المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حركة ... (شبيك لبيك) التصحيحية !



فيصل احمد المكى
13-11-2011, 01:29 AM
.. فتح زجاجة الكولا .. وهمَّ أن يشرب ، فانتفض مفزوعاً فقد فارت محتويات الزجاجة ، وتصاعدت الرغوة مثل سحابة ، وبين التحديق والذهول أخذت السحابة تتشكل صبية ساحرة تشع عيناها بشقاوة انجلينا جولي وساندرا بولوك وكيت هدسون وحيوية شاكيرا وجنيفر لوبيز وطلة متغندرة مثل ميريام فارس وهيفاء .. مثل مذيعات القنوات التلفزيونية المشفرة التي يمنع ابناءه منها ويشاهدها هو سراً .
بذل جهداً ليتمالك نفسه ويتبين حقيقتها ويحدد هويتها وهو يملأ بصره بالعينين النجلاوين والابتسامة التي تقطر عذوبة ورقة في ظاهرها ، ولكنها تشي بكل المفاجآت والاحتمالات غير المأمونة .
أجفل مضطرباً حين سمعها تقول ، مرحباً ... وهي ترمقه بنظرة ناعمة ... تلعثم لسانه ، أشار بسبابته نحو صدره مستفسراً ليتأكد أنه هو المقصود ! ردت وصوتها يسري كالحرير نعومة ونداوة وتكسراً ـ أيوة معاك ... سامعاك .. مرحباً .
كادت أرادته تنهار ، لكنة تماسك فقد أسعفته ذاكرته بمقالب وحيل أصدقائه وتجربته في متابعة الإعلانات المبتكرة وسيناريوهات وخدع المسابقات والكاميرا الخفية والتي تكون منقولة علي الهواء مباشرة أحياناً .
اصطنع ابتسامة توحي بالثقة وهو يقول بلهجة من اكتشف الخدعة :
• برنامجكم لطيف وانتو ظريفين ... ممكن أهدي .. ؟ ممكن اشترك في المسابقة ؟ السؤال شنو ؟
ضحكت طويلاً ، فنثرت حبوراً ومرحاً لاذعاً وقالت : مسابقة بتاعة شنو ؟ انتو برامج القنوات والجوائز جننتكم ... في حاجات أحسن من كدا .. أخذ بتأرجح بين الحقيقة والخيال بين الجد والهزل بين اليقين والشك في الذي يراه ويسمعه ، في هذه الغريبة الغامضة ... فسألها كيف ... حاجات زي شنو ؟ .. وانتي منو ؟
أنا شبيك لبيك ، خادمك بين أيديك ، طلباتك ؟
أحس بالأرض تميد وتنهار تحت قدميه ، إرتبك نطقه ، جف حلقه .. هز رأسه بعنف ، حوَّل بصره عنها يميناً وشمالاً ، أغمض عينيه وفتحهما عدة مرات وهو يردد في إنكار وجزع .. لا .. لا .. ما ممكن .. إنا ما بصدق الحاجات دي .. ما معقول .. ما ممكن .. لا .. لا ..
ولكنها ظلت ثابتة وواضحة أمامه .. شامخة ومتحدية ، أيقن أنه لا مفر من المجابهة بأية وسيلة ولأي مدي حتى لو بلغ مرحله الصدام .
إستدعي من قاع ذاكرته قصص البطولة وأبيات الدوبيت وإشعار الحماسة والفروسية ... (ومن العجز أن توت جباناً) ..
فكر أن يستعين بمخزونه الرهيب من الأدعية والتعاويذ وأوراد التحصين ولكن ... انبعث من أعماقه شعور مبهم ... فعدل عن ذلك ، أحس أنه استمرأ هذه الإثارة ، رغم إن عمره بلغ مشارف الشيخوخة ، لذَّ له الحديث الممزوج بالطرافة والغموض والتشويق ، غمرته نشوة التأثر بعذوبة الصوت ووميض العينين ، بث فيه ما أزاح ضجره وحزنه ومسح من ذاكرته لبعض الوقت ضيقة ومعاناته مع أعباء الحياة وتدبير المعيشة ولقمة الخبز ومباصرة (الحلة) لأم الأولاد ومصروفات الأبناء والبنات ، نسي انه لم يدفع أيجار البيت منذ شهرين ، نسي قطعة الأرض التي لم يتمكن أن يضع فيها طوبة واحدة ، نسي مشكلة إبنته التي لم تسجل هذا العام في الجامعة لعدم وجود المبلغ المحدد كرسوم تسجيل ، نسي أنه هو نفسه بحاجة للمال لإجراء عملية جراحية في العيون .
لقد خفف ما حدث عن كاهله إلي حين .. ثقل كل تلك الضائقات التي عصفت بسنوات عمره واغلي أيام حياته وها هو يقضي نهايات كهولته بنفس كليلة وجسد متعب تحاصره مطالب لا تنتهي .
حالته فعلاً بحاجة إلي الأحلام والأساطير .. بحاجة لمثل هذه المعجزة والخرافة .. (شبيك لبيك) مهما كان المخبأ وراءها يظهر الغيب ، فهو خير من ملازمة البؤس والملل والرتابة والكآبة ، فاستأنف الحديث ، عدل عن فكرة صدَّ هذه الزائرة الاستثنائية ومضي في المحاورة والمغامرة فقال لها :
• لكن شبيك لبيك كان من الذكور .. مارد .. جني أو عفريت ، يعني كان راجل .
• ردت بسرعة وعيونها تقدح شقاوة ومشاكسة .. (والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا) قالت : دا كان زمان .. في العهود الغابرة .. ودلوقت الإناث عندنا عملن حركة تصحيحية شاملة وحققن انجازات كبيرة .. وزي ما الحركات النسوية عند البشر ناضلت وكافحت لغاية ما المرأة نالت بعض حقوقها واحتلت مواقع قيادية في دول كثيرة في عالمكم .. نحن برضو عملنا كدا .. ومن المكاسب الهامة ، الموقع دا .. موقع شبيك لبيك .. كسبنا المعركة في الحصول عليه لأنه تمت عملية جرد .. وتقرير المراجع العام بتاعنا كشف تجاوزات وتدهور في المعدلات واختلالات في الأداء وخروقات في الإجراءات لتنفيذ طلبيات مزورة وعمليات وهمية مما أكد إنه الذكور أصبحوا عندهم ميل للانحراف والإفساد والتعويض ووضع العراقيل في أي عمل .
تولاه الحياء .. شعر بالهزيمة وأحس بالهوان ، ارتعشت يده وسقطت مسبحته من بين إصابعه دون أن يحس ، نكس رأسه تحت وطأة الاستفزاز للذكور والشرقي الحمش في وجدانه وعقله .. صمت برهة وهو يلعن في سره خيبة المردة الرجال والعفاريت الرجال والجن الرجال وخسارتهم لمثل هذه المواقع العريقة المؤثرة .. وهو ينظر اليها شذراً .
ثم غالب الأسي فقد هبت عليه الذكري الجميلة لمسلسل الحاج متولي ، فبثت في نفسه بعض العزاء والعزيمة لمواصلة المحاورة والمناقشة فقال لها :
• طيب شبيك لبيك كان محبوس ، في قمقم نحاس علي ما اذكر ، أو جرة حسبما هو مكتوب وعلمونا في المدارس .. لكن زجاجة كولا ... لا .. دي ما ادونا ليها .. دا ما صحيح دا تزييف ، ردت بنبرة ساخرة لاذعة .
• وليه ما تقولوا دا تطوير وإصلاح وتجديد مشكلتكم إنكم غير مواكبين للتحولات والمتغيرات أو متناقضين .. كيف نكون في الألفية الثالثة .. وثورة اتصالات وشبكات الكترونية وتقنية معلومات وحداثة وآفاق رحبة لما بعد الحداثة وتجارة عابرة للقارات وشركات عملاقة متعددة الجنسيات ومواصفات وتصنيع وتعبئة متطورة وعايزين شبيك لبيك يقيف عند مستوي القمقم النحاسي والجرة .. دا كان جزء من برامج الحركة التصحيحية بعد التدهور والركود الطويل في عهود الذكور .. نحن أزلناه .. وحانزيل كل أثار العهد البائد .. لأننا في زمن ومرحلة جديدة .. والزجاجة ظريفة وعملية وموجودة في كل وقت وكل مناسبة وكل مكان .
• استغرق في التفكير لفترة لا يذكرها .. لكن حين رفع رأسه ليواصل الحديث كانت قد رفعت يدها .. صوبت بصرها نحو ساعة أنيقة حول معصمها ، هم إن ينطق لكنها أشارت بما يعني انتهاء الوقت .. وقالت .. دي مشكلتكم معشر الذكور في ابسط المسائل تصرفوا كلام ماليه حد نقاشات واجتماعات ومؤتمرات واخذ ورد ــ ولت وعجن .. وكان بإمكانك تحقق أي حلم من أحلامك لو اختصرت الكلام ووفرت مجهودك .. فرصتك انتهت ..
• بين ذهوله وتحديقه تلاشت الصورة .. غاب طيفها .. تشكلت السحابة وهطلت مرة أخري قطرات سريعة داخل الزجاجة .
• وظل هو منذ ذلك اليوم يصر علي فتح كل زجاجة كولا .. عسي ولعل .. ولكن دون جدوى ثم اكتفي بعد ذلك بان يقول كلما رأي زجاجة في أي مكان .. أخر زمن .. آخر زمن

محمد الجزولى
13-11-2011, 03:49 AM
إبداع ثم إبداع
ما بين تمسكنا بكل قديم وإصرارنا على انه الاجمل وما بين الحداثة يفوتنا الكثير
ونظل نرواح مكاننا بينما غيرنا يخطو مسرعا نحو المستقبل...
وما بين الدهشة والإبداع يطل علينا قلما يمتلك ناصية الكلمة
العزيز فيصل أحمد المكي
انت مكسب بكل ما تحمل هذه الكلمة
يا بشرانا بك

انور النور محمد
13-11-2011, 11:05 PM
وفتحت اخي فيصل في نفوسنا شبقا
لابداع وامتاع يسكن تفاصل ما كتبت

ننتظرك دوما لتكتب

ومرحب حبابك