المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شمسنا الضواية مايو ... مايو 41



عبدالله محمد العقاد
27-05-2010, 12:51 AM
إعداد: بهاء الدين عيسى



بينما كان السيد عبد الرحمن المهدي يستجم على (عنقريبه) كانت هناك مجموعة صبية من أولاد الأنصار يلعبون بجواره، مراعين أعلى أشكال الاحترام والتقدير للزعيم الروحي لطائفة الانصار. الا ان صبياً صغيراً من بينهم اندفع اثناء مطاردة صبيانية وقفز متخطياً (العنقريب والامام). اندهش كل من شاهد المشهد، وعم الصمت الحاضرين. غير أن السيد ابتسم بهدوء، والتفت الى كبارات الانصار الحاضرين، وقال: (دا ود منو؟!)، فقيل له ود ناس نميري، فصمت السيد برهة، ثم التفت إلى محدثيه قائلا: (البعملها فيكم الجنى دا، ما اتعملت فيكم قبل كدا، ولا بعد كدا!!).



بعيون المستقبل ربما كان ينظر السيد عبد الرحمن، أو هي فراسة شخصية، أو حتى قد تكون كرامة للسيد بشأن ما سيلحق بالانصار في الجزيرة ابا وودنوباوي. ولكن ما لاشك فيه أن السيد رأى جملة من الصفات القيادية في شخص الصبي (نميري) وهو يلعب مع اقرانه, أنبأته عن صفات قائد لا يرحم اعداءه.

هو رجل قوي الشخصية اطلق عليه مؤيدوه لقب (دراج المحن) بينما سماه معارضوه بالسفاح.

أطاح بالديمقراطية وبالرئيس المنتخب اسماعيل الازهري عبر انقلاب في الخامس والعشرين من مايو من العام 1969م, وشهد عهده تقلباً من اقصى اليسار الى اقصى اليمين وتحالفا بدأ مع المعسكر الاشتراكي وانتهى مع الإسلاميين والولايات المتحدة الامريكية.

أطيح بالرئيس النميري في انتفاضة أبريل عام 1985م, وتولى الحكم المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب لفترة انتقالية لعام, تولى بعدها الصادق المهدي رئاسة الوزراء بعد أن فاز باغلبية لم تتح له الحكم منفردا فتحالف مع الحزب الاتحادي الديمقراطي.

في العام 1983 قسم النميري الجنوب الذي كان اقليما واحدا إلى ثلاثة أقاليم (أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية) تلبية لرغبة بعض الجنوبيين, خاصة جوزيف لاقو الذي كان يخشى من سيطرة قبيلة الدينكا على مقاليد الأمور في الجنوب، وكان أبيل ألير نائب الرئيس النميري من قبيلة الدينكا، وكان مسيطرا على جميع أمور الجنوب. ويذكر أن اتفاقية أديس أبابا تنص على جعل الجنوب إقليماً واحدا، ولهذا اعتبر البعض تصرف النميري بمثابة إلغاء لاتفاقية أديس أبابا.

ومع أن عهد النميري الذي دام 16 عاماً كان قد عرف أطول هدنة بين متمردي الجنوب والحكومة المركزية بالخرطوم دامت 11 عاما، فإنه عرف أيضا ظهور الحركة الشعبية وجناحها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما عرف بروز د.جون قرنق أبرز زعماء المتمردين. وشهدت الحرب الأهلية في عهده فصولا دامية. كما شهد صراعات حول السلطة مختلفة منها المدنية والمسلحة واشهرها الحركات المسلحة حيث كانت حركة المقدم حسن حسين والذي اعدمه النظام.. كما شهد أيضاً أشهر الانقلابات وهو انقلاب هاشم العطا الذي كان مدعوماً من الحزب الشيوعى, واطلق على الانقلاب الحركة التصحيحية بحسب وجهة نظر منفذيه.

في كل المواجهات التي وقعت بين النميري وخصومه بقي نميري متحفزاً ينتظر خصومه ليرتكبوا الخطيئة المميتة لينقض عليهم. مع الإمام الهادي المهدي والجبهة الوطنية المعارضة انتظر حتى بدأ الأنصار التحرش بقواته في منطقة الجزيرة أبا فانقض عليهم. ومع الحزب الشيوعي انتظر حتى نفذ هاشم العطا انقلاب 19 يوليو 1971، وبقي في السلطة ثلاثة أيام ثم انقضت عليه أطراف كثيرة تحالفت مع انصار النميري في تلك اللحظات العصيبة. وحتى محمود محمد طه انتظر النميري حتى بادأه الجمهوريون العداء فانقض عليهم. عندما يضرب نميري ضربته فهو يضرب بأقصى قوته حتى تكون الضربة موجعة ومؤثرة.

اجري حوار سابق مع الإمام الصادق المهدي في آخر يونيو في العام 1983 وكان فيه سؤال عن جعفر نميري, فقال في كلمات مسجوعة: كان نميري (شاطراً) في علم الراس وليس في علم الكراس. بمعنى أنه لم يكن مبرزاً في مرحلة تعليمه المدرسي ولكنه كان (شاطراً) في قراءة ما حوله.

وكان أب عاج أيضاً مستمعاً جيداً لمستشاريه لكنه كان يصدر قرراته بنفسه. وصبوراً لدرجة مذهلة. في مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي كان يدخل قاعة المؤتمر في الساعة التاسعة صباحاً ولا يغادر كرسي المنصة إلا في نهاية الجلسة. وكانت الجلسة تمتد أحياناً حتى العصر. في الأثناء كان كثير من المؤتمرين يخرجون لتناول المرطبات أو تناول الوجبات أثناء الاستراحات أو للصلاة. لكنه لا يغادر كرسيه حتى تنتهي الجلسة. وكان التزامه بالمواعيد عالياً. في كل اجتماعاته كان يدخل القاعة في الموعد بالضبط. وقبل خمس دقائق من دخوله تغلق الأبواب ولا يسمح لأي شخص بالدخول حتى لو كان من كبار أعضاء الحكومة.

قصص كثيرة رويت عن النميري معظمها عن سلوكه الشخصي وسرعة استجابته لبعض المطالب الانسانية، وهي من الكثرة بحيث يمكن أن تشكل (إذا جمعت) مجالاً لدراسة بعض الجوانب المؤثرة في شخصيته.

السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني محمد إبراهيم نقد حاولت (الحقيقة) استنطاقه في الذكرى (41) لحكم مايو.. سكت هنيهة, فأعدت عليه سؤالي, فضحك (هههه) ورفض الحديث عن مايو. وقال في عبارة مقتضبة: (هناك مثل يقول: طرينا الشر لي بعدو) وتابع: (ذكرى مايو أصبحت في مزبلة التاريخ)!!

لعل النميري الذي تخرج في حنتوب يذكرنا بـ(حنتوب الجميلة) وهي من الأغنيات الخالدات للشاعر العملاق محمد عوض الكريم القرشي وغناء الفنان الرائع الخير عثمان، هذه الأغنية يعيش معها الكثيرون ذكريات خالدة خاصة لخريجي مدرسة حنتوب الثانوية العريقة التي تقع شرق النيل الأزرق بولاية الجزيرة قبالة مدينة ود مدني وهي حقاً جميلة بمناظرها الخلابة.

افتتحت مدرسة حنتوب الثانوية عام 1946م وخرجت أجيالاً وأجيالاً, منهم السياسيون والعسكريون والاقتصاديون والشعراء والفنانون والأدباء والمفكرون والمعلمون والأطباء والزراعيون والقانونيون والمهندسون الذين تقلدوا مناصب رفيعة وخدموا الوطن, وكان من بين خريجي هذه المدرسة العملاقة الرئيس نميري، وكان الأستاذ/ أحمد البشير العبادي أول ناظر سوداني للمدرسة, ثم حسن أحمد الحاج وأحمد حسن فضل وهاشم ضيف الله وغيرهم من رموز البلاد.

جمع مبارك في جمعة مبرورة، اجتمعوا في رقعة كأنها نسخة مصغرة من (حنتوب الجميلة) في مزرعة (ود الناظر)، وزير المالية السابق إبراهيم منعم منصور ببترى. نجوم دارت ذات يوم حول كوكب حنتوب الثانوية ــ دفعة 1951م ــ تلاقوا هنا للسمر ونبش الأشجان ودفن الأحزان ولعق شطائر الذكريات..! لكن اشهر طلاب حنتوب يمثلون الثلاثي (جعفر نميري, د.حسن الترابي ومحمد ابراهيم نقد).

يقول وزير المالية الأسبق إبراهيم منعم منصور وأحد خريجي الدفعة عن حياة نميري في مدرسة حنتوب: (نميرى جاء إلى حنتوب محولاً في السنة الثانية وكان قليل القراءة لأنه يشارك في أكثر من نشاط رياضي, لكنه لم يكن بليداً وما أشيع عن أنه كان (طيش حنتوب) مكايدة سياسية ليس إلاّ, والدليل على ذلك تفوقه في الكلية الحربية ونيله للماجستير في العلوم العسكرية من بريطانيا).

نميري تولى رئاسة داخلية أبو عنجة وكان يسكن في (الغرفة العامة) وهي غرفة منفصلة عن الداخلية أو العنبر وتخصص للطلبة المشاغبين قليلي القراءة, وبها من أدوات الترفيه والاستماع ما يجعل منها نادياً للداخلية, وكان يسكن معه محمد إبراهيم نقد، صاحب الصوت الجميل والنكتة الحاضرة وبرير محمد حامد وبشير محمد يوسف الملقب بــ(ابو ظريفة)

بينه ونقد ما صنع الحداد

في العام 1973م طلبت لجنة الاحتفال باليوبيل الفضي لحنتوب من جميع خريجى المدرسة أن يأتوا للمدرسة، فحضر نميري ووقتها كان رئيساً للجمهورية, وعندما دخل إلى (الغرفة العامة) لداخلية أبو عنجة التي كان يسكن فيها، طلب منه أحد زملائه ان يعطي الامان لـ(نقد) الذي كان في واحدة من نوبات اختفائه، فأعطاه نميري الأمان ليأتي ويحتفل.

خرج الأستاذ محمد ابراهيم نقد من مخبئه وحضر الاحتفال وشارك في ادارة المباراة الرئيسية كمساعد اول لحكم المبارة التى شارك فيها نميري. ومن طرائف ذلك اليوم المشهود، أنه وعند استلام نميري الكرة بصدره وقبل ان يسجل هدفه، كان نقد يرفع رايته ولكن الحكم لم ينتبه له حتى احرز نميري الهدف، فحضر حكم المبارة اليه فقال له نقد: الراجل دا سارق..!

فلم يأخذ الحكم برأيه واحتسب الهدف، فالتفت نقد إلى جمهور المسطبة الشرقية قائلاً في سخرية لا تخلو من المكر السياسي:

(أصلو حكام الزمن دا ما بسمعوا الكلام)..!.

براون ممنون لوفائه

في واحدة من زيارات نميري إلى لندن قدمت له الملكة اليزابيث الدعوة ليتناول معها وجبة الغداء وسمحت له بدعوة مواطنين إنجليز، فدعا نميري المستر براون، ناظر مدرسة حنتوب الذي حين جاء ودخل على الملكة في حضور نميري، بكى وقال:

لم أصدق قط أن أدخل إلى ملكة بريطانيا وأتناول معها الغداء، وأنا الذي كنت حين أسمع أن الملكة ستطل على الجماهير من فوق بلكونتها أقف منذ الصباح حتى يتسنّى لي رؤيتها.

حضرة الناظر براون كان يعتبر الدعوة بمثابة وفاء، من تلميذ يعرف معنى الوفاء.

*من أشهر المحطات في حكم النميري انقلاب هاشم العطا

*انقلاب حسن حسين

*محاولة إعادة الديمقراطية بواسطة الغزوة المسلحة من ليبيا والتي اشتهرت بالمرتزقة

*ضرب الجزيرة أبا بالطيران

*أحداث ودنوباوي الدموية

*المصالحة الوطنية

*تطبيق الشريعة الإسلامية

*السلم التعليمي 6+3+3

*إعدام محمود محمد طه

ولد نميري في مدينة أم درمان في السادس والعشرين من أبريل عام 1930 من والدين هما: محمد نميري، وآمنة نميري اللذين قدما قبل زواجهما إلى أم درمان من منطقة ود نميري في أطراف مدينة دنقلا من أجل لقمة العيش، وقبل أن يتزوج والده عمل جندياً في «قوة دفاع السودان» لكنه بعد الزواج ترك العمل في الجيش واختار العمل ساعياً في شركة سيارات. وعندما افتتحت الشركة فرعاً لها في واد مدني انتقل والده إلى الفرع واستقر به المقام هناك مع أسرته التي باتت تتكون من الأب والأم وثلاثة أبناء هم: مصطفى، ونميري، وعبد المجيد الذي توفِّي وهو في الرابعة والعشرين من عمره.

قالت والدته يوماً عندما سألها نميري عن سر اختيارها هي ووالده اسم جعفر لمولودهما الثاني، إنها رأت في حلم أثناء حملها به بأنه إذا جاء المولود ذكر تسميه جعفر تيمناً بـ«جعفر الطيار» الذي هو جعفر بن أبي طالب شقيق الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

ويضيف نميري: «تذكرت ما قالته الوالدة هنا بعدما أصبحت رئيساً للسودان حيث أنني في الأشهر الثلاث الأولى من بداية الترؤس كنت احلم يومياً بأنني اطير واسمع الناس من حولي يقولون: «شوفوا الزول ده (أي انظروا الى هذا الانسان) الذي يطير).

ويتذكر نميري كيف أنه عندما انتقل والده ووالدته من أم درمان إلى ود مدني انه في بعض الأحيان كان يقود بعض حمير اهل الحي وينظفها في مياه النيل، وأن هذا العمل جعله محبوباً بين الناس وعمق في نفسه أهمية التعاون. كما يقول: «كنت البارز في الالعاب، وغالباً ما كنت اقود فريق كرة القدم عندما نمارس اللعبة في حي ودنوباوي». وفي هذا الخصوص، يقول نميري في حواراته الصحافية: «أتذكر قساوة الحياة التي عشناها. وأتذكر في الوقت نفسه كيف أن مرتب والدي عندما احيل إلى المعاش لم يتجاوز تسعة جنيهات. وبسبب ضآلة هذا المرتب حرص والدي على ان يعلمنا. عشنا قساوة الحياة، ولكي يؤمن لي والدي فرصة الدراسة الكاملة فإنه طلب من أخي الاكبر أن تتوقف دراسته عند المرحلة المتوسطة ويبدأ العمل).

وكان النميري يمارس طقوس حياته ما قبل الرحيل بعد عودته من القاهرة حسب إفادات شهود بأداء صلاة الصبح حاضراً في منزله بود نوباوي, ومن ثم يقرأ أجزاء من القرآن الكريم وبعد ذلك يتوجه إلى مكتبه في مقر حزبه الوليد تحالف قوى الشعب العاملة.

وقبيل رحيل الرئيس المشير جعفر نميري بنحو عشرة أيام عمت شائعات وفاته في كل أنحاء البلاد, وفي صبيحة الثلاثين من مايو (2009م ) كان الخبر بنهاية المطاف, ليعلن رسمياً رحيل الرئيس. حيث شيع جثمانه في الحادي والثلاثين من ذات الشهر إلى مقابر أحمد شرفي في أمدرمان وسط مراسم عسكرية تشريفية باعتباره رئيساً سابقاً وقائداً عاماً أعلى للقوات المسلحة.

مدنيّة
27-05-2010, 01:09 AM
مقال يعتبر توثيق لمرحلة مهمة جدا في تاريخ بلادنا

بالجد استمتعت وانا اقراه

مشكور ياعقاد

سواااح
27-05-2010, 04:13 AM
لك الشكر عزيزي العقاد
على هذه السياحة الجميلة
في ارجاء النميري.

عبدالله محمد العقاد
02-06-2010, 08:42 AM
الاعزاء مدنية و سواح

الشكر اجزله على المرور الرائع و الجميل

ساريه
28-10-2010, 10:27 AM
اكثر الله من امثالك حقيقى استمتعنا بالقراءه عن اهم حقبه زمنيه مر بها سوداننا الحبيب وعن ذلك الرجل الذى مازالت بصماته على واقعنا ورغم كل عيوبه لا يسعنى الا ان اقف واحيى ود نميرى الفلته الذى اثرا تاريخنا وتحيه لك يا استاذنا