المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مبدعون سودانيون



محمد الجزولى
04-05-2010, 10:36 AM
<link rel="File-List" href="file:///C:%5CDOCUME%7E1%5CUser%5CLOCALS%7E1%5CTemp%5Cmsoht ml1%5C01%5Cclip_filelist.xml"><!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><style> <!-- /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-parent:""; margin:0in; margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:12.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";} @page Section1 {size:8.5in 11.0in; margin:1.0in 1.25in 1.0in 1.25in; mso-header-margin:.5in; mso-footer-margin:.5in; mso-paper-source:0;} div.Section1 {page:Section1;} --> </style><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]--><o> فى هذه المساحه سنتناول تباعا اعمالا لكتاب سودانيين سواء قصص قصيره او شعر
اتمنى التفاعل من الجميع وطرح ما يروق لهم هنا
وبسم الله نبدا
</o>

<o></o>

محمد الجزولى
04-05-2010, 10:38 AM
مجموعة قصص قصيره
د. بشرى الفاضل

(1)
جاذبية

خرج جدى الصير النابه "عبيد ود نقد"، رأسه مشغول بهموم الناس والأرض، غرق حتى أذنيه فى مفصل التفاصيل، حط قاربه فى فيئ الدومة واستظل بوارف ظلها، خمس دومات سقطن فوق رأسه، لم يمت جدى بفعل الدومات ولم يكتشف قانون الجاذبية
كدمة ظاهرة بقيت لعدة ايام فى مقدمة رأسه.

(2)
حيوان

هبطت نجمة من أعاليها فى السماء
أنفها قبالة موطنها الأول، وأرجلها لا ترضى بأن تلامس أرض بلادنا
بعض عقلاء الجهلة هللوا لها
"نجمة نجمة"
ويرى صاحبى أنها نجمة حقا
"لكن لها ضنب"

(3)
إنذار

انخفضت ضفة النيل اليسرى بينما اليمنى حافظت على مستواها
الناظر للنيل يرى ضفتيه ككتفى معتوه يتعجب مائلا بشدة وهو يقول
يعنى مياهه لو نطقت صاحت
"يا سودان هل تفلح الأرض أم أنكفئ لأدلق مياهى"

(4)
شكوى التماسيح

الضفتان بما فيهما تضيقان
والمياه والسمك مضجران، والقيظ أعلى بثلاث درجات من اعلان النشرة الجوية
خرجت التماسيح وصاحت فاغرات الأفواه
"آه ما أفظع قهر الضفاف.

(5)
أبشِر

عاد الشاب "المختلج" الأطراف لأهله بعد طول مكث، محملا بالثياب والعباب.
سعى بين أهله مفصحا عن رغبته فى الإقتران، خطبت له أمه نادية، فتاة تشتهى، أهلها قالوا عنه مناسب، جيرانهم قالوا كنز، ثيابه لا غبار عليها، ماله لا يشتكى نقص فيه
هرج، مرج، المارة عرفوا أن ثمة عرس ما يقام بالناحية
تصاعد الغناء ودخلت العروس حلبة الرقص وهى تخطو بإيقاع وخيلاء
قال الفنان يا ...، ففاجأها ضحك ينبعث من ناحية الفتيان، التفتت لترى بعلها المرتقب مثل بعير غاضب، يده فى السماء ورجله اليسرى فى عيذاب واليمنى فى البقعة
صاحت الفتيات الخجلات الشامتات
اشتر
أشت
أش
جرت العروس للداخل، جمد الفتى فى مكانه
"طالق"
فى سره طلق عروسه كأسرع طلاق فى تاريخ العرس السودانى
وجمد كل شئ
ثم علا صوت الصفقة المشيرة لأغنية جديدة
العروس عادت لمكانها من جديد ومن جديد عاد الغناء وصاح أهل العريس
أبشر .. أبشر

(6)
نملية العشق

قرب مدينة "نمولى" عاشت قبيلة من النمل
ملكات وحمالات وحمالون
أمينات وأمناء مخازن
عشقت صبية النمل نايلة نمول الفتى، هو روميو وهى تاجوج
ربط قيس يده الحبلية فى دلو عبلة وخرجا نحو قصر الملكة
قال الفتى جميل
أحبك يا جولييت
فأجابت الصبية ليلى
أموت فيك يا المهلب
فى الطريق صادفها الوزير المتنمل الأطراف قال
ما خطبكما؟
قالا
فى طريقنا للملكة لنعجن عصارة العشق جميعا
نلتقى، نفرح اذ تبارك الملكة زواجنا
سارا مائة وخمسون سنتميترا بأكملها ولاحت فى الأفق الملكة تعتلى نملية العرش، قالت
احسبك ايتها النمولة اللطيفة قد جئت فى موعدك، لكن أين خطيبك؟
قال نمول، هانذا
التفتت الملكة لترى حبيبا يوسفيا لونه كأبهى ما يكون السودا، فمه واسع يقوى على حمل حبة من الذرة الشامى
تحرك سائل الحسد فى دماغ الملكة نحو الخلايا العادلة فى الدماغ.
عقدت قرانهما ثم وزعتهما للعمل فى الحقول لجمع الحبوب
صارت النملة نايلة تخرج فى السادسة صباحا الى الخلاء، تدخل جحرا، تأخذ حبة وتخرج، وهكذا
وحين تعود لبيت الزوجية فى المساء، تصادف زوجها فى قارعة الطريق، تلوح له بمنديلها المبلل بالدموع النملية الباردة الصامتة
كان الفتى يعزق
يجد حبو وإن لم يجدها صنعها ثم أخذها وخرج
دخل أخذ حبة وخرج
هكذا ظلا يتناوبان الورديات وعدم اللقيا
حتى قضيا نحبهما

محمد الجزولى
04-05-2010, 08:24 PM
فيزياء اللون
عبد العزيز بركه ساكن

يلتقط الأصداف بأنامل قلقة لكنها بصيرة ماهرة : ترى، تحس و تقرأ في نفس لحظة اللمس، تقوص قدماه في مياه النهر الدافئة، يسمع أنين الرمل تحتها، كان يستهدف الأصداف الكبيرة ذات النهايات التي تشبه منقار النسر، هي كثيرة تقبع في المياه الضحلة، ولكن العثور عليها يحتاج لوقت و خبرة، هذا هو يومه الأخير في كلية التربية وقد ودع تلاميذه بالأمس بعد أن قاموا بانجاز جدارية تعليمية ضخمة تطل علي نهر النيل، تجلت موهبته في رسم حركة الحشرات،السحالي و الطيور الشرسة الجارحة، لذا خلده تلاميذه في الجدارية برسم ضب نزق يتسلق الحائط برجليه الخلفيتين وذيله، يقبض بقائمتيه الأماميتين علي فرشاة تلوين.

يقلب صدفة علي بطنها، يضعها مع الأخريات برفق في الصندوق الخشبي الصغير الذي أعده لهذا الغرض ، الآن عليه الحصول علي أكبر عدد ممكن من الصدفات الصغيرات ، يحتاجها لصنع أرياش الأجنحة و الزغب الناعم علي العنق، القوائم و المخالب، يريد أن يفعل شيئاً كله من النهر و لا علاقة له بالنهر ، يريد أن يقول أن النهر هو سيد الحياة.

كان جائعاً مرهقاً سعيداً و مستثاراً بصيده النهري،لبس هدوم العمل و اشتغل في الصندوق، يسكن وحده في منزل يتكون من حجرتين ومرحاض، يستخدم الحجرة الكبيرة كمحترف له، والأخرى كغرفة نوم ، سكن معه من قبل صديق سكير أدمن رباعي الفناء: الخمر، الحبيبة، الشعر و الجوع، ذات صباح أدهشه بموت صامت، منذ ذلك الحين ظلّ وحده، حتى البنيات اللائي يستخدمهن كموديل يعيدهن إلي حيث أتي بهن بعد العمل مباشرة،لا يطيق غير صحبة حبيبته فقط، بينما تدور الأشياء في رأسه تعمل معدته في صمت في هضم الفول و قطع الجبنة الصغيرة و الرغيفات كانت أنامله تتحرك في خفة وهي تصنع النسر الصدفي الضخم، بدأ بالمنقار الحاد الذي هو شبه معطي من الطبيعة ، ثم شكل العنق من الصدفات الصغيرات اللامعات الذهبيات الصفراوات الخضراوات البُنيات الأكثر خفة و بهجة و احتفاء بالضوء.

حَلّ المساء تدريجيا ، أضاء الكشافتين الكبيرتين اللتين توفران إضاءة أفقية تساعده في دقة الرؤية و تحديد اللون، كان يعرف أن اللون ليس في السطح أو الكتلة ولكنه في العين ذاتها و تأخذه العين من الضوء لذا كان يحتاج إلي ضوء كثيف مباشر، عندما دقت ساعته الحائطية معلنة الواحدة صباحا،كان النسر الأول قد اكتمل، وأخذت عيناه الحادتان الحمراوان تلمعان في ريبة ، مما جعله يحس بتوتر في أعصابه، قال لنفسه: " إنه الضوء.....؟ أضاء كشافة صغيرة ترسل ضوءاً أزرقَ خفيفاً في زوايا حادة، يختلط مع ضوء الكشافتين المائل إلي الحمرة، ولكنه شكل خدعة خاصة به يفهم الأستاذ قواعدها بصورة جيدة، ويعرف كيف يتعامل معها، لكن النسر الشرس الذي فرغ من صنعه للتو، حرك رأسه في اتجاه مصدر الضوء الأزرق كليةً، مما جعل الصدفات الرقيقات البهيات التي صنع منهن الصدر و زغب الرقبة تصدر صريراً باهتاً و ما يشبه صوت تصدع صدفة كبيرة، قفذ مرعوبا في الهواء ثم ضحك علي نفسه لمجرد التفكير في أنه خاف من شيء ما، حملق في النسر البَدَيَ الآن ساكناً صامتاً و بريئاً جداً، وبرقت في عينيه الحمراوين بعض الأدمع البُنِيّةِ، يعرف أن كل ذلك ليس سوي مداعبة اعتاد عليها من الضوء، الكتلة و الفراغ من جهة وعينه و مزاجه النفسي من جهة أخري.، إلا أن إحساسه بالخوف كان حقيقياً و أصيلاً، أحس بألم الوحدة، أحس بأنه أرهق نفسه أكثر مما يجب و عليه أن يذهب بعيدا و بأسرع ما يمكن من هنا.
عندما عاد إلي البيت في الفجر وجد كل شيء كما هو، النسر ما يزال علي قاعدته،ينتظر في سكون، الأنوار مطفأة حيث أنّ الكهرباء قد نفدت، أخذ يتمعن نسره، لقد برع في صنعه ، وهو يعرف أعماله جيدا، العظيمة المتقنة و تلك العابرة الهشة، هذا النسر عمل متقن، لولا تواضع الفنان لأطلق عليه صفة الكمال،ابتسم، بدأ في صناعة آخر...و آخر و آخر...و آخر.. بعد أسبوعين من العمل الشاق المتواصل و السهر كان بمرسمه الصغير عشرة نسور عملاقة، جميلة شرسة و كاسرة، تشع أعينها في قلق ، سوف يقوم بعرضها كأول معرض تشكيلي من نسور الأصداف في التأريخ ، هو الآن أنجز عملا فنيا كاملا، و إذا كانت الروح في متناول يده، لنفخ فيها الروح فطارت.

عندما جاءت حبيبته في ذلك الصباح وجدت الباب مغلقا كالعادة، فاستخدمت مفتاحها الخاص، سمعت جلبة غير معتادة في داخل المرسم، بل ضجيجاً، تعرف عن حبيبها الهدوء، لكنه أيضاً قد يمارس الفوضي حيث أنه كثيراً ما يقوم بتحطيم أعماله الفنية بعنف و همجية إذا لم يرض عنها و أحياناً يستخدم في ذلك فأساً ورثها عن جده، قامت بدفع باب المرسم بكل ما أوتيت من قوة .

لم يمض وقت طويل علي حضور الجيران عندما علا صراخها، بل أن البعض قد شاهد النسور الضخمة تخرج مندفعة من باب البرندة لتحلق في السماء فاردة أجنحتها الذهبية اللامعة في هواء يناير الساخن، وفي الداخل كان الهيكل العظمي الحزين يرقد مبللا بالدم الطازج.

تغريد
08-05-2010, 09:18 AM
الفكرة جميلة جدا يا محمد الجزولي

ومعا لنرسم معا لوحة جميلة من أجمل ما خطت أنامل مبدعينا

تسجيل حضور الي عوودة قريبة مع أحد مبدعينا

محمد الجزولى
08-05-2010, 10:08 PM
الفكرة جميلة جدا يا محمد الجزولي

ومعا لنرسم معا لوحة جميلة من أجمل ما خطت أنامل مبدعينا

تسجيل حضور الي عوودة قريبة مع أحد مبدعينا

الراقيه تغريد
معا لنجعل هذه المساحه واحة الابداع
فى انتظار حضورك الجميل

محمد الجزولى
08-05-2010, 10:14 PM
الفاتح جـــبـــرا
سافل شديد

(عزيز نسين) أديب تركي بارع في فن السخرية ما أن تقرأ له كتابا واحد حتى تستبد بك الرغبة إلى ملاحقه مجمل أعماله الروائية ومجموعاته القصصية وهو يستمد مادة أعماله من الاوبئه الاجتماعية التي تستشري في مجتمعه والتي تقارب كثيرا مشاكلنا قرأت له فى أحدى مجموعاته القصصية هذه القصة التى أود أن أشرككم معى فى قراءتها لتروا معى كيف أن مشكلات مجتمعه تقارب كثيرا مشكلات مجتمعنا .
تدور القصة حول رجل ذهب إلى قرية نائية من القرى التركيه وبينما كان يسير متنزهاً فى أحد السهول المخضرة وجد بيتاً جميل البنيان يعتلى أحد الهضاب المخضرة وقد تجمهر حول ذلك البيت القرويون من رجال ونساء وأطفال فقال للسائق الذى يرافقه : ما هذا؟ إلا أن السائق أجابه فى تذمر: هذا هو بيت المهندس السافل الذى أرسلته لنا الحكومة ليرعى شئون القرية فقال له الرجل : وما إسمه؟ إلا أن السائق أجابه فى حدة : ليذهب هو وإسمه إلى الجحيم .. إنه رجل سافل بمعنى الكلمة .
إندهش الرجل فهو يعلم أن السائق رجل طيب وعلى خلق فلماذا ينعت المهندس هكذا بأبشع الصفات لذلك فقد قرر فى نفسه أن يلتقى بذلك المهندس السافل على الرغم من تحذير السائق له بألا يفعل ، دخل الرجل إلى بيت المهندس فوجده واقفاً وأمامه فلاح يسيل الدم من قدميه الحافيتين وهو يصرخ بأعلى صوته بينما المهندس يضغط بكل قوة على ساقيه محاولاً إخراج القيح والصديد من جرحه المتورم ثم رأخذ ينظف الجرح بالقطن الذى سكب عليه بعض السائل المطهر وبجوارة الممرضه التى قامت بلف الشاش عليه وتضميده أخيراً .. إندهش الرجل وقال فى نفسه أهو مهندس ام طبيب ؟ ثم دخلت فلاحه شابه تحمل طفلاً أعطته أياه .. فخلع المهندس ملابس الطفل المتسخة وهو يصرخ فى أمه ما هذا يا إمرأة؟ كيف تتركى طفلك المسكين متسخاً هكذا ثم بدأ يغسل الطفل رغم الرائحة الكريهه التى تنبعث منه وأخذ يضع عليه بعض البودرة فى حنو وهو يدعبه .. ثم إبتسم للرجل الذى جاء ليعرف كم هو سافل وقال يخاطبه : لا تؤاخذنى فالحال هكذا كما ترى وقال للممرضة .. أعملى شايا للأستاذ .. وعاد وقال .. هى زوجتى ليست ممرضة لكنها تقوم بمساعدتى وأحضرت زوجته الشاى –يقول الرجل- فلم أجد شخصاً أرق وأكثر منه وداً وعذوبه .. وعاد الرجل ليركب سيارته وقال للسائق لقد قلت لى أن المهندس سافل ولكننى قابلته هو وزوجته ووجدتهما ملاكين حقيقيين فما السيئ فيهما؟ قال السائق آه لو تعرف أى نوع من السفله هما هنا قال الرجل فى غيظ لماذا؟ قال السائق قلت لك سافل يعنى سافل وأغلق هذا الموضوع من فضلك … فى مساء اليوم التالى جلس الرجل فى مقهى القرية وتحدث مع صاحب المقهى قائلاً ما رأئك فى المهندس؟ فبصق صاحب المقهى فى قرف وقال سافل حقير فسأله الرجل فى فضول لماذا؟ قال صاحب المقهى أرجوك لا أريد التحدث فى هذا الموضوع إنه شخص سافل وضيع وكفى .. وظل الرجل يسأل ويسأل ولا يتلق إلا إجابه واحده .. سافل .. سافل جن جنون الرجل وذهب إلى محامى القريه وقال له : طالما إنهم يكرهونه ويرونه سافلاً هكذا لماذا لا يشكونه إلى المسئولين فأخرج المحامى دوسيهاً ممتلئاً وقال .. تفضل أنظر ألاف الشكاوى أرسلت فيه .. قال الرجل ولماذا لا ينقلونه ؟ قال المحامى سيظل هذا السافل كاتماً لأنفاسنا .. وقرر الرجل أن يترك القريه بعد أن كاد عقله أن يختل ولم يعد يفهم شيئاً وقبل أن يرحل كان المحامى فى وداعه عند المحطة فقال له الرجل : أنا راحل من هنا ولكنى أكاد أموت من الفضول .. قل لى بربك لماذا المهندس إنسان سافل؟ وصدقنى لن أبوح بهذا الأمر لأى مخلوق؟ فقال المحامى بعد أن وثق بالرجل وتأكد من رحيله : لقد أدركنا من خلال تجاربنا مع الحكومة أنه كلما كثرت شكاوى الناس وكراهيتهم لمسئول كلما إحتفظت الحكومة به ولذا فقد إتفقنا جميعاً على أن نشتم المهندس وننعته بأبشع الصفات حتى يظل معنا أطول فترة ممكنة ولذا نحن نعلن رفضنا له ولسفالته من صغيرنا إلى كبيرنا بل ونرسل عرائض الشكوى ليبعدو هذا السافل عنا وبهذا الشكل تمكنا من إبقائه عندنا أربعه أعوام ولو تمكنا من إبقائه مثلهم سوف تصبح قريتنا جنة .. هنا فهم الرجل لماذا يشتمون المهندس وحينما مر موكب (الوالى) من أمامه وهو يستعد لركوب القطار ووجد الناس يهتفون له بحرارة ويمتدحونه بحماس أدرك على الفور أى نوع من الناس هذا (الوالى) !

كسرة :
شفتو مجتمع الكاتب التركى (عزيز نسين) بيشبه مجتمعنا كيف؟

محمد الجزولى
15-05-2010, 09:38 PM
معزوفة لدوريش متجول
*****************
محمد مفتاح الفيتورى

*****************
شحبت روحي, صارت شفقا
شعت غيما و سنا
كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا
أتمرغ في شجني
أتوهج في بدني
غيري أعمى , مهما أصغى , لن يبصرني
فأنا جسد ...... حجر
شيء عبر الشارع
جزر غرقى في قاع البحر....
حريق في الزمن الضائع
قنديل زيتي مبهوت
في اقصى بيت , في بيروت
أتالق حينا. ثم أرنق ثم أموت

***

و يحي...و أنا أتلعثم نحوك يا مولاي
أجسد أحزاني ....
أتجرد فيك
هل انت أنا؟
يدك الممدودة أم يدي المدودة؟
صوتك أم صوتي؟
تبكني أم ابكيك؟

***

في حضرة من أهوى
عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه
و رقصت بلا ساق
و زحمت براياتي
و طبولي في الآفاق
عشقي يفنى عشقي
و فنائي استغراق
مملوكك.... لكنـي
سلطان العشاق

محمد الجزولى
17-05-2010, 09:40 AM
بحيرة بحجم شجرة الباباي / للقاصة السودانية استيلا قايتانو

كل شيءٍ فيها كان يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع .. طولها الفارع ، ووقفتها المستقيمة رغم شيخوختها .لا ألمس في جدتي أي جماليات ، كنت أراها قبيحة جداً مثل الغوريلا ، شفتاها غليظتان ، رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب .. كان يزين شفتها السفلى ثقب هائل تسده بقطعةٍ من الخشب نحتتها لتكون صالحة لهذا الغرض . عندما تخرج تلك القطعة فإن لعابها يسيل عبره . أشهر شيءٍ قبيحٍ فيها أنفها الأفطس ، عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها كانت تقول دون أيّ جهدٍ في التفكير:- يكفي أنني اتنفس به ..كنت أرى الأفق عبر ثقب أذنها الهائل أيضاً .. الذي أخذ مساحةً كبيرةً من حلمة الأذن ، و هناك أيضاً ثقبَ في أنفها الأفطس ثم تبرز مساحةَ كبيرةَ من لثتها في الفك الأسفل نتيجة لقلع أربعة أسنان .. أما عيناها فكانتا حمراوتان تجثم فوقهما جفونَ منتفخة ..الشيء الذي عرفته عن جدتي أن لها مقدرة فائقة في تحمل الألم .. ذات يومٍ ذهبت تقضي حاجتها في العراء ، عندما عادت تحك كعبها الذي أخذ يتورم شيئاً فشيئاً دون أن يبدو عليها الألم ، سألتها في براءةٍ عما بها فقالت :يبدو أن أفعى لدغتني ، ثم أخذت مشرطاً وفصدت اللدغة كانها تفصد شخصاً آخر أو كان المشرط يصنع أخاديده المؤلمة في جسم غير جسمها ازددت اضطراباً و انا أرى دماً أسود يخرج من تلك الأخاديد .. ليصنع بركةً سوداء .. بركة بلون سمّ ودم ، ثم أخذت ترياقاً مثل حجرٍ أبيض اللون و سحقته بقسوة.. ثم أخذت تملأ تلك الأخاديد بالحجارة الصغيرة ذات الأثر الحارق في الجروح .. حدث كل ذلك و أنا أبحث عن أثرٍ للألم بين خلجاتها .. فجأة نظرت إليّ .. كنت منكمشةً فازددت انكماشاً .. خفت .. أردت الهرب .. و أنا أتذرع بأعذارٍ واهية لأنهض من قربها لأني أعرف عادتها ، إذا أخذت دواء .. أياً كان نوعه فإنها كانت ترغمني على أخذه خوفاً من انتقال العدوى إليّ ، فشلت في الهرب لأنها كانت قد أطبقت قبضتها الفولاذية على معصمي .. و بالمشرط صنعت خطين على ظهر يدي و كذا على قدمي ، لم تعطني حتى فرصةً للصراخ ، أحسست بألمٍ يتسلل عبر دمي ثم قطرات من الدم تنساب عبر الفتحات الثماني .. أخذت الترياق و دعكته بنفس القسوة .. كأنها تريد إدخال تلك القطع الصغيرة عبر أوردتي ، و قالت راطنة وهي تمارس قسوتها عليّ بصوتها الذي بالكاد يشبه صوت النساء :- هكذا حتى لا تجرؤ تلك الحبائل المتحركة على لدغك .. إذا رأتك إحداها فإنها لا تقوى على الحراك حتى تذهبي مبتعدة .و هذا ما يحدث دائماً عندما أكون و حدي أو معها .. و منذ ذلك اليوم لم تلدغ أفعى أياً منا رغم أنها كانت تتحرك في كل مكان، حتى في فناء بيتنا الواسع المليئ بالأشجار و الخضروات و شجرة الباباي ذات الأثداء الكثر و الكبيرة .كانت غرفتنا من القش ذات جدارٍ دائري وبابٍ قصير بحيث يركع من أراد الدخول فيها على ركبتيه ، و عندما تدخل تلاقيك ثلاثة مدرجات لتنزل إلي عمق الغرفة فترى سقفاً مخروطياً بعيداً ، فتصعب عليك المقارنة بين خارج وداخل الغرفة .. وهناك في نهاية البيت حظيرة تضم أكثر من ثلاثين بقرة ، فتزدحم في فتحتي أنفك روائح الروث و الفواكه والخضروات .. ورائحة جدتي ..كنا أنا وهي ، في كل هذا الصخب ، عائلةَ تتكون من جدة وحفيدة .. توفيت أمي و هي تلدني .. وتوفى أبي في رحلةِ صيدٍ عندما سحقته جاموسةَ هائجةَ بقرونها ، أما جدي فقد أعدم عندما قتل أحد الإنجليز ممزقاً نحره بالرمح لأن نظرات الإنجليزي لم ترق له .. بقيت مع جدتي منذ عمر يوم ، أرضعتني حتى العاشرة من عمري .. كان ثدياها مثل ثمرة الباباي في الضخامة و ما تحوي من لبنٍ طازجٍ ذي طعمٍ غير مفهوم و لكنه جميل ، كنت أرضع قبل الذهاب بالأبقار إلي المرعى ، و بعد أن أعود فلا أشتاق إلا لثمرة الباباي الموجودة على صدر جدتي .. كنت حينها في الثامنة من عمري ، حضرت ذات يومٍ و لم أجدها في البيت .. أدخلت الأبقار في الحظيرة و أنا أناديها مراتٍ و لكن لم تجب .. أعماني إدماني عن رؤية أي شيئ و ناديتها بأعلى صوتي فردت عليّ من بيت جارتنا التي كان يفصل بيننا وبينها جدارَ من البوص و الأخشاب :نعم .. هل حضرتِ يا ابنتي؟رأتني في حالةٍ عصبيةٍ و الدموع واقفةَ على جفوني و أنا أقول لها في صوتٍ مخنوقٍ بالعبرة و الغضب :أسرعي أريد أن أرضع.قلتها في صوتٍ حازمٍ و في غيظ ، فتأتي و تجلس على الحصير ، أتناول ثديها في نهمٍ و لهفةٍ غريبين ، متجاهلة تعليق جارتنا و هي تضحك علينا و تؤنب جدتي على كيفية نهمي على الرضاعة و أنا في هذا العمر المتأخر.لم تكن جدتي ترتدي أي شيئٍ سوى جزءٍ ضئيلٍ من الجلد مكون من قطعتين ، معلق بحبل جلدي لفته تحت السرة يتدلى من الأمام و من الخلف ساتراً عورتيها ، أنا حتى ذلك العمر كنت أتساءل لم تضع جدتي تلك الفروة في هذه المواضع .. لم لا تكون مثلي؟عندما بلغت العاشرة من عمري حدثت تغيرات أثرت على مجرى حياتي ، صنعت لي جدتي شريحتين من الجلد لأغطي المواضع التي تسترها هي .. و منعتني من الرضاعة .. كانت أياماً صعبة ، كنت لا أنام الليل أشعر بلهفةٍ عارمة لأرضع كما أشعر بنفس الرغبة لأتعرى ، عشت أساماً لأتخلص من هذه المشاعر المخجلة ، كنت أعود إليها كلما سنحت لي فرصة ، مثلاً عندما تسكر جدتي بذلك الخمر البلدي مع صديقاتها العجائز ، كانت لا تدري من الدنيا شيئاً و لكنها كانت تتعبني جداً ، خاصة بعد ذهاب صديقاتها من بعد صخب من الرقص والغناء الفاتر ، كانت تتكلم مع الموتى ، مثلاً كانت تقول لأمي : أنتِ يا ربيكا يا ابنتي .. لولا خوفك من الولادة و ربطك للولادة بالموت لما مت .. و أنت يا ماريو فقد قتلك التحدي رغم خوفك ، أما أنت يا زوجي العزيز فقد قتلك جهلك ، ثم تلتفت إليّ قائلة و قد التوى لسانها في الحديث و عيونها أكثر احمراراً و جفونها متورمة لدرجة الانفجار ، وهي تحرك تلك القطعة الخشبية التي أصبحت جزءاً من شفتها المترهلة أكثر مما ينبغي بلسانها المتحرك في قلق :- أتعلمين قصة موت جدك؟- لا ياجدتيرغم أنني كنت أعرف القصة و أحفظها عن ظهر قلب ، إلا أن ردي لا يعني لها شيئاً سواء كان بلا أو نعم ، لأنها كانت ستسردها في الحالتين .. ثقل لسانها و أخذت الكلمات تخرج ملتويةً و مقطوعة ، كنت أسمعها كأنها محشورة في قلةِ كبيرة فيخرج صوتها بعيداً .. قوياً .. ومشوشاً .لقد قتل جدك أحد الإنجليز في زمن الاستعمار فحكمت عليه المحكمة بالاعدام و هو لا يدري ذلك ، كُتب الحكم في ورقة .. و كان عليه أن يقطع مسافة كبيرة لتنفيذ الحكم في مكانِ آخر .. كان جدك الغبي سعيداً لأن الانجليز أعطوه ورقة و قالوا له إذهب سوف يلقاك أناس هناك .. أعطهم هذه الورقة .. حمل الرسالة وقد حشرها بين شقي عودِ من البوص حتى لا تتسخ .فصنع لنفسه رايةً صغيرة وهو لا يدري أنها راية موته ، و عندما وصل .. نُفذ الحكم فمات و الدهشة مرتسمة على و جهه الغبيَ ..ثم تضحك في هستيريا و تعيد القصة مرة أخرى بعد السؤال ذاته ، و بعد دهر من الكلمات و الجمل الملتوية .. ثم تباعد بين الجمل .. و تباعد بين الكلمات .. يليه تباعد بين الحروف .. ثم صمت و انفاس ثقيلة و شخير مزعج يضج في انحاء بيتنا الواسع بعد أن تبكي على موتاها بنفس هستيريا ضحكها حتى تنحدر الدموع على صدرها .كنت أفرح ويرقص قلبي طرباً ، لأني سأمارس أشيائي التي حرمت منها دون أن اواجه عيوناً حمراء أو صوتاً رجالياً يأمرني بالابتعاد .. أنزع ذلك الغطاء الجلدي الساخن و ألقيه في أبعد مكان ، أقترب من جدتي التي نامت ملقاة أطرافها في كل مكان .. حتى الشريحتان لا تفلحان في تغطية شيئ من جسمها الضخم الممدد على أرضية غرفتنا العميقة .. أتناول ثديها و أشرع في ممارسة رضاعتي في نهم محموم ، عندما امس حلمتها للوهلة الأولى أتذوق طعماً مالحاً ، طعم دموعها .. رغم قبحها لم اكن أتقزز منها فأنا احبها ، أستمر في تلك الحالة و أنا أسمع صوت الرعد بالخارج و أمطاراً غزيرة تضرب السقف المصنوع من القش في إصرارٍ ثائر ، أتجاهل كل هذا الصخب .. صخب الطبيعة المفاجئة ، لأعيش عالمي ، عالم يتكون من بحيرة في حجم ثمرة الباباي ، بحيرة غزتها الشيخوخة فنضبت و ترهلت حتى وصلت السرة.ذات يوم و أنا أسير خلفها في طريقنا لجلب الماء من النهر ، و نحن نتخذ شريطاً من الطريق الذي صنعته أقدام البشر بين الحشائش التي تغطي نصفنا الأسفل ، بلغت حينها الخامسة عشر من عمري ، كانت تضع قلةً كبيرةً سوداء على رأسها ممسكة بها بيدها اليسرى فيظهر شعر ابطها الأحمر الذي احترق بالعرق ، و أنا ارى الأفق عبر ثقب أذنها ، و أعد خطوط الشيخوخة التي أصبحت واضحة في مشيتها السريعة المتعثرة ، و ترهل بطنها و ثدييها الذان عندما يصطدمان بالبطن يصدران صوتاً كالتصفيق في حالتي المشي و الرقص ..كانت كغير عادتها هائمة صامتة ، كنت أحاول اللحاق بها بين حين و آخر بهرولة خفيفة ، فجأة توقفت لأنَ هناك أفعى ملونة ترفرف حولها فراشاتَ تحمل ذات الألوان الطفيفة ، اندهشت لذلك و قلت مازحة : منذ متى تقف جدتي لرؤيتها أفعى؟ قالت بعد أن تنهدت بعمقٍ ولأول مرة ألمح خوفاً مخلوطاً بالحزن قد جثم على أخاديد و جهها الكثيرة و العميقة ، قالت: هذه الأفعى نذير شؤم .. تابعنا سيرنا دون أن نتحدث ، قالت جدتي بعد أن فقدتُ الأمل في أن تتحدث :- أتعلمين أني رأيت جدك قبل أيام؟في الحلم؟- لا .. بل في الواقع ..و لكن ياجدتي .. جدي قد مات كيف ترينه مرة أخرى؟- رأيته في صورة تمساح .. ضحكتُ و لكنني سرعان ما صمتّ عندما رأيت الجدية على وجهها .وكيف عرفتِ أنه جدي؟- من تلك العرجة التي كان مشهوراً بها و صفات أخرى أعرفها أنا فقط عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلي أشياء أخرى تحمل الصفات التي كنا عليها ، نتحول و لكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول إلي تمساح ..و ماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟لا أدري إلي ماذا سأتحول ، و لكني أتمنى أن أتحول إلي نسر .و منذ ان ماتت جدتي و علاقتي بالنسور قوية ، كلما ألمح واحداً أتأمله في تحليقه عسى أن أجد بعض صفات جدتي ، ثدياً بحجم ثمرة الباباي .. عيوناً حمراء .. جفوناً منتفخة .. أو لبناً بطعم الملح

بورتبيل
17-05-2010, 11:59 AM
الفكرة عجبتني شديد

باذن الله سوف ارجع ليك واشارك معاك فيها

تسلم يا ود الجزولي

خالص الود

محمد الجزولى
17-05-2010, 09:38 PM
الفكرة عجبتني شديد

باذن الله سوف ارجع ليك واشارك معاك فيها

تسلم يا ود الجزولي

خالص الود

الجميل بورتبيل شخصيا
يا مرحبا ... يا مرحبا
البوست عباره عن مختارات لادباء وكتاب سودانيين فى شتى ضروب الادب والشعر
اكون سعيدا جدا بمشاركتك هنا اخى بورتبيل
وفى انتظارك يا جميل حتى تثرى البوست
لك كامل الود والاجترام

محمد الجزولى
18-05-2010, 11:00 PM
محمد المكى ابراهيم


من غيرنا

من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ

من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسيرْ

من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ

جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمةْ

المستميتِ على المبادئ مؤمنا

المشرئب إلى السماء لينتقي صدر السماءِ لشعبنا

جيلي أنا

******

هزم المحالاتِ العتيقة وانتضى سيفَ الوثوقِ مُطاعنا

ومشى لباحات الخلودِ عيونهُ مفتوحةٌ

وصدوره مكشوفةٌ بجراحها متزينهْ

متخيرا وعر الدروب وسائراً فوق الرصاص منافحا

جيل العطاءِ لك البطولاتُ الكبيرةُ والجراحُ الصادحهْ

ولك الحضورُ هنا بقلب العصر فوق طلوله المتناوحهْ

ولك التفرّد فوق صهوات الخيول روامحا

جيل العطاءْ

أبداً يزلُّ المستحيل لعزمنا وسننتصرْ

وسنبدعُ الدنيا الجديدةَ وفقَ ما نهوى

ونحمل عبءَ أن نبني الحياة ونبتكرْ

محمد الجزولى
05-06-2010, 10:27 PM
البيت .. الحلم
الكاتب المبدع عمر حسن غلام الله ( 114)
لبس أبي جلبابه ووضع المظروف الغالي داخل جيبه وتأكد أنه وصل الى قاع الجيب، وتحسسه عدة مرات قبل أن يصل باب الحوش، وأمي وراءه توصيه أن يركب تاكسي بدل البصات حتى لا ينشله أولاد الحرام، وأوصته أن يركز جيداً وهو يوقع العقد- عقد شراء البيت- وألا ينسى أن يأخذ معه حسين وعبد المجيد ليشهدوا على العقد، فهم معروفون في السوق ومأمونون.. كل هذا ويد أبي تتحسس المظروف (أبو مية جنيه).. تلك المائة التي جمعها أبي خلال مسيرة عمله في وزارة الري، مضافاً إليها ما وصله بالأمس من الشمالية نصيبه من ثمن محصول البلح الذي تم بيعه في هذا الموسم.. وحصيلة ثمن ذهب أمي الذي ورثته عن أمها وذاك الذي أهداه إياها أبي في عرسها، والذي بيع أيضاً، ليكتمل ثمن البيت الذي سيأوينا بعد تقاعد أبي عن العمل ونزع البيت الحكومي منا..
رغم أن أمي أقنعتني بأن أؤجل موضوع خزانة الكتب التي رغبت في الحصول عليها إلى حين- لأن البيت أهم- ولكن ما زلت ممتعضاً من هذا التأجيل، فكتبي على الأرفف يعلوها التراب، وتحت المراتب.. ولكن البيت أهم، هذا ما ظللنا نسمعه طيلة سنين طويلة كلما أردنا شيئاً أو رغبنا في حيازة شئ، ثم طمأنت نفسي بأن العقبة الكأداء قد أزيحت ابتداء من اليوم، فعقب شراء البيت لن يكون هناك عذر لتأجيل شراء خزانة الكتب والاشتراك في النادي الرياضي، وشراء كتب آجاثا كريستي وروايات أحسان عبد القدوس وسلسلة جيمس بوند..
لاحظت أن حركة أمي في البيت غير عادية، فهي تدخل وتخرج من غرفة الى غرفة ومن المطبخ الى الحوش ثم الى المطبخ مرة أخرى، ثم تفتح باب الحوش وتنظر الى الشارع- رغم أن أبي قد اختفى من الشارع منذ فترة ليست بالقصيرة، ومؤكد أنه لم يعد بعد- وتحدث كل هذه الحركة في أوقات متقاربة جداً، وهي متوترة، وتتغير تعابير وجهها باستمرار، فمرة هي مبتسمة ومرة مغضنة الجبين مكفهرة، مرة تغني ومرة تمدح ومرة تدعو، ويبدو ان موضوع شراء البيت هو السبب وراء هذه الحركة الكثيرة.. حاولت أن أشغلها بالحديث معها، ولكنها كانت ترد عليّ باقتضاب وبالها مشغول عني..
ويبدو أن التوتر قد انتقل إليّ أنا أيضاً، فقررت أن أخرج وأمشي قليلاً لعلي أفرغ شحنات التوتر تلك، وخارج البيت قررت أن أذهب الى صديقي عبد الواحد.. جلسنا نلعب الورق (كونكان 14) فما أحسسنا بالزمن، وفجأة تذكرت أبي والبيت وأمي القلقة، فقفلت راجعاً الى حيث نسكن، طيلة الطريق وأنا أحس بإحساس مبهم، شئ ما في صدري، شعور غير مريح، شئ أشبه بالخوف، ولكن خوف من لا شئ، خوف من نوع غريب غامض..
ما إن دلفت إلى داخل الحوش حتى أدركت أن شيئاً ما قد حدث.. شئ غير سار.. وجدت أبي وقد بدأت عليه فجأة علامات الكبر، يرقد في عنقريب بدون لحاف- يبدو أنه لم ينتظر حتى يضعوا اللحاف- ورأيت أمي تضع راحتي كفيها على رأسها وتحيط بساعديها جانبي وجهها، وعيناها جاحظتان وهي تحملق في أبي، وسمعت نهنهة فالتفت فإذا اختي تضع وجهها على حجرها وتنتحب.. ماذا جرى؟ لم استطع أن أسأل هذا السؤال، أو بالأحرى لم اتجرأ على السؤال.. فخوفي من الإجابة حبسني..
- أبوك نشلوه يا ولدي!
طلعت هذه الجملة حشرجة من أمي، بالكاد سمعتها، وبالكاد فهمتها، ولكني لم استوعبها..
- قلتي شنو يا أمي؟
- قروش البيت اتنشلت من ابوك.. المية جنيه..
- كلها؟
وكأني بهذا السؤال اترك لنفسي المجال لاستيعاب ما حدث، لكن يبدو أن عقلي توقف عن العمل.. خزانة الكتب، روايات ارسين لوبين، الاشتراك في النادي الرياضي.. كل هذه ضاعت؟ كل أحلامي تبخرت؟ أين نذهب بعد أن ينزعوا مننا البيت الحكومي؟ حتى مصوغات أمي ضاعت منها إلى الأبد؟
قضيت الليل ما أنا بنائم ولا أنا بمستيقظ، كوابيس وقلق ونوم متقطع، وبين اليقظة والكوابيس سمعت صرخة أمي، فقفزت من السرير قبل أن افتح عيوني، فاصطدمت بالترابيزه الموجوده امام السرير وسقطت أرضاً، ونهضت واقفاً وجريت الى مصدر الصرخة فوجدت أمي تقف أمام ابي المضجع في سريره وفمه مرتخٍ جانبه الأيمن، وهو يحاول أن يتكلم ولكن يبدو أنه عاجز عن الكلام.. فبدأ يؤشر بيده اليسرى- وهو لم يكن أيسر- فجرت عيني الى يده اليمنى فوجدتها لا حراك بها.. لقد أصيب أبي بشلل نصفي..

***

بدأت بعود واحد من قصب السكر يقطعه لي بائع القصب بالجملة الى أربع أو خمس قصبات صغيره أبيعها عند باب بيتنا، ثم أصبحت أشتري ربطه كاملة من القصب استأجر حماراً لنقلها الى أمام بيتنا، فقد أصبح لي زبائن كثر، وفي المساء استجلب ربطة أخرى لأبيع القصب أمام السينما، كان ريع بيع القصب يكفي معيشة أهلي بالكاد، لذلك كان لابد من تغيير مسار حياتي، فلا مجال لأن أدرس الجامعة، لذا بعد نجاحي في امتحان الشهادة الثانوية بتفوق قدمت لكلية الشرطة- الشرطة وليس الجيش- فلابد لي من تأديب النشالين والحراميه، أليسوا هم السبب في وفاة والدي؟ أليسوا هم السبب في تغيير مجرى حياتي وحرماني من دخول كلية الهندسة التي أهلني مجموعي لدخولها؟ أليسوا هم السبب في حرماني من قراءة قصصي المفضلة من (روايات عالمية) والقصص البوليسية لآجاثا كريستي، والروايات العاطفية لمحمد عبد الحليم؟ أليسوا هم السبب في جعلي (بائع قصب سكر) بدلاً عن التحاقي بالنادي الرياضي الذي أحبه؟ لابد من الثأر منهم، يوماً ما سأعرف من نشل أبي وسأقتص منه.
وآثار جريمة هؤلاء الجبناء تعدت المسائل المادية والدراسية الى عمق المسائل العاطفية، فقد أجبرني احترافي لبيع القصب أن أنأى بنفسي عن (الحنان)، وحتى عندما اكتسيت البدلة العسكرية ولمعت على كتفي النجوم التي لفتت أنظار حسان الحي، لم آذن لقلبي أن ينفتح لاحداهن، فالهدف الأوحد هو شراء البيت- ذاك الهدف الذي أودى بحياة أبي- ولأجله كنت أقبل نقلي الى مناطق الشدة، ففيها استطيع أن أوفر أكبر جزء من راتبي، ومنها استطيع جلب ما يمكن بيعه في المدينة، فقد اتقنت التجارة بدءاً من قصب السكر مروراً بخشب الدمازين وأبنوس الجنوب وعسل الغرب وبلح الشمال ومهملات ميناء بورسودان..
تعلقت بي سابنا (هكذا كان يلقبها أبناء الحي)، ولكني كنت في شغل شاغل عنها، ويبدو أنها اعتبرت تشاغلي عنها نوعاً من (التقل) المتعمد، فزادت من تعلقها وولهها بي.. كانت بالفعل جميلة ورقيقة، ولا غرو ان أطلق عليها شباب الحي هذا الإسم، ووصفني أصحابي بأنني إما أعمى أو مجنون أن أترك مثل هذا الغزال يفلت من بين يدي، وتمنوا لو نالوا حتى نظرة من عينيها أو بسمة من ثغرها.. قلت لهم- ولها- أن مشواري ما زال طويلاً، قالت سانتظرك، قلت حرام أن أظلمك واجعلك تنتظرينني سنين لا أعرف كم سيكون عددها.. وانتظرت وطال انتظارها- او هكذا خيل إليها عندما تقدم لها المغترب- فجاءتني تخبرني بأمر هذا الخاطب، فباركت لها، فدمعت عيناها، ثم هربت من أمامي.. وتزوجته.. ودمعت عيناي.. لأول مرة منذ وفاة أبي..
كله يهون في سبيل تحقيق حلم أبي الذي رحل بسببه، وحلم أمي الذي باتت تنتظره مني، وحانت اللحظة السعيدة، فقد كافأني أحد التجار الكبار بمبلغ محترم لمجهوداتي في إعادة مسروقات قيّمة له، فأضفتها لما تجمع لدي من مال طيلة السنوات السابقة من بيع منتجات الأقاليم، واخذت سلفة من البنك، وأكملت ثمن البيت، مائة مليون جنيه.. لم أعد أدري هل أنا سعيد أم حزين؟ سعيد لأنني حققت حلم الأسرة، وحزين لأن هذا البيت دفع ثمنه ابي عمره، ولأنه أخذ مني أحلى أيام العمر.. فترة الصبا والشباب.

***

عدت من مكتب المحامي بعقد شراء البيت، وقبل أن أصل الى باب البيت الذي نسكنه ناداني أحدهم، فالتفت، فإذا به أحد سكان الحي المجاور لحيّنا، فسلم عليّ ثم سلمني مظروف، نظرت في المظروف فوجدت أنه معنون الى أبي – رحمه الله- فعقدت الدهشه لساني، ولم انطق ببنت شفه، ونظرت الى الرجل نظرة استغاثة أن يُفهمني ما ذاك المظروف ومن أرسل لأبي رسالة وأبي قد فارق الدنيا منذ أمد بعيد..
شرح لي أنهم قد هدموا البيت الذي اشتروه ليعيدوا بناءه فوجدوا داخل الجدار علبة حديدية فتحوها ووجدوا بداخلها هذا المظروف، فقرأوا الإسم على المظروف وعرفوا أنه يخص والدي..
فتحت المظروف.. واخرجت محتواه.. إشعار تحويل مبلغ عشرة جنيهات من بوستة كورتي الى بوستة ود مدني، و.. مبلغ مائة جنيه..
شعرت بدوار، أمسكني الرجل، لحقت باب بيتنا بالكاد، استندت عليه، أعدت فحص المظروف ومحتوياته، لم أستطع رؤية شئ، كانت غشاوة تمنعني، بل كانت دموع ترقرقت في عيني.. لماذا يظهر هذا المظروف الآن؟ في هذا اليوم بالتحديد، وفي هذه اللحظة بالذات التي تسلمت فيها أوراق البيت؟ البيت الذي كان من المفروض ان نشتريه منذ عقدين من الزمان- أو يزيد- لولا هذا النشال المجرم.
وزاد الرجل توضيحاً بأنهم كانوا قد اشتروا هذا البيت منذ مدة، والذي يبدو أن مالكه السابق لم يكن يسكنه، بل كان يؤجره لأحدهم، وربما أن المستأجر الذي عاصر تلك الأحداث- المؤلمة لنا- هو من خبأ المظروف في الجدار.. فهو بلا شك من نشل أبي، وقضى عليه، وأرمل أمي، ويتّمنا، وقضى على طموحاتي.. ثم ترك الزمن يأكل تلك المائة جنيه دونه.. نعم تذكرت الآن من كان يسكن ذلك البيت في تلك الفترة، إنه بالفعل لم يكن ذو سمعة طيبة، ولم يمهله العمر ليستفيد من غنيمته الكبيرة، لقد لحق بأبي الى دار الآخرة قبل أن يستخرج كنزه المسروق، فتركه للزمن ليصبح مجرد أوراق ملونه لا تساوي حتى (حلاوه كرمله).. مائة جنيه كانت كافية لشراء بيت الأسرة، اختزلت في اوراق لا قيمة لها، لقد كانت كالمائة مليون التي اشتريت بها البيت اليوم، ولقد كانت أهم من كل ملايين الدنيا، لأنها كانت ستبقي حياة أبي- استغفر الله العظيم، استغفر الله العظيم..
وانتبهت للرجل يردد معي استغفر الله العظيم، استغفر الله العظيم ..

محمد الجزولى
20-06-2010, 09:49 PM
العزلة
القاصه المبدعه صباح سنهوري
ملحوظه هذه القصه فازت بجائزه الطيب صالح عام 2009


الجو حار، حار جداً وخانق. لا يوجد شيء سوى هذه الطاولة التي أنام عليها، هنالك أربعة أبواب لهذه الصالة واثنتا عشرة نافذة. هذه الصالة على شكل مستطيل، يوجد في كل ضلع باب، في الضلعان القصيران توجد نافذتان بحيث يكون الباب بينهما، وفي الضلعان الطويلان توجد نافذتان يسار الباب واثنتان عن يمينه.
البلدة خالية، تماماً، إلا من صوت أفكاري الشاردة مني حتّى الغضب. وحدي أنا في الصالة، وحدي أنا على الطاولة، وحدي أنا في البلدة، وحدي أنا من لا يشتهيه الموت. متمدِّدٌ على الطاولة الخشبية التي أوشكت خلايا نخاعي من البناء عليها ومن ثمّ الاندماج. النهوض يتطلب مني جهداً جباراً، فهو يشبه إلى حدٍّ كبير انسلاخ الثعبان عن جلده. أحاول جاهداً النهوض. (والآن، تُرَى أين وضعت الصندوق؟!. إنه بالخارج حتماً). خرجت من الباب الذي يقع في إحدى الضلعان الطويلان فالطاولة تقع في منتصف الصالة، لذا، فكون الخروج من أحد البابين اللذين في الضلعين القصيرين سيضاعف مقدار الجهد الذي أبذله.
في الخارج، كان الجوّ حاراً كما في الداخل تماماً، ها هو الصندوق قابعٌ بالقرب من الباب؛ لست أدري من أين أتى، كل الذي أعلمه أنه، منذ أن بدأت ألملم أطرافي، رأيت هذا الصندوق، وهو يحوي زجاجات من الخمر المعتّق. لم يعد هذا الخمر يجدى نفعاً، فلا شيء أصبح يؤثر على عقلي، كنت أعتقد في قرارة نفسي أنه ربما بعض الخمر تَفِي بالغرض، ربما أتذكر شيئاً، أي شيء. ربما أتذكر على الأقل من أنا؟، ما اسمي؟، من أين أتيت؟، ما هذا المكان؟، أين ذهب البقيِّة؟، ومن هم البقية؟.
الجو حار، حار جداً وخانق، وكأن هذه البقعة هي المكان الوحيد الذي وُظِّفَت الشمس لأجله، وفي هذا المكان وصل الهواء إلى سنّ التقاعد، وربما لَقِيَ حتفه. تناولت زجاجة خمرٍ وبدأت بالشُرْب، رميت الزجاجة جانباً. مازلت بكامل وعيي. خطرت ببالي فكرة، وهي أن أطوف بهذه البلدة، بدأت في السير على الطريق، ترى أين البشر؟. لكم أتمنى الآن أن يظهر أمامي كائنٌ من كان؛ إنساناً، حيواناً، سواء كان ذلك الحيوان مُستَأنَسَاً أو خَطِرَاً. لماذا أنا وحدي هنا؟.
البلدة هادئة، ساكنة، لا أسمع أيّ صوت سوى صوت دقات قلبي. دخلت إلى أحد المنازل، كان الباب غير موصد من الداخل ولذا كان من السهل عليَّ الدخول. المنزل مظلم قليلاً ولكن تسهل فيه الرؤية، ياله من أثاث جميل ومرتَّب. لمحت بعض الصور التذكارية على الحائط، يبدو أنها لأفراد هذه المنزل. ياله من صبي جميل، أهؤلاء والداه؟، يبدو ذلك. ترى أين هم الآن؟!. فجأة أحسست بقشعريرةٍ باردةٍ تسرى في كامل جسدي، عندها فقط قررت الخروج من هذا المنزل.
واصلت سيري في الطريق، المنازل على جانبي الطريق، تبدو هادئة تماماً. ما هذا الشيء هناك؟ إنها طاحونة هوائية، ياللسخرية!!، طاحونة هوائية؟!، يبدو أنهم بنوها قبل أن يتقاعد الهواء. إذن فقد كان الهواء مُوَظَّفاً هنا!. ترى هل يوجد أحد بداخلها؟. دلفت إلى الداخل، أرى عدداً من بيوت العنكبوت هنا، حتى بيوت العنكبوت تبدو مهجورة. ولكن أين العنكبوت؟! تَلَفَّتُّ حولي، يوجد العديد من جوالات الدقيق، وهذا الوعاء مليء بحبوب الغلال التي لم تُطحَن بعد، لا بد أن يوجد أحد هنا. أجل، فمن غير المعقول ألا يوجد بشر، واحد على الأقل، حسناً، عنكبوت واحد فقط، لا بأس يكفيني جرذ واحد، أرجوك، حسناً، سأنادي بأعلى صوتي علَّ بعضهم يستيقظ، لن أكون طماعاً يكفيني أن أقول (علّه) يستقيظ. حسنٌ سأنادي.. يإلهي؟ كيف أنادي؟ لماذا لا تخرج الكلمات من فمي؟!. لا بأس فلتخرج الحروف متقطعة، أوه لا، تُرَى بأيةِ لغةٍ أتحدث؟. أدرك تماماً أنني أجيد الكلام، فأنا أفكر دائماً بهذه اللغة، ولكني أتحدث بها إلى نفسي، من داخلي، وليس من فمي. لم أتحدث إلى أحد منذ فترة طويلة ولا أتحدث إلى نفسي بصوتٍ مسموع، هل هذا لأنني أخاف من أن أوصف بالجنون أم لأنني أخاف من أن يسمع أسراري أحد؟!. ليتهم يصفونني بالجنون، فقط يظهروا أمامي ويصفوني بالجنون، عندها سأبلغ قمة السعادة.
لو كنت تذكرت أن الناس تتجمهر، لتنصَّت إلى من يُحَدِّث نفسه ليتناقلوا حديثه فيما بينهم، لتحدثت بكل لغات الكون وبأعلى درجةٍ أملكها من الصوت، ربما كل هذه الأشياء تجذب البشر، ولكن لا جدوى من ذلك الآن، فقد فقدت أملي الأخير. فقدت صوتي للأبد. خسارة. مؤكد أن هذه الأشياء تجذب البشر كما يجذب العسل النمل. ماذا؟! هل ذكرت كلمة عسل؟!، أجل، أذكر أنني رأيت عسلاً في ذلك المنزل الذي دخلته، أجل؛ العسل، النمل، وجدتها، أجل وجدتها. خرجت من تلك الطاحونة الهوائية وجريت بسرعة إلى حيث المنزل، فتحت الباب وأسرعت إلى الداخل. أحاول التذكر: أين رأيته، أجل، هاهوذا.
أخذت العسل وخرجت به إلى الطريق، إنها مُحْكَمَةُ القفل، ولكنها لن تكون صعبة على إنسان قد أوشك على فقدان الأمل وظهر له الأمل فجأة من بعيد. بالطبع أنا الآن أقوى من جبل، ها هي العلبة مفتوحة بين يدي. تذوقته، إنه جيد لا بأس به، فلا زال يحتفظ بطعم العسل. أمسكت بالعلبة، بدأت بالسير على الطريق وأنا ممسكٌ بالعلبة والعسل يتدفقُ منها. أوشك العسل على النفاد. جيد، هذه الرقعة تكفي. انتهى العسل، لا بأس، فهذا يكفي. والآن سأنتظر النمل، أرجو ألا يطول الإنتظار. لا، لن يطول انتظاري فأنا أعلم جيداً أن تلك النملة النحيلة، والتي تمتلك حاسة الشم الأقوى في مملكتهم، ستشتمّ رائحة العسل، وستخبر جميع أفراد المملكة بذلك، وما هي إلاّ سويعات حتى أرى النّمل؛ عندها فقط سأبلغ قمَّة السعادة وأنا أستمتع برؤية ذلك الكائن الحيّ، الصغير، الجميل. أخيراً يمكنني أن أرى شيئاً تدبّ الحياة في أوصاله، سأجلس وأنتظر. لقد أوشكت الشمس على المغيب ولم تظهر تلك الكائنات. لا بأس، سأنتظر، لا يوجد ما يمكن أن أفعله غير الانتظار.

لا زلت أنتظر، سيأتي، أعلم جيّداً أن النمل لا يمكنه مقاومة العسل، لذا سأتظر.

لقد طال انتظاري؛ فها هي الشمس قد بدأت تُزاولُ عملَها اليوميّ. لن أنتظر مجدّداً، سأعود إلى الطاولة، لقد اشتقت إليها كثيراً، ليس من عادتي أن أقضي الليل بعيداً عنها، حتّى أنني أُحس، الآن، بتقرّحاتٍ على ظهري تُشبه، تماماً، تلك الجروح والتقرّحات التي تُصيبُ من بُتِرَت أيديهم أو سيقانهم عن بقيّة الجسد. لم أضلّ طريق عودتي إلى الصالة. أخيراً طاولتي. أحاول جاهداً احتضانها. أخذت أحتضنها من كلّ جهةٍ من جهاتها الأربع، أقبّلها، مارست نشاطي الوحيد: التمدّد عليها. آه، أخيراً، أحسُّ بنوعٍ من السكينة والطمأنينة، حتّى أنني لم أعد اشعر بتلك الجروح والتقرّحات.

متمدّدٌ أنا على الطاولة، أمارس موهبتي: أحلامي؛ يبدو أن انتظاري للكائنات الحيّة وتشوقي لرؤيتها قد أثَّر عليها. أحلم، وأنا أحدّق في السقف بشرود، دون انتباهٍ لتفاصيله، أحلم أنني كائن أخضر صغير، حقير، تافه، لزج، بدائي، وحيد الخلية. أشعر بأن عينان كبيرتان هلاميّتان مقززتان أحملق بهما يمنة ويسرى دون أن ألتفت، أغمضهما تارةً وأفتحهما أخرى بترتيب منتظم. ما ذاك الثقب؟، إنه على السقف!، يعني ذلك أن حلمي قد انتهى، أرجو أن لا يعاودني ثانيةً، لأنني، حينها، شعرت بشعور سخيف وغريب.

ترى، هل مرّت الحرب من هنا؟. إذا مرّت، ولقي الجميع حتفهم، لما لم ألقَ حتفي أيضاً؟. إن حدث ذلك أين الجثث؟. وإن مرّ وقت طويل على ذلك، أين بقايا عظامهم؟. سَرَت تلك القشعريرة الباردة في جسدي مرة أخرى، لا أخفي عليكم سراً أنني، عندما تشتدّ الحرارة بصورةٍ تُثير غضبي، كنت أجترّ مثل هذه الأسئلة الجالبة، طبعاً، لتلك القشعريرة الباردة التي تزيل معها قَدْرَاً جليلاً من الحرارة وتلطّف الجوّ. كنت أستمتع بذلك وأعتبر نفسي ذكيّاً، فقد كانت الحيلة الوحيدة التي أُجيدها. ولكن، بعد تكرارها، أظنني قد أَتْلَفتُ جزءً من خلايا المخ، خاصّتي، وأفلتت تلك الحيلة من لجامها، ولم أعد أستطيع التحكّم بها، فأصبحت تأتي عندما يتملّكني ذلك الشعور الغريب بالغرابة.

مجدداً، وحدي في الصالة، على الطاولة، في البلدة، وحدي من لا يشتهيه الموت. متمدّدٌ على الطاولة التي أوشكت خلايا نخاعي على البناء عليها، ومن ثم الاندماج.

وصلت في قرارة نفسي إلى: بما أنه لا يوجد من يؤانسني في هذه البلدة، إذاً لا بدّ من إيجاد شريك بكافّة الطُرق والوسائل، فوصلت إلى أن أنقسم انقساماً خياليَّاً إلى كائنين؛ أحدهما (أنا) والآخر (هو). إنه يشبه صورتي المنعكسة على زجاجات الخمر المعتّق. حسنٌ أيها الكائن الوسيم، ماذا سأدعوك؟، ليست لديّ أدنى فكرة عن الأسماء الآن، ولكن ما رأيك بأن أكون (أنا) وتكون أنتَ (هُوَ)؟. ألمح تعابير الغضب على قسمات وجهه.
- لمَ لا أكون (أنا) وأنت (هو)؟.
- لأنني الأصل يا حبيبي.
- بل أنا الأصل، وبدوني لن تستطيع العيش هنا.
- حسنٌ، لا تغضب أيها الكائن، أنا أكثر منك تجربةً، ومعرفةً؛ أعرف جميع معاني الكآبة، الخوف، الرعب والغرابة، لذا لا تهمني توافه الأمور. لا بأس، سأتنازل لك، سأكون (هو)، وستكون (أنا). هل أنت سعيد الآن؟.
- لم نتفق على كل شيءٍ بعد.
- ماذا تقصد؟.
- أريد، أولاً، تلك الزجاجات التي تحوي الخمر المعتّق.
- ماذا؟!.
- وإلا لن تجدني ثانيةً، وستعاني من الوحدة.
- أوف، هل هذا ابتزاز أم ماذا؟. لا بأس. لك ذلك.
- وأخيراً يا عزيزي، إبحث لك عن مكانٍ آخر لتنام فيه غير الطاولة، لأنني سأنام عليها من الآن فصاعداً.
- إلا هذا!!. لن تناله ولا حتى بأحلامك النهاريّة، لن أتخلى عن طاولتي، لن أتخلى عن جزءٍ منّي، ألا تفهم هذا؟.
- ولكنك تخلّيت بالفعل عندما أوجدتني، لذا لا أظنّ أنه من الصعب عليك التخلّي عن الطاولة. ثم أنك تتخلّى عنها لجزءٍ منك!.
- لاااااااا، أنت لست جزءً مني، الطاولة هي جزء مني؛ أمي وأبي وأهلي والبقيّة. الطاولة أنا. أنت لست سوى وهم، لست سوى صورتي المنعكسة من على زجاجات الخمر المعتّق.

لقد فاض بي حقّاً، رميته بكلّ زجاجات الخمر على وجهه وأنا أصرخ: (إذهب أيها الكائن الهلامي الغريب، إذهب إلى الجحيم. هيا، هيا). اختفى ذلك الكائن الذي يُشبه صورتي، نظرت إلى الطاولة بحنان، أسرعت، استلقيت عليها. (لا تخافي، لن يأخذني منك شيء، حتى الموت؛ أنت تعلمين أنني لا أنزلق في أمعائه، وتعجز انزيماته عن هضمي. غريبةٌ أنت مثلي في هذا المكان، وأنا أحبّك.
لأول مرة أغطّ في نومٍ عميق، حلمت بأنني ذلك الشاب الذي في الأسطورة. كان يتمدّد قرب البحر ويتأمل صورته المنعكسة على سطحه. أما أنا، فقد كنت مدّداً على الطاولة، بالقرب من البحر، أتأمل صورتنا _أنا والطاولة_ المنعكسة على سطحه. الشاب عاقبته الآلهة بأن حوَّلته إلى زهرة في ذات مكانه، نحن حوّلتنا إلى زهرتين جميلتين.
صحوت من النوم، ظللت أتطلع إلى السقف بمزاج جيّد، رويداً رويداً بدأ ذلك المزاج الرائق بالاضمحلال، فما زلت وحدي في الصالة، على الطاولة، في البلدة، وحدي من لا يشتهيه الموت. متمدّدٌ أنا على الطاولة الخشبة التي أوشكت خلايا نخاعي من البناء عليها، ومن ثم الاندماج.
أحاول الرجوع إلى ذاك المزاج الرائق الذي يحمل نكهة الـ.. لست أدري!، أحاول، يبدو أنني فقدته. حسنٌ لا زلت أدّخر بعضاً من أحلامي. لا. لا أريد أن أكون ذلك الكائن. يبدو أنه ما من خيارٍ آخر. حسن لا بأس. أنا الآن كائن أخضر، صغير، حقير، تافه، لزج، بدائي، وحيد الخليّة. لديّ عينان كبيرتان هلاميتان مقززتان أحملق بهما يمنة ويسرى دون أن التفت. أغمضهما تارة، وأفتحهما أخرى، بترتيب منتظم.

محمد الجزولى
22-06-2010, 09:24 PM
من القصص الفائزة بجائزة الطيب صالح..
الخطيئة في جوف التبلدية
الطيب عبد السلام حاج علي

« وكان الداني صيف » وقد جفت حلوق الناس من ترقب الخريف على أ حر من الجفاف، ولقد تصدعت جوانب «التبلدية أم بطنين» من طول حملها بجنين الفراغ، الذي أنجبته سفاحاً من ضل القمرة وهو يغشاها
في أشد ساعات الليل غموضاً..
ففي تلك «الحتة» الواقعة على خط نسى رقمه المكاني في إحدى نوبات التلاشي نحو القاع، وعلى دائرة عرض تبلغ ذروتها في وضح النهاره، كانت «أم بطنين» هي الأم الرؤم لظلال أولئك الناس الساكنين حولها، فهي أول من هاجر إلى هذه البقعة النائية من كل الأماكن ما عدا السماء، وهي أول من امتلك «ضلاً» في هذه الأرض التي جاؤها بلا ميعاد وعاشوا بها بلا غاية وتكاثروا عليها كما يفعل البشر..
ففي دواخل كل منهم صدى لذلك النداء الصامت الذي انبعث من الأرض ليتغلغل في حاسة الرحيل الواقعة أسفل الجهاز المفاهيمي للروح..
كانوا يعلقون عليها رتاينهم عند الليل لتضئ ما حولها من الطرقات المارة بها في قدومها وفي رواحها، فهي تشكل مركزاً لكل البيوت «الدايرة حولها».. وعندما ينفذ الجاز لدى صاحب «الكنتين»: الأغبش ود حامد وتقطع «بلواري» المدينة الطريق كان الناس يقسمون أنهم يرونها تضئ لوحدها إلى موعد الغسق، حينما تبدأ ديكة الحلة في التسابق والتصارع للآذان «جمبها».. وعند الخريف كانوا يحلبون ضرعها الذي امتلأ «بالماء المبارك» الذي كان يقرأ عليه الشيخ «النور ود النجمة» أوراده.
وطالما كان «ضلها» بمثابة ميس للهاربين والغارمين وبعض الصغار الذين عصوا أوامر آبائهم.. فكانت تنتهي المطارة على حدودها. وفي داخل الزاوية اللولبية من العالم والتي تبلغ أوجها وانفراجها عند ملامستها لنظرة «إدريس ود آدم» - سيد اللبن- حين ينظر إلى وجه «الرضية بت عبد النبي». وهي تمد قدحها ليهيل عليه من «دمه
الأبيض» كما قال لصديقه البخيت أنه «بحس بي أنو بيكوب ليها من دمو ما من اللبن» وطالما تجاهل بقية القطاطي ليستمر على ظهر حمارته منتظراً شروقها.. أما الآن وقد «غرزت» السحب، وأصيبت
القرية بدوار السراب، وصار صبيتها يرددون غناء «القعونجات» العذراوات في دارة البركة.. وقد نفقت الماشية وماتت بقراته الثلاث بما فيها «أم بطنين» التي أسماهما تيمناً باسم التبلدية لفقد ما يبرر له رؤيتها
بعد ان .. فقد كل شئ.. ولطالما تخيلها في منامه وهي تقوم من «حفرة الدخان» لترتمي بين احضانه الشوكية.. ولطالما تمنى ان يبعث الله بقرته «أم بطنين» ليسقى عينيه من رؤيتها..

كان الأهالي يؤدون في ظل التبلدية صلاة الاستسقاء عقب كل صلاة خلف «ود النجمة» الذي بدأ لحوحاً في سؤاله.. ولطالما زاغ «إدريس» ليذهب إلى مشارف بيتها «عله يلم فيها».. وبسهو متعمد من كليهما
التقيا.. وقد جفف.. الظمأ.. الشبق.. حلقيهما.. وقرروا دون مشاورة ان يرتويا من بعضيهما.. في جوف التبلدية التي بدت أكثر أمناً من باطن الأرض.
وفي تلك الليالي قاسية البرودة كان الشيخ «ود النجمة» يناجي ربه في تبروقته الجلدية التي امتلأت بأقدام الملايكة المتحلقين حوله وهو يمعن في ذوبانه الروحي في محلول الرياح الإلهي، في تلك الليلة بالذ ات.. دخلا إلى جوف «أم بطنين» وفي يد «إدريس» أحد الرتاين التي اقتلعها من جيد الشجرة.. نظر في وجهها، رآها «مدبرسة» السبب حاول إزالته بقوله «ما تخافي مافي زول شافنا.. وبعدين أنا معاك.. وبريدك وما في حاجة تقدر تمنعك عني» لم يدرك إدريس انهما داخل أقدس مكان على هذه البقعة من الأرض.. احتضنها بتهيج أملته
ضرورات السن.. شرب من شفتيها بصيص الأمل بالماء.. ومن صدرها عصارة الصبر.. ومن عينيها دمعة النشوة التي خامرتها وهي ترتوي منه إكسير الحياة، كان العطش الذي في دواخلهما وهو الذي يدير
طاحونة الزمن من حولهما.. وفي تلك الليلة بالذات كان ود النجمة أكثر حضوراً وخشوعاً وإلحاحاً.. وكانت الحضرة توغل في قلب الرياح التي بدأت تلملم في السحب لتجتمع فوق المنطقة القاحلة.. وحينما كانت
تسبيحاته تعلو كان يجاوبها الرعــد بتسبيحات داوية لكنها خاضعــة لهمس الشيخ.

فاجأهما المطر بغزارته العارمة.. وهما في أوج الارتواء.. حاولا الخروج بعزم.. بإصرار.. بقشة البرق الذي ظل يطلوهما بالأحمرار. بدأ «ود آدم» يفييق جسده ويسير رويداً رويداً نحو المجهول وهو يتأمل ظله منبثقاً عن شهقة الضوء حين يتعبه طول ال سفر نحو الأماكن..
كانت بقراته يهربن منه كلما دنا نحو ثغر «الرضية» ليمنحها قبلة بطعم الأكسجين الذي بدأ يتحول إلى حامض «كلوريد الموت». مات الأوكسجين على شفتيهما.. وماتا.. حباً.. عطشاً.. غرقاً..
تلاشى حينها جسد ود النجمة في صميم الغيب، وقد غطت المياه كل مسام الأرض العطشى. أدرك الجميع في الصباح وبصدق بمن فيهم البخيت الذي كان يشرب في ظلها «برمته» الساكرة من
نفسها، ان هذه الشجرة هي حمى الله في هذه البقعة..

حينها علت من صدره ضحكة غامضة وهو يقتل إحدى البواعيض التي انتهزت فترة تشاغله بالإستماع إلى «القعونجات» العذراوات وهن يُعددن العدة لحياة جديدة.
أقسم الناس أنهم بدأوا يرون عند اكتمال القمر ظلين يركضان حول تبلدية.. إلا أن ود النجمة كان يبتسم قائلاً: «والله بيجوني يوماتي في بطنها التاني».

محمد الجزولى
28-06-2010, 09:03 PM
ياخى سيبك
القاص والشاعر يحيي فضل الله
التقطني يا صديقي
في الدروب الما بتجيبك
ودفئ حضنك بالأغاني
كلما يضهب طريقك
وامسك الجمرة البتبرق
بين رمادك
وبين حريقك
وارفق الدمعة البتعرف
شاسع الحزن البعيقك
ولو فضل في العمر خطوة
وسع الأحلام
واهرب منو ضيقك
لي براح في الشوق يتاوق
في شبابيك غربة حبيبك
ويا أخي سيبك
من متاهات في الخواطر
والمشاوير التشاتر
يا اخي سيبك
هي ضلمة وانت عارف
ضي بريقك
وبرضو عارف
قبل ما تختار طريقك
ابقي واثق من رفيقك
وامسك الجمرة البتبرق
بين رمادك
وبين حريقك
مين رفيقك
غير شجن
واشواق
ولوعة
شحنة الحزن البصيبك
يا اخي سيبك
وانت سر عشقك
كلما اتخمر عتيقك
يا اخي سيبك
من سريقك
ومن سليبك
وابقي فتش في لي طريقك
يمكن الاحزان تسيبك
يا اخي سيبك

محمد الجزولى
07-07-2010, 08:44 PM
كم منا من يجب أن ينام من جديد..
الكاتب المبدع المستشار اسامه رقيعة
أحمد ابن السوق ، حتى انه عندما احتلم أول مرة كان نائما تحت تربيزة الميزان في دكان والده حكمت الذي توفي بعد ذلك بسعة شهور تاركا له الدكان ، والناس ، والحياة ، وتجارب السوق ليقوم احمد بدوره في استحلاب الدنانير منها ليصرف على نفسه وإخوته ..

لقد كان احمد شجاعا إلا في أشياء منها مشاعره وماله..

فهو مثل سفينة تحركها رياح المصالح ويرسيها قانون العرض والطلب على شطان المنفعة ، وعلى الرغم من ذلك فانه محبوب فهو له جاذبية خاصة تعززها تلك الابتسامة التي لا تفارق محياه وصوته المبحوح والمعبأة بالفرح ..

أول ما فكر احمد في الحب بحث عن فتاة تعمل ولها راتب ، وشقة ، وسيارة .. وكان عندما يخابرها تلفونيا أول ما يسألها عن صيانة الشقة ، وتأمين السيارة ورصيدها في البنك ، ثم لا تدري هناء هذه الفتاة الجميلة والرقيقة أيهم أحب إلى أحمد السيارة أم الشقة فهي فحتما ليست من بين ذلك .. وابتلعت هناء هذا الحب الملوث بالدنانير على أمل أن ينصلح حال احمد يوما ما ..

غير أن احمد بقى على حالته هذه ثم ازداد قناعة بفلسفة أخرى وهي أن الذكاء الحقيقي هو الذي يجعلك تفهم كيف توظف موارد الذين من حولك لصالحك.. فكان في كل مرة يتصل على صديقه اللطيف فيحكي له عن رحلته الطويلة مع الألم وظلم والده والقدر له بان خلفه على أربعة أخوه وأم قد أكل عظامها المرض وانه... وانه ... وانه ....

وكان صديقه اللطيف يبعث له ببعض المال وهو يدرى عن فلسفة احمد ما لا يدريها احمد نفسه..

ثم تمضي الأيام..

ويكتشف احمد أن لديه في رصيده البنكي مليون دينار .. غير انه في رصيده النفسي لا يوجد لديه أدني مقدار من احترام للذات .. احترامه هو لذاته هو .. فبكى احمد ثم نام لعله يبلغ الحلم من جديد.

كم منا من يجب ان ينام من جديد ..

محمد الجزولى
17-07-2010, 09:16 PM
القصه الفائزه بجائزة نبيل غالى للقصة القصيره
للمبدع عبد المنعم حسن محمود
حِزمة أرق
الحُلم الذي داهمني ليلة البارحة أقلق منامي، وتناول معي وجبتي كاملة واقفا على رجل واحدة خارج القفص، انتابتني نوبة غضب حادة، رفستُ الباب بقوة ودفعتُ الحُلم بعنف داخل القفص وأغلقته في وجهه ونهضتُ بحواس ملتهبة وملتبسة، همستُ في أُذن زوجتي التي تستلقي عادة على يساري، اعتدلتْ وجلستْ صامتة في منتصف السرير شبه عارية، وبجفن مازال يراوده النعاس، اقتربتُ منها كثيرا، وأقتسمتُ معها المشاعر في تلك اللحظة وأكتفيتُ بالثلث...
تحسستُ حقيبتي التي أحملها عادة فوق ظهري وتيقنتُ من وجود ملفي كاملا داخلها، رميتها فوق ظهري وخرجتُ، وقبل أن اغلق باب السور الكبير خلفي باغتني جاري العجوز الذي يدمن مباغتتي كل صباح وسألني.."امس الكورة طلعت كم"، تنفستُ بصوت عال، وقررتُ أن يشهد هذا الصباح الحلقة الأخيرة من سلسلة مباغتات جاري، عله يكف عن هذا السؤال الدائري، نبشتُ بأظافر دامية موضوعا سياسيا ساخنا، وجلستُ معه على مائدة شبه مستديرة وتعاركنا، وحين رفع المؤذن صوته معلنا عن أوان صلاة الظهر انتهى الحوار، وتبادلنا ما كنا نحمله، تأبطتُ سوسيوا يفرفر وحمل جاري بيضته ومضى...
لم يكن لدي الكثير من الوقت كي احتمل سخف المَرْكبات العامة، استأجرتُ عربة خاصة دون أن اتفق مع صاحبها على قيمة محددة، وصلتُ قبل الموعد بوقت كاف، لم تخف السكرتيرة دهشتها بوجود هذا الجسم الغريب الذي لا ينتمي لمثل هذه الأمكنة، بحلقتْ السكرتيرة في شاشة صغيرة موضوعة أمامها، ورفعتْ رأسها تجاهي، فأنبثق منه ضوء أخضر خافت، عرفتُ في سري وأنا أديرُ أكرة باب مديرها بأنها تخاطبه عبر النت، وقبل أن استمتع بهذه المفارقة الجديدة، وجدتُ وجهي ملتصقا بوجه مديرها الذي تقبع فوق طاولته الأنيقة شاشة مثل شاشتها تماما وكأنهما تؤأمان، استقبلني مديرها بدرهم ابتسامة، وعشرة أرطال من رائحة التبغ الكوبي، لم يتفرس في ملامحي، أشعل لفافة تبغ أخرى وأرسل دخانها عبر شاشته إلى سكرتيرته، مرّ مرورا سريعا على ملفي الباحث عن وظيفة منذ أن تخرجنا معا، هو الآن في مكتبه، وأنا الآن في مكتبه، رسم على محياه الناعم طيف ابتسامة عابر، ومسح عن أنفه تقرير البارحة، انسابت موسيقى رومانسية من هاتف لا أراه، ألصق في أذنه اليمنى سماعة الهاتف، وقبل أن يجيب حكى لي نكتة سمجة، وخرجتُ ولم اضحك...
لم اشعر بسخف المَرْكبةِ العامة التي امتطيها هذه المرة، فتحتُ زجاج النافذة وتنفستُ الصعداء، نظرتُ إلى الملف المستلقي داخل الحقيبة دون أن افتحها، وفجأة غيرت رأيي وفتحتُ الحقيبة واخرجتُ منها الملف، تجولتُ بين صفحاته صفحة صفحة ورميته عبر ثقب النافذة ليسقط في النفق دون أن اشعر بالذنب، وحينما خرجنا سويا أنا والمَرْكبة العامة من النفق سالمين، رأيتُ عبر ذات النافذة التي شهدتْ انتحار الملف ابن خالتي الذي يعمل خياطا للملابس النسايئة يفتح ابواب دكانه، فرقعتُ بأصابعي خمس فرقعات متتالية، وترجلتُ من المَرْكبة وأنا اخاطبُ نفسي بصوت مسموع..(لماذا لا اكون مثل ابن خالتي ناجحا، فأنا أفضل منه، على الأقل أحبُ ملابس النساء أكثر من النساء، لذا حتما سأنجح)...
أدرتُ مقبض الباب، ورفعتُ الستار الأحمر قليلا، ودخلتُ على ابن خالتي الخياط في دكانه، رأيتها تقف أمامه وهو جالسا خلف ماكينة الخياطة، لم ينتبها لوجودي، يمسكُ ابن خالتي بشريط طويل أصفر ومرقم بأرقام متفاوتة الأحجام، يسحب مقعده وهو جالسا فيه ويقترب من صدرها، يلفُ الشريط بحركة بارعة حول الصدر ويمرره في أعلى نقطة فيه، يخطف بسرعة قلما معلقا بين اطار الأذن وجانب من جلد الرأس، وينحني ويكتب في دفتر مستطيل، وهو يردد.." قياس دوران الصدر عندك يا يا، يا وداد واحد وعشرين سنتمتر.." تبتسم وداد وكأن الرقم يعني لها شيئا، ترفع ذراعها الطري وتلوي ضفيرتها بلطف وترمي ذيلها فوق صدرها، وبذات الذراع تنزل إلى أسفل قليلا، وتمشط خصرها وتشده وتقترب أكثر.." أها شوف لي قياس الضهر كم يا عاصم.." يعيد عاصم القلم إلى مكانه بين الإطار وجلد الرأس.."جدا يا وداد بس أديني ضهرك.." تدور وداد كما المروحة وتراني، تنتفض وتطلقُ صرخة هامسة.."بسم الله دا شنو دا.." يلوي عاصم عنقه من خلف ظهرها، ويفلح في إخفاء دهشته بقوله "شقة غريبة"، ويعود بعنقه خلف ظهرها ويتمتم.."دا ود خالتي منعم يا وداد..خش اقعد.." لم يفتح الله لي بكلمة، وظللتُ واقفا في مكاني، يمسكُ عاصم الشريط الأصفر مرة أخرى، يسحبه من عنقه، ويضغط طرفه الأول في مؤخرة عنقها، ويشده بصورة مستقيمة ويتجاوز به حدود الخصر بقليل ويعود ويعلقه حول عنقه، ويدون مرة أخرى في دفتره المستطيل.."طول الضهر عندك يا يا يا ودا..."
رفعتُ الستار، وخرجتُ دون أن يشعر بي أحد، قررتُ مرة أخرى في سري أن لا اكون خياطا، وأن تكتفى المدام بملابسها الجاهزة، وأن لا أقبع خلف أي ستار مدى حياتي مهما كلفني الأمر..

اقتربتُ من البيت، جاري مازال يراقب الشارع في جلساته اليومية، لم يسألني "الليلة في كورة ولا مافي.." زوجتي مازلت تحتل نصف السرير، لم اسألها عن العشاء ولم تسألني هي، نزعتُ ملابسي وقفزتُ فوقها، لم اقتسم معها المشاعر هذه المرة، أرهقتُ جسدي قدر ما استطعت حتى لم اعرف متى نمت، نمتُ في تلك الليلة كما لم أنم من قبل، وفي الصباح علمتُ من زوجتي أن الحُلم حاول أن يقلق منامي، ويقتسم معي وداد ولكنه وجد باب القفص مغلقا بالضبة والمفتاح

محمد الجزولى
30-07-2010, 10:31 PM
قصص قصيرة

الكاتب المبدع احمد ضحيه

أصدقاء ..



على حافة الحلم المنهار , في زمن متداع , تعرفوا عليه , وتعاهدوا في صمت على " معنى الصداقة " . ربما , ما يحكى عن صولاته وجولاته في السياسة وكتابات الهتاف , هو ما دفع ثلاثتهم لمصاحبته ..

بعد أن أطلق الأمن سراحه , من آخر اعتقال , منذ صادقهم . فوجىء باختفاء الصديق الأول , ونقل إليه الصديقين الآخرين :" انه يحرص على نفى اى صلة جمعته بك !" .. فلم يعلق .

أفصح عن انزعاجه من عدم معاودة خطيبته له , منذ خرج من المعتقل . وبعد تردد طويل , من صديقه الثالث , -الذي كانت عيناه تحملان إفادات غامضة عن سبب عدم زيارتها له -.اخبره :" لقد تركتك , لخوفها من عالمك غير المستقر . وعما قريب ستعلن خطبتها على صديقك "..انطوى على حزنه , وآلمه أن يفقد صديقين , فاخذ ينظر إلى الصديق الثالث , بعينين لا قرار لهما , ويراقب محاولاته الدءوبة لإثبات انه ليس كالصديقين الآخرين .

القاهرة سبتمبر 2004



لاجىء ..



فتح باب الشقة , وهو يعتقد إنها تنتظره كالعادة . فوجىء بأنها غير موجودة . انتظرها وهو يكاد يتميز من الغيظ .

بعد منتصف الليل بقليل دخلت .. باغتته بالارتماء على حضنه وهى تقول : " كنت في حفل وداع إحدى الصديقات , اللائي سيسافرن غدا إلى أميركا ..وحدثت جريمة قتل .. صديقة أخرى قتلت حبيبها في الحفل .. و .."

انتزع نفسه من أحضانها مأخوذا :" قتل ؟!.." .

" اكتشفت أثناء الحفل انه يخدعها ولن يضيفها إلى ملفه في إعادة التوطين عبر الأمم المتحدة .كما وعدها , بعد أن آوته وعملت في البيوت لتصرف عليه في هذه الغربة القاتلة ..خانها مع أخرى , أضافها لتسافر معه بدلا عنها , فقتلته ..

ابتلع ريقه الجاف , وهو يبعد نظراته عن وجهها الذي بدا له خبيثا جدا ..

القاهرة أكتوبر 2004



أطفال..



في مثل هذه الساعة من كل يوم , يمر غريبا بينهم . فيصرخ فيه الأطفال الأشقياء : " بونقا .. بونقا .. شيكولاته .." ..

ويسأله آخر :" عمو الساعة كام ؟ .. " ...

يفهم أن المقصود هو أن ينظر إلى لونه الأسود . يضحك الأطفال في سعادة , دون أن يتدخل أهلهم ..

وأحيانا , في المترو , في وضح النهار , وهو منتصب بلونه الأسمر . يتهامس شابين أو ثلاثة : " هي الدنيا ضلمت كدة ليه .." ..

فيتذكر وطنه وهو يتمتم : " انه ثمن الغربة .." ..

القاهرة 2003



نوبل..



كلفه مدير التحرير بإجراء حوار مع الكاتب الحائز على نوبل . وبعد أن حصل على رقم التليفون , اتصل به .. و عند اقتراب مواعيد المقابلة وهو متوجه إلى الحي الذي يسكنه الكاتب الكبير .. تنازعته مشاعر وأفكار شتى , عن جيران الكاتب " لابد أنهم يحبونه كثيرا " ..

وعن سكان الحي " لابد أنهم يعرفونه كلهم .." ..

في أول الحي سأل احد المارة بثقة :" عايز بيت الأستاذ.. "

" أنت متأكد انه يسكن معنا هنا ؟!" ..

شعر بالإحباط وسؤاله يتكرر بطول الحي وعرضه حتى تملكه التعب واليأس. وبعد ان اهدر وقتا طويلا وجد شخصا واحدا فقط يعرفه !..

محمد الجزولى
22-09-2010, 11:02 PM
يوم مهــم
الكاتب الرائع هشــام آدم

منذ الأمس وساعة الحائط متوقفة عند الساعة الثانية وخمس وعشرين دقيقة، ولا أعلم متى توقفت الساعة عن العمل، ولماذا، ولكن ساعة هاتفي المحمول تشير إلى الساعة السابعة والنصف صباحاً. استلمت للتو رسالة تذكيرية من كلمتين (يوم مهم) ويبدو أنني خزنتُ هذه الرسالة بالأمس، أو ربما قبل أسبوع، لا أذكر متى خزنت هذه الرسالة، والأدهى من ذلك أنني لا أتذكر ما هو المهم في هذا اليوم؛ فالرسالة لم تحتو على تفاصيل أكثر.
اليوم هو يوم الأربعاء، حسب التقويم، ولكن إحساسي به كإحساسي بيوم السبت. أتعامل مع الأيام كأنها شخوص حقيقية؛ فالسبت شخص متجهم وصارم وحاد الطباع. والأحد شخص انطوائي وخجول، ولكنه مسئول وملتزم. و الإثنين شخص مثالي للغاية وودود ولكنه سلبي نوعاً ما. والثلاثاء شخص اجتماعي جدا ومرح ومعتدل المزاج ويميل إلى ممازحة الأصدقاء. والأربعاء شخص مزاجي وعنيد ولكنه طيّب وخدوم. والخميس مراهق متهوّر و طائش وشديد الاعتزاز بنفسه؛ أما يوم الجمعة فهو مُسن طاعن، ممل الطباع، وشديد الترتيب.

تجرّدتُ من ملابسي تماماً، ثم وقفت أمام المرآة قليلاً. كانت ملامحي الناعسة أقرب إلى ملامح شخص متجهم وغاضب، وشعري غير مرتب، وكأنني خرجتُ للتو من مصارعة ثيران أو امتطاء خيل جامح، وبشرتي الذهنية أفرزت زيوتها فتركت لمعة مقززة على وجهي وأنفي. قررتُ ألا أحاسب نفسي على هذا المنظر المزعج، وأخذتُ حمامي الصباحي الدافئ، وفرّشتُ أسناني؛ ثم غادرتُ المنزل. ذات الأشياء بذات التفاصيل تتكرر كل يوم: انهض من فراشي، اطوي البطانية، أغلق جهاز التكييف، أفتح النوافذ، أتجرّد من ملابسي، أقف أمام المرآة، ثم آخذ حمامي الصباحي وأغادر.

في الطريق إلى عملي كنتُ منهمكاً في تذكر الشيء المهم الذي خزنته في جهاز هاتفي النقال، وكانت محاولاتي بائسة للغاية ولا تفضي إلى شيء على الإطلاق، فكل شيء يبدو اعتيادياً للغاية. توقفتُ عند أحد المتاجر القريبة، اشتريتُ فطيرتين محشوتين باللبنة و الزعتر، وقارورة صغيرة من عصير البرتقال. إنه أمر غريب؛ إذ من المفترض أنني لا أحب الحمضيات، ورغم ذلك لا أشتري غير عصير البرتقال، ولا أدري لماذا لا أجرب صنفاً آخراً. صاحب المتجر مدّ يده والتقط علبة سجائر دنهل، ووضعها داخل كيس أغراضي. إنه صنف سجائري المفضل، ورغم أنني لم أطلب منه؛ إلا أنه فعل ذلك بشكل تلقائي واثق، ربما نقلتُ إليه عدوى الرتابة بطريقة ما.

في السيارة كنتُ أدير أغنية لمطربة لا أتذكر اسمها الآن، ولكن أحدهم أهداني الشريط قبل شهرين، ونصحني بسماعه، ومنذ ذلك الحين لم يخرج الشريط من جهاز التشغيل. يتطلب الأمر شيئاً من الاهتمام، ولكنني بالتأكيد لم أكن أملكه، فظل الشريط في مكانه طوال الشهرين، حتى أنني كدتُ أحفظ بعض أغنياته. ربما كانت مملة، أو سيئة ولكنني لم أهتم كثيراً باستبداله بشريط آخر. قلتُ في نفسي: "ترى هل أخشى من التغيير؟" الشوارع مزدحمة كالعادة، والرطوبة خانقة أيضاً كالعادة، وكل شيء طبيعي؛ فما عساه أن يكون مهماً في هذا اليوم الذي يُشبه سابقه؟ لم أتذكر.

في المكتب، يجلس عامل السنترال في الواجهة، ألقيت عليه التحيّة الصباحية، ودخلت إلى الردهة، حيث يجلس موظفو التسويق، وألقيت عليهم التحيّة كذلك، وتوجهتُ فوراً إلى مكتبي الذي كان نظيفاً ومرتباً كعادته، ولم أجد أيّ مذكرة مُلصقة على الحائط أو على جهاز الكمبيوتر كما كنتُ أتوقع، كل شيء كان يبدو اعتيادياً، ولم أحسن تذكر ذلك الأمر المهم. قلتُ في نفسي: ربما أكتشف أهمية هذا اليوم لاحقاً، وتناسيتُ الأمر، وبدأت عملي بشكل طبيعي.

رن هاتفي المحمول، كان أحد الأقارب المزعجين، ورغم أنني لم أكن مشغولاً؛ إلا أنني لم أشأ أن أرد عليه، فتجاهلتُ اتصاله للمرة الأولى ثم للمرة الثانية والثالثة، وقررت الرد على مكالمته في المرة الرابعة حتى لا أظل مهجساً بهذا الأمر، وتوقعتُ أن يكون لاتصاله علاقة بالأمر الهام الذي أنتظره، ولكن لم يكن اتصاله مهماً، وبدأ في الحديث عن موضوعات سخيفة لا تستحق ذلك الإصرار، وبدا الأمر وكأنه كان يقتل وقت فراغه بالثرثرة؛ فاعتذرتُ منه في تهذيب وتحججتُ بانشغالي وأغلقت الخط.

رحتُ أتصفح بريدي الإلكتروني، لا شيء على الإطلاق، عشرات الرسائل الدعائية المزعجة لمواقع إباحية، وأخرى تخبرني أنني ربحت جائزة الفرز العشوائي والتي تبلغ قيمتها ملايين الجنيهات الإسترلينية، ورسائل من مواقع تطلب تأكيد بيانات التسجيل، لا شيء مهم على الإطلاق. دخلت موقع الفيسبوك، أيضاً عشرات الرسائل من مجموعات لا أتذكر متى انضممتُ إليها، وطلبات إضافة إلى قائمة الأصدقاء وافقتُ عليها جميعاً دون أن أتأكد من الأسماء أو حتى من الأصدقاء المشتركين، وخمس رسائل لحضور مناسبات مختلفة، أشرت عليها جميعاً بـ(Maybe). قرأت بعض التعليقات التي كتبها الأصدقاء على جدرانهم: بعضها متشائم، وبعضها فلسفي، وبعضها هزلي ساخر، وبعضها مقتبسات من حكم وأمثال مشهورة، وبعضها أقل ما يقال عنها أنها سخيفة وساذجة. الساعة الآن الثانية وخمس عشرة دقيقة بعد الظهر، وكل شيء طبيعي للغاية، لا شيء مهم ولا شيء مثير.

قبل انتهاء ساعات العمل بقليل، تلقيتُ اتصالاً من أمي، وتذكرتُ أنني كنتُ مشتاقاً إليها، تكلمتُ معها قليلاً، وتوقعتُ أن أسمع منها أخبار عائلية مملة: زيجات، وافيات، مواليد جدد، أشخاص عادوا من السفر، وآخرون سوف يُسافرون، أشخاص مرضى، وآخرون تعافوا من المرض؛ إلا أنها قبّلت الهاتف من طرفها، وهي تقول لي: "كل عام وأنت بخير يا حبيبي!" فنظرتُ إلى التقويم المكتبي الذي أمامي وذهلتُ للأمر، إنه عيد ميلادي فعلاً، اليوم أكمل عامي السادس والثلاثين، فضحكتُ بصوتٍ عال، وتعجبت أمي لذلك، ولكنني لم أخبرها بشيء، شكرتها على اتصالها وأنهيت المكالمة بقبلة من طرفي. الغريب في الأمر أنني لم أتذكر بعد ما هو المهم في هذا اليوم؛ إذ لم أر أن عيد ميلادي قد يكون شيئاً مهماً، هذه المناسبة التي لا تتذكرها إلا أمي!

بدر الدين محمد
23-09-2010, 04:20 AM
القصه الفائزه بجائزة نبيل غالى للقصة القصيره
للمبدع عبد المنعم حسن محمود
حِزمة أرق
الحُلم الذي داهمني ليلة البارحة أقلق منامي، وتناول معي وجبتي كاملة واقفا على رجل واحدة خارج القفص، انتابتني نوبة غضب حادة، رفستُ الباب بقوة ودفعتُ الحُلم بعنف داخل القفص وأغلقته في وجهه ونهضتُ بحواس ملتهبة وملتبسة، همستُ في أُذن زوجتي التي تستلقي عادة على يساري، اعتدلتْ وجلستْ صامتة في منتصف السرير شبه عارية، وبجفن مازال يراوده النعاس، اقتربتُ منها كثيرا، وأقتسمتُ معها المشاعر في تلك اللحظة وأكتفيتُ بالثلث...
تحسستُ حقيبتي التي أحملها عادة فوق ظهري وتيقنتُ من وجود ملفي كاملا داخلها، رميتها فوق ظهري وخرجتُ، وقبل أن اغلق باب السور الكبير خلفي باغتني جاري العجوز الذي يدمن مباغتتي كل صباح وسألني.."امس الكورة طلعت كم"، تنفستُ بصوت عال، وقررتُ أن يشهد هذا الصباح الحلقة الأخيرة من سلسلة مباغتات جاري، عله يكف عن هذا السؤال الدائري، نبشتُ بأظافر دامية موضوعا سياسيا ساخنا، وجلستُ معه على مائدة شبه مستديرة وتعاركنا، وحين رفع المؤذن صوته معلنا عن أوان صلاة الظهر انتهى الحوار، وتبادلنا ما كنا نحمله، تأبطتُ سوسيوا يفرفر وحمل جاري بيضته ومضى...
لم يكن لدي الكثير من الوقت كي احتمل سخف المَرْكبات العامة، استأجرتُ عربة خاصة دون أن اتفق مع صاحبها على قيمة محددة، وصلتُ قبل الموعد بوقت كاف، لم تخف السكرتيرة دهشتها بوجود هذا الجسم الغريب الذي لا ينتمي لمثل هذه الأمكنة، بحلقتْ السكرتيرة في شاشة صغيرة موضوعة أمامها، ورفعتْ رأسها تجاهي، فأنبثق منه ضوء أخضر خافت، عرفتُ في سري وأنا أديرُ أكرة باب مديرها بأنها تخاطبه عبر النت، وقبل أن استمتع بهذه المفارقة الجديدة، وجدتُ وجهي ملتصقا بوجه مديرها الذي تقبع فوق طاولته الأنيقة شاشة مثل شاشتها تماما وكأنهما تؤأمان، استقبلني مديرها بدرهم ابتسامة، وعشرة أرطال من رائحة التبغ الكوبي، لم يتفرس في ملامحي، أشعل لفافة تبغ أخرى وأرسل دخانها عبر شاشته إلى سكرتيرته، مرّ مرورا سريعا على ملفي الباحث عن وظيفة منذ أن تخرجنا معا، هو الآن في مكتبه، وأنا الآن في مكتبه، رسم على محياه الناعم طيف ابتسامة عابر، ومسح عن أنفه تقرير البارحة، انسابت موسيقى رومانسية من هاتف لا أراه، ألصق في أذنه اليمنى سماعة الهاتف، وقبل أن يجيب حكى لي نكتة سمجة، وخرجتُ ولم اضحك...
لم اشعر بسخف المَرْكبةِ العامة التي امتطيها هذه المرة، فتحتُ زجاج النافذة وتنفستُ الصعداء، نظرتُ إلى الملف المستلقي داخل الحقيبة دون أن افتحها، وفجأة غيرت رأيي وفتحتُ الحقيبة واخرجتُ منها الملف، تجولتُ بين صفحاته صفحة صفحة ورميته عبر ثقب النافذة ليسقط في النفق دون أن اشعر بالذنب، وحينما خرجنا سويا أنا والمَرْكبة العامة من النفق سالمين، رأيتُ عبر ذات النافذة التي شهدتْ انتحار الملف ابن خالتي الذي يعمل خياطا للملابس النسايئة يفتح ابواب دكانه، فرقعتُ بأصابعي خمس فرقعات متتالية، وترجلتُ من المَرْكبة وأنا اخاطبُ نفسي بصوت مسموع..(لماذا لا اكون مثل ابن خالتي ناجحا، فأنا أفضل منه، على الأقل أحبُ ملابس النساء أكثر من النساء، لذا حتما سأنجح)...
أدرتُ مقبض الباب، ورفعتُ الستار الأحمر قليلا، ودخلتُ على ابن خالتي الخياط في دكانه، رأيتها تقف أمامه وهو جالسا خلف ماكينة الخياطة، لم ينتبها لوجودي، يمسكُ ابن خالتي بشريط طويل أصفر ومرقم بأرقام متفاوتة الأحجام، يسحب مقعده وهو جالسا فيه ويقترب من صدرها، يلفُ الشريط بحركة بارعة حول الصدر ويمرره في أعلى نقطة فيه، يخطف بسرعة قلما معلقا بين اطار الأذن وجانب من جلد الرأس، وينحني ويكتب في دفتر مستطيل، وهو يردد.." قياس دوران الصدر عندك يا يا، يا وداد واحد وعشرين سنتمتر.." تبتسم وداد وكأن الرقم يعني لها شيئا، ترفع ذراعها الطري وتلوي ضفيرتها بلطف وترمي ذيلها فوق صدرها، وبذات الذراع تنزل إلى أسفل قليلا، وتمشط خصرها وتشده وتقترب أكثر.." أها شوف لي قياس الضهر كم يا عاصم.." يعيد عاصم القلم إلى مكانه بين الإطار وجلد الرأس.."جدا يا وداد بس أديني ضهرك.." تدور وداد كما المروحة وتراني، تنتفض وتطلقُ صرخة هامسة.."بسم الله دا شنو دا.." يلوي عاصم عنقه من خلف ظهرها، ويفلح في إخفاء دهشته بقوله "شقة غريبة"، ويعود بعنقه خلف ظهرها ويتمتم.."دا ود خالتي منعم يا وداد..خش اقعد.." لم يفتح الله لي بكلمة، وظللتُ واقفا في مكاني، يمسكُ عاصم الشريط الأصفر مرة أخرى، يسحبه من عنقه، ويضغط طرفه الأول في مؤخرة عنقها، ويشده بصورة مستقيمة ويتجاوز به حدود الخصر بقليل ويعود ويعلقه حول عنقه، ويدون مرة أخرى في دفتره المستطيل.."طول الضهر عندك يا يا يا ودا..."
رفعتُ الستار، وخرجتُ دون أن يشعر بي أحد، قررتُ مرة أخرى في سري أن لا اكون خياطا، وأن تكتفى المدام بملابسها الجاهزة، وأن لا أقبع خلف أي ستار مدى حياتي مهما كلفني الأمر..

اقتربتُ من البيت، جاري مازال يراقب الشارع في جلساته اليومية، لم يسألني "الليلة في كورة ولا مافي.." زوجتي مازلت تحتل نصف السرير، لم اسألها عن العشاء ولم تسألني هي، نزعتُ ملابسي وقفزتُ فوقها، لم اقتسم معها المشاعر هذه المرة، أرهقتُ جسدي قدر ما استطعت حتى لم اعرف متى نمت، نمتُ في تلك الليلة كما لم أنم من قبل، وفي الصباح علمتُ من زوجتي أن الحُلم حاول أن يقلق منامي، ويقتسم معي وداد ولكنه وجد باب القفص مغلقا بالضبة والمفتاح

الجزولي الله يحفظك ويديم عليك حيويتك وينفعنا بنشاطك

عبد المنعم دا ابننا صممت له كتاب متسع آخر وهو من الفائزين فيعدة مسابقات
وانشاء الله ارسب لهذا البوست الرابط الخاص بكتابه

بدر الدين محمد
23-09-2010, 04:27 AM
والصاغ محمود ابوبكر التقى مع الفنان خضر بشير في دره الغالية إيه يا مولاي إيه

ايه يا مولاى ايه ** من حديث اشتهيه
وجمال انت فيه ** عزة الوجه النزيه
***
عسعس الليل وناما ** واكتسى الوادي ظلاما
ان يك الصمت رهيبا ** ان في الصمت كلاما
***
واذا الوجه تجلى ** فوقه الشعر تدلى
عجبت عيني لبدر ** منك بالليل استظلا!
***
واذا المفرق حاكى ** بارقا ابكى حلاكا
ما بكى الافق ولكن ** ان رأى دمعي تباكى
***
فاشربي خمر الضياء ** نخب حبي ووفائي
انا في عينيك راء ** بعض آيات السماء
***
وارددي الكأس اليا ** كسرها غال عليا
انها اروت ظميئا ** وافيا ما دام حيا
***
نشد القلب غرامه ** بين (نجد) و(تهامة)
فاذكريه ياحمامة ** كلما الصبح تبسم
***
فاذا الصبح تبسم ** وببدر التم تمتم
ووشى بالنور فاعلم ** أنه غيران مغرم
***
واذا الطاؤوس أسهب ** في حلى الريش المذهب
نحن قوم ليس نعجب ** بسوى الطبع المهذب
***
فاطرحي الريش عسانا ** نلمح الطبع المصانا
ونغني بهوانا ** كلما الشوق برانا
***
ان نجد فيك جمالا ** او جبينا يتلالا
نحن قوم كل ما لا ** عف ندعوه ضلالا
***
أعشق الطبع العليا ** فيك يا اخت الثريا
لم يكن طبعك إلا ** عند من كان نبيا
***
فاذا البان تثنى ** واذا البلبل غنى
فاعلمي يا هند انا ** نكتم احب ونفنى
***
لم أذل بالوجد أشدو *** ليت شعري أين (هند)
(كوكب) في (الشرق) يبدو ** ما له في الافق ند
***
بين أكنان الليالي ** ذاب فانساب حيالي
قلبي الراثي لحالي ** دافقا فوق الرمال
***
فارحمي يا هند نفسا ** تبصر الجنة رمسا!
راضها الدهر فامسى ** منك يوم البين أقسى
***
أنجد القلب المحطم ** في معانيك واتهم
حين (اسماعيل) رنم ** (إيه يا مولاي إيه)

انور النور محمد
23-09-2010, 11:59 AM
( اسامة علي )
المبدع جميل الحروف ولون القمر



اجتراح الكتابة

نحوي يطير الطيرُ

أغمضُ

لا يبالي الجفنُ منغلقٌ على الرفضِ أم الأحلامِ؟ ..

يدخلني يخيط الحلم من أطرافه حولي

يشاغبني قليلاً يستحمُّ بمقلتي.

وفي صباح الحلم أنسى أن أمي سوف

تسألني عن الريش الذي نسيتهُ أحلامي على الأهدابِ

أمي وحده الطيرُ استباح الحلم وافترش الرموشْ

*********

-:

وقرأتِ لي:

إن المدينة تستحمُّ بذنبها،

والقرية السمراء تقترف الصغائر وحدها دون الكبائرِ،

تستعيرُ النيلَ مطفأةً وتغسل ذنبها في اليومِ مرّاتٍ،

وأن نساء قريتنا - برغم سهولة الإبحار في اليوم المسطح-

يغتسلنَ من ليالي الانتظار ظهيرةً في النيل يدنينَ

البراءة لا يسِئنَ الظنَّ بالأشجار، لا عيناً تلصُّ غسلتُ ذنبي

*************

ما اجترحتُ سوى الكتابة في الرمالْ.

وكتبتِ لي:

إني برغم صعوبة الإبحار في طقس الهواجس اصطفيكَ

ورغم آلاف النواقيس التي علّقْتَها في القلب أسئلة ترنّ إذا شهقتُ محبةً،

كيف احتملتَ الوحشةَ الزرقاءَ

وحدك تحت أشجار القصائد تجمع الأفكارَ؟

كيف دخلتني في الحلم أغنية بلون الأمنياتِ؟

بمن ملأتَ سلالك المتأنقاتِ؟

وما العصافيرُ التي علّْقتها فوق الدفاترِ؟

من عشقتَ سواي؟

ما الذنبُ الذي اقترفتْه أمي كي تعيد صياغة الأهدابِ

تجمع ريشَكَ المنسيّ بين مدامعي؟

بللتني بالحزن والشجن المعتّقِ والظنون

تغريدا
27-09-2010, 12:45 AM
[QUOTE=محمد الجزولى;530061]يوم مهــم
الكاتب الرائع هشــام آدم
[SIZE="5"]
منذ الأمس وساعة الحائط متوقفة عند الساعة الثانية وخمس وعشرين دقيقة، ولا أعلم متى توقفت الساعة عن العمل، ولماذا، ولكن ساعة هاتفي المحمول تشير إلى الساعة السابعة والنصف صباحاً. استلمت للتو رسالة تذكيرية من كلمتين (يوم مهم) ويبدو أنني خزنتُ هذه الرسالة بالأمس، أو ربما قبل أسبوع، لا أذكر متى خزنت هذه الرسالة، والأدهى من ذلك أنني لا أتذكر ما هو المهم في هذا اليوم؛ فالرسالة لم تحتو على تفاصيل أكثر.
اليوم هو يوم الأربعاء، حسب التقويم، ولكن إحساسي به كإحساسي بيوم السبت. أتعامل مع الأيام كأنها شخوص حقيقية؛ فالسبت شخص متجهم وصارم وحاد الطباع. والأحد شخص انطوائي وخجول، ولكنه مسئول وملتزم. و الإثنين شخص مثالي للغاية وودود ولكنه سلبي نوعاً ما. والثلاثاء شخص اجتماعي جدا ومرح ومعتدل المزاج ويميل إلى ممازحة الأصدقاء. والأربعاء شخص مزاجي وعنيد ولكنه طيّب وخدوم. والخميس مراهق متهوّر و طائش وشديد الاعتزاز بنفسه؛ أما يوم الجمعة فهو مُسن طاعن، ممل الطباع، وشديد الترتيب.

تجرّدتُ من ملابسي تماماً، ثم وقفت أمام المرآة قليلاً. كانت ملامحي الناعسة أقرب إلى ملامح شخص متجهم وغاضب، وشعري غير مرتب، وكأنني خرجتُ للتو من مصارعة ثيران أو امتطاء خيل جامح، وبشرتي الذهنية أفرزت زيوتها فتركت لمعة مقززة على وجهي وأنفي. قررتُ ألا أحاسب نفسي على هذا المنظر المزعج، وأخذتُ حمامي الصباحي الدافئ، وفرّشتُ أسناني؛ ثم غادرتُ المنزل. ذات الأشياء بذات التفاصيل تتكرر كل يوم: انهض من فراشي، اطوي البطانية، أغلق جهاز التكييف، أفتح النوافذ، أتجرّد من ملابسي، أقف أمام المرآة، ثم آخذ حمامي الصباحي وأغادر.

في الطريق إلى عملي كنتُ منهمكاً في تذكر الشيء المهم الذي خزنته في جهاز هاتفي النقال، وكانت محاولاتي بائسة للغاية ولا تفضي إلى شيء على الإطلاق، فكل شيء يبدو اعتيادياً للغاية. توقفتُ عند أحد المتاجر القريبة، اشتريتُ فطيرتين محشوتين باللبنة و الزعتر، وقارورة صغيرة من عصير البرتقال. إنه أمر غريب؛ إذ من المفترض أنني لا أحب الحمضيات، ورغم ذلك لا أشتري غير عصير البرتقال، ولا أدري لماذا لا أجرب صنفاً آخراً. صاحب المتجر مدّ يده والتقط علبة سجائر دنهل، ووضعها داخل كيس أغراضي. إنه صنف سجائري المفضل، ورغم أنني لم أطلب منه؛ إلا أنه فعل ذلك بشكل تلقائي واثق، ربما نقلتُ إليه عدوى الرتابة بطريقة ما.

في السيارة كنتُ أدير أغنية لمطربة لا أتذكر اسمها الآن، ولكن أحدهم أهداني الشريط قبل شهرين، ونصحني بسماعه، ومنذ ذلك الحين لم يخرج الشريط من جهاز التشغيل. يتطلب الأمر شيئاً من الاهتمام، ولكنني بالتأكيد لم أكن أملكه، فظل الشريط في مكانه طوال الشهرين، حتى أنني كدتُ أحفظ بعض أغنياته. ربما كانت مملة، أو سيئة ولكنني لم أهتم كثيراً باستبداله بشريط آخر. قلتُ في نفسي: "ترى هل أخشى من التغيير؟" الشوارع مزدحمة كالعادة، والرطوبة خانقة أيضاً كالعادة، وكل شيء طبيعي؛ فما عساه أن يكون مهماً في هذا اليوم الذي يُشبه سابقه؟ لم أتذكر.

في المكتب، يجلس عامل السنترال في الواجهة، ألقيت عليه التحيّة الصباحية، ودخلت إلى الردهة، حيث يجلس موظفو التسويق، وألقيت عليهم التحيّة كذلك، وتوجهتُ فوراً إلى مكتبي الذي كان نظيفاً ومرتباً كعادته، ولم أجد أيّ مذكرة مُلصقة على الحائط أو على جهاز الكمبيوتر كما كنتُ أتوقع، كل شيء كان يبدو اعتيادياً، ولم أحسن تذكر ذلك الأمر المهم. قلتُ في نفسي: ربما أكتشف أهمية هذا اليوم لاحقاً، وتناسيتُ الأمر، وبدأت عملي بشكل طبيعي.

رن هاتفي المحمول، كان أحد الأقارب المزعجين، ورغم أنني لم أكن مشغولاً؛ إلا أنني لم أشأ أن أرد عليه، فتجاهلتُ اتصاله للمرة الأولى ثم للمرة الثانية والثالثة، وقررت الرد على مكالمته في المرة الرابعة حتى لا أظل مهجساً بهذا الأمر، وتوقعتُ أن يكون لاتصاله علاقة بالأمر الهام الذي أنتظره، ولكن لم يكن اتصاله مهماً، وبدأ في الحديث عن موضوعات سخيفة لا تستحق ذلك الإصرار، وبدا الأمر وكأنه كان يقتل وقت فراغه بالثرثرة؛ فاعتذرتُ منه في تهذيب وتحججتُ بانشغالي وأغلقت الخط.

رحتُ أتصفح بريدي الإلكتروني، لا شيء على الإطلاق، عشرات الرسائل الدعائية المزعجة لمواقع إباحية، وأخرى تخبرني أنني ربحت جائزة الفرز العشوائي والتي تبلغ قيمتها ملايين الجنيهات الإسترلينية، ورسائل من مواقع تطلب تأكيد بيانات التسجيل، لا شيء مهم على الإطلاق. دخلت موقع الفيسبوك، أيضاً عشرات الرسائل من مجموعات لا أتذكر متى انضممتُ إليها، وطلبات إضافة إلى قائمة الأصدقاء وافقتُ عليها جميعاً دون أن أتأكد من الأسماء أو حتى من الأصدقاء المشتركين، وخمس رسائل لحضور مناسبات مختلفة، أشرت عليها جميعاً بـ(Maybe). قرأت بعض التعليقات التي كتبها الأصدقاء على جدرانهم: بعضها متشائم، وبعضها فلسفي، وبعضها هزلي ساخر، وبعضها مقتبسات من حكم وأمثال مشهورة، وبعضها أقل ما يقال عنها أنها سخيفة وساذجة. الساعة الآن الثانية وخمس عشرة دقيقة بعد الظهر، وكل شيء طبيعي للغاية، لا شيء مهم ولا شيء مثير.

قبل انتهاء ساعات العمل بقليل، تلقيتُ اتصالاً من أمي، وتذكرتُ أنني كنتُ مشتاقاً إليها، تكلمتُ معها قليلاً، وتوقعتُ أن أسمع منها أخبار عائلية مملة: زيجات، وافيات، مواليد جدد، أشخاص عادوا من السفر، وآخرون سوف يُسافرون، أشخاص مرضى، وآخرون تعافوا من المرض؛ إلا أنها قبّلت الهاتف من طرفها، وهي تقول لي: "كل عام وأنت بخير يا حبيبي!" فنظرتُ إلى التقويم المكتبي الذي أمامي وذهلتُ للأمر، إنه عيد ميلادي فعلاً، اليوم أكمل عامي السادس والثلاثين، فضحكتُ بصوتٍ عال، وتعجبت أمي لذلك، ولكنني لم أخبرها بشيء، شكرتها على اتصالها وأنهيت المكالمة بقبلة من طرفي. الغريب في الأمر أنني لم أتذكر بعد ما هو المهم في هذا اليوم؛ إذ لم أر أن عيد ميلادي قد يكون شيئاً مهماً، هذه المناسبة التي لا تتذكرها إلا أمي!

[COLOR="navy"]أخى الكريم محمد الجزولى نهارك سعيد قرأتهن جميعاً ولكن لاأدرى لماذا استوقفتنى هذه القصة بالذات ربما لانها صادفت نفس الروتين التواريخ المنسية فى حياتنا مع زحمة الايام ربما ؟؟
تقبل مرورى واشكرك على النقل الطيب

محمد الجزولى
09-10-2010, 09:26 PM
والصاغ محمود ابوبكر التقى مع الفنان خضر بشير في دره الغالية إيه يا مولاي إيه

ايه يا مولاى ايه ** من حديث اشتهيه
وجمال انت فيه ** عزة الوجه النزيه
***
عسعس الليل وناما ** واكتسى الوادي ظلاما
ان يك الصمت رهيبا ** ان في الصمت كلاما
***


يا سلام عليك يا استاذ بدر الدين
تعرف يا استاذ الكلمات دي خضر بشير اداها حركة غير عادية
وغناها بكل جوارحو حتى يتخيل ليك انو الكلمات بى تتنطط قدامك
تسلم يا فنان على هذا الاختيار الجميل

محمد الجزولى
09-10-2010, 09:31 PM
( اسامة علي )
المبدع جميل الحروف ولون القمر



اجتراح الكتابة

نحوي يطير الطيرُ

أغمضُ

لا يبالي الجفنُ منغلقٌ على الرفضِ أم الأحلامِ؟ ..

يدخلني يخيط الحلم من أطرافه حولي



الجميل انور
خير ما اخترت لنا
ارجو ان اراك هنا دائما

محمد الجزولى
09-10-2010, 09:44 PM
أخى الكريم محمد الجزولى نهارك سعيد قرأتهن جميعاً ولكن لاأدرى لماذا استوقفتنى هذه القصة بالذات ربما لانها صادفت نفس الروتين التواريخ المنسية فى حياتنا مع زحمة الايام ربما ؟؟
تقبل مرورى واشكرك على النقل الطيب[/COLOR]

الاخت الكريمه تغريد
ربما التشابة حد التطابق فى سلوكيات المجتمع السودانى هو الذى يجعلنا نحس كأنما نعرف صاحب هذه القصة
أو انها قد حدثت لنا ايضا
شكرا اختى تغريد واتمنى ان اراك هنا دوما

محمد الجزولى
09-10-2010, 11:30 PM
ترابلـة الطبـل

القاص احمد محمود الشايقى المحامى والمستشار القانونى

كانت الهـتّـف (بت الطاهر) امرأة نادرة بالفعـل, يعدها الجميع زينـة نسـاء الفريق (الحي) كما كان اللمين أيضا كذلك زيـن الرجال, كانت عامرة طولا وتقاطيعاُ وكانت مشيتها أمراً أخـر لا يني الفادح (ود زيدان) أن ينعتها بـ (الظابط) وكانت امرأة في غاية النظام والانتقاء حتى لكلماتها في السلام أو في إرخاء الثوب على الخد وإمعان النظر للأرض حينما يضطرها الحال للمرور أمام مجلس والدنا العمدة , حاجبة ما استطاعت أن تحجبه وتاركـة سـواه ليفعل بالناس الأفاعيل شبابهم وكهولهم وشيوخهم على السواء. لا حديث لنساء الفريق سوى أخبار الهـتّـف وأحداث منزلها فائـح البخـور والعامر بالضيوف صباحاُ مساءُ فهـم من جهـة البادية الغربيـة لقريتنا وأهلهـم دائمي الترحال والتنقل طلباً للرزق وزيارة للمستشفى الذي يخلو من الخدمات التي تسـد رمق المرضى ناهيك عن مرافقيهم وكانت تحتمل وزوجها اللمين كل ذلك بصبر يحسدها عليه الجميع.

في صيف قائظ تلقى الفريق خبراُ مفاجئا أحزن الناس جميعاُ, جاء الخبر قصيرا جداً , مرضت بت الطاهـر, تساءل الناس ما الأمــر وما الســبب, همست النساء الحواسـد سـراً راحـت (بت قنقـر) تنـم في كل بيت وتضع التأويلات التي تستدعي إرسال الأطفال والصبايا الصغار لشراء الملح فوراُ دونما وقت طبـخ, وعم الهمس والحـزن وحتى بسمات الفرح من الأفواه المملوءة بدم الحسد الأســود.

كل الفريق بذل الجهد في وصف علاج , قال البصير السبب رطوبـة رش الماء في بيت بت الطاهر المولعـة بالكنس والـرش وهو يعتقد أنها امرأة (كاتلاها) النظافـة, وقال (الفكي) ود نورين بأن العين هي السبب وأن عيون الخلق لا تترك المخلوقين حال سبيلهم, قالها على الملأ رافعاُ يديه, سألناكم الفاتحة مفتضحاُ قله حيلته في نزع الشر الذي اعترى المرأة ذات البهـاء.

أفتى الحكيم هاشم بأن اللازم كله جرى ولا فائدة فقد أيقن الجميع بأن الحسرة لا بد ستسكن الفريـق,. كانـت النساء في ذلك المكان ذوات حيلة وكيد لا يتوقف عند مصيبة كن مصائب تمشي على أقدام, جاءت خالة بت الطاهر من القريـة البعيدة وكانت الأكثر شبهاُ بها سوى أنها تقدمت في السن قليلا واستدعت العواجيز خرجن بأمـر تنفيذه الخميس القريب.

حركة شديدة انتابت بيت بت الطاهر ذاك الخميـس, وأتى اللمين بثلاث كباش (متورتة) وغادر المكان كأنه فعل المضطر ما كان يهمنا سوى الفضول والفرجة على الداخل والخارج والبحث عن (خيرات) مثل يوم الجمع هذا من حلويات وغيرها, أتى رجـل قررنا على الفور أنه غريب , يلبس كلبسـة ود نورين لكنه معدوم اللحية والشوارب, وكانت نظراتـه عميقـة وحركـة رأسـه شديدة التافف, ظنناه من اهل المدينة الميسورين, لكنه جاء يركب الكارو الصغير يقوده حميدان لمنزل اللمين, كان الأغرب بالنسبة لنا نعومة جلد الرجل ونحول يديه, ما كان في الفريق ناحـل يد, حتى الفكي ود نورين نفسـه الذي لم يكن يحتاج للعمل لقيام حيرانه بذلك كان ناشف اليدين لا تملك التملص من قبضته الشعبة الكؤود.

لاحظنا السكون العجيب الذي اعترى النسوة وهن يملأن المكان فور دخول الرجل ولاحظنا اهتمام النسوة ولباس بعضهن البرانس الغريبة وطنطنة بعضهن بصراخ غير مفهوم, كان كل المكان مليئ بالغرابة والألوان, واستغربنا عدم إلقاء الغريب تحية السلام وعدم احتفائه بنساء لهن الكثير من الوقع لدى غيره, رفع الرجل عصاه فجاءت حاجة سلامة بطبل كبير وضعته أمام الغريب في صحن البيت وسط النسوة ومع رفعة عصاه المرة الثانية ضربت سلامة الطبل بيدها الملفوفة بالسبح متعددة الألوان ببراعـة كبيرة ما كنا نتوقعها في هذا العجوز غير المحبوبة ومنقطعة النسـب
رفع الغريب العصا مرة أخرى, وصاح: جيبـو الترابلـة ؟

كل المشهد هذا من ثقب (صريـف) البيت الغربي المطل على بيت العجوز المجاور, لأمر ما تــم طردنا جميعا من حضور ذلك الحفل الغريب في بيت بت الطاهــر.
فكرنا في التعسـاء وتذكرنا الترابلة الذين مررنا بهــم في طرقات الفريق البائسـة. كان الطبل كبيراًً جـداُ وكانت سلامـة الماكـرة تضربه في غير صبـر, جاءت ثلاث نـســوة يحملن أشياء تحجبها الثياب, كانـت صغيرة في حجم حلـة تسخين اللبن, مع أي منها عصـا كعصـاة (الكنـش), رفـع الرجـل عصـاه مرة أخرى ضربـت سـلامـة الطبـل الكبيـر وهـوت النسـوة الثلاث بالعصـي على الأشياء الصغيـرة راح الجميع في حركات صاخبة فجأة تحول المكان وثار وماج وفقـدت النســوة كل ما عرف عنهــن, جن جنون الجمع وتمادى الغريب في وسطهن يتوشح الملفحة الوحيدة غير الوقورة في تاريخ الفريق, إذن هـذه الاشياء هي التي عـناهـا عندما طلب إحضـار الترابلـة. رغـم الصخب الهائج كان تركيزنا عليها هي دون غيرها كانت نسخـاً مصغرة من الطبل الكبيـر, أحببناهـا, كنا نحـب كل شئ صغير, كان سهلاً أن نلهو بكل صغير.

في الغد سمعنا أن الهتّف شفيت تماماً, غريب كان هذا الخبر لكنه حصـل فعلاً, قال الناس ربما كان هذا بخار البليلة وهو يرفع البلاء وقال بعضهم ربما حضر (ليلة الزار) بعض الصالحين.... المهم أن دخان الطلح راح يتصاعد مرات أخرى من دار الهتف بعد العشاء وراحت تخرج لحاجياتها وتسلم على مجموعات النسوة والجيران.. ذلك السـلام المحبوب.
وبعد الغد تساءلنا أين الطبول الصغيرة, كنا مستعدين لشراءها أو سرقتها أو استجداء اللعب بها سالنا ما ذا تسمى ولماذا لا يبيع الريح مثلها في دكانه الكبير, قالت سلامـة مثيرة المزيد من الفضول يا أولادي هـي _(شتامـة) الطبل, تسوو شنو بي الـ (شـتـم)؟
كنا نستغرب لماذا يحتاج الطبل إلى شتـم؟
ولا نـزال..

محمد الجزولى
26-10-2010, 09:00 PM
صفحات من دفتر عاشقة
للقاص :عبد الباسط مر يود

شهادة التدوين

كنت اقف شاخصة ببصري يملؤني الاندهاش, استجلي توهان البنايات السامقة مناطحة السحاب في تغولها وانسرابها كالمسلات تخترق الفضاء, وبقلبي وجفة وارتعاشة مصادمة اكتشاف الأمكنة والوجوه الغريبة لاول وهلة, وأنا القادمة من مدينة خفيضة المباني أليفة الوجوه ، يداي تقبضان حقيبة ملابسي أحاول أن افرغ خوفي وارشف منها الأمان ، البارحة استودعني أبى في المطار لعائلة قادمة إلى هنا, التصقت بهم في الطائرة مخافة المطبات الهوائية ونظرة رجل الأمن المخترقة لي عند الفحص ، من المطار إلى هذه المدينة قدم لنا سائق التاكسي سندوتشات, لسذاجتي كدت أن أتذوقها لولا مرافقي لكزني وأمه التي بجواري مانعا إيانا بالتفاته منه ونحن في المقعد خلفهم هو والسائق ، وفي الفندق حيث قضينا ليلتنا أطعمناها لهرة هرت فأسبلت أجفانها وغشيها النعاس وتدلى لعابها ! هكذا استقبلتني هذه المدينة ، ثم سائق تاكسي آخر وضعني هنا أمام هذه البناية بإعتبارها بيت الطالبات ولم تكن كذلك بل هي مأوى عجزة ، وأنا بين الحيرة وارتعاشة مصادمة اكتشاف الأمكنة وصخب وزحمة الشارع وأزيز الترام على مقربة مسرعا تخرج يدك تلوح فتملأ سماء وجهي وصوتك ينادي فيملأ أذناي ، والتلويح والصوت كانا مندغمين تماما في لحظة واحدة صوت وضوء كخطفة البرق والرعد ، تشكلتا ككورال لصدى الصوت والصورة ، وبين إسراع الترام واختفائك تحولت كلي إلى سؤال وقبل الإجابة انبثقت شاهقا كضوء المآذن ، فودعت الارتعاش والوجفة والوحشة الفارعة وعبرت بي سدرة الخوف بأمان لبيت الطالبات فحررت شهادة التدوين للحظة الأولى .

· مدارج القمر

كنت اقف عند الشرفة البحرية للشقة العالية والمساء بهيج ، والشمس تكسو وجهي وزجاج النافذة بغلالتها النحاسية كقطعة لهب فيتلون الموج اللازوردي فيكون عندماً ليرسل رذاذاً يغسل وجهي ، وعند الأسفل حديقة العشاق تضج بالقبل والعناق الحار والتهماس الشغوف لتلك الثنائيات فيتنامي إلى السماوات العلى وتمخر زوارق أحلامهم عباب البحر ، كنت في مراوحة حادة بين قلبي المشغول بك وذاكرتي هي الأخرى تشغلها كلماتك (أنا أنت وأنت أنا وكلانا الحب ممتد) وهي تلون ملامحي وتعيد ترتيبي وتملأ فراغات روحي بعذوبتها, فيرتص بنياني من جديد ، اعشوشبت كلماتك في دواخلي تماما ونحن نعبر حد التآلف بتلك الحديقة الصاخبة ، وحطت نوارسك من عليائها فوق هامة خاطري المكسور المتشظي بجراحات الماضي ، كنت اصدح مع الغروب أناجيك (عش معاي الحب عش معاي حناني خليني أنسي سنين عشتها وحداني ) وتفاجئني صديقتي بتداخل صوتي فيتعانقا صوتينا ويتجمعا كزخات المطر مكونان ينبوع من الحنان يرد البحر فيصير حانيا عطوفا ، يستجيش بالحب ، جل هذا اليوم البهيج كنا أنت وأنا غافلنا الجميع, وقفنا على ربا يوتوبيا مدينتنا الفاضلة ، اقترحت المداخل للأحلام أنت عند الضحى ، شنفتنا ازاهير الحديقة بعطرها ، شقشقت عصافيرها مزغردة ، وأنا اكتنفني الصمت حتى الأصيل ، هززت دواخلي وبنيت على حطام ماضيها مدارج للقمر ، عدنا اكثر التصاقا وتشابك أيدينا خفف رتابة غدو الترام في سيره المتئد ، لصفت الأرقام 86221 وحفرت في ذاكرتينا وكانت جسرا باهرا لتثنيات ومنعرجات حياة كل منا .

قابلت الشوارع وقع خطانا بفرح طاغي وطرزت حوافها الإسفلتية بالدهشة ، و زرعت شتلات للألفة في ضحكات وغمزات ركن السودان ، واحتقبنا نهاراتنا وليالينا وتسكعاتنا البحرية زادا لرحلة العمر في العودة للوطن .

· انتشاء الأزمنة

كانت الأيام تقتات من رحيق صبري ، والأزمنة تتمطى على فحيح صدري ، وأنا أتمسك بعصي ذاكرتي الخازنة لانتشاء الأزمنة القزحية ، أجوب فيافي الأسئلة الصعبة عن جدوى الانتظار ، كنت تتمدد على سماء ذاتي وتغري في الصمود ، كان الخوف يبسط لي يداه ، وكنت تصعد بي عوالي الإنقسنا وخيرانها شعلة للدفئ الذاتي ، ثم تأتيني ضباباً خرافيا يتلوى فيَ يهزني ويحاصرني ويدخل إلي مسارب روحي ، استنشق فيه عبق معاناتك فاصطبر .

كنت أهش للقياك فيتسلمني شوقك ويعربد بي ، ويضاحكني حبك لي ويغامز انتظاري العنيد لك ، كان أهلي يوسوسون على عتامة خطى زماني, والزملاء الاماجد يتوزعوننا ضريرة لعشيقاتهم الغائبات, والزميلات الماجدات ينثرننا تمائم لعشاقهن الغائبين ، كنت التقيك على سفوح الأنقسنا في قلي وفادميه ودندرو فبوط , ونحمل محبتنا قناديل لوهج احتفالات الحصاد وعيدان لنيرانهم الليلية, فيعمدوننا إلهي خصب ونماء ، فتنتشي ازمنتهم وتتجشأ حليب الغنى وتضيء عتمتهم المستفحلة .

محمد الجزولى
20-11-2010, 10:18 PM
عندما تكتب الطفولة قصيدتها الأولى
الشاعر المبدع عاطف خيري



أنا وإنت كنا إتنين

في جزيرة منسية

يرتاح عليها النيل

وقت الصباحية

ويعزف كمان الموج

أنغام فرايحية

طالعين مع الأفراح

في رحلة نيلية

مركبنا بالتحنان

مصنوعة مطلية

والريح تناغم الموج

وتغني أغنيـّـة

سابحين مع الأنغام

في غفوة صوفية

لما السحاب كوَّم ...

فوق للسما إتلملم ...

في الأول إتبسـَّـم ...

شلع البرٍق ضوّا

ومن وجعو إتكلم

صوت الرعد دوّا

وطلعنا نجري هناك

فوق الدرب صايحين

يا مطر صبي ... يا هبوب هبي

والمطر وكتين تنقط

تطلع الطفلة وتنطط

وتبني من الرملة قبة

وتمسح القبة وتشخبط

وتبني تاني بيوت كتيرة

وفوق أرض مبلولة دابا

بي إيديها تشيل تشخِّـط

وتبدا تتهجَّى الكتابة

وتكتب أحلى حروف بتنسج

كلمة إسمها يُمّة يابا

والمطر وكتين تنقط

تطلع الطفلة وتنطط

وتبني من الرملة قبة

وتمسح القبة وتشخبط

وتبني تاني بيوت كتيرة

للمساكين الغلابة

وللمسافرين الضهابة

الببيتو الليل غــُتاهم

السما وضل السحابة

والبعيشو عشان يموتو

بين شقا الدنيا وعذابا

جاريين وفرحانين

جاريين وما عارفين

إنو السحاب ببكي

من شوقو للإنهار

دَمَعَنْ عويناتو

مابرضو عندو هو دار

يشتاق ملاقاتو

رسل جواب للنيل

والطابعة دمعاتو

جاريين وفرحانين

جاريين وما عارفين

باكر ح يحصل إيه

وليه الشمس بتغيب

والكون يغطي وشيه

وليه القطر بيقوم

والناس تودع فيه

ليه القماري تنوح

والعين بتدمع ليه

يا ريت نعود أطفال

أطفال حنان وصغار

لا نعرف الأحزان

لا نحمل الأوزار

ونصادق الريحان

ونلاعب الأمطار

وألعب هناك في الطين

وألقى لي تعريفة

نجريبا للدكان

وقولي دايرة لبان

وأقول كمان نعناع

ونقسم النعناع

لي كل زول في الحي

والمطرة برضو تصب

لي كل زول في الحي

للساكن الاكواخ

والعندو بيت دورين

لا بتفرز الغنيان

من الشقي المسكين

وأهلك ينادوكِ

يا بــِـت تعالي البيت

ما تحومي في الحلة

سيبي اللعب في الطين

فستانك إتبلا

وتفوتي زعلانة

والمطرة فوق خديك

مرسومة ألوانا

ورزازا فوق حاجبيك

زي لوحة مزدانة

وأرجع برايا البيت

ويقولوا لي ليه جيت؟

ماكنت تتغدا

جايينا كلك طين؟

أرجع محل كنت

أتمنى بي سري

أرجع محل كنت

أرجع معاك البيت

نشرب كبابي الشاي

وأرقد كمان وأبيت

نقرا القصص بالليل

الأرنب الطيب والأرض والشجرة

وننوم وتاني الشوق

لي بكرة والمطرة