بعض الأنظمة العلمانية، وشبهة قصور الشريعة عن مجاراة التطور الإنساني والإحاطة بجوانب الحياة المعاصرة.

والحق أن تضخم حجم الرسالة مع انتهاء المدة المقررة لها قد حالا دون الإفاضة والتفصيل في بعض الموضوعات -لاسيما ما يتعلق بالواقع الإسلامي المعاصر- كما حالا دون وضع فهارس تفصيلية للأعلام والموضوعات تعين القارئ على الإفادة من الرسالة بصورة أوفى، أما التعريف بالأعلام فعلَّه يتضح من خلال عرض نظرياتهم وآرائهم بالإضافة إلى الإشارة إلى سنة الوفاة، وقد أعرف العلم في الحاشية إذا اقتضى الأمر ذلك.

وكل ما أرجوه هو أن يتقبل الله مني هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع بهذه المحاولة المتواضعة من يسلك هذا الطريق من بعد، لنصل إلى فكر إسلامي أصيل

ام نوران
21-03-2010, 06:46 PM
وإنني إذ أشكر الله تعالى على توفيقه ومَنِّه، لأشكر من بعده فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية بـالمدينة المنورة ، وسعادة عميد كلية الشريعة بـمكة المكرمة ، وفضيلة المشرف على هذه الرسالة.. وكل من أسهم بجهده المشكور في شيء منها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
3 - تعريف العلمانية


لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية، أو (secularity) بالفرنسية[1] وهي كلمة لا صلة لها بلفظ "العلم" ومشتقاته على الإطلاق .

فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (Science)، والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (Scientism)[2] والنسبة إلى العلم هي (Scientific) أو (Scientifique) في الفرنسية .

ثم إن زيادة الألف والنون غير قياسية في اللغة العربية، أي في الاسم المنسوب، وإنما جاءت سماعاً ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم: (روحاني، وجسماني، ونوراني... ).

والترجمة الصحيحة للكلمة هي (اللادينية) أو (الدنيوية) لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.

وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف الذي تورده المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة:

تقول دائرة المعارف البريطانية مادة (secularism): (هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها).

ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ(Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النـزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة.

وظل الاتجاه إلى الـ(Secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية [3] .

ويقول قاموس العالم الجديد لوبستر ، شرحاً للمادة نفسها:

1- الروح الدنيوية، أو الاتجاهات الدنيوية، ونحو ذلك، وعلى الخصوص: نظام من المبادئ والتطبيقات (Practices) يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة .

2- الاعتقاد بأن الدين والشئون الكنسية لا دخل لها في شئون الدولة وخاصة التربية العامة.[4]

ويقول معجم أكسفورد شرحاً لكلمة (secular):

1- دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحياً: مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.

2- الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية [5] .

ويقول "المعجم الدولي الثالث الجديد " مادة: (Secularism).

"اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألاَّ تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات استبعاداً مقصوداً، فهي تعني مثلاً السياسة اللادينية البحتة في الحكومة .

وهي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين"[6] .

ويقول المستشرق أربري في كتابه "الدين في الشرق الأوسط " عن الكلمة نفسها:

"إن المادية العلمية والإنسانية والمذهب الطبيعي والوضعية كلها أشكال للادينية، واللادينية صفة مميزة لـأوروبا وأمريكا ، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط، فإنها لم تتخذ أي صيغة فلسفية أو أدبية محددة، والنموذج الرئيسي لها هو فصل الدين على الدولة في الجمهورية التركية [7] .

والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو "فصل الدين عن الدولة" وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها فصل الدين عن الحياة لكان أصوب، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أو للفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود، فبعضها تسمح به، كالمجتمعات الديمقراطية الليبرالية، وتسمي منهجها (العلمانية المعتدلة -Non Religious) أي: أنها مجتمعات لادينية ولكنها غير معادية للدين وذلك مقابل ما يسمى (العلمانية المتطرفة-antireligious)، أي: المضادة للدين، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها.

وبديهي أنه بالنسبة للإسلام لا فرق بين المسميين، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما[8] .
4 - الباب الأول: دين أوروبا أو النصرانية بين التحريف والإبداع


الفصل الأول: التحريف:

أولاً: تحريف العقيدة.

ثانيا: تحريف الشريعة.


الفصل الثاني: البدعة المستحدثة في الدين النصراني:

توطئة.

أولاً: رجال الدين الأكليروس.

ثانياً: الرهبانية.

ثالثاً: الأسرار المقدسة.

رابعاً: عبادة الصور والتماثيل.

المعجزات والخرافات.

صكوك الغفران.
5 - الفصل الأول: التحريف


مقدمة


عرفت أوروبا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية، كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري على أنها تعاليم مثالية صارمة، ولم يأل أباطرة الرومان جهداً في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى، ولكن أسباباً تاريخية -لا مجال لبحثها الآن- أدت إلى اعتناق الامبراطور "قسطنطين " للدين الجديد، ودعوته لعقد أول مجمع مسكوني مسيحي هو مجمع نيقية سنة (325)، الذي أعلنت المسيحية على أثره عقيدة رسمية للامبراطورية الرومانية.

وقد حظي الدين الجديد بإقبال فائق وجاذبية شديدة من قبل شعوب الامبراطورية، مما حدا بالمؤرخين [9] إلى تعليل ذلك بأسباب شتى نختار منها ما ذهب إليه باحث أميركي معاصر:

1- العنصر التوفيقي: فإنك قد تجد في روايات الألغاز الإغريقية، وفي قصة إيزيس، وقصة مترا، وفي اليهودية وفي العقائد الأخرى آنذاك: نماذج لكل ما اعتقد فيه المسيحيون كطقوس الطهارة، والإله الذي يموت ثم يبعث، والعذراء التي تحمل[10] ويوم الحساب وحفلات الربيع وحفلات الانقلاب الشتوي والشياطين والقديسين والملائكة.

2- إن المسيحية بما وعدت من خلاص في عالم آخر لتعويض ما في هذه الدنيا من فقر وظلم وآلام، أثبتت أنها عقيدة شديدة الجاذبية للعامة في الامبراطورية المتداعية، إذ يرون فيها طريقاً خلاَّباً للهروب من عالم لا يحبونه، وإذن فقولنا: إن المسيحية ديانة الضعفاء والبسطاء والمظلومين قول صادق والأناجيل مصرحة بذلك.

3- إن القواعد الدينية للمسيحية بلغت درجة من التعقيد، تكفي لأن تجتذب رجالاً من ذوي الميول الفلسفية، وإذن فإن عوامل النصر النهائي للمسيحية قواعدها الدينية التي اتحدت في نهاية القرن الثاني اتحاداً قوياً بالتقاليد الفكرية الإغريقية.

4- رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى، والاضطهاد عندما يبلغ درجة معينة يقوي الفئة المضطهدة، ويدفع المضطهدين إلى وحدة أشد تماسكاً وأكثر نظاماً[11] .

5- يضاف إلى ذلك عامل سياسي مهم وهو حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة.

وعلى أية حال، فقد دانت أوروبا بـالمسيحية منذ سنة (325) وما زال العالم الغربي إلى اليوم يعتقد أنه عالم مسيحي، أو على الأقل كان كذلك يوماً من الأيام، لكن السؤال المهم هنا هو: هل هذه الديانة المعتنقة هي الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على عبده المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام؟

وبتعبير آخر: هل دانت أوروبا بالدين الحق لله تعالى، وعبدته حق عبادته، وعرفته معرفة صحيحة في أي مرحلة من مراحل تاريخها؟

إن أي مؤرخ أو باحث يلقي نظرة سريعة فاحصة على الحقبة التي شهدت ميلاد الدين النصراني، سيرى أن منطقة حوض البحر الأبيض كانت تموج بعقائد وأفكار متباينة نذكر منها:

1- الديانة اليهودية : وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس، وموطنها فلسطين ، حيث ولد المسيح وأرسل.

2- العقيدة المترائية : وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان [12] .

3- الأفلاطونية الحديثة :، وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:

- المنشئ الأزلي الأول.

- العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه.

- الروح الذي يتكون منه جميع الأرواح، والذي يتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل [13] ، وكان موطنها الإسكندرية .

4- الوثنية المصرية: ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة:

- حورس، الذي كان ابناً لسيراييس.

- سيراييس، الذي هو في الوقت نفسه حورس.

-إيزيس، والدة حورس.

[14] .

5- الوثنية الرومانية: ديانة الامبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:

- التثليث: (جوبيتر، مارس، كورنيوس).

- عبادة الامبراطور، إذ كان الأباطرة يدعون الربوبية، و"كان تأليه الحاكم تقليداً هلنستياً" [15] .

- تقديس الصور والتماثيل وعبادتها [16] .

6- أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، وتعد إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني [17] .

ولو أننا حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم:

1- الإيمان بالتوراة اليهودية .

2- اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.

3- التثليث.

4- الحلول (تجسد الإله في شكل بشري).

5- تقديس الصور والتماثيل.

6- الهروب من الحياة (الرهبانية).

ومن أول نظرة نلقيها على هذه الدعائم الست نرى أنها هي بعينها دعائم الدين النصراني الكنسي ولب تعاليمه التي سيطرت على الفكر الأوروبي ردحاً طويلاً من الزمن، وقد يدهش المرء لهذه النتيجة- رغم تسليمه بصحتها- ويتساءل: أيمكن أن يتحول دين سماوي خالص إلى مزيج مركب من خرافات ووثنيات متضاربة؟ وإذ أمكن ذلك فمن الذي قام بعملية التحول هذه؟ وأعجب منه: كيف احتفظت المسيحية باسمها ونسبتها وهي على هذه الحال؟

إن الكثير من مؤرخي الفكر الغربي قد تخلصوا من الإجابة على مثل هذه التساؤلات، بتقسيمهم الدين النصراني قسمين متباينين لا رابط بينهما سوى النسبة للمسيح:

1- المسيحية الأصلية، أو "مسيحية يسوع".

2- المسيحية الرسمية، أو "مسيحية بولس".

ويعنون بهذه العقيدة التي نشرتها الكنيسة ابتداء من سنة (325) وهي المزيج المشار إلى مركباته آنفاً.

يقول برنتن : 'إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية -العقيدة الرسمية- في أعظم إمبراطورية في العالم مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل ، ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً'[18] .

أما المؤرخ الإنجليزي ويلز ، فيقول: 'من الضروري أن نستلفت نظر القارئ إلى الفروق العميقة بين مسيحية نيقية التامة التطور وبين تعاليم يسوع الناصري، فمن الواضح تماماً أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها قلباً كسيراً خاشعاً، وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة، بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل -كنواة لها- كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة، والعمل الجوهري في العبادة فيها هو القربان الذي يقربه قديس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة ، ولئن اتشحت المسيحية بأردية خارجية تشابه نحل سيراييس أو آمون أو بعل مردك مشابهة غير عادية، فلا بد لنا أن نذكر أنه حتى كهانتها نفسها كانت مظاهر جديدة بأعيانها" "ولقد بلغ من جرأة الكتاب المتشككين أن أنكروا إمكان أن يسمى يسوع مسيحياً على الإطلاق' [19] .

وإذا كان هذا هو رأي العلماء الباحثين، فإن من المفيد أن نعرف رأي رجال الكنيسة في هذا الأمر، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الدكتور "وليام تامبل " أسقف كنيسة كنتربري وحبر أحبار إنجلترا ، حيث يقول: 'إن من الخطأ الفاحش أن نظن أن الله وحده هو الذي يقدم الديانة أو القسط الأكبر منها' [20] .

وليس هذا الكلام فلتة من الحبر الكبير، أو سهواً غير مقصود، وإنما هو تعبير صريح صادق عن عقيدة الكنيسة وواقع تاريخها.

وعلى ضوء هذه الآراء نستطيع أن نعرف ما إذا كانت أوروبا قد اعتنقت النصرانية الحقة الموحاة من الله، أو اعتنقت المركب الذي صنعه أجداد الدكتور تامبل من آباء الكنيسة الأولين، واستخرجوه من العقائد السائدة في عصرهم آنذاك.

إن من الحقائق المقررة أن الكنيسة قد ارتكبت سلسلة من الأخطاء الشنيعة، يكفي أحدها لنزع الثقة منها بصفة نهائية، وإن أحداً من أعداء المسيح -عليه السلام- لم يسئ إليه وإلى تعاليمه النبوية كما أساءت الكنيسة التي تتبجح بالانتساب إليه، وتزعم أنها الحارس الأمين على مبادئه والممثل الشرعي له، ولقد كان "ليكونت دي نوي " صادقاً عندما قال: 'إن ما أضافه الإنسان إلى الديانة المسيحية ، والتفسيرات التي قدمها، والتي ابتدأت منذ القرن الثالث بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالحقائق العلمية، كل ذلك قدم للماديين والملحدين أقوى الدلائل المعاضدة في كفاحهم ضد الدين'[21] .

هذا، وليس من أهدافنا في هذا البحث التهجم على الكنيسة وفضح تصرفاتها، ولا كذلك تبرير التمرد الذي أعلنته أوروبا على خالقها في أثناء ثورتها على طغيان الكنيسة، لكن هدفنا هو الحقيقة التي هي ضالة المؤمن، لا سيما وأن القضية قضية إنسانية عامة، تعدت نطاق أوروبا إلى العالم كله، وصَلَيْنَا -نحن المسلمين خاصة- نيران آثارها السيئة منذ الحروب الصليبية، بل منذ ظهور الإسلام إلى اليوم.

وعلى هذا الأساس سنستعرض موضوع تحريف المسيحية عقيدةً وشريعةً معتمدين أساساً على الباحثين النصارى أنفسهم وعلى المصادر الكنسية.
أولاً: تحريف العقيدة


أ- قضية الألوهية:

إن قضية الألوهية لتأتي في طليعة المعضلات الفلسفية العريضة التي شغلت أذهان الفلاسفة والمفكرين قروناً طويلة، لا سيما ما يتعلق بتصور الإله وصفاته، حيث تفاوتت التصورات المنحرفة، فأوغل بعضها في التجريد حتى وصل إلى درجة المعميات والألغاز المبهمة، وسفل بعضها في التجسيم حتى هبط إلى مستوى الجمادات والمخلوقات التافهة، وقد كانت البشرية في غنى عن هذا التخبط والضلال، لولا أنها ضيقت على نفسها، وحاولت بلوغ الحقيقة من غير طريقها، ولم تكن بحاجة إلى الخوض في هذه القضية بتاتاً لو أنها استلهمت الفطرة الكامنة في أعماقها، واستقت معرفتها بالله من طريق الوحي الإلهي نفسه، واستبدلت بتخرصات الفلاسفة وتحريفات الكهان تعاليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ولو جاز أن نتلمس عذراً لأحد من التائهين في هذه القضية، لالتمسناه للأمم التي انقطع عنها الوحي فترات طويلة، أو للذين لم تقع أعينهم على شيء من آثار الأنبياء، أما إذا كان المتخبطون ممن يستطيعون أن ينعموا بنور الحقيقة، لكنهم آثروا عليه الإدلاج في الظلمات، فما عذرهم حينئذٍ؟!

لكم تكون الخسارة فادحة لو أن عالماً من جهابذة الطب كتب أروع بحث علمي في فنه، وأوصى خادمه بحفظه، لكن الخادم عبث به، فقدم وأخر، وشطب وأضاف، حتى حوله إلى خزعبلات سخيفة..فكيف إذا كان موضوع العبث هو الوحي الإلهي الذي لا تستقيم بغيره حياة ولا تصلح بسواه دنيا ولا آخره؟!

إن المسيح-عليه السلام- قد بعث في بيئة تعج بركام هائل من الخرافات والوثنيات - ذكرنا بعضها قريباً - وجاء كأي نبي مرسل لينقذ قومه من هذا الركام، ويهديهم إلى التوحيد الذي دعا إليه سلفه من الأنبياء، ولا شك أنه قام بمهمته خير قيام، وكان عليهم شهيداً ما دام فيهم، فلما توفاه الله حدث من أتباعه ما لم يكن في الحسبان من تحريف ونكوص.

وعملية التحريف التي استغرقت زهاء عشرة قرون -بل نستطيع أن نقول: إنها لم تتوقف حتى الآن- بدأت مبكرة حين كان الحواريون لا يزالون على قيد الحياة، كما أنها ابتدأت بموضوع ليس بالهين، وهو القول بأن للمسيح طبيعة إلهية، مع أن سيدنا عيسى عليه السلام- كما تعترف دائرة المعارف البريطانية-' لم تصدر عنه أي دعوى تفيد أنه من عنصر إلهي أو من عنصر أعلى من العنصر الإنساني المشترك' [22] .

وتتفق المصادر التاريخية -فيما نعلم- على أن اليد الطولى في التحريف كانت لمبشر من أتباع الحواريين، تسميه المسيحية المحرفة "بولس الرسول "، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة، مدعياً أنه"ابن الله" [23] تعالى الله عن ذلك، وكانت هذه الدعوى البذرة الأولى للتثليث.

بولس :

الاسم الأصلي لـبولس هو "شاؤل " وهو كما يبدو من سيرته شخصية تآمرية ذات عبقرية عقائدية، ويظهر أنه كان ينفذ تعاليم المحكمة اليهودية العليا "سانهدرين "، حيث كان أستاذه عمانوئيل أحد أعضائها [24] .

وقد اشتهر أول حياته باضطهاد المسيحيين [25] ، ثم تحول فجأة ليصبح الشخصية المسيحية الأولى والقطب الكنسي الأعظم، ومنذ ظهوره إلى الآن لم يحظ أحد في تاريخ الكنيسة بمثل ما حظي به من التقديس والإجلال، إلا أن "أحرار المفكرين" الأوروبيين لم يخفوا عداوتهم له، حتى أن الكاتب الإنجليزي "بنتام " ألف كتاباً أسماه "يسوع لا بولس "، ومثله "غوستاف لوبون " في "حياة الحقائق ". أما المؤرخ "ويلز " وهو من المعتدلين - فقد عقد فصلاً بعنوان "مبادئ أضيفت إلى تعاليم يسوع "، قال فيه: 'وظهر للوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من النقاد العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية، وهو شاؤل الطرسوسي ، أو بولس ، والراجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك! ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود، بيد أنه كان متبحراً في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية، وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهيلنستية، وبأساليب الرواقيين، كان صاحب نظرية دينية ومعلماً يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل..

ومن الراجح جداً أنه تأثر بـالمثرائية ، إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية ، ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعاً بفكرة لا تبدو قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قرباناً لله كفاره عن الخطيئة، فما بشر به يسوع كان ميلاداً جديداً للروح الإنسانية، أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة، ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء طلباً لاسترضاء الإله' . '. ولم ير بولس يسوع قط، ولا بد أنه استقى معرفته بيسوع وتعاليمه سماعاً من التلاميذ الأصليين، ومن الجلي أنه أدرك الشيء الكثير من روح يسوع ومبدأه الخاص بالميلاد الجديد، بيد أنه أدخل هذه الفكرة في صرح نظام لاهوتي، ذلك بأنه وجد الناصريين ولهم روح ورجاء، وتركهم مسيحيين لديهم بداية عقيدة' [26] .

ولندع الآن كل التأثيرات والثقافات التي عرفها بولس ، باستثناء واحدة منها هي "لاهوتيات الإسكندرية " التي كان متبحراً فيها، ومعلوم أن هذه اللاهوتيات هي المدرسة الفلسفية المسماة "الأفلاطونية الحديثة " التي أشرنا سابقاً إلى عقيدتها الثالوثية ، وعنها نقل بولس فكرة التثليث " يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التوبة:30]" والتعديل الذي أدخله على الأفلاطونية شكلي فقط، فالمنشئ الأزلي الأول فيها يقابله عنده الله "الأب" والعقل المتولد عن المنشئ الأول يقابله عنده يسوع "الابن "، والروح الكلي يقابله "روح القدس"، ثم إنه سار شوطاً أبعد من ذلك، فاستعار من المثرائية فكرة الخلاص، وجعل القربان الضحية هو الأقنوم الثاني "الابن". ثم إن الكنيسة أكملت المسيرة فأضافت إلى فكرة الخلاص فكرة تقديس الخشبة التي صلب عليه المخلص، وهكذا تتابعت البدع واحدة في إثر الأخرى، وكان نتيجة ذلك أن دفنت التعاليم الأصلية بطريقة تكاد تكون غير محسوسة تحت تلك الإضافات المألوفة [27] .

بهذه الطريقة، وبغض النظر عن الأهداف والدوافع الخفية، هدم بولس عقيدة التوحيد، وأوقع أتباع المسيح فيما كان قد حذرهم منه أبلغ تحذير، واكتسبت تعاليم بولس الصفة الشرعية المطلقة بقيام أحد أتباعه بكتابة الإنجيل الرابع المنسوب إلى يوحنا الحواري، والذي قال عنه جيبون : 'أنه فسر نظرية الكون الأفلاطونية تفسيراً مسيحياً، وأظهر أن يسوع المسيح هو الكيان الذي تجسد فيه الكلمة أو العقل (Logos) الذي تحدث عنه أفلاطون والذي كان مع الله منذ البدء'[28] .

على أنه من الإنصاف أن نذكر أن الثلاثة القرون الأولى التي تسميها الكنيسة عصر الهرطقة شهدت صراعاً محتدماً بين أتباع بولس وأثانسيوس ، وبين منكرة التثليث وعلى رأسهم "آريوس "، ولم يكتب النصر النهائي للثالوثيين إلا في مجمع نيقية، مع أنهم كانوا أقلية فيه.

يقول برنتن : 'وقد امتدت هذه الهرطقات فشملت الجانب الأكبر من السلوك والعقائد، ونستطيع أن نأخذ الجدل النهائي الذي ثار حول العلاقة بين يسوع والإله الواحد -الإله الأب- مثلاً لعصر الهرطقة كله، وأخيراً قبلت المسيحية الرسمية في عام (325) في مجلس نيقية بالقرب من القسطنطينية عقيدة التثليث أو ما نادى به أثانسيوس ، والثالوث "الله الأب، ويسوع الابن، والروح القدس"، طبقاً لهذه العقيدة: أشخاص حقيقيين، عددهم ثلاثة لكنهم واحد أيضا، وبقيت المسيحية وحدانية تثليثها يسمو على الرياضيات. [29] .

وهنا، عند هذه النقطة خاصة تصطدم آراء بولس وكنيسته بالفطرة والعقل اصطداماً مباشراً، فمهما حاول أي عقل بشري أن يتصور أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، فإنه لا يستطيع إطلاقاً، مع أن الملايين من أتباع الكنيسة يقولون في كل صلاة: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد...

لقد ظل العقل البشري يلح على الكنيسة أن تعطيه إجابة مقنعة يتخلص بها من سؤال داخلي قاتل وهو: كيف أصدق أن 1 + 1 + 1 = 1؟

فكان رد الكنيسة المتكرر دائما هو أن ذلك سر لا يستطيع العقل إدراكه.

هكذا كان رأى القديس أوغسطين (430) وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي، وقال: إن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه، لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشري. [30] وكذلك القديس توما الأكويني ( 1274)، فهو "يقرر أن الحقائق التي يقدمها الإيمان لا يقوى العقل على التدليل عليها، ففي استطاعة العقل أن يتصور ماهية الله (Essence)، ولكنه لا يستطيع أن يدرك تثليث الأقانيم، ومن دلل على عقيدة التثليث في الأقانيم حقر من شأن الإيمان'[31] .

وهكذا كان رأي الكنيسة وهي تواجه انتقادات " أبيلارد " في القرن الثاني عشر الميلادي الذي أدان رأي أبيلارد وقرر إحراق كتابه وأن يضعه بيده في النار [32] ولا يزال هذا هو رأي الكنيسة وإلا فماذا في إمكانها أن تقول غير ذلك؟

حتى الكنائس الشرقية تذهب إلى هذا الرأي، فالقس باسيلوس يقول: "إن هذا التعليم عن التلثيث فوق إدراكنا، ولكن عدم إدراكه لا يبطله".

وزميله توفيق جيد يقول: 'إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس تعتبر أعماقاً إلهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها أو تحليلها أو أن نلصق بها أفكاراً من عندياتنا'[33] .

من هذه الإجابات يتضح أن الكنيسة لم تضع حلاً للمشكلة إلا المشكلة نفسها، فالعقل يسأل الكنيسة عن سر التثليث فتجيب بأن هذا سر ويا ليت أنه كان السر الوحيد، ولقائل أن يقول: إن الأديان بما فيها الإسلام لا تخلو من مغيبات أو حقائق لا يستطيع العقل إدراكها، ولكن يدفع هذا القول أن هناك فرقاً بين ما يحكُم العقل باستحالته كالتثليث وبين ما لا يستطيع العقل إدراكه، والإسلام وإن كان فيه الأخير، فإنه يخلو تماماً من الأول، فليس فيه ما يحكم العقل باستحالته أبداً [34] .

إن الكنيسة بتبنيها لعقيدة التثليث قد فتحت على نفسها ثغرة واسعة يستطيع أعداؤها أن ينفذوا من خلالها إلى هدم الدين البوليسي الكنسي بسهولة، وكانت هذه العقيدة وأضرابها، المقومات الأساسية للفكر اللاديني الذي تستر بستار "النقد التاريخى للكتب المقدسة" ابتداء من القرن السابع عشر، ولا بأس هنا أن نورد قول أحد أقطاب هذا الفكر وهو الفيلسوف الفرنسي "رينان " الذي حرمته الكنيسة وحظرت كتبه: 'إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي، كما كان يفهمه هو، أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام، ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح، بل حمله على محمل آخر، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين وتعاليم العهد القديم، وبولس ، كما لا يخفى، كان رسولاً للأمم أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده، ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها ابتداء العالم وآخرها في عصرنا الحالي والمستمسكة بها جميع الكنائس، وأن أولئك الشراح والمفسرين يدعون يسوع إلهاً دون أن يقيموا على ذلك الحجة، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار: موسى، والزبور، وأعمال الرسل، ورسائلهم، وتآليف آباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله' [35] .

وإذا كان التثليث يتصف بهذه الصور العقيمة المستغلقة، وإذا كانت الكنيسة تعلم أنها لم تستطع -ولن تستطيع- حلّ هذه المعضلة -بل إنها غير مقتنعة في نفسها بما تقدم من حلول- فلم هذا الإصرار على تلك العقيدة؟ أهو التقليد الأعمى أم شهوة التسلط على العقول والقلوب؟

إن أحد هذين أو كليهما، لا مرية فيه، لكن الكنيسة تماري زاعمة أنها تتبع روايات العهد الجديد وشروحها.

وهنا نجد مرة ثانية، أن الكنيسة تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها، فإن منكري التثليث إنما ينكرونه لاعتقادهم أن الكنيسة هي التي أضافته إلى نصوص الأناجيل أو فهمته خطأً من ثناياها، وحينئذٍ تحتاج الكنيسة إلى إثبات صحة الأناجيل وصحة استدلالها منها، وأنَّى لها ذلك؟!

أما احتجاج منكري التثليث على الكنيسة بأنها أقحمت العبارات الدالة على التثليث في صلب الأناجيل، فإن له ما يسوغه، وهذا أحد الأمثلة عليه:

في الفصل الخامس من رسالة يوحنا الأولى نجد هذه العبارات: 'إن

ام نوران
21-03-2010, 06:54 PM
يتبع باذن الله

zahid
21-03-2010, 08:27 PM
بارك الله فيك أخت ام نوران والعلمانية في رأي انا هي اسم يتخفى به المنافقين في عصرنا هذا .