مشاهدة النسخة كاملة : أنستاسيا .. وردة الهزيع الأخير ..رواية جديدة .
عبدالغني خلف الله
02-01-2013, 08:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
انستاسيا ..وردة الهزيع الأخير ..رواية
عبدالغني خلف الله
الحلقة الأولي
أويس .... نعم؟! إسمك مرة أخري يا ولد ..إسمي أويس مرغني الفاضل .. واضح .. هيا أجلس . .بعده .. كان ذلك أول سؤال أتلقاه وأنا أخطو أولي خطواتي بالمدرسة الابتدائية .. جاري في الفصل همس في أذني بلطف لا يشبه السن التي نحن بها قائلاً .. منو السماك كده .؟. أبوي طبعاً .. وده اسم شنو ؟ .. في الواقع لم أكن أعرف الإجابة .. وعند عودتي لمنزلنا لم يكن والدي قد حضر من العمل .. فهو ضابط إداري .. فتوجهت بالسؤال لوالدتي .. ماما .. ماما.. ما معني أويس؟! أويس .. إنتظر لما بابا يرجع ..انتظرت عودة والدي بفارغ الصبر وعندما هممت بسؤاله كلفني بحزمة من المهام .. ( دخّل الرغيف.. .. تلقي الجرايد في المقعد الخلفي وأمشي نادي أستاذ عبدو عشان اتغدي معانا) وكان ثمة ضباطاً آخرين في معيته ..وهكذا ضاعت عليّ فرصة التعرف علي كنه اسمي وبت مستعداً لسخرية زملائي .. ولكن ظل الفضول مسيطراً عليّ إلي أن حانت اللحظة المناسبة .. إذ دخل علينا أستاذ اللغة العربية فتوجهت إليه بالسؤال دون تردد .. أستاذ .. أستاذ .. ممكن أسألك سؤال ؟ .. طبعاً يا ابني تفضل .. أويس معناها شنو؟ .. أغلب الظن أن المقصود هو أويس القرني وله قصة معروفه فقد أوصي الرسول صلوات الله وسلامه عليه أصحابه بأن يطلبوا من أويس هذا أن يدعو الله لهم كلما لقوه .. لأن دعوته مستجابة وهو من عباد الله الشاكرين علي الابتلاء مثل سيدنا أيوب عليه السلام .. فهمتوا المعني يا أولاد ؟ .. فهمنا .. ومن ثمّ واصل الحصة ومذ ذاك الحين وأنا أمشي مشية الخيلاء بين التلاميذ وتناقل الجميع قصة اسمي وتنازل لي الألفة طواعية عن موقعه وانهالت علي الهدايا من زملائي بالفصل .
أويس..؟ .how do you spell it كيف تتهجاه ؟ أنستاسيا .. وقد راق لها الاسم .. هل يمكن أن أكتبه (oh ..Yes? ) .. بالطبع ولم لا ..( سباسيبا ) .. لا شكر علي واجب .. ومرة أخري وجدتني وأنا أشرح لها معني الاسم .. كانت منفعلة بما تسمع .. وتوقفت كثيراً عند مدلول الشكر علي الابتلاء .. لا بد إنه كان إنساناً رائعاً .. وفي زمننا هذا يصعب العثور علي شخص كهذا .. تأمل معي الزملاء في ال( أونفيرستيت دورشبي ) .. بجامعة الصداقة والذين حضروا إلي موسكو من جميع بلدان العالم الثالث .. ولكنهم وبدلاً من التفرغ للدراسة تجدهم يتبادلون خبراتهم في صنع الألغام والمتفجرات ويحملون بين جوانحهم حقداً هائلاً علي مجتمعاتهم التي حضروا منها لا سيما الأنظمة الحاكمة في بلدانهم .. إنهم ثوريون وأنتِ تعلمين ذلك وبلدكم تمنحهم فرصة الحضور إلي هنا ليصبحوا شيوعيين ثوريين .. شيوعيون نعم أما ثوريون فلا .. وما الفرق يا أنستاسيا ؟ الفرق كبير .. نحن لم نطلب منهم إراقة الدماء .. فقط أردنا منهم التبشير بقيم ومبادئ ثورة (البروتاريا) ونشر الفكر الاشتراكي لا أكثر ؟
أنستاسيا ..أنستاسيا .. مهرة آسيوية من الزمن الجميل تمتلئ حيوية وسحراً ..تركض من غرفتها حتى الكافتيريا وتركض من الكافتيريا حتى قاعة المحاضرات وتركض من قاعة المحاضرات حتى نزل الطالبات ..فهي في حالة ركض مستمر ..أحياناً تركض في الميادين الفسيحة بالجامعة في زمهرير الشتاء لا تأبه بالرياح العاصفة والمطر ..لم تركضين هكذا يا قمري ودوائي في هذه البلاد الثلجية المذاق ؟.. أنستاسيا كفاك ركضاً فأنا أريدك في أمر هام .. قله لي وأنت تركض بجانبي ..أريد أن أعترف لك بأنني .. بأنني .. تكلم فأنا مصغية لك .. ( يالوبلو تيبيا) .. ماذا قلت ؟ الرياح قوية وأنا لا أسمعك جيداً ..لا بأس عندما تكملين هذا الشوط انضمي لي بالكافتيريا ..لأقول لك ..أحبك يا ( أنّا ) ..بكل لغات الدنيا ..فقط أحبك وليتك تفهمين ؟
***
شتاء موسكو القاسي يمزق أوصاليّ ..فأنا لم أتمكن من دفع فاتورة التدفئة فقطعوا عني الغاز ..إن المصاريف لا تأتي من السودان بانتظام والكمبيوتر المتنفذ لا يفهم أن الناس في دول العالم الثالث يعانون من البيروقراطية لدرجة الجنون .. ولم تنجح الألحفة الكثيفة في كبح جماح الرياح العاتية التي تولول في الخارج ..وهاهو الكون يطرح جانباً ستر الظلام ويتهيأ لاستقبال يوم جديد ..
ارتديت ملابسي علي عجل وتوجهت نحو أقرب مقهىً لتناول قدحاً من الشاي إذ لم يكن بمقدوري صنعه بنفسي .. فكل شيء ب(الشقة) معطل .. كنت علي موعد مع أنستاسيا لأحدثها عن تأريخ المنطقة العربية وتاريخ السودان علي وجه الخصوص وقد لاحظت اهتمامها بالتاريخ ..ولم أدرِ وأنا أقطع المسافة من علي الرصيف الخالي من المارة .. أن أكثر من مفاجأة تنتظرني داخل المقهى .. لم أكترث لها في بادئ الأمر وأنا أخلع عني الجاكتة السوداء ذات الأزرار المدببه وأسلمها للنادل .. كانت تجلس في أقصى ركن بالمقهى وأمامها قدح من القهوة وهي تدخن .. سيدة في مقتبل العمر ذات ملامح لاتينية والأرجح أنها من البرازيل أو ربما كولومبيا .. كانت ساهمة ومهمومة لا تشعر بما يدور حولها تنفث الدخان من سيجارتها فينداح دوائر غامضة ترسم أنماطاً من الصور المبهمة ..وبدا وكأنها تتابع بنظراتها كل نفثة منذ أن تغادر فمها الرقيق وحتى مصافحتها لزجاج النافذة المبلل .. جلست بالقرب منها وأنا أرتجف من شدة البرد .. قلت لها صباح الخير ..ردت بإيماءة مترددة وأشاحت بوجهها عني لتراقب عبر الحاجز الزجاجي مجموعة من الصبية يتزحلقون علي الجليد بأحذيتهم ذات العجلات .. الناس هنا يتأقلمون مع كل الأجواء في سهولة ويسر أليس كذلك ؟! .. همست بهذه الملاحظة وأنا أوجه السؤال مباشرة نحو عينيها ..عينان زرقاوان فيهما عوالم من السحر غريبة .. وزاد الموقف غموضاً صوت المغني الذي ينداح عبر جهاز التسجيل ( إنني أبحر إلي وطني مرة أخري ..إنني أبحر ..) وصوت (رود ستيوارت) المفعم بالشجن يحاصرنا ..( لن أبكي أبداً بعد اليوم .. لن أبكي أبداً ) .. هي إذن لحظة مشاركة وجدانية لهموم الغربة بعيداً عن الوطن ..فعادت هي مباشرة إلي( بوقوتا ) وعدت أنا إلي (وادمدني ) وذكريات طفولتي هناك وإلي (رزان ) .. ولماذا رزان بالذات؟! ..كنا جيراناً ووالدها يعمل معلماً بالمدرسة الوسطي .. ولمّا كانت المدرسة التي تدرس بها في جوار مدرستي فقد طُلِب مني أن أقوم بتوصيلها كل يوم وإعادتها بعد نهاية اليوم الدراسي .. كانت لطيفه ولديها مقدرة فائقة علي سرد القصص المسلية عن والدها وأمها وإخوتها الصغار .. بيد أننا افترقنا بعد حين وتفرقت بنا السبل .. نقل والدها في بادئ الأمر ونقل والدي بعد فترة قصيرة من مغادرتهم .. بكت وهي تودعني وكنا وقتها قد صرنا في الصف الخامس .
ساريه
02-01-2013, 09:00 PM
قرأت ما خطته اناملك اخى عبد الغنى ويملأنى احساس المتعه والاندهاش ...
وكأنى اتناول فنجان قهوه خالى من السكر ... مرارة البن وحلاوة الاحساس .... يعجبنى أسلوب (السهل الممتنع الذى كتبت به احساسك )
يا ريت تواصل ....
عبدالغني خلف الله
03-01-2013, 11:10 PM
شكراً جزيلاً سارية وأسعد كثيراً بإهدائك وكل المتواجدين الآن الحلقة الثانية من ( أنستاسيا) ..هذا مع تحياتي .
عبدالغني خلف الله
03-01-2013, 11:11 PM
الحلقة الثالثة
إسمي أويس وأنا من أفريقيا من السودان وأدرس الطب بجامعة الصداقة .. وأنا من كولومبيا واسمي إيزابيلا وأمارس التجارة .. سعدت بمعرفتك ..وأنا أيضاً ..قالت ذلك وهي تلملم علبة سجائرها وأشيائها ..قمت بسرعة لإرجاع مقعدها للوراء قليلاً لأمّكنها من النهوض بيسر ..هل تحضرين عادة لل(هايسندا ) ؟ ..أحياناً .. طاب يومك .
كنت شارد الفكر طوال اليوم أفكر بتلك السيدة الغريبة .. إيزابيلا .. إيزابيلا .. لماذا هي وحدها ؟ وما الذي يدفعها للخروج في ذلك الصباح الباكر ؟ هل لاحظت الفراء الفخم الذي كانت ترتديه ؟ لا بد أنه يساوي آلاف الدولارات والقادحة المذهبة وسيماء العز والثراء التي تلون كل حركة وكل سكنة من سكناتها .. يا لأناقتها ويا لجاذبيتها .. لكأنها حقل من المغناطيس .. ولكن أنستاسيا أخرجتني من تأملاتي كعادتها في كل مرة .. ركضت نحوي فيما كنت أتهيأ للدخول إلي قاعة المحاضرات وقد منحتني ابتسامة عريضة أضاءت وجهها الجميل .. ومشكلة انستاسيا أنها لا تدرك كم هي جميله ..لا تهتم بمظهرها كبقية الطالبات .. ولا تضع شيئاً من العطر .. إنه رداء ( الجينز) المتواضع وبلوزتها البيضاء أو السوداء لا فرق ..وكأن لديها عداء مستفحل ضد البهرجة والألوان ..ولكنها تبقي جميلة بذاك السمت القوقازي الخلاب ونظرات الاعتداد بالنفس والبلد والتاريخ ..ألهذا السبب تدرسين التاريخ يا أنستاسيا ..؟ فاجأتها بهذا السؤال ذات مرة وكنا نجلس في أريكة داخل مسرح الجامعة الخالي من الناس .. كانت قريبة مني بدرجة أصابتني بالتوتر الشديد وبعفويتها المعهودة أراحت رأسها فوق كتفي وحدثتني كيف أنها تخاف كتابة التاريخ .. وضعت يدي فوق ركبتها اليمني أنقّرها في تتابع محموم وراودتني نفسي في تطويقها بذراعيّ وتقبيلها ولكن نقاشها الجاد للموضوعات التي طرحتها وشعورها الأخوي نحوي جعلاني أصرف النظر عن ذلك التصرف الأحمق ..إن السمو فوق الشهوات واجب صعب والطبيعة الحيوانية للرجل حين تستثار يجب أن تكبح عندما تكون القضية أسمي من كل الغرائز .. مرحباً انستاسيا.. لم أرك منذ الأمس ..لدي خبر سار لك وآخر مزعج بعض الشيء .. مزعج ؟ كيف ومتي وماهو ؟ .. وكنت قد تلقيت اتصالاً هاتفياً من الوالد يخبرني فيه أن صحة والدتي ليست علي ما يرام ..أصابني رعب حقيقي وتلاحقت أنفاسي في صعود وهبوط لدرجة الجنون .. أمي الحبيبة يا كم أحبها ..لقد وعدتها بأن أعود ومعي (بكلاريوس) الطب ووعدتها بأن أكون طبيبها الخاص حتى آخر يوم في العمر ..بيد أن ابتسامة انستاسيا الغامضة والتي تلمّح إلي عتاب حقيقي وكأنها تقول لي لقد كشفتك أيها المخادع قد أراحتني نوعاً ما .. لنبدأ بالخبر السار .. لقد قررت إدارة الجامعة منحك غرفة بالداخلية الغربية ..غرفه ؟!!! لي أنا ؟! ما أروعك يا أنستاسيا ..إذن لن يتحتم عليّ تمضية ليلة أخري بدون تدفئه ..أما الخبر الثاني يا مكّار .. لقد كشفك أحدهم وأنت تقبّل الطالبة الكشميرية مساء البارحة ..أنا أقبّل شاهنده ؟!! هذا ليس صحيحاً ..أقسم ..لا تقسم يا أويس ..هنالك سوء فهم قد وقع وعليّ تصويبه .. صوب كما تشاء ولكن الأمر لا يعنيني في شيء .. إنهم يعولون عليك كثيراً في الحزب وأنت قد حفظت ولا ريب قوانين الجامعة ..لا أعمال فاضحة داخل الحرم الجامعي أم لعلك نسيت يا صديقي ..؟ في الحزب ؟ نعم .. سمعتهم يقولون أثناء الاجتماع الأخير أن لديك (كارزما) غير عادية وميول فطرية نحو الفكر الاشتراكي من خلال مراقبتهم لسلوكياتك طوال العامين المنصرمين ومنذ انطلاقة هذا العام .. ويتوقعون لك مستقبلاً باهراً في عالم السياسة عندما تعود لبلدك السودان ..إذن لقد كنتِ هناك ؟ .. بالطبع .. وأنتِ من أوجد لي الغرفة بالداخلية ؟ ..ماذا تظن أنت ؟..ألم أقل لك أكثر من مرة بأنك أغلي شيء أنتجته روسيا عبر قرون .. شكراً .. شكراً .. والآن دعنا نتوجه نحو شقتك وسوف أساعدك في لملمة متعلقاتك.
شاهنده ..العزيزة الكشميرية ..تسحرني منذ قدومها للجامعة هذا العام .. لعلها أيقظت في دمي كل تراكمات الإعجاب التي يكنّها كل سوداني أدمن الأفلام الهندية في السودان وأنا واحد منهم ..علمت منها بأنها مسلمة وقرأت لي سورة الفاتحة وسورة الإخلاص ونحن نستدفئ في المكتبة الجامعية من زمهرير الشتاء .. اعتراني شعور طاغ بالبهجة وهي تختتم تلاوتها بعبارة ( سدق ألاهو الأزيما ) .. وكنت لا أرتوي من التحليق في سماواتها كلما أتيحت لي الفرصة ومساء أمس كانت محبطة وحزينة وبكت بدموع المطر وهي تنقل لي نبأ استشهاد شقيقها في(سرنغار).. حاولت أن أخفف عليها مصابها وأنا أضمها إلي صدري وأمسد شعرها وصدي نهنهاتها تزلزل كياني ..إنها وحيدة في هذا البلد بعكس بقية الطلاب .. وبالفعل سعيت نحو تقبيلها ولكنني حين اقتربت من شفتيها تذكرت بأن هذا الفم الممتلئ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فاعتراني شعور عميق بالخوف والرهبة .. صعدت قليلاً لأقبلّها فوق جبينها فتراءت لي وهي غارقة في السجود لله .. ومن ثم ّ مكثت بقربها طوال الليل في مقعد خشبي في مواساة أخوية لا أدري كم أخذت منا من وقت وأوصلتها إلي نزل الطالبات وأوصيتها بالتشبث بالذكر حتى يطمئن قلبها وأن الشهيد حي يرزق كما أنبأنا بذلك القرآن الكريم
***[/color]
عبدالغني خلف الله
04-01-2013, 09:07 PM
الحلقة الثالثة
لا أملّ التردد علي ( الهاسيندا ) بحثاً عن إزابيلا .. لدرجة أنني أصبحت من الوجوه المألوفة لدي أصحاب المقهى .. وربطتني صداقة حقيقية مع (جوكي ) الموسيقي .. فصرت أساعده في انتقاء الأقراص الموسيقية التي يقدمها لرواد المقهى وكانت تستحوذ عليّ أغنية بوب مارلي no woman no cry )) .. بصورة أقرب إلي الإدمان .. وذات مساء ناعس شابه هواء لطيف لا يشبه أجواء موسكو الممطرة .. أطلت علينا إزابيلا كملاك صغير أضاء المكان بحضوره القوي .. تجمدت الدماء في عروقي .. ازداد إيقاع الموسيقي عنفواناً .. واجتاحت أعصابي كيمياء اللهفة والأشواق فحولتني إلي بارود يوشك أن ينفجر .. أزاحت بعض الرزاز الذي تجمع فوق كتفيها وهي تسلم معطفها للنادلة وربطت شعرها بمنديل أحمر قبل أن تقرأ المكان وعندما التقت أعيننا هتفت دون أن تدري ( هالووا ) هل تذكرني ..؟ أراهن أنك إزابيلا أليس كذلك ؟ .. نعم بالطبع أنا هي .. لديك ذاكرة لا تضاهي .. أين كنت طوال الأسبوع الماضي ..؟ كنت في رحلة عمل إلي( ليننقراد) .. مرحباً بك .. كيف أنت ؟ ..أنا بخير وعليّ أن أعترف بأنني افتقدتك وأنك أوحشتني بشده ..أحقاً ؟ .. أنا آسفة لم أكن أتصور بأن للرومانسية مكان في ذاكرة القرن العشرين .. لو كنت أعرف أن شعورك نحوي قوي بهذه الدرجة لطلبت منك مرافقتي وهذا ما ستفعله بدون تردد كل امرأة منسية مثلي .. كانت رحلة طويلة وقاسيه .. قلت لها لا بأس ولكنني لن أفرط فيك مرة أخري .. تحت أمرك .. وهكذا أزاحت إزابيلا عن كاهلي كل تراكمات الترقب والعودة إلي الداخلية وأنا أجرجر أذيال الخيبة والألم .. راجعت كل التفاصيل الممكنة في مرايا قدها الصبي وهي تحاول استعادة لغتها الإنجليزية مع بعض الجمل الإسبانية المبعثرة أثناء حديثها هنا وهناك .. ولم أشأ الضغط عليها من الوهلة الأولي .. وتركت كل ما أود معرفته عنها لمقبل الأيام .. ثرثرنا قليلاً عن الوضع العام في الاتحاد السوفيتي والعالم بصفة عامه وتوقفنا عند ظاهرة ( البروستاريكا ) .. والانقلابات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وتبين لي أنها ثورية المزاج بصورة أخافتني وجعلتني أتردد عشرات المرات في سؤالها من تكون ولماذا هي هنا وما حقيقة الأعمال التجارية التي تقوم بها في موسكو؟ وعند منتصف الليل أصرت علي توصيلي حتى بوابة الجامعة وعانقتني بصورة متعجلة ونحن داخل العربة وهي تتمنى لي ليلة سعيدة وتابعتها بكل جوارحي وهي تدير ماكينة عربتها وتستدير لتغادر .
لم أعد قادراً علي التركيز في المذاكرة وها نحن وقد تجمعنا للاستماع إلي مسئول الحزب عن دائرة موسكو ليحدثنا عن التحولات الاقتصادية التي أحدثتها ثورة (البروتاريا) في المجتمع الروسي .. وبدأ وكأنه يفند كل أطروحات الرأسمالية وينتقص من فعاليتها .. وعند ختام المحاضرة همس في أذني (بسام القادم) من نابلس بالضفة الغربية المحتلة .. إياك أن تثق في هذه الترهات يا أويس .. لقد تجولت في الريف الروسي ورأيت مدي البؤس الذي تعيشه الجماهير هناك .. حدثني أيضاً عن المزارع الجماعية التي تشبه إلي حد كبير نظام (الكميونات) بإسرائيل وكيف أن المواطن بالكاد يحصل علي ما يسد رمقه وحكي لي طرفة حول أحد المزارعين الذي اجتهد في تحقيق الربط المفروض عليه في توريد أصواف الأغنام وقد جاء إنتاجه أقل من المطلوب بأوقيات معدودات بيد أن مسئول الحزب أصّر علي أن تستكمل (الكوتة ) قبل أن يؤشر علي اسمه .. فما كان من ذلك المزارع إلا أن قص شعر رأسه وخصلات بناته الثلاث ليكمل الربط المفروض عليه .. سألته في إشفاق هل ستعود في عطلة نهاية العام إلي فلسطين وكانت عري الصداقة قد توطدت بيننا .. طبعاً سأعود ..لا بد لي من تعويض ما فاتني من الانتفاضة ..ولكنني أخاف عليك من البطش الإسرائيلي ..اعتدل في جلسته وكأنه يود الإفصاح عن شيء خطير ..لا تخف عليّ يا صديقي العزيز أويس ..أنا الآن في الخامسة والعشرين من عمري وقد وصلت إلي السقف العمري الذي يتمناه كل شاب فلسطيني وأية امتدادات أخري في الحياة بعد الخامسة والعشرين هي ملك لحركة التحرير الفلسطينية تفعل بها ما تشاء متي ما شاءت وكيفما شاءت .
كنت أحاول إعادة ترتيب الغرفة بالطريقة التي تروقني عندما سمعت قرعا خفيفاً علي الباب وصوت مدير الداخلية ينادي علي إسمي ..فتحت الباب لأستحلي الأمر فوجدته بصحبة شاب ذي ملامح أوربية ويحمل فوق كتفه حقيبة متوسطة الحجم ..أقدم لك الطالب (شوماخر) من ألمانيا الغربية وسيكون زميلك بالغرفة .. ترددت برهة وأنا أهمهم بعبارات الترحيب المعتادة ..لا تقلق مستر أوليس ..أويس وليس أوليس .. قلت وأنا أصححه ..مستر(شوماخر) يتقن الإنجليزية ولن تكون اللغة حاجزاً بينكما ..أدخلته وقدمت له كوباً من العصير وكان يبدو متعباً وحائراً .. ربما من آثار السفر .. مرحبا .. سعدت بمعرفتكم .. من أي بلد أنت ؟ أنا من السودان ..أعرف السودان لقد قرأنا عنه ونحن أطفال صغار ..أحقاً..؟ نعم ..Das land des mahades..لقد كتب عنكم (كارمايكل) كلاماً رائعاً وعن الثورة المهدية بالذات .. وكنتم تصدرون لنا الأعلاف الغنية بالدهون .. كلامك هذا أطربني يا (شوماخر) .. ولكن ماذا تعني كلمة شوماخر ؟ .. تعني صانع الأحذية ..وأنت هل يحمل اسمك مدلولاً خاصاً أم أنه مجرد اسم .. قلت له وأنا أستجمع أفكاري .. لهذا الاسم قصة عظيمة ومن ثمّ طفقت أقص عليه قصة ذلك العابد الصابر ودعوته المستجابة .. بيد أنه فاجأني بقوله ولكنني لا أؤمن بأشياء من هذا القبيل كالجنة والجحيم ويوم القيامة .. قلت له في حزم شديد .. لا أعتقد أنه قراراً صائباً وسنتجادل في هذا الأمر لاحقاً .. تركته يأخذ حمّاماً دافئاً وعوضاً عن النوم تابعته وهو يغير هندامه وكأنه يتأهب للخروج .. أتوقع مجيء (أنجلينا) ابنة عمتي التي سبقتني إلي هنا وتحضّر للماجستير في العلوم السياسية .. وبالفعل سمعنا طرقاً خفيفاً علي الباب وصوت هامس يستأذن الدخول .. تفضلي أنجي .. يسعدني أن أقدم لك المستر أوليس وهو من السودان ويدرس في كلية الطب .. أويس ..عفواً .. كانت رائعة الجمال بحق .. ربما أكثر من أنستاسيا .. قوام فارع وملابس بسيطة وقد تبعثرت خصلات شعرها فوق كتفها العاجي .. (واو..!!) .. تنهدت بارتياح بالغ وبشيء من الدهشة .. أنتم من ذبح (غردون باشا) أليس كذلك ؟ .. نعم ..[نعم ولكنها لم تكن رغبة المهدي ..لا يهم المهم أنكم نلتم من ذلك الطاغية .. يدهشني حديث فتاة جميلة مثلك عن الذبح بهذا الحماس .. ولم لا ؟.. كل تصرف جائز من أجل القضية ..القضية ؟ .. ولكنك فاتنة جداً والمفروض أن تكوني رومانسية ..لا تراهن علي جمالي فأنا قوية الشكيمة ..
عبدالغني خلف الله
07-01-2013, 08:35 AM
الحلقة الرابعة
حاولت تغيير مجري الحديث وسألتها عن موضوع درجة الماجستير الذي تحضّره .. لينين .. لينين؟! .. كل شيء يخص لينين .. حياته أفكاره .. مؤلفاته .. كل شيء عن لينين .. وتركتهما يغادران والحيرة تعربد في دواخلي .. الذبح ؟ .. القضية ؟ أي لغز أنت يا أنجلينا ؟! ..أذكر أن رزان قالت لي ذات مرة .. عندما يذبح خروف في منزلنا في عيد الأضحى أو في أي مناسبة عائلية أركض نحو غرفتي وأدفن وجهي في الوسادة وأضع وسادة فوق راسي حتى لا أسمع صوت الخروف وهو يتألم .. قلت لها هذا شعور طيب يا رزان .. أنت بنت حلوه ورائعة وأتمنى أن نتزوج عندما نكبر .. نتزوج ؟ صرخت في استنكار واضح .. أنت صغير ولن يكون بوسعك حملي بين ذراعيك إن أنا قبلت بك عريساً يا أويس .. تماماً كما نشاهد في المسلسل .. بل أستطيع .. لن تستطيع .. بل أستطيع .. تراهنني علي ذلك ؟ سأتظاهر بأنني مريضة وسأجلس تحت ذاك الجدار وحاول أن تحملني بين ذراعيك .. قلت لها موافق .. وبسرعة غريبة ركضت نحو الجدار وتهاوت نحو الأرض وهي تدّعي الضعف والمرض .. وضعت حقيبتي جانباً وشبكت كلتا يدي حول خصرها وعندما هممت بحملها سقطت من فوقها وتكومنا فوق بعضنا البعض كتلة واحده .. شعرت بالخذلان المرير .. أما هي فقد انفجرت في ضحك أقرب للهستريا .. ومن ثمّ نهضت مجدداً وأنا أنفض التراب عن قميصي ومددت لها يدي أساعدها علي النهوض .. وفي هذه اللحظة مرت سيدة بقربنا وسألتنا في استغراب ..( ما بكما يا أولادي ؟ ) .. قلت لها.. أبداً .. أختي مريضة ولا تقوي علي السير ..فاقترحت علينا أن نوقف عربة (كارو) سارت في محازاتنا لتنقلنا حتى منزلنا وهذا ما فعلناه بالضبط .
سألت أنستاسيا وكنا نتناول وجبة العشاء بالكافتيريا عن سر هذا التواجد الكثيف للطلبة الأفارقة بالجامعة .. طلاب من الصومال وجيبوتي وأثيوبيا وأنجولا .. وكانت في تلك اللحظة قد أنهت عشاءها وأخذت منديلاً ورقياً تجفف يديها ..هذا سؤال مهم وللإجابة عليه لا بد من إجراء تمرين صغير .. هيا انهض واقترب مني .. ماذا يدور بخلدك يا أنّا؟ .. قلت لك اقترب وستري بنفسك ماذا يعني وجود هذا الكم من الطلاب من شرق ووسط إفريقيا .. أذعنت لرغبتها واقتربت منها .. بل اقتربت منها جداً وكأنني أنتظر هذه اللحظة منذ مجيئي إلي موسكو .. والآن ضع يديك فوق خصري وسأضع يديّ فوق كتفيك .. حسناً .. طوق خصري بصورة أقوي ..أقوي من ذلك .. وبدا وكأننا نرقص علي أنغام الموسيقي .. والآن .. اتركني ولنعد لمائدتنا ..الاتحاد السوفيتي يا أيها الطبيب الإفريقي يفعل تماماً بأفريقيا كما فعلنا نحن منذ قليل .. قلت لها لا أفهمك يا (أنّا) .. السيطرة علي الصومال وهذا يعني الوصول للمياه الدافئة وذاك حلم قديم يراودنا منذ قرون .. والسيطرة علي جيبوتي معناه تحريرها من النفوذ الفرنسي ودعم نظام (منقستو هايلي مريم) الشيوعي وكذلك دعم الثوار الأنقوليين وقيام دولة شيوعية بذاك البلد ودعم الحركات المسلحة في (لايبريا وساحل العاج ) وعزل شمال أفريقيا عن جنوبها تكون بالنهاية نهاية الحقبة الإستعمارية بأفريقيا وسيطرة الغرب الرأسمالي عليها ..إنها لعبة القط والفأر التي يمارسها الغرب معنا ويجب أن ننتصر في نهاية المطاف ..الآن فهمت ياغاليتي ( أنّا ) ..( داسفيدينا أويس ) .. مع السلامه .
اليوم هو السبت وفي المساء ستقدم علي خشبة المسرح عروض(فولكلورية) ضمن النشاط الثقافي بالجامعة ونسبة لأن معظم الطلاب السودانيين قد تخرجوا .. وإذ لم يقبل أي طالب هذا العام من السودان بعد تدهور العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والسودان الذي انقلب علي السوفييت بمائة وثمانين درجة وتحول من حليف قوي للشيوعيين في قلب إفريقيا إلي خصم عنيد ..لذلك لم يكن أمامي سوي الاستعانة ب(شاهنده الكشميرية) و(بسام الفلسطيني) لتقديم شيئاً ما باسم السودان .. وكنت قد أحضرت معي آلة الربابة التي أتقن عزفها بشكل لافت وكانت (أنّا) كثيراً ما تطلب مني أن أغني لها وحدها بل وأن أشرح لها معاني الكلمات ..غنيت لها ذات مرة أغنية (النعام آدم) .. ( مرحبتين حبابك ) ..كانت محبطة بعد الشجار العنيف الذي وقع بينها وبين خطيبها .. وفي مساءات كتلك يكون الشجن باذخاً وموجعاً في الوقت ذاته .. بكت فشعرت بارتياح شديد .. فدموع المرأة تعني أن الأزمة في طريقها للزوال.. هل تحتفون بالأنثى في بلدكم لهذه الدرجة يا أويس ؟ بل وأكثر من ذلك يا فرحة عمري .. وكانت شاهنده هي الأخرى في حاجة لمن يخرجها من عزلتها التي فرضتها علي نفسها منذ استشهاد شقيقها في (سرنغار) في عملية فدائية استهدفت برلمان الإقليم هناك .. لذلك عكفت علي تدريب شاهنده وبسام لأداء رقصة( كسلا ) ورقصة (الشايقية) وتحصلت لهذا الغرض علي سيفين من نادي الفروسية بالجامعة .. كانت ( أنّا ) تراقب وتصحح لينسجم الرقص مع بعض الرقصات الروسية لما يمكن أن يحدثه ذلك من أثر في نفوس المسئولين فقد علمنا أن تلفزيون موسكو سينقل الحفل علي الهواء مباشرة وأن ثلة من كبار المسئولين في الدولة سيشرفون الحفل .. ُقدمت العديد من الرقصات الإفريقية الصاخبة ورقصة (السامبا البرازيلية )وتجاوب الحضور مع الرقص والغناء .. وعندما جاء دورنا لتقديم فقرة السودان تذكرت بأنني أمثل حضارة عمرها أكثر من خمسة آلاف سنه وأعظم شعب علي وجه هذه الأرض علي الإطلاق فأعطاني ذلك الشعور قدراً لا بأس به من الشجاعة الأدبية .. حييت الجمهور الغفير الذي كان حاضراً بالعربية والروسية ومن ثمّ بدأت في استعراض مهاراتي في العزف .. فوجئ الجميع بالطاقة التطريبية الهائلة التي اختزنتها تلكم الآلة الصغيرة وساد صمت رهيب أرجاء المسرح وشعرت وكأنما الجميع مشدوداً نحوي وقد جرفته مفردات الغناء الجميل ( حتى الطيف رحل خلاني ..) .. المفردة الجامحة .. وشلال من الشجن والنشوة والنغم البهيّ يدوزن المكان .. وفجأة وبدون مقدمات مررت ريشتي علي الأوتار أكاد أمزقها ووضعت آلة الربابة خلف رأسي لتدخل شاهنده بقوامها الممشوق وقفزاتها المتتالية المصحوبة بصفقة( الشايقية) وبسام الماهر بطبعه في الرقص يقفز عالياً ويتوقف هنيهة لمواصلة التصفيق ..ثم ( مرحبتين حبابك ..اليوم السعيد الليله جابك يا فريع البان) شعرت وكأنني أغني لشاهندة وحدها الكشميرية القادمة من نسج البساتين والأساطير .. ومن ثم ّ تناول كلاهما سيفيهما لتسبح شاهنده كحمامة بيضاء والغناء (البجاوي) العريض يغطي كل الناس والأشياء ليخرجهم من وقارهم .. انضم إلينا وزير الثقافة ومديرة الجامعة وأنستاسيا ..فرقص الجميع داخل وخارج المسرح مع رقصة السيف وتقافزت (أنّا) كغزالة بريه .. ولدي نهاية الفقرة فوجئت بعاصفة من التصفيق يستقبلنا بها الجمهور وقبل أن نعود لمواقعنا وفي منتصف المسافة بين المسرح والمقاعد فاجأتني (إزابيلآ) ..اخذتني بالأحضان ودارت بي وهي تهتف (فانتاستيكا..فانتاستيكا)
ياسر عمر الامين
07-01-2013, 08:50 AM
دعنى فى البدء ارحب بمقدمك واحتفى بقلمك وحرفك ويبدو اننا موعودون برحلة شائقة فى رحاب وردة الهزيع الأخير...
خالد علونى
07-01-2013, 09:30 AM
شكراً لحرفك الجميل أخي وأستاذي عبد الغني خلف الله
وأستأذنك في أن أستريح علي رحاب حرفك الجميل
ايمن عبد الله
07-01-2013, 10:01 AM
عبد الغني دائماً يتحفنا بالروائع ..
تسلم اخي العزيز عبد الغني ..
ومزيداً من الإبداع ..
telecom
07-01-2013, 10:55 AM
لقد اعدت الى نهم القرأة مرة اخرى
وانا التهم كلماتك التهاما
ما اجمل حرفك ايها الرفيق
موداتى
mahagoub
07-01-2013, 07:48 PM
لا تزال هنالك اقلام توقظ ما خبو فينا
فاتحفنا وامتعنا
واجعل خيوط الحروف تتناسج وتعطينا
اعذب الكلمات
عبدالغني خلف الله
07-01-2013, 08:35 PM
أعزائي ..بل أهلي وعشيرتي ياسر ..خالد ..أيمن ..تلكوم ..والريس محجوب ..بالرغم من برودة الطقس هنا في الخرطوم إلا أن كلماتكم أشاعت الدفء في دواخلي ..حفظكم الله من كل سوء ..أنتم ومن حولكم هذا مع كل الود .
عبدالغني خلف الله
07-01-2013, 08:39 PM
الحلقة الخامسة
انتهى العرض الجميل الذي اشتمل علي رقصات من معظم دول الإتحاد السوفيتي .. رقصات أنيقة مترفة وأزياء رائعة . .رقصات من أوكرانيا ورومانيا وجورجيا ومن كل أقاليم روسيا تعكس الانتماء الرهيب للوطن والتراث والهوية وتبقّّي إعلان الفقرات الفائزة التي ستنافس بها (الأونيفيرستيت دورشبي)- وهذا هو إسم جامعة الصداقة - بقية الجامعات الروسية في حفل موسمي يقام كل عام ضمن فعاليات الاحتفال بانتصار الثورة البلشفية في العام 1917 علي خشبة (البولشوي جاتر)..المسرح القومي الكبير والتي غالباً ما يشرفها رئيس الحزب الشيوعي الرئيس (قورباتشوف) أو نائبه .
لم أكن طبعاً أنتظر الفوز ولا بالمركز العاشر ناهيك عن المراكز الثلاث التي ستذهب للمسرح الكبير بالنظر لقلة المشتركين معي وعدم إلمامهم التام برقصات الشايقية والبجا حتى وإن أبدعا أيما إبداع .. وكانت مفاجأة لا تصدق إذ فزنا بالمركز الثالث وتماوج اسم السودان في جنبات المسرح وسط عاصفة من تصفيق الأخوة العرب والأفارقة علي السواء وأخذتني شاهنده بالأحضان وهي تجهد نفسها في تأليف زغرودة علي الطريقة السودانية وتقافزت إيزابيلا وهي تصفق في حماس منقطع النظير وافتقدت في تلكم اللحظات ( أنّا) ولم أجدها .. وتقدم بسام الفلسطيني القادم من (نابلس) لاستلام الجائزة وكأنه سوداني بحق وحقيقة ..وهتف وهو يصافح مدير الجامعة ( فيفا سودان ..) .
انتهى الحفل ونحن لم نزل في ردهات المسرح نتجاذب أطراف الحديث .. قالت لنا إزابيلا ونحن نتأهب للمغادرة: هل تقبلون دعوتي للعشاء في ال(إنريكي رستورانت) احتفاءً بهذه المناسبة .. وافق بسام وكذلك شاهنده فقلت لهم .. وفيم الانتظار إذاً ؟..وفي مرآب السيارات أشارت إزابيلا إلي سيارة مرسيدس جديدة وقالت هيا اركبوا .. سيارة فارهة لم أر مثلها في موسكو .. يا إلهي .. همست شاهنده من شدة المفاجأة إذ لم تكن تتوقع أن تكون إزابيلا بهذا القدر من الثراء .. أما أنا فقد أتاح لي لقاؤنا في ( الهاسيندا ) فرصة التعرف علي ثرائها .. أدارت مفتاح العربة لينطلق الغناء من شريط كاسيت كان موجوداً داخل جهاز التسجيل وكانت الكلمات باللغة الإسبانية وكأنه نشيد وطني أو شيء من هذا القبيل .. هذا نشيد القوات المسلحة الثورية في كولومبيا .. إزابيلا وهي تعود بالعربة إلي الخلف .. وماذا تقول كلمات النشيد ؟ ..بسام يتساءل .. ترددت برهة قبل أن تقول لنا ..معناه ( أقتل .. أقتل من أجل كولومبيا حرة وخذ موقعك في الصفوف الأمامية ولا تجبن أمام الطغاة مصاصي دماء الكادحين ..لأن النصر سيكون حليفنا في نهاية المطاف ) .. لم أعلق بكلمة وكذلك فعلت شاهنده و بسام.. حتى وصولنا المقهى الضخم والأشهر في موسكو .
دلفنا إلي جناح الأسر بالمطعم وحظينا بمعاملة خاصة غير متوقعة وكأننا من كبار الزوار وقادة الدولة وتقدمنا النادل ومضيفتنا توجهه باختيار طاولة متميزة في جناح الأسر أعطته رقمها تحديداً .. انحناءات وتقدير وعبارة طاب مساؤك سيدتي تشير إلي أنها من الرواد المعروفين للمطعم .. طالعنا قائمة الأسعار ونحن لا نصدق الأرقام الفلكية التي اشتملت عليها .. وكأن إزابيلا قد قرأت ما يدور بخلدنا فطلبت منا ألاّ نقلق من الأسعار وأردفت قائلة في مرح واضح .. كنت مثلكم وأنا طالبة بجامعة ( كاراكاس ) مفلسة ويتيمه قبل أن ألتقي .. المهم لا تقلقوا .. المفروض أننا نحتفل بمناسبة استثنائية مع أشخاص استثنائيين .. قالت ذلك وهي تسهب في الترحيب بنا .. تلتقي من ؟ سألت نفسي .. والنادل بانتظار نوع الشراب الذي نفضله فاخترنا عصائر الليمون والبرتقال .. أما هي فقد قالت للنادل ..هات لي زجاجة ( بيرنود ..).. معلوم سيدتي .. وكنت أسمع بهذا الاسم لأول مره .. يطلقون عليه شراب الملوك والأباطرة وهو أجمل من الويسكي والكونياك .. والفودكا أيضاً؟!..بسام وهو يشارك في الحوار .. والفودكا أيضاً؟! .. أول مرة أشرب فيها هذا النوع من الخمر كانت في ( روما ) قبل خمسة أعوام عندما كنا نقضي شهر العسل ..شاهنده ماذا تشربون في كشمير ؟ وبدا وكأنها تحول مجري الحديث للمرة الثانية حتى لا نسألها عن زوجها ولماذا تعيش وحيدة في موسكو ..لا شيء مميز .. شاهندة الرزينة ترد عليها وقد ارتسمت فوق شفاهها ابتسامة عريضة أضاءت تضاريس المكان .. الكولا والبيبسي ونادراً ما يسمح باستيراد الخمور في) مظفر أباد ) عاصمة الشطر الباكستاني من كشمير.. تناولنا عشاءنا ونحن نستمتع بمعية وأريحية إزابيلا وعزفت جوقة موسيقية بعض الألحان الراقصة فطلبت مني مشاركتها الرقص وشجعنا بسام وشاهنده وهم يتابعون براعتها وتخلفي في أداء الرقصات .. وفجأة أطفئت الأنوار عدا أضواء خافتة ملوّنه لتعزف الفرقة لحناً هادئاً ..وضعت إزابيلا يديها فوق كتفي .. وهمست في وجهي ونحن نتنقل من هذه الناحية لتلك ..أخشى أن أكون متورطة في التعلق بك يا أويس .. تشغلني باستمرار وتناجيني في اليقظة والأحلام وصورتك لا تفارقني .. وقالت كلاماً كثيراً تصورت أنه بفعل الخمر وقد تكون صادقة في بوحها .. أنت انسانة رائعة يا إزابيلا ولو لم تكوني متزوجة لأخذتك عنوة زوجة لي ..قلت لها هذا الكلام لأقطع عليها الطريق ..فأنا هنا لدراسة الطب وليس للحب .
بدر الدين محمد
07-01-2013, 09:33 PM
لك التحية عبد الغني (اويس)
ومرحب بيراعك الدفاق ونفسك الدافئ الطويل
وتأكد ان ما تنكب على جمعه نتذوقه بنهم
واصل هذه الاقصوصة لتضاف الى ذخيرة المنتدى
ودالعمدة
08-01-2013, 01:51 AM
أخى الروائى عبدالغنى
دعنى اعيد القراءة مرات ومرات ومرات
ودعنى فى كل قراءة اكتشف خبايا
أنستاسيا .. وردة الهزيع الأخير
لا أقول رائعة فالروعة هنا لا تكفى للتعبير
جميل سردك للتفاصيل الدقيقة
ونحن نتابع ذلك يحسسنا وكأننا كنا هناك
مستمتعين حد الدهشة
15288
هيثم عبدالعال
08-01-2013, 01:03 PM
كنت ولا زلت أعشق أدب السيرة الذاتيه
إلتهمت النص ولكأني أقرأ في صوره عتيقه لإيزابيل اللندي
دوماً ما أجادل أن أروع ما يكتب هو ما يجعلك تتخيل نفسك وأنت تتجول بين شخصيات الروايه
وأنا الآن أشتاق أنستاسيا وأنتظر إيزابيلا
شكراً عبدالغني
عبدالغني خلف الله
08-01-2013, 08:50 PM
أحبتي بدر الدين ..ود العمده وهيثم ..السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته ..سأكون معكم كل يوم بإذنه تعالي ..وتكفيني لحظة مشاركة وجدانية مترفة مع صحبتكم الرائعة ..هذا مع تحياتي .
عبدالغني خلف الله
08-01-2013, 08:54 PM
الحلقة السادسة
لم أنم جيداً البارحة لشعوري بالقلق علي سلامة إزابيل ا.. فقد أوصلتنا إلي الجامعة بصعوبة شديدة وندمت أنني لم أجبرها علي ترك مقود السيارة لي لأقوم بتوصيلها حتى دارها .. فقد تسني لي تعلم قيادة السيارات عبر سائق والدي العم (خليفه) عندما كنا بمدينة (سنجه) بالسودان وكان والدي حينها الضابط التنفيذي الأول وكنت أنا طالباً بالثانوي العالي ..كان العم خليفة يأخذني إلي أطراف البلدة ليعلمني فنون القيادة .. بيد أنها تشبثت بالمقود وظلت تردد .. سأكون بخير .. لا تقلقوا عليّ . وفي هذا الأثناء دخل الغرفة (شوماخر) وقد عاد من وجبة الإفطار التي فاتتني بسبب السهر ليلة البارحه ..قال لي أنت لم تتناول إفطارك ويفوتني أنا أيضاً الإفطار في بعض الأحيان .. ما رأيك لو نتقاسم كلفة شراء ثلاجة صغيرة نحفظ فيها بعض الوجبات الخفيفة وشيء من الجبن والزبد .. قلت له والله فكرة هائلة يا (شوماخر) ولكنني مفلس ونثرياتي الشهرية لم تصلني بعد .. لا يهمك .. قالها لي في محبة صادقه ..تذكر أننا في مهد الاشتراكية ..أدفع أنا القيمة وتسدد لي لاحقاً .. في هذه اللحظة سمعت صوتاً ينادي علي أسمى ..الطالب أوليس ..الطالب أوليس مرة أخري .. فكرت في عدم الرد .. نعم قلتها بحزم .. هنالك سيدة تطلبك علي هاتف الاستقبال .. توجهت إلي هناك لأجد إزابيلا علي الجانب الآخر ..( دوبريا أوترا .. أويس ..) .. صباح الخير (إزابيلا ) .. كيف وصلت البارحة ؟ . .كل شيء علي ما يرام ..وماذا تفعل الآن ..؟ .. أبداً .. كنت و(شوماخر) زميلي في الغرفة نناقش مشروع شراء ثلاجه لغرفتنا ..ثلاجه ؟ لا تفعلا أي شيء .. فأنا أعرف مدير ( سوم سوبرماركت ) .. وسيعطيكم ثلاجة جيده بسعر ممتاز .. سأعود لك بعد ساعه .. (داسيفدينيا أويس) .. مع السلامة .. عدت للغرفة وأخبرت (شوماخر) بأن صديقة لي ستحصل لنا علي عرض جيد بخصوص الثلاجه .. أين( شاهنده ) الفتاة الكشميرية ؟ هل تقابلها هذه الأيام ؟ سألني ونبرات صوته يشوبها بعض التردد .. ماذا تريد منها .. لقد كنا معاً يوم أمس علي خشبة المسرح .. ألم تكن حاضراً .. لا .. لا .. أنا لا أؤمن بهذه الأفراح الموسمية مثل كرنفال (ريودي جانيرو بالبرازيل) .. وكرنفال (دسلدورف) في (ألمانيا) .. إنه افتعال صريح للسعادة .. لماذا لا نكون سعداء علي الدوام بدون أعياد أو مناسبات تذكرنا بحاجتنا للتوحد والفرح .. لهذا أسألك عن شاهنده .. فهي تعجبني جداً وقد حاولت الاقتراب منها وفهمها دون جدوي وكذلك إنجلينا .. فهي تتمناك وتشتاقك وأنت لا تحس بها .. فماذا لو مارسنا نوعاً من المشاركة الرومانسية مرة كل أسبوع نتحرر فيها من رغباتنا وشهوتنا كل’’ تجاه الآخر ؟ فنتعرف علي طقوسكم الجنسية كأفارقة وتتعرفون علي طقوسنا كأوربيين .. أتقصد الممارسة الجماعية للجنس يا (شوماخر) ؟ ..أعوذ بالله العظيم .. هل تسمي الجنس والإباحية ممارسات ..؟! إنها طقوس شيطانية لا تليق بالبشر .. ( شاهنده) فتاة مسلمة وأنا مسلم وديننا ينهانا عن مثل هذا السلوك .. ضرب كفاً بكف وقال لي بغضب شديد: أنتم أناس تعيشون بعقلية القرون الوسطي يا أويس .. صدقني يا صديقي.. بل أنتم من يعيش بعقلية الغابة ..صحيح أنكم مهد المدنية ومنبعها بيد أننا مهد الحضارة والرقي ..أخذتم من المدينة قشورها ونمط حياتها ..غّركم إحساس زائف بالغطرسة والقوة والتمّيز علي بقية شعوب العالم فقتلتم الملايين في فرنسا وبلجيكا إبان الحرب العالمية الثانية ووصلتم حتى شمال إفريقيا وقضيتم نحبكم هنا في (ليننقراد) كغزاة معتدون .. وكل النزاعات المسلحة في العالم من عملكم ..أطرق نحو الأرض وهو يكرر ويعيد في ذهنه ما سمعه مني .. لقد كنت أعتقد بأنكم ظلاميون منسيون ولا فكر لديكم وهاأنت تسمعني كلاماً غريباً فيه شيء من المنطق .. ولكنكم تتعالون عليها علي مرّ العصور ..قلت له .. وبذلك تخسرون فرصة التعرف علي قيمنا ..وهذا ما يفسر تخبطكم الدائم وبحثكم الدؤوب عن الحقيقة ولو استمعتم لنا باحترام ستتعلمون منا كما تعلمنا منكم الكثير من العلوم في الطب والتكنلوجيا ..هل تعرف العالم (رونتقن) الذي اخترع علم الأشعة ..إنه ألماني ونحن والعالم استفدنا من اكتشافاته ولم يقلل من مكانته كونه ألماني لاينتمي إلينا .. واستمر النقاش علي هذه الحالة وشعرت في لحظة ما أنني أكاد أكسبه إلي جانب الإسلام عندما قرع أحدهم الباب وقدم نفسه لي قائلاً ..نحن من (سوم سوبرماركت) .. وقد أحضرنا للسيد أويس ثلاجة متوسطة الحجم ونطمع في توقيعه علي هذه الأوراق ..ولم ينتظر مني جواباً ليدخل بعض العمال وهم يحملون الثلاجة ..أين نضعها ؟ ..أين يضعونها يا (شوماخر ؟ ) هنالك بالقرب من النافذة .. وبينما كنت أوقع بالاستلام قرأت أسم المشتري لأكتشف أنه إيزابيلا .. والقيمة مدفوعة بالكامل بما في ذلك كلفة الترحيل.
بنت الرفاعي
08-01-2013, 09:22 PM
:):):)
ما شاء الله وتبارك الله،
لن أكرر مِن ما قيل مسبقاً لك أخي عبدالغني،
غير أننا نتمنى قراءة كامل ما خطيته من هذه الرواية،
و
أيضاً إن وُجد غيرها لاحقاً إن شاء الله.
مع كل الشكر والتقدير لك.:)
:):):)
عبدالغني خلف الله
09-01-2013, 08:34 PM
صباحات الإشراق والجمال والصحة والعافية لك ولمن حولك بت الرفاعي ..وأسعد كثيراً بإهدائك الحلقة السابعة مع كل الود .
عبدالغني خلف الله
09-01-2013, 08:39 PM
الحلقة السابعة
والآن لكي أفهمك جيداً لا بد لي أن أتعرف علي كل كبيرة وصغيرة تتعلق بنشأتك ..أين ولدت ومن هما والداك وكيف تعيش وأين كان أسلافك الأوائل قبل استقراركم بالخرطوم ؟!..هل أبدأ بوالدي ؟ ..لا بل أبعد .. بجدي ؟ ..لا بل أبعد ..بمن إذن أبدأ ؟ ..بجدك العاشر لأبيك ..أليس لديكم ما بات يعرف بشجرة العائلة ؟ .. جدي العاشر يا ( أنّا ) .. هل أنت جادة فيما تطلبين ..؟!!..نعم ..نعم ..أنا جادة وأصغي إليك جيداً ..فاجأني طلبها الغريب ..فأخذت نفساً عميقاً وبدأت أقص عليها قصصاً من نسج خيالي حتى أتفادي هذا الموقف الصعب . .كان جدي العاشر ملكاً يعيش وشعبه في منطقة نائية بالجزيرة العربية .. وكانت لديه ابنة كثيرة الجمال تدعي ( شجرة الدر )..ومن شدة جمالها وعلمها وأدبها تناقلت سيرتها القوافل الصاعدة والهابطة في وهاد وجبال جزيرة العرب ..وتقدم العشرات من أبناء الملوك والأمراء يطلبون يدها من أبيها الملك ..وحتى يتخلص جدي من هذا المأزق .. وضع شرطاً غريباً علي خاطبيها وهو القفز فوق فوهة جبل (الجلاميد) بفرسه من هذا الجانب إلي الجانب الآخر ..كان جبل (الجلاميد) بعلوه الشاهق جبلاً واحداً ..وضرب زلزال عنيف ذاك الجبل فقسّمه إلي نصفين لتقوم بينهما هوة عظيمة ..بيد أن المسافة بين النصفين لا تكاد تزيد عن العشرة أمتار ..وقبِل الأمراء والنبلاء التحدي من شدة تعلقهم بجدتي ..بالرغم من المخاطر التي تكتنف العملية بأسرها ..قام كل فارس باختيار أقوي وأصلب ما لديه من خيول ..واجتمع جمهور غفير من الناس يتقدمهم الملك والوزراء والأمراء والأعيان ..وتجمع شعراء العرب من كل حدب وصوب ليؤرخوا لذلك الحدث الجلل ..باستثناء جدتي الأميرة (شجرة الدر) ..التي لم تكن أصلاً موافقة علي هذه المغامرة الغريبة واعتكفت بجناحها الخاص بقصر أبيها تدعو الآلهة لكي ينجح أول المتسابقين فلا تراق قطرة دم واحده ..( أوو ..لا بد إنها كانت إنسانة رائعة بحق يا أويس ..(أنّا) وقد بدأت تنفعل بمجريات القصة ..وبدأ السباق الرهيب .. تقدم فارس معروف بالشجاعة والإقدام وهو يمتطي جواداً عربياً أصيلاً ..وأنشد أبياتاً من الشعر يتغزل فيها بجدتي ويصف الموت في سبيل الفوز بها بأنه شرف لا يدانيه شرف ...ومن ثمّ انطلق إلي الوراء بحصانه وتقدم بها وهو يسابق الريح نحو الفوهة الرهيبة ..حبس الجميع أنفاسهم وأشفقوا عليه بل وتمنوا لو أنهم لم يأتوا إلي هنالك أصلاً ..ولكنها مشيئة جدي الملك العنيد لم تترك لهم أي خيار آخر سوي الحضور ..ثم وبقفزة عملاقة لامس الفرس حواف الجبل بيد أنه سقط في تلك الهاوية الرهيبة مع فرسة بين صيحات وأناة الحضور ..وتساقط الفرسان الواحد تلو الآخر ..إلي أن جاء الدور علي جدي ..كان فارساً عملاقاً ..تبدو عليه سيماء النبل والأصالة وهو يقود فرسه المعروفة لدي العرب ب(النعامة) ..أوهي أنثي يا أويس ؟ نعم .. نعم يا ( أنّا ) ..وأنشد شيئاً من الشعر يصف فيها شجاعته وإقدامه ويذّكر العرب بالمعارك الكبرى التي خاضها دفاعاً عن قبيلته وأهله وعاد إلي الوراء بعيداً جداً ..وقبل أن يتقدم نحو الهوة السحيقة وصلت جدتي ( الأميرة شجرة الدر) وسط كوكبة من الجواري والقيان ..وكانت بصدد أن تتوسل لوالدها للكف عن هذا السباق السخيف الذي راح ضحيته عدد غير محدد من أنبل فرسان العرب ..ولكن الجميع كانوا مشغولين بما يمكن أن تترتب عليه القفزة التالية ..ولم يخيب جدي آمال جمهوره العريض فطارت ( النعامة ) عالياً في الفضاء لتحط بقدميها الأماميتين حيث تقف جدتي الأميرة (شجرة الدر) ..هتف القوم عالياً من شدة النشوة والحبور وتنفست الأميرة الصعداء وكذلك الحضور الكبير ..ترجل جدي من علي ظهر ( النعامة ) وانحني أمام جدتي الأميرة وهو يقّبل يدها ..وبعد أن أنشد شيئاً من الشعر معدداً مناقبها متغزلاً في جمالها تقدم نحو جدي الملك يطلب يدها ..وأقيمت الولائم والأفراح أياماً بل شهوراً وكان عرساً خرافياً لا يصدق .
أحمد (الغالي)
09-01-2013, 09:05 PM
الروائي الرائع عبد الغني
أعتذر عن القدوم متأخرا ً
و لكن هذا المكان به الكتير من الدسم
لذا سأعود في القريب لأحظى بما هو كل جميل
تحياتي العميقة
mahagoub
12-01-2013, 03:38 AM
قصص كاملة الدسم
واصل
ملكة النحل
12-01-2013, 03:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
انستاسيا ..وردة الهزيع الأخير ..رواية
عبدالغني خلف الله
الحلقة الأولي
أويس .... نعم؟! إسمك مرة أخري يا ولد ..إسمي أويس مرغني الفاضل .. واضح .. هيا أجلس . .بعده .. كان ذلك أول سؤال أتلقاه وأنا أخطو أولي خطواتي بالمدرسة الابتدائية .. جاري في الفصل همس في أذني بلطف لا يشبه السن التي نحن بها قائلاً .. منو السماك كده .؟. أبوي طبعاً .. وده اسم شنو ؟ .. في الواقع لم أكن أعرف الإجابة .. وعند عودتي لمنزلنا لم يكن والدي قد حضر من العمل .. فهو ضابط إداري .. فتوجهت بالسؤال لوالدتي .. ماما .. ماما.. ما معني أويس؟! أويس .. إنتظر لما بابا يرجع ..انتظرت عودة والدي بفارغ الصبر وعندما هممت بسؤاله كلفني بحزمة من المهام .. ( دخّل الرغيف.. .. تلقي الجرايد في المقعد الخلفي وأمشي نادي أستاذ عبدو عشان اتغدي معانا) وكان ثمة ضباطاً آخرين في معيته ..وهكذا ضاعت عليّ فرصة التعرف علي كنه اسمي وبت مستعداً لسخرية زملائي .. ولكن ظل الفضول مسيطراً عليّ إلي أن حانت اللحظة المناسبة .. إذ دخل علينا أستاذ اللغة العربية فتوجهت إليه بالسؤال دون تردد .. أستاذ .. أستاذ .. ممكن أسألك سؤال ؟ .. طبعاً يا ابني تفضل .. أويس معناها شنو؟ .. أغلب الظن أن المقصود هو أويس القرني وله قصة معروفه فقد أوصي الرسول صلوات الله وسلامه عليه أصحابه بأن يطلبوا من أويس هذا أن يدعو الله لهم كلما لقوه .. لأن دعوته مستجابة وهو من عباد الله الشاكرين علي الابتلاء مثل سيدنا أيوب عليه السلام .. فهمتوا المعني يا أولاد ؟ .. فهمنا .. ومن ثمّ واصل الحصة ومذ ذاك الحين وأنا أمشي مشية الخيلاء بين التلاميذ وتناقل الجميع قصة اسمي وتنازل لي الألفة طواعية عن موقعه وانهالت علي الهدايا من زملائي بالفصل .
أويس..؟ .how do you spell it كيف تتهجاه ؟ أنستاسيا .. وقد راق لها الاسم .. هل يمكن أن أكتبه (oh ..Yes? ) .. بالطبع ولم لا ..( سباسيبا ) .. لا شكر علي واجب .. ومرة أخري وجدتني وأنا أشرح لها معني الاسم .. كانت منفعلة بما تسمع .. وتوقفت كثيراً عند مدلول الشكر علي الابتلاء .. لا بد إنه كان إنساناً رائعاً .. وفي زمننا هذا يصعب العثور علي شخص كهذا .. تأمل معي الزملاء في ال( أونفيرستيت دورشبي ) .. بجامعة الصداقة والذين حضروا إلي موسكو من جميع بلدان العالم الثالث .. ولكنهم وبدلاً من التفرغ للدراسة تجدهم يتبادلون خبراتهم في صنع الألغام والمتفجرات ويحملون بين جوانحهم حقداً هائلاً علي مجتمعاتهم التي حضروا منها لا سيما الأنظمة الحاكمة في بلدانهم .. إنهم ثوريون وأنتِ تعلمين ذلك وبلدكم تمنحهم فرصة الحضور إلي هنا ليصبحوا شيوعيين ثوريين .. شيوعيون نعم أما ثوريون فلا .. وما الفرق يا أنستاسيا ؟ الفرق كبير .. نحن لم نطلب منهم إراقة الدماء .. فقط أردنا منهم التبشير بقيم ومبادئ ثورة (البروتاريا) ونشر الفكر الاشتراكي لا أكثر ؟
أنستاسيا ..أنستاسيا .. مهرة آسيوية من الزمن الجميل تمتلئ حيوية وسحراً ..تركض من غرفتها حتى الكافتيريا وتركض من الكافتيريا حتى قاعة المحاضرات وتركض من قاعة المحاضرات حتى نزل الطالبات ..فهي في حالة ركض مستمر ..أحياناً تركض في الميادين الفسيحة بالجامعة في زمهرير الشتاء لا تأبه بالرياح العاصفة والمطر ..لم تركضين هكذا يا قمري ودوائي في هذه البلاد الثلجية المذاق ؟.. أنستاسيا كفاك ركضاً فأنا أريدك في أمر هام .. قله لي وأنت تركض بجانبي ..أريد أن أعترف لك بأنني .. بأنني .. تكلم فأنا مصغية لك .. ( يالوبلو تيبيا) .. ماذا قلت ؟ الرياح قوية وأنا لا أسمعك جيداً ..لا بأس عندما تكملين هذا الشوط انضمي لي بالكافتيريا ..لأقول لك ..أحبك يا ( أنّا ) ..بكل لغات الدنيا ..فقط أحبك وليتك تفهمين ؟
***
شتاء موسكو القاسي يمزق أوصاليّ ..فأنا لم أتمكن من دفع فاتورة التدفئة فقطعوا عني الغاز ..إن المصاريف لا تأتي من السودان بانتظام والكمبيوتر المتنفذ لا يفهم أن الناس في دول العالم الثالث يعانون من البيروقراطية لدرجة الجنون .. ولم تنجح الألحفة الكثيفة في كبح جماح الرياح العاتية التي تولول في الخارج ..وهاهو الكون يطرح جانباً ستر الظلام ويتهيأ لاستقبال يوم جديد ..
ارتديت ملابسي علي عجل وتوجهت نحو أقرب مقهىً لتناول قدحاً من الشاي إذ لم يكن بمقدوري صنعه بنفسي .. فكل شيء ب(الشقة) معطل .. كنت علي موعد مع أنستاسيا لأحدثها عن تأريخ المنطقة العربية وتاريخ السودان علي وجه الخصوص وقد لاحظت اهتمامها بالتاريخ ..ولم أدرِ وأنا أقطع المسافة من علي الرصيف الخالي من المارة .. أن أكثر من مفاجأة تنتظرني داخل المقهى .. لم أكترث لها في بادئ الأمر وأنا أخلع عني الجاكتة السوداء ذات الأزرار المدببه وأسلمها للنادل .. كانت تجلس في أقصى ركن بالمقهى وأمامها قدح من القهوة وهي تدخن .. سيدة في مقتبل العمر ذات ملامح لاتينية والأرجح أنها من البرازيل أو ربما كولومبيا .. كانت ساهمة ومهمومة لا تشعر بما يدور حولها تنفث الدخان من سيجارتها فينداح دوائر غامضة ترسم أنماطاً من الصور المبهمة ..وبدا وكأنها تتابع بنظراتها كل نفثة منذ أن تغادر فمها الرقيق وحتى مصافحتها لزجاج النافذة المبلل .. جلست بالقرب منها وأنا أرتجف من شدة البرد .. قلت لها صباح الخير ..ردت بإيماءة مترددة وأشاحت بوجهها عني لتراقب عبر الحاجز الزجاجي مجموعة من الصبية يتزحلقون علي الجليد بأحذيتهم ذات العجلات .. الناس هنا يتأقلمون مع كل الأجواء في سهولة ويسر أليس كذلك ؟! .. همست بهذه الملاحظة وأنا أوجه السؤال مباشرة نحو عينيها ..عينان زرقاوان فيهما عوالم من السحر غريبة .. وزاد الموقف غموضاً صوت المغني الذي ينداح عبر جهاز التسجيل ( إنني أبحر إلي وطني مرة أخري ..إنني أبحر ..) وصوت (رود ستيوارت) المفعم بالشجن يحاصرنا ..( لن أبكي أبداً بعد اليوم .. لن أبكي أبداً ) .. هي إذن لحظة مشاركة وجدانية لهموم الغربة بعيداً عن الوطن ..فعادت هي مباشرة إلي( بوقوتا ) وعدت أنا إلي (وادمدني ) وذكريات طفولتي هناك وإلي (رزان ) .. ولماذا رزان بالذات؟! ..كنا جيراناً ووالدها يعمل معلماً بالمدرسة الوسطي .. ولمّا كانت المدرسة التي تدرس بها في جوار مدرستي فقد طُلِب مني أن أقوم بتوصيلها كل يوم وإعادتها بعد نهاية اليوم الدراسي .. كانت لطيفه ولديها مقدرة فائقة علي سرد القصص المسلية عن والدها وأمها وإخوتها الصغار .. بيد أننا افترقنا بعد حين وتفرقت بنا السبل .. نقل والدها في بادئ الأمر ونقل والدي بعد فترة قصيرة من مغادرتهم .. بكت وهي تودعني وكنا وقتها قد صرنا في الصف الخامس .
جميلة تلك السياحة الروحية وذلك التنقل الذي لايشعرك بالملل أبدا ونحن مابين الطفولة والصبا تنقلنا مابين لوحة وأخرى نجوب معك أنحاء العالم نرسم معك الملامح والوجوه الاوروبية منها واللاتينية ونحن جلوسا يدهشنا قصر المسافات حتي عدت بنا لودمدني فمرحبا بك فيها فهي الجمال الذي يخلق الجمال ..... .. لك التحية ونتمني لك دوام التقدم
عبدالغني خلف الله
12-01-2013, 08:47 PM
الأعزاء أحمد ومحجوب وملكه ..ربما كنت سأهديكم كل الحواس أوسمة من الذهب لكنني أكتفي بتلويحة حائرة من علي البعد لتقول لكم كم أشتاقكم واشتاق تلك الساحرة المترفة وادمدني ..سلمتم من كل سوء آميين .
عبدالغني خلف الله
12-01-2013, 08:53 PM
أحاول الاقتراب أكثر فأكثر من( إزابيلا ) ومحاولة فهمها .. لماذا أنت غامضة ومترفة وأنيقة لهذه الدرجة يا ( إزابيلا ؟!) ..من أين جئت وكيف نشأت ثم ترعرعت ووصلت إلي هنا ؟ ..طيبة كجدتي مذعورة كالعصافير في بلادي ....دافئة في بلاد تنام وتصحو علي هسيس الثلوج المنهمرة بلا انقطاع ..وودودة كخالاتي وعماتي ..لا أسرار ولا ثراء ..كل هذه الحياة التي أحياها بشيء من الدعة تخفي وراءها مأساة وقضيه ..المأساة قضيتي أنا والقضية هي قضية شعب يناضل من أجل التحرر من ربقة الإقطاع والفساد والاستغلال ..وقصتي يا أويس تحتاج إلي فضاء أرحب من مقهى أل ( هاسيندا ) الضيق هذا .. ما رأيك لو انتقلنا إلي منزلي فأحكي لك حكايتي بكل ما فيها من تفاصيل موجعة وأخري مفرحة ..لا عليك سأدفع أنا الحساب لأن الرجل عندنا في السودان لا يسمح للمرأة بدفع الحساب بالمقاهي والمطاعم ..حقا ؟1 ليتني كنت امرأة سودانية فلا أكافح لأعيش ..علي الرحب والسعه ..ومن ثم تدحرجنا بعربتها الفارهة نحو منزلها المطّل علي نهر موسكو المنساب في هدوء وكأنه يحتفل ببزوغ القمر ربما بعد قرن من الغيوم ..أمرت ( إزابيلا ) الخادمة بإعداد مقعدين قرب المدفأة الخشبية ..ولماذا لا نجلس في الصالون الأنيق المترع بالدفء ..لا يا أويس ..التدفئة بالأخشاب فيها شيء من الرومانسية بعكس التدفئة بالغاز ..كما تشائين فأنا ضيفك الليلة والزائر في يد المضيف كما نقول .. هل يعني هذا أنك أخيراً في قبضتي يا صديقي ..؟ إذن عليك تحمل جنوني وانفعالاتي .. قد أبكي فلا تبخل علي بكتفٍ صديقةٍ وكفكف دموعي وقد أثور وأحطم الأشياء التي أمامي .. فحاول أن تحتملني ..فأنا أحتاجك بشدة ..يا إلهي كيف سمحت لنفسي بأن أقع في حبك هكذا وبلا ثمن ..أنا التي دوخت (بوقوتا ) بجامعاتها ومسارحها بل وشرطتها أيضاً .
إيه يا أويس ..لماذا أطلعك علي جميع محطات حياتي لتغادرني مثل قاطرة سريعة ..لدي إحساس عميق بأنك لست سوي غيمة أنيقة ستظلّل حياتي لساعات ثم تمضي إلي سبيلك ..كم أتمني لو كنت كولومبياً مثلي ولو أنك كنت جارنا لآماد طويلة ولو أنك تخصني وحدي لا فرق إن كنت حبيبة عينيك لأعفّرك بالقبل ولو أنك كنت أبني فأضمك بكل التحنان والأشواق ..فبأي صورة أتملكك يا أويس يا شمساً إفريقية تلهب ثلوج أوجاعي ..حياتي يا أويس بعد تعرفي عليك في (الهايسيندا ) أخذت منحيّ آخر وبعداً جديداً ..عشت طفولتي وأنا أتمرغ في الجاه والثراء في كنف عائلتي ..والدي رجل أعمال مشهور تعرفه أمريكا اللاتينية وتخشاه ..فهو رجل أمريكا القوي الذي لا يشق له غبار .. بإمكانه أن يسقط الحكومات وأن يرفع من شأن هذا الحزب أو ذاك وأن يشتري نتائج الانتخابات وتخضع له الهيئات والنقابات ..مارد اقتصادي خلط السياسة بالاقتصاد ومارس كل صنوف التآمر والخيانة ..دموي وقاسٍ ولا شيء يوقفه عند حده ..تزوج من أمي كاتبة القصة القصيرة الجميلة والقادمة من أروقة الجامعات كأستاذة للأدب الإنجليزي ..ولأنها قدمت من الطبقة الوسطي المرشحة للبرجوازية الجديدة وجدت في والدي ضالتها المنشودة فتزوجته من دون حب ..زيجة أساسها المصلحة المتبادلة ..أبي وقد امتلك كل شيء كان بحاجة للظهور بمظهر رجل الأعمال المثقف الذي يُعني بالأدب والثقافة والفنون..وأمي وقد رفضت دور النشر تبني إبداعاتها قبلت به عندما عرض عليها شراء دار للنشر جد مشهورة في (بوقوتا) وكان صاحبها الذي كم أهان والدتي مرات ومرات برفضه طباعة قصصها وتحقيرها قبل بالعرض لأنه مواجه بديون كبيرة كانت كفيلة بإيداعه السجن ..المهم تزوجا وكنت أنا نتاج تلك العاطفة البلاستيكية المصطنعة ..فدب الخلاف بينهما وعشت موزعة بين غطرسة والدي ورومانسية والدتي التي لم تعد تحتمل كل تلك الخيبات فانتحرت بعد مضي ثلاثة أعوام علي ولادتي لتكفلني عمتي .. إمبريالية أخري أشد قسوة من والدي لأعيش في سجن كبير عبارة عن قصر أسطوري اشتراه والدي لنقيم فيه وكان نادراً ما يزورنا ..بيد أنه كان يحرص علي تمضية الإجازة الصيفية معي فيأخذني في رحلات لا تنتهي ..زرنا باريس عشرات المرات ولاهاي ولندن ..هل تشعر بالملل يا أويس وأنت تسمعني ..إذا كان علّي أن أتوقف أرجوك قل لي بلا تردد ..لا ..لا ..علي العكس تماماً.. أشعر بفرح غامر وأنا أقرأُك من جديد ..أما أنا فأشعر بثقِل في أجفاني ونُعاس شديد ..أنا متعبة جداً يا أويس وسأكمل لك قصتي في فرصة أخري ..لا بأس يا إزابيلا ..سأرحل لأدعك تنامين ..لا ..لا ..قالتها برعب حقيقي ..أتوسل إليك ألاّ تتركني وحدي .. ولكن ...أفهم قصدك يا أويس .. بإمكانك أن تنام علي هذه الأريكة وسأنام هنالك في غرفة نومي ..أريد أن أخلد للراحة وأنا مطمئنة ولو لمرة واحده ..هذا المنزل الكبير يخيفني .. عواء الريح بالخارج واصطفاق النوافذ وتحليق الستائر في سماء غرفتي ..إن وجودك قربي يشعرني بالاطمئنان ..سأبقي ما دامت هذه هي رغبتك ..تصبحين علي خير ..وأنت بألف خير .
mahagoub
13-01-2013, 04:39 AM
متعته السرد تجبرك على أن لا تغادر
وكذلك انت
عبدالغني خلف الله
13-01-2013, 08:17 PM
شكرا يا ريس علي مرورك البهي وإطلالتك المفرحة ..ومع علمي بصعوبة القراءة الإسفيرية فإنني أعد عشاق المنتدي بعدد وافر من النسخ المطبوعة في أقرب فرصة إن شاء الله ..هذا مع تحياتي .
عبدالغني خلف الله
13-01-2013, 08:22 PM
الحلقة التاسعة
ومن ثمّ توجهت صوب غرفتها وهي تلتفت نحوي بعد كل خطوة تخطوها وتركت الباب موارباً لتؤرقني طول الليل اشتهاءات بائسة ..بيد أنني قاومت جميع رغباتي وتظاهرت بأني أغط في نوم عميق ..ومع بزوغ فجر اليوم التالي تسللت خلسة دون أن أوقظها وسرت علي غير هدي فوق الرصيف المبلل وكانت ثمة نوارس تحلق فوق الشاطئ غير آبهة بالبرد القارص ..وصلت غرفتي ولم يكن شوماخر موجوداً بالغرفة ..لعله أمضي الليل مثلي خارج النزل ..دفنت نفسي تحت الألحفة الثقيلة وأنا أرتجف من شدة البرد الذي يطحن عظامي ونمت نوماً عميقاً جداً ..ولا أدري كم ساعة أمضيتها وأنا مستغرق في النوم وقبيل الظهر بقليل أيقظني صوت مدير النزل وهو ينادي علي إسمي ..( مستر أوليس ..مستر أوليس ..) ..أجبته وأنا أفرك أجفاني ..كم مرة يا كريموف أخبرتك بان أسمى أويس وليس أوليس ..معذرة يا صديقي العزيز ثمة ضيف بانتظارك في غرفة الاستقبال إنها الآنسة ( أنستاسيا ..) ..أنّا ..!! حسناً ..حسناً .. دعها تنتظرني قليلاً ريثما أغير ملابسي.
إلي أين يا( أنّا ؟!) ..سآخذك للتعرف علي أسرتي بمناسبة عيد ميلاد شقيقتي الصغري ( باتريشيا ) .. قلت أسرتك ؟! ..وهل تقيم بموسكو ؟! ..لا بل علي بعد مائة كيلومتر من هنا ..عظيم ..عظيم ..كم كنت أتوق للتعرف علي نمط الحياة في الريف لديكم ..الريف فقط أيها الذكي ..؟!!..وأسرتك طبعاً ..امنحيني نصف ساعة لأغيّر ملابسي ..عيد ميلاد ..؟ تري أي هدية ستختار يا أويس ؟ وقررت أن أهدي شقيقتها حقيبة اليد المصنوعة من جلد التمساح وكنت قد اشتريت بعضاً منها من شارع الجمهورية بالخرطوم ..وفي مطار موسكو استمعت من موظف الجمارك لمحاضرة في السلوك والأخلاق ..هل هذا جلد حقيقي يا رجل ..لماذا أنتم قساة القلوب لهذه الدرجة أيها الأفارقة ..؟ لا عجب إذن ..ألستم من أكلة لحوم البشر ..؟ فماذا تساوي حياة تمساح مسكين في نظركم ؟ ..حاولت إقناعه بأن هذه الحيوانات تنفق بعامل الزمن والأوبئة ..تخافون علي الحيوانات وتمطرون إخوتنا في أفغانستان ب(النابالم) يا سوفييت ..هكذا حدثت نفسي وأنا أبتلع إهاناته خوفاً من مصادرة الحقائب ..ستكون هدية مميزّة دون أدني شك ..(واو..!) هتفت (أنّا) وهي تتصفحها ..إنها جلد حقيقي ..لا بد أن تكون باهظة الثمن ..أنت إنسان رائع يا أويس ..وكم أحبك لهذا السبب .. وفي الطريق إلي قرية أنستاسيا رجعت بذاكرتي لعيد الميلادي الأول والأخير ..كنت في السابعة من العمر عندما نقل والدي للعمل بواد مدني وتشاء الظروف أن نسكن بالمنازل الحكومية قريباً من منزل المحافظ بالحي البريطاني ..هكذا يسمونه في مدني ويحاول البعض تسميته ب(الحي السوداني) دون جدوي ..وفي ذات مساء رأينا الثريات تلون بوابة منزل المحافظ ..سألنا عن المناسبة فقيل لنا أن اليوم هو عيد ميلاد أبنه الذي يزاملني بنفس الصف ..وأذكر أنني بكيت من شدة إحساسي بالقهر والغبن ورفضت تناول الغداء المتأخر كالعادة .. إذ كنا لا نتغدي إلا بعد عودة والدي من العمل ..ولم أكفف دموعي إلا بعد أن تلقيت وعداً قاطعاً بأن يقام لي حفل صغير الخميس القادم بمناسبة عيد ميلادي الذي مضي عليه وفق الأوراق الرسمية خمسة أشهر ..ولم تفّوت الرائعة رزان هذه المناسبة فأهدتني شيئاً قد لف بعناية أشبه بالمنديل وقد شاع في ذلك الزمان البعيد التطريز بالحرير الأبيض فوق المناديل البيضاء ..ترسم الفتاة قلباً صغيراً بال( عشري ) وتنصّفه بسهم قيل أنه سهم ( كيوبيد ) لعّله إله الحب لدي الإغريق أو شيء من هذا القبيل ..وعندما فضضته ثاني يوم وجدتها عباره عن ( فوطة ) بيضاء وقد ظهرت في زاوية منها تبقعات أشبه بدائرة صغيرة ..وكأن كوباً من الشاي قد وضع عليه ..وفي ظهيرة اليوم التالي اعتذرت لي (رزان) عن ذلك التصرف الأحمق قائلة ..لقد فوجئت بموعد الاحتفال بعيد ميلادك يا أويس ولم أكن أعرف حياكة المناديل لأصنع لك واحداً أهديه لك في الحفل ..فما كان مني إلا أن سطوت علي أغراض المنزل ..إنها أغلي هدية قدمت لي يا رزان من أغلي إنسان في الوجود وسأحتفظ بها ما حييت ..هنا تلألأ وجهها بفرح غامر ..وهذا ما فعلته بالضبط فلا زلت حتى الساعة وأنا هنا في موسكو أخرجها من حقيبتي من آن لآخر أشمها وأضمها إلي صدري ..رزان يا رزان .. تري أين انتهت بك الأيام وهل لا زلت تذكرينني كما أفعل علي الدوام ؟!..وكان ذلك أول وآخر عيد ميلاد ينظم لي لأن جدي أفتي بحرمة الاحتفال بعيد الميلاد وثار في وجه والدتي لما علم بما قمنا به ..مضيفاً بأن هذه إحدى بدع الشيطان ..عدت من جديد إلي أنستاسيا الغارقة وسط كم من الأغراض المقرطسة ..طلبت منها والدتها إحضارها معها ..وكانت تضج بالإشراق والابتهاج ..ولم أدر سبب هذه المعنويات العالية إلا بعد وصولنا إلي القرية ..فقد أثار وجودي بين أفراد أسرتها وجيرانهم وصديقات الصغيرة (باتريشيا) ذات العشرة ربيعاً موجة عارمة من الفضول والحماس ..وكان أكثر الحضور ترحيباً بي العمة فرانشيسكا ..والتي سبق أن عملت بالخارجية بسفارة الروس بنيروبي ..(أنّا) لم يرق لها استئثار عمتها بي طوال الحفل فطلبت مني أن نخرج لنتمشي قليلاً في حديقة المنزل غير مكترثة للبرد ..أرجوك لا تهتم بالعمة فرانشيسكا يا أويس ..إنها ( إيرما لادوس ) جديدة ولا أجد في نفسي ميلاً نحوها ..تصور إنها حامل وهي في هذه السن وبدون زواج ..إن والدي غاضب منها جداً ..وقد وبخها بشدة علي هذه الفعلة المشينة بيد أنها لم تستسلم وبادلته توبيخاً بتوبيخ ..الآن وقد أقلعت عن معاقرة الخمر وارتياد ( الخمارات ) تريد أن تصبح قديساً يا باساييف .؟!.
عبدالغني خلف الله
16-01-2013, 08:56 AM
الحلقة العاشرة
انتهت الامتحانات وتبقي أسبوع واحد علي إعلان النتائج وفكرت في التسكع مع بسام القادم من( نابلس) بالضفة الغربية في ( سان بطرسبرج ) ..تلك المدينة الساحرة التي تحتضن جده لأمه العالم والبروفسير في علم وظائف الأعضاء الدكتور نصيف ..استقبلتنا عائلته بترحيب شديد ولم تكن عائلة كبيرة فقط ابن واحد نجا من مذبحة (دير ياسين) بأعجوبة كبيرة وراح ضحية المذبحة ثلاثة من أطفاله وكان وقتها في رحلة خارج فلسطين ..وعلمت منه أنه حاصل علي الجنسية الأمريكية وقد زار إسرائيل لاستعادة بعض ذكريات طفولته هناك ..قال لنا وصلت (حيفا) ليلاً وفضلت الانتظار حتى صباح اليوم التالي ولمّا كان النزل الصغير قريباً جداً من دارنا وبستاننا فقد فضلت السير علي الأقدام ..كان هذا النزل قبل وصول اليهود عبارة عن مقهى الحاج عواد ..الرجل الطيب الذي طالما أدهشنا بموهبته الفذة في صناعة الشاي بالزنجبيل وبحكاياه المثيرة عن الحرب العالمية الثانية وكان قد حارب إلي جانب الحلفاء .. كل العرب حاربوا (هتلر) إلي جانب الحلفاء ..فماذا كانت النتيجة ؟! ..المهم حاولت وأنا أضرب بحذائي الثقيل أرضية الشارع الرطبة أن أعيد تشكيل الأشياء هناك ..وقرأت كل الوجوه الغائبة بفعل الموت أو الذبح أو التهجير القسري ..استعدتها الواحد تلو الآخر ..عماتي وخالاتي وأصدقائي ..حتى الأطفال الذين كانوا يدوزنون المكان بصخبهم وضحكاتهم ..استعدتهم جميعاً ..وكان ثمة بنايات جديدة قد نهضت ووجوه غريبة تذرذر الشوارع ولافتات كتبت باللغة العبرية ..كان كل شيء قاسياً علي قلبي ..كان قاسياً ..قاسياً يا بني ..مهلاً جدي ..بسام وهو يتدخل في الحديث .. كفاك ذكريات وآلام يا (بروف) ..بكي الرجل ..بكي كثيراً جداً لا أدري كم مضي علينا من الوقت وهو يبكي ..ناولته كوباً من الماء كان موضوعاً علي الطاولة بقربي ..تجرعه وهو يهمم ..استغفر الله العظيم ..استغفر الله العظيم ..شجعته علي الاستمرار في الحديث وكان بسام في تلك اللحظة قد خرج لإحضار بعض الأغراض أو هكذا خُيل إلي ّ لعلّه أيضاً قد انفعل بما يسمع وكان قد حدثني هو الآخر عن معاناتهم بسبب المستوطنين والإغلاق والحصار ومداهمات الجنود الإسرائيليين لهم تحت جنح الظلام ..إذن المأساة مستمرة بالنسبة للأجيال المهاجرة والأجيال الطالعة سيان ولا فرق بين العام 48 و88 ..أخذ نفساً عميقاً وواصل الحديث ..لم أجد صعوبة تذكر في الوصول إلي دارنا برغم الشوارع المسفلتة التي شوهت معالم الضيعة ومزقتها إرباً إرباً ..وصلت الدار وكان سوراً عملاقاً قد تم بناؤه فوق السور الأخضر المعشوشب علي زماننا الموشي بالقرميد والورود ..قرعت الجرس فجاءتني صبية صغيرة ..فتحت الباب وعندما رأتني أنكرتني في بادئ الأمر بيد أنني سألتها بإنجليزية رصينة إن كان والدها موجوداً بالداخل ..اطمأنت نوعاً ما وطلبت مني الانتظار ريثما تُعلمه بقدومي ..حضر رجل في العقد الخامس من عمره وكان أوربي الملامح ..وهو من النمسا تحديداً وقد علمت بذلك طبعاً بعد أن تجاذبنا أطراف الحديث ..حدثته عن الغرض من زيارتي وقلت له أنت تسكن في منزلي .. ماذا ؟! هل جننت يا رجل ..لا بد أنك أخطأت العنوان أو ربما فقدت ذاكرتك أو ..لم أفقد ذاكرتي وأنا بكامل وعيي ..وهنا ناولته جواز سفري ..أنت أمريكي إذن ..لا بد أنك تمزح ..من أرسلك من أصدقائي في (نيوجرسي ) .. لا أمزح يا عزيزي ..نعم هذا المنزل يخص عائلتي ..صحيح أنه لم يكن بهذا التحديث ..ولكنه منزلنا وقد ولدت أنا بتلك الغرفة وولد أطفالي ..هنا كانت البئر الصغيرة التي كنا نسحب منها الماء بواسطة الدلاء قبل أن تأتوا أنتم وتغتصبوا أرضنا ..أنظر .. وكانت بعض بقايا الآجر والطوب لا تزال تتشبث بالأرض أنظر إنني أحفظ هذا المكان شبراً شبراً ..ولم يغب عن ذاكرتي أربعون عاماً ونيف ..كان الرجل لطيفاً وكذلك أفراد عائلته وكانتا صبيتان وطفل رضيع ..أنا أقدر شعورك وانتماؤك لهذا البلد ولكنني دفعت كل شقاء عمري وما أملك لشراء هذا المنزل من الدولة ولا علم لي بمالكه الحقيقي ..أنا لا ألومك ولا أنوي مقاضاتك أو إزعاجك .ولكنني كبرت وأود أن تكتحل عيناي من هذا المكان قبل أن أفارق هذه الحياة ..طبعاً ..طبعاً حضرة البروفسير ..علي الرحب والسعة ..علي الرحب والسعة وهكذا هيئوا لي غرفة مطلة علي الوادي حيث بساتين الزيتون والعنب ..بساتيننا ..وأمضيت الساعات الطويلة وأنا أحدق في الفراغ العريض مستعيداً كل لمحة وكل دقيقة أمضيتها هنالك وودعتهم علي أمل الالتقاء بهم مرة أخري وقدمت لهم دعوة لزيارة (سان بطرسبرج) ..أنظر ..وكان في هذه اللحظات قد تناول ألبوماً عملاقاً يحتوي علي مئات الصور ..هذا هو المستر (فاغنر) وهذه (هيلين) زوجته وأطفاله الرضيع الصغير ويدعي مارك والصبيتان مارلين وآندي ..وحاول تعريفي بصور قديمة بالأبيض والأسود لأطفاله وأقربائه الذين قضوا في المذبحة فسقط الألبوم من يده واستأذنني ليرتاح قليلاً ..وأصداء آهاته وأنّاته عالقة بقامته المديدة وهو يربط الروب حول خصره ويغيب في الجانب الآخر من المنزل ..التقطت الألبوم وأضجعت علي الأريكة ..أغمضت عينيّ وتصورت أن عدواً ما سيقتلعني وأهلي من جذورنا بواد مدني ويقذف بنا خارج السودان فأصابني رعب حقيقي لم يتبدد إلا بعد عودة بسام بابتسامته العريضة وهو يسأل أين جدي ؟!
mahagoub
22-01-2013, 07:20 AM
برضو منتظرين
عبدالغني خلف الله
22-01-2013, 07:46 AM
شكراً عزيزنا الغالي محجوب علي توقفك هنا وكدت أنسي السيدة أنستاسيا في زحمة العمل والمشغوليات الكثيرة ..فتعال نواصل التجوال مع ( أويس ) مع كل الود وأطيب الأمنيات لك وللأسرة الكريمة .
عبدالغني خلف الله
22-01-2013, 07:53 AM
الحلقة الحادية عشرة
(لينينقراد ؟!) ..يااه كم كنت أتمني زيارة هذه المدينة الباسلة وهاهي (إزابيلا) تمنحني الفرصة لتحقيق حلمي وبعد زيارتي لها أحببتها أكثر لأكثر من سبب..إني أتذكر لحظة حضور إزابيلا لأخذي إلي هناك .. .. كانت ترتدي ملابس شبه عسكرية تظهر مفاتنها الغريبة ..وتضع علي عينيها الواسعتين نظارة سوداء .. ترجلت من العربة لتحييني .. سنأخذ أنا وأنت المقعد الخلفي وسيتولي (بريماكوف) القيادة ..ما أجمل ربيع (موسكو) بالرغم من قصره .. قلت لها ونحن نتوغل في الوديان بعيداً عن أجواء العاصمة الملبدة بالضوضاء والدخان .. أنظر يا أويس ..هاهي زهور (الأوركيد) تطرح عنها رداء الشتاء الثقيل وتتبرج للطبيعة ..نعم ..نعم ما أروعها ..أمضينا سحابة ذاك الصباح والظهر ونحن نصعد ونهبط بين الغابات والتلال المعشوشبة و(إزابيلا) تأسرني بحديثها وضحكاتها وبعطرها المسفوح .. وفي جزء من الطريق الوعرة تحولنا إلي ما يشبه اللاعبين علي حلبة المصارعة .. تارة تقذفني العربة في أحضانها وتارة أخري علي كتفيها وهي صامدة في مكانها فقد اعتمدت ربط حزام الأمان وفضلت أنا كعادة كل سوداني التحرر منه أثناء السفر ..توقف (بريماكوف) فوق هذه التلة لأننا سنمضي الليل هنا ..هنا يا إزابيلا ؟! ..والبرد والحيوانات المفترسة واللصوص ؟..لا تقلق يا (أويس) لقد أعددت لكل شيء عدته .. لدينا خيمة ومدفأة تعمل بالبطاريات وطعام يكفينا لمدة أسبوع ولدينا أيضاً (كلاكنشوف) ومسدس عيار 9 ملميمتر .
كنا متعبون جداً ولولا قوة ومتانة العربة ( الأستيشن واقن ) المصنوعة في اليابان لما أمكننا الوصول حتى تلكم النقطة ويبدو أن إزابيلا قد تعودت علي هذا الطريق الخلوي .. وفي أثناء الرحلة عدت بذاكرتي إلي طريق وعر بكردفان بالسودان .. كنت قد أخبرت والدي ووالدتي بقصة لقائي مع ( رزان ) بالمهرجان ولم يكن والدي قد علم بعد بأن صديقه الأستاذ عبدو يعمل بسودري فاقترحت عليهم تمضية جزء من إجازة عيد الأضحى ب(سودري) ..كانت تجيش في خاطري أشواق وحنين لرؤية ( رزان) مجدداً ..بيد أن والدتي اعترضت بشده بحجة أن المشوار صعب وبأنها حبلي في شهرها الخامس وأنها تود حضور زواج ابنة خالها بواد مدني .. فاتفقنا علي أن تأخذ والدتي إخوتي إلي ( وادمدني) ونذهب أنا ووالدي إلي سودري ..هو يشتاق الأستاذ عبدو ويشتاق رحلات الصيد التي أدمنها هو وبعض زملاؤه ..انطلقنا عبر ( بارا ) ثم واحة ( البشيري ) وفي تل يطلقون عليه ( قوز الصرّه ) عجزت عربتنا تماماً عن تسلقه فأمضينا الليل فوق أعلي التل تماماً كما نفعل الآن وكنا محظوظين إذ عبرتنا عربة بها عدد كبير من العمال الذين يعملون علي مكافحة الجراد الصحراوي .. فساعدونا في تخطي ذاك التل وبعد تخطينا لل(مزروب) ..اقترح السائق علي والدي الالتفاف علي تلال (سودري) المستعصية بطريق جانبي يمر عبر قرية تدعي ( تنه ) .. وبدا وكأن الطريق بالفعل سالكة وممهدة بيد أنا اكتشفنا بعد ساعات بأننا قد تهنا في الصحراء .. نفد الماء الذي معنا واستسلمنا لقدرنا وتذكرت في تلك اللحظات القاسية قصة ( صول ) الشرطة الذي تاه فمات وغيره كثيرون ممن يمكثون في بطن الصحراء ..ومرة تنقذنا العناية الإلهية بمرور نفس العربة ونفس العمال المتوجهين نحو دارفور وهم يقتفون أثر الجراد . .فتخلف أحدهم معنا ليعود بنا إلي المزروب لنبدأ مجدداً رحلة العذاب والصراع مع الرمال الممتدة حتى حافة الأفق .. وحين وصلنا ( سودري) ..وصافحت عيناي ( رزان ) ضاع الإحساس بالتعب وعاودني الإحساس بالحيوية والنشاط ..ها ..فيم شرودك يا أويس ..هذه التلال تذكرني بسفوح كردفان وهو إقليم ذاخر بالجمال وبالطبيعة الساحرة وبالفنون ..أنا أيضاً تذكرت ( كولومبيا ) وطني الذي أتعشقه لدرجة الإدمان .. قلت لي في آخر مرة أن والدتك قد انتحرت بعد أن فضل عليها والدك الملياردير المعروف علي نطاق أمريكا اللاتينية والعالم فتاة وضيعة من شذاذ الآفاق ففضلت الموت علي الحياة ولم تكملي بقية القصة .. لعلها كانت حساسة جداً ..لأنه من الصعب علي امرأة ..أي امرأة أن تنتحر من أجل رجل لو لم تكن تحبه حباً ملك عليها أقطار نفسها ..نعم هذا ما حدث بالضبط ..لقد تزوجا بعد قصة حب عاصفة وكانت والدتي علي وشك الزواج من ممثل سينمائي شاب ومحبوب لدي الكولومبيين لو لا تدخل والدي ..وطبعاً سئمت الإقامة مع عمتي المتغطرسة التي كانت تعيّرني بأمي علي الدوام وتقول لي إنك أخذت كل شيء عن والدتك ولم تأخذي منا شيئاً وإلا فيم اختلاطك بالعمال والخدم في قصري ..إنك تفضلين تمضية أوقات فراغك مع الخيول وداخل الإسطبلات ولا تجلسين ساعة من الوقت مع عمتك ..أنت تافهة ووضيعة كأمك ..عمتك تسمعك مثل هذه الإهانات القاسية يا ( إزابيلا ) ؟..بل وأكثر لذلك لم أعد أحتمل إهاناتها وغطرستها وذات يوم قررت الهرب والعودة إلي (بوغوتا) وكانت وقتها في رحلة عمل خارج ( كولومبيا ) .. لجأت مرة أخري إلي والدي ليجد لي حلاً وكنت أفضل الموت لألحق بوالدتي في السماء علي أن أعود لعمتي ..كان استقبال زوجته الجديدة لي فاتراً وكان والدي لم يعد بعد من العمل .. قالت لي بعنجهية واستبداد ..لا أظننا سنجد لك غرفة خالية بالدار .. وعليك تدبر أمرك لدي عودة أبيك من الشركة ..لا غرفة لي في القصر الذي ولدت فيه وأحفظ تضاريسه عن ظهر قلب ؟!!..إييه كم هي غريبة هذه الحياة ..عاد والدي ليفاجأ بي بغرفة الاستقبال الكبرى .. وطلب من زوجته أن تدعنا لوحدنا .. قلت له أفضل السكن بالجامعة .. إذ لم يتبق علي التحاقي بها سوي أسبوع واحد فقط ..اقترح عليّ أن أطير إلي باريس وأمضي بعض الوقت هناك قبل أن تبدأ الدراسة ولدي عودتي اشتري لي عربة جديدة وكان قد رتب الأمر مع إدارة الجامعة التي يتكفل بثلث نفقاتها .. وبالجامعة تعرفت علي (سيزار) .. شاب من الأقاليم الشرقية ..نشأ وعاش في بيئة فقيرة وقد أصّر علي أن يصطحبني لزيارة عائلته في أول إجازة لنا .. كانت فرحتهم بنا كبيرة وهم يشاهدون ابنهم بصحبة فتاة تقود سيارة جميلة .. وكان المنزل عباره عن ثلاث غرف بإحدى مدن الصفيح كما درجنا علي تسميتها .. وهنالك اعتنقت الشيوعية والفكر الاشتراكي .. ومع تنامي حركة القوات المسلحة الثورية بكولومبيا في أوساط الشباب .. هربت مع سيزار ومعنا ثلاثة آخرون من الزملاء وفتاة تدعي ( نورما ) .. وقبل أن نغادر بوغوتا .. قمنا بعملية سطو علي إحدى الصرافات الخاصة وكنت أنا من قام بالتمويه علي العملية باستغلال اسمي وبطاقتي الائتمانية وما هي لحظات حتى سيطرنا علي الصرافة وأخذنا كل ما نستطيع حمله من أموال وانطلقنا بعربتي بين الوديان الصخرية والغابات إلي أن تلقفتنا إحدى الفصائل التابعة للحركة .. كان وقع الخبر مدوياً علي والدي وعمتي وأركان النظام الحاكم ونشرت صورتي جميع الصحف وأنا أشهر مسدسي في وجه الصراف .. ثم .. ماذا يا إزابيلا ..هيا اخبريني ماذا فعلت داخل معسكر المتمردين ولماذا أنت هنا في روسيا .. تلك قصة أخري وأنا متعبة يا أويس .. هذه الذكريات تؤلمني جداً .. يا إلهي كم تؤلمني .. قالت ذلك وهي تبكي وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بقليل .. و(بريماكوف) قد نام داخل السيارة .. وبقينا لوحدنا داخل الخيمة الصغيرة .. كان الجو شاعرياً ومفعماً بحميمية لا تصدق .. دفء وشموع ملونة .. كنت ظمأناً جداً للطبيعة العذراء وكذلك هي ..فشربنا حتى الثمالة ولم نرتو بعد ..وسرت النشوة في كياني حتى العظم ..ولم أرتو بعد .. تدفقت النشوة مع دمائي .. سافرت في أوردتي وشراييني ..ولم أرتو بعد .. وعندما بزغ الفجر لملمنا أشيائنا استعداداً لمواصلة المشوار وقلبي يحدثني بأنني قد أدمنت إزابيلا والطبيعة معاً ولا مهرب مذ تلك الساعة .
عبدالغني خلف الله
22-01-2013, 08:07 AM
الحلقة الثانية عشرة
أصدقاؤك بالبوابة الرئيسية يستحثونك علي الخروج ومعهم عربة تقودها سيدة جميلة ..هل هي ( برجيت باردوث) يا مستر أوليس ؟ ..هل تقبل بها زوجة يا كريموف إذا خطبتها لك ؟ قلت وأنا أداعبه كعادتي منذ انتقالي للداخلية الغربية .. ؟ ..ليتك تفعل سيدي . .فهي ساحرة جداً .. وهذا الشيب الذي علي رأسك ..سأخفيه بطريقة أو بأخرى .أوأنت جاد فيما تقول يا كريموف ؟ ..( أنجلينا ) وقد صادف الموضوع هوي في نفسها .. لماذا لا تتزوجني أنا ؟! ..أنت ..؟! ..أفعل سيدتي ..أفعل بكل احترام ..وضحكنا ربما لأول مرة بعد أيام من الحزن والدموع .
تلقفتنا المجموعة أنا وشرودر وهذا طبعاً اسمه الجديد بابتهاج شديد ما عدا ( أنستاسيا ) التي حدقت في ساعة يدها وهي تهمهم ..نصف ساعة تأخير يا أويس ..نصف ساعة أيها الإفريقي المفتري .. هل ظننت بأننا مزارعون ذاهبون لقطف الموز ؟
جلست قرب شاهنده وقد منحتني كفها أشد عليها بقوة طوال المشوار لأمنحها معنويات إضافية بعد أن تأكد لها أن أفراد أسرتها قد نجوا من الزلزال ..وهمست في وجه ( إزابيلا ) بتحية مقتضبة جاوبتها بعبارة ( هاي ) ومن ثمّ انطلقنا ..و كان الحفل أسطورياً وباذخاً عكس عظمة السودان في شتي المجالات بالإضافة إلي معرض للمصنوعات الجلدية واليدوية المختلفة وقد ازدانت جدران القاعات والممرات بالسفارة بصور تجسد الطبيعة والتاريخ والوجوه والسحنات العربية والزنجية والهجين وكأن السودان أمم متحدة مصغره .. شرب المدعوون الكركدي الساخن فطرد من عظامهم البرد القارص وكانت ثمة إيقاعات صوفية تلون المكان ..أخذ كل مدعو موقعه بالقاعة الرئيسية وبثت أفلاماً تسجيلية تعّرف الحضور بالسودان ..مناخاته وأقاليمه ورقصاته الشعبية ..وقد تفاعل الجميع مع الدفوف الإفريقية الصاخبة ورقصات القبائل النيلية والاستوائية وتعلقت عينا ( أنستاسيا ) برقصة السيف رقصة ( كسلا) وهي تتمايل يمنة ويسرة ثم وفي لحظة حبور عارمة غادرت موقعها فرقصت بنفس الطريقة أمام المسرح الصغير وكأنها قد قدمت من سفوح ( أولوس ) بجبال التاكا وشاركتها في الرقص بعض زوجات الدبلوماسيين ..وكان عرساً سودانياً رائعاً أعادني في طرفة عين إلي إستاد الأبيض عروس الرمال الساحرة وكان وقتها والدي قد انتقل من أم روابة ليعمل في بلدية الأبيض ..فقد أقيم الاحتفال الرسمي بعيد الاستقلال بالأبيض ذاك العام وتضمن مهرجاناً ضخماً أعد له إعداداً جيداً ..وكانت من ضمن الفقرات عروضاً أشرف عليها خبراء من كوريا الشمالية جُمع لها عدد ضخم من الطلبة والطالبات بمدارس الولاية المختلفة .. وكان مطلوباً مني وسبعة آخرون من الطلبة والطالبات أن نشكل حرف الألف في السودان بأجسادنا عبر حركات متفق عليها ووفق الفقرات الموسيقية المنبعثة عبر مكبرات الصوت تعزفها فرقة موسيقية تابعة للقوات المسلحة بزيهم الأحمر والأزرق ..مضت البروفة بسلام وعندما هممت بالاستلقاء علي ظهري بالقرب من الطالبة التي ترقد بجانبي التفت لأجد الآنسة المقابلة بملامحها الجميلة وقدها الفارع ليست سوي ( رزان ) .رزاااان عبدو هنا..؟!! ..أويس مرغني الفاضل ..؟!! .. شبكنا أيدينا ورحنا في ضحك أقرب للهستيريا .. وأنتقل بقية الطلاب للحركة التالية وبقينا في رقدتنا يدانا مشبوكتان والضحك الذي تحول إلي نهنهات وبكاء أدهش الذين يلوننا في العرض فارتبك الجميع وضاعت معالم (السودان) في خضم الفوضى التي عمت المكان ..أوقف المعلم المختص ( البروفة ) ..واستدعانا ليوبخنا وينذرنا بالجلد إن لم نلتزم بقواعد المهرجان وذهب لأبعد من ذلك فأسند لفتاة أخري موقع رزان وأرسلها إلي آخر درجة في أعلي الإستاد .. بيد أنني تقصيت مكانها ووجدتها بداخلية بنات الأبيض الثانوية أمام السكة حديد .. جلسنا في غرفة الاستقبال بالساعات الطويلة نستعيد ذكريات ماضينا في (واد مدني) وعلمت منها أن والدها يعمل الآن بمدرسة (سودري) حاضرة (الكبابيش) وأن كبري شقيقاتها قد تزوجت .. ومرة أخري افترقنا مع نهاية أيام المهرجان .. ودعتها عبر ثنايا صندوق الباص الذي أقلهم إلي مناطقهم وكان الجميع ينشدون ..( أمتي يا أمة الأمجاد والماضي العريق ) ..ومرة أخري بكت وهي تودعني وتوصيني أن أحافظ علي نفسي وأقسمت لي بأنها لا ولن تفكر في أحد غيري وبأننا سنلتقي مجدداً طال الزمن أم قصر .
عبدالغني خلف الله
23-01-2013, 10:26 AM
الحلقة ( 13 )
ها قد وصلنا ..قالت ذلك وهي تحرر نفسها من حزام الأمان وتقذف بذراعيها خلف رأسها وتتمطي ..يااه ..كانت الرحلة متعبة جداً يا عمتي ..مرحباً بكم .. قريبتها وابنتها وقد هرعتا لدي توقف العربة قرب البوابة الرئيسية .. منزل أشبه بقلعة .. وكأن جميع أفراد عائلة إزابيلا من الأسرة المالكة .. علي رسلك ..علي رسلك العمة توصي أحد الخدم بأخذ الحذر وهو يحمل حقيبة سوداء متوسطة الحجم الجميع يوليها اهتماماً وحرصاً خاصاً من بين جميع الحقائب .. أخلدت للنوم ضحي ذلك اليوم وفي المساء أخذتنا مضيفتنا وابنتها وتدعي (سيسيليا ) في جولة نتعرف خلالها علي معالم المدينة الأسطورية ..هذه المقبرة لأبطال ( ليننقراد ) الذين دافعوا عنها باستماتة أذهلت الألمان .. خمسمائة ألف جندي من الطرفين المتحاربين سقطوا وهم يحاولون اقتحامها أو الدفاع عنها .. هنا تذكرت تلك الأفلام التسجيلية بالأسود والأبيض التي يبثها التلفزيون وهو يستعيد أحداث الحرب العالمية الثانية ..كانوا جنوداً بسطاء بشواربهم الكثة وعيونهم الضيقة يتقافزون شاهرين بنادقهم أمامهم وهم يركضون .. هؤلاء الحمقى الذين فقدوا حياتهم في ميادين القتال وهم يلّبون أشواق قادة بلهاء أكثر حماقة منهم في المجد وإثبات الذات وأحلامهم التوسعية ويعتقدون أنهم إنما حاربوا لتحيا أوطانهم وشعوبهم حرة ..وبالنهاية خمسون مليوناً ما بين قتيل وجريح ..وانتحار هنا وانتحار هناك ..والموافقة علي شروط وإملاءات كانت ستوفر تلك الأرواح الساذجة والبريئة ولكن ..لكن ماذا ؟ ..لكن فحسب .
سلكنا الطريق العام ونحن نعود أدراجنا إلي موسكو وإن كنت أفضل العودة بنفس الطريق الذي سلكناه الأسبوع الفائت بالرغم من وعورته لنستعيد ذكريات تلك الليلة التي أمضيناها معاً هنالك فوق التلال أنا و(إزابيلا) ..الليل والشموع وموسيقي ربابتي التي أحضرتها معي من السودان ..و(إزابيلا) المتدفقة بكل ما فيها من أريحية وجمال ..الآن تذكرت لماذا فاجأنا ذاك الدب الروسي المفترس .. لقد اجتذبته ولا ريب أنغام الربابة .. أصيب (بريماكوف) بالرعب لدي اقترابه منا فصاح فينا إلي العربة يا مدام إلي العربة يا مستر .. هيا أسرعا .. ولكنني رفضت التحرك وقلت لإزابيلا ..إهدائي لا يجب أن نشعره بأننا خائفون منه .. تشبثت بي وهي ترتعد من الخوف .. فلنقذف له ببعض الأرغفة ولننظر ما هو فاعل .. تقدم نحوها وشمّها وهو يرفس العشب بأرجله الخلفية في حالة من الهيجان الشديد ..وهنا طاشت في ذاكرتي ذكريات الفترة التي أمضيناها بمدينة بور بجنوب السودان ..كان والدي قد نقل كمدير تنفيذي للمجلس هنالك وكنا نقيم في دار واسعة تقع مباشرة علي النهر وفي المساء تخرج قطعان ( القرنتي ) وتعيث فساداً في شجيرات الموز بحديقة المنزل .. وكنت وقتها مفتونآ بلعب تنس الطاولة بنادي الموظفين القريب من منزلنا ومركز الشرطة .. وتعلمت حينها أن قطعان ( إبن آوي ) ..لا تحتمل الضوء ليلاً فإذا ما هاجمتك فرادي أو مجتمعة ما عليك إلا أن تصوب نحوها نور البطارية ( الطورش ) فتهرب من أمامك ..وهذا ما فعلته مع ذاك الدب الروسي العملاق .. فتراجع مذعوراً وهو يركض مبتعداً .. أنت هائل يا أويس .. ماذا فعلت يا سيدي أي فكرة لوذعية هذه .. ؟ كيف علمت أن الدب يخاف الضوء بهذه الصورة الغريبة .. شرحت لهما تجربتي مع ( بنات آوي ) وأنا أتنفس الصعداء .
هل ستنطلقين بنا مباشرة نحو الداخلية ؟! .. لا بل سنذهب إلي منزلي لتشرب كوباً من عصير التوت ( الكولمبي ) .. يقولون في بلادنا أن من يشرب عصير التوت (الكولمبي) لا يتردد في الفناء عشقاً لكل ما هو (كولمبي) .. هل تريدين مني أن أموت فيك أكثر من ذلك يا ( إزابيلا ) ؟ .. بالطبع .. يا طفلي الغالي .. ويقولون في بلادنا من يشرب من ماء ( توتيل ) لا بد أن يعود إلي كسلا ....وأين تقع كسلا هذه ..إنها من أجمل مدن السودان وتقع في أقاليمه الشرقية ....لحظة حتى تشرب آخر قطرة منه .. لقد شربتها وانتهي الأمر .. وكان مشروباً بنكهة (الكاسترد ) .. أعطاني في البداية دفعة مفاجئة من النشاط والحيوية ومن ثمّ شعرت براحة عجيبة ورغبة جامحة في الخلود للنوم ..أمرت ( بريماكوف ) بتوصيلي بعد أن ودعتني حتى البوابة الرئيسية ومر بنا زوج من الجيران رجل وزوجته ..ولم يسلما علينا وكانت نظراتهما عدائية نحو ( إزابيلا ) .. علاقتك بالجيران بحاجة إلي ترميم عاجل .. ماذا أفعل بها ؟ .. تساءلت في لامبالاة ..إنني أضرب حول نفسي طوقاً رهيباً من العزلة ولا دخل لي بهم .. وقبل أن أصعد إلي العربة .. ناولتني زجاجة عطر فاخرة بدت وكأنها قطعة من الماس بالنظر إلي الطريقة التي لفت بها ومعها مظروف لا أعلم ما بداخله حتى تلكم اللحظة ..هذا العطر هدية من ابنة عمتي ( سيسيليا ) .. أوصتني أن أسلمك له لأنها تشعر بالخجل الشديد تجاهك ..( سيسيليا ) .. ذات الخمسة عشرة ربيعاً ..والله ما أروعها بطفولتها وشقوتها الحلوة ..ثم ..؟ ..هذا مبلغ بسيط هدية من عمتي لتختار بها الهدية التي تناسبك .. فهي لم تجد في أسواق ( ليننقراد ) شيئاً يليق بك فتهديه لك ..رفضت بإلحاح شديد استلام المظروف .. وقلت لها نحن نفضل الموت جوعاً علي أخذ المال من إمراة مهما كانت عمق العلاقة التي تربطنا بها .. هذا في عرفكم أنتم أما نحن فلا وعليك أن تحترم عاداتنا وتقاليدنا .. اسمع يا عزيزي أويس .. إذا لم تأخذ هذا المظروف مني الآن سأخاصمك أبد الدهر ولن تراني بعد اليوم ..حسناً ..حسناً ..سآخذه حالاً .. فأنا لا أتصور الحياة بدونك يا ( إزابيلا ) .. قراسيا حبيبي .. جاو .. ولدي وصولي إلي غرفتي اكتشفت أن بالمظروف عشرة آلاف دولار بالتمام والكمال ..أعطيت منها كريموف علي الفور عشرة دولارات وهو يحمل عني متاعي .. فكاد يطير من الفرح .
عبدالغني خلف الله
23-01-2013, 08:58 PM
( 14 )
إن دماراً هائلاً قد لحق بالمباني وهنالك قتلي وجرحي ومشردون بلا مأوي ..آه يا أويس ليتني مت قبل أن أسمع بذلك ..لا تقولي هكذا يا شاهندة وأنت فتاة مسلمة ولن يصيبكم أذى إن شاء الله ..هل تعتقد ذلك يا أويس .. أنا لا أعتقد ولكنني أرجو الله مخلصاً أن يجنب بلادكم الكوارث والمحن ..وهنالك المجتمع الدولي ومنظمات الإغاثة ..الكل سيقف إلي جانبكم ..نحن لانريد المجتمع الدولي ولا منظمات الإغاثة ..إنها تظهر فقط وقت وقوع الكارثة وتصور المشاهد المرعبة لاستقطاب الدعم ثم لا نسمع عنهم شيئاً ..ما نوده هو وقوف أخوتنا في الإسلام ..المسلمون ؟!! ..وأين هم يا شاهندة أين هم ؟ ..هل تسّمين هذه الشعوب المتصارعة والمتناقضة مسلمون ..والآن ماذا أفعل يا أويس ؟ أنا خائفة جداً ..خائفة يا أخي الغالي أويس ..أرجوك دعني أتشبث بك فأنا أوشك أن أفقد الوعي ..أشعر بضعف شديد ..ومن ثم ّ تهاوت نحو الأرض وهي ترتجف بصورة مقلقة جداً ..شاهنده تماسكي ..حبيبتي خذي نفساً عميقاً ..ببطء ياشاهنده ببطء أكثر ..هيا مرة أخري ..هيا ..هكذا أفضل ..ضعي ثقلك علي كتفي ..ها ..كيف تشعرين الآن ..أشعر بشيء من التحسن .. لقد فقدت شقيقي ولا أريد أن أفقد بقية أفراد عائلتي .. يا رب ..خذ بيدهم ..يا رب ..فأنا أحبهم جداً ..اللهم آمين .. قلت لها وأنا أجلسها علي أريكة قرب النافورة الكبرى ..ارتاحي قليلاً ودعينا نراجع عيادة الجامعة والطبيب المناوب ..أنت طبيبي وأخي يا أويس ..لست بحاجة إلي الطبيب ..أحتاج فقط إلي وجودك إلي جانبي ..لكنني أفكر في ترك الجامعة والعودة إلي كشمير لأكون قريبة من أهلي أموت وأحيا بقربهم ..لا يا شاهندة ..ليس هذا رأياً صائباً ..لقد تبقت لك سنة واحدة ويجب أن تصبري قليلاً ..ثم تعودي وقد حققت طموحات أهلك وبلدك فيك ..أتمني لو أستطيع .. أتمني أيها الغالي أويس .
هاأنا ألوذ بصديقي وزميلي في الغرفة ( شوماخر ) وتعليقاته الساخرة حول كل شيء لدرجة أنه يسخر أحياناً من نفسه ومن الألمان بشكل عام .. فقد كنت حزيناً ومهموماً وتحولت في الآونة الأخيرة إلي صندوق للأحزان .. الكل يطرح همومه علي قلبي وأنا لست مؤهلاً بعد لتحمل عذابات جميع هؤلاء الأعزاء ..شاهندة من جهة والتي تتوقع أسوأ الاحتمالات بعد الزلزال الذي ضرب بلادها ليضيف بعداً جديداً للمأساة القائمة أصلاً بسبب تقسيم كشمير بين شطر هندي وآخر باكستاني تقلقني اخشي أن ترحل فجأة ولا أجدها بقربي .. كم أشعر بأنني مشدود إليها ولا أملك تفسيراً لتعلقي بها ..هل هو إحساس أخوي ؟ ..هل هو حالة من الحب ؟ لا أدري .. إييه ..وكم هي قصيرة وحلوة هذه الحياة وليت الساسة في العالم المأفون هذا يعطي حق تقرير المصير لكل شعوب الأرض لتعيد لمرة واحدة وإلي الأبد تشكيل نفسها وهويتها وترابها ..بدلاً عن هذا التشتت والقهر والطغيان وإلا فليقل لي أي عارف متنفذ إن كانت هذه الحدود القائمة الآن بين الدول قد نزل بها القرآن أو الأنجيل ..دعوا كل قومية تلتئم من جديد وأعيدوا رسم الأمم وفق رغبات شعوب الأرض .. ساعتها ستختفي هذه الصراعات المريرة وهذا القتل والتشريد والعدوان ..لم أعد احتمل كل هذه المآسي وزاد الطين بلة كما يقولون انفعالي بقصة ( البروفسير نصيف ) وداره المغتصبة في (حيفا) وبكاؤه أمامي مثل طفل صغير رغم كل ما ينطوي عليه الرجل من علم وثقافة وإنسانية ..لا .. لا ..هذا كثير جداً ..(شوماخر) يا جاري العزيز ..لماذا شعبكم جاد وعملي ومتغطرس ..متغطرس ؟! ..هل قلت متغطرس ..؟ ..إننا أطيب شعب في الوجود ونعشق النكتة والضحك والسخرية ..صحيح أن وقت العمل للعمل ..خمسة أيام من كل أسبوع عمل دؤوب ولا مجال للتراخي أو التسيب ويومان هما السبت والأحد نمارس فيهما هواياتنا المختلفة ..نركب الدراجات لعشرات الكيلومترات داخل الأدغال الكثيفة والغابات ونغني ونرقص في الأمسيات ونتناول القهوة والعصير ونحن نمضي سويعات نهار كل أحد مع الأصدقاء بالمقاهي و(الكافتريات) ..نحن نستمتع بوقتنا ونؤمن ببلدنا ألمانيا العظيمة ذات التاريخ العريق ..وهل لديكم أدغال مثلنا يا (شوماخر) ؟! ..بل غابات علي مدي البصر فقد حكم ألمانيا في القرون الوسطي قيصر مهووس بالحفاظ علي البيئة وأصدر قانوناً يقول ..أن كل من يقطع شجرة يشنق في الشجرة المجاورة لها ..أنت تمزح يا (شوماخر) ..عندنا تقطع الشجرة لأتفه الأسباب وقد تجتث من جذورها لمجرد تحويلها إلي بضعة جوالات من الفحم ..أليس لديكم غاز أو فحم حجري ؟!..هذا تصرف بشع يا أويس ..لم يتبق إلا أن تعيرونا قيصركم ذاك ليفرض علينا قوانين كهذه حتى لا نعبث بالغابات ..ولكن قل لي ..ما نوع النكات التي يتم تداولها في مجتمعاتكم ..؟ ..النكات لا تصنف وليس هناك شكل معين للنكتة أو الطرفة .. بل للنكتة مناخ وتصور معين يا (شوماخر) ..نحن مثلاً في السودان وبالنظر لتركيبتنا القبلية ..نتبادل الحكايات عن هذه القبيلة أو تلك ..خذ هذه النكتة ..كان قروي من الريف البعيد يستمع للأخبار فعلم أن الأمريكان قد صعدوا للقمر ..التفت إلي جاره وقال ..ماذا سيفعلون آخر الشهر ؟! ..لم أفهم النكتة جيدآ يا (أويس) ..بيد أننا نسخر من قبيلة في ألمانيا تدعي (أوست فريزلاند ) ..وهي منطقة رعوية وزراعية لم تتأثر بعد بالحداثة .. يقولون لك .. عندما حطت (الهلوكبتر) أول مرة في ( أوستفريزلاند) ..قدموا لها ( البرسيم ) .. ويقولون لك إذا رأيت شرطياً هنالك يضع علامة ( كتاب ) فوق كتفه الأيمن ..هذا يعني أنه يعرف القراءة والكتابة ..أما إذا رأيته وقد وضع علامة كتاب علي كتفه الأيمن وثان علي كتفه الأيسر فهذا يعني أنه يعرف شخصاً آخر يعرف القراءة والكتابة .
بنت الرفاعي
09-03-2013, 06:17 AM
:):):)
لكَ التحية أخي عبد الغني.:)
ما زلنا في إنتظار تتمة القصة.:)
:):):)
عبدالغني خلف الله
09-03-2013, 09:46 PM
عزيزتي الغالية بنت الرفاعي ..السلام عليكم ورحمة الله
ضاعت مني أنستاسيا في قاع المدينة وفي الواقع نسيت أن هنالك من يتابع ..أعود لها بكل سرور ومعذرة للتقصير هذا مع تحياتي .
عبدالغني خلف الله
09-03-2013, 10:00 PM
الحلقة الخامسة عشرة
يقولون إن خير وسيلةً للدفاع هي الهجوم .. وهذا ما فعلته مع (أنستاسيا) حين التقيتها بعد رحلة ( لينينقراد ..) رسمت فوق وجهي قناعاً زائفاً من التجهم والاستياء بصورة أخافتها .. وظلت تردد عليّ في حيرة واضطراب ..أويس ما بك ..عزيزي ماذا حدث في غيابي ؟! .. ما حدث في غيابك يا امرأة .. هو غيابك .. لا أفهم ما تقصد .. حقيقة لا أفهمك يا أويس .. كيف تجرؤين يا زوجتي المثالية علي الغياب عني وعن أولادنا أسبوع بأكمله .. سأطلقك يا ( أنّأ ) .. وسأرسل خلفك أطفالنا الخمسة إن عدت لهذا مرة أخري .. ليس من تقاليدنا أن تسافر الزوجة دون إذن من زوجها .. مفهوم يا امرأة ؟! .. قلت زوجتك ؟ أنا زوجتك ولدينا خمسة أطفال ؟ .. نعم وسأطلبك في بيت الطاعة إن لم تطيعي أوامري ..سرتها هذه المسرحية الجديدة بدرجة لا توصف .. والآن اسمعني جيداً يا ( أويس ) .. أقسم بأنني سأتزوجك إن شئت أو أبيت وعليك أن تكف عن العبث بي وبمشاعري .. لأن مثل هذه الأمور لا تحتمل المزاح .. والآن سأوضح لك يا زوجي العزيز كما تدّعي أين كنت .. لقد اتصلت بك قبل سفري إلي( بكين )مع الوفد المرافق للرئيس ( قورباتشوف ) وعلمت من (كريموف) بأنه لم يكن موجوداً لدي مغادرتك الداخلية .. لقد أردت عتابك علي طريقة ( السايكودراما ) وها أنت تقسمين بأننا سنتزوج .. وعليك أن تعلمي بأنني مستعد للزواج بك الساعة إن كان هذا يناسبك .. أنت غالية جداً عندي يا ( أنّا ) .. بل أغلي شيء في حياتي .. وكان عليك أن تتمهلي لأخطبك أنا قبل أن تقوليها أنت صراحة .. أنستاسيا يا طفلتي الرائعة بل الأروع .. كنت وستظلين أعظم قصة حب في حياتي ..وكرامتك من كرامتي .. لقد كنت سخيفاً جداً إذ وضعتك في مثل هذا الموقف .. وعلم الله أنني أحبك بكل كياني .. لم تتحمل أعصابها المرهفة هذا الموقف فبكت وهي تداري وجهها بكّلتا يديها وتتأوه باطّراد فاقتربت منها وأنا أربت علي كتفها .. لا بأس يا عزيزتي .. أرجوك كفي عن البكاء ( It,s O.K. ..) والآن هيا ابتسمي ..هيا .. ومن بين الدموع التي سألت علي وجنتيها الساحرتين ..تفتحت نصف ابتسامة خجولة أضاءت وجهها الجميل .. نعود لرحلة بكين .. ماذا حدث ؟ ..كانت رحلة محبطة لنا جميعاً ..كنا نحاول الإستقواء علي الغرب وضغوطاته بحلفائنا التقليدين لكن الشعب الصيني استقبلنا بالمظاهرات العدائية .. نحن ُيفعل بنا هذا ؟! الاتحاد السوفيتي العظيم يتعرض رئيسه للإهانة ومن دولة شيوعية ..؟ .. بهذه المناسبة وددت لو ألفت انتباهكم لحدث خطير تناقلته إذاعات العالم في غيابك وهو طرد المسلمين الأتراك المقيمين لقرون بواحدة من بلدان السوفييت بعد أن خيروهم بين تغيير أسمائهم ذات الطابع الإسلامي وتغيير ديانتهم وعدم التخاطب باللغة التركية وبين البقاء بذاك البلد .. وكان منظراً مؤثراً نقله مراسل ال ( B.B.C. ) وهو ينقل النبأ..أي منظر يا أويس .. ؟ الأتراك المبعدين وقد حشروا قسراً داخل القطارات في رحلة بلا عودة من منازلهم التي ولدوا وترعرعوا بها من أول جيل للمهاجرين قبل مائة عام وحتى الجيل الرابع ..إنهم حتى لا يعلمون من أي جزء من الأراضي التركية هاجر أسلافهم .. هذه قسوة غير مبررة وستكون بداية النهاية للإتحاد السوفييتي .. إنه ليحزنني إبلاغك بوجهة نظري هذه وبكل صراحة لأن بلدكم لم تقصر معنا .. وفرت لنا ( الأونيفيرستيت دورشبي ) أعظم العلماء والأساتذة وأضخم المعامل وأجمل الُنزل ..أنتم كرماء جداً يا أنستاسيا وجامعتنا جامعة الصداقة عظيمة ومتميزة .. ولكن مثل هذه التصرفات تغضب الله سبحانه فينتقم منكم .. أرجوك توقف ولا تكمل .. سأبلغ رئاسة الحزب فوراً بما حدث وأنا متأكدة بأن وزارة الخارجية لن تسكت علي مثل هذا التصرف الذي سيغضب أصدقائنا في الشرق الأوسط وبالدول الإسلامية أيضاً.
لم أعد أحتمل غياب صديقي وزميلي في الغرفة شرودر وكان عليّ العثور علي أنجلينا باية وسيلة سيما وأن الجامعة مغلقة في إجازة نصف العام .. فكرت أول ما فكرت ببسام الذي توطدت علاقته مع أنجلينا بصورة لافتة وهنالك بوادر تحول دراماتيكي نحو نعوم من قبل شاهندة .. التقيته صدفة ذات مرة ..استوقفته وقلت له في حزمٍ شديد ..أيها العزيز نعوم ..شاهندة أختي وهي مسلمة وأنت مسيحي من اسبانيا .. ومظفرأباد ليست كمدريد .. عليك أن تكون مؤدباً ومهذباً معها وإلا .. لماذا تهاجمني بهذه الصورة العدائية يا أويس ..شعوري نحو شاهندة هو شعور أخوي تحتمه زمالتنا ووجودنا في كلية واحدة وأنا احرص عليها أكثر منك .. صدقني يا أويس سأحافظ عليها كما لو كانت شقيقتي .. أثق في كلامك ووعودك يا نعوم .. صحيح أنت أوربي النشأة ولكنك زرت لبنان وتدربت مع المقاومة وفيك حساً ثورياً تغذيه حزمة من القيم النبيلة ولأنك وشربت من نهر (الليطاني) .. ألستم من قال أن من يشرب من نهر الليطاني لا يعرف الحقد سبيلاً إلي قلبه .. هل بدأت تشعر بالغيرة منه يا أويس .. في الحقيقة لا ونعم .. شاهندة عزيزة علي قلبي بيد أني لا أجد الوقت الكافي لأمنحها عظيم اهتمامي وقد بت موزعاً بين ( أنّا ) و( إزابيلا ) وتبقي رزان صامدة في ثنايا الذاكرة المتعبة لا تفارقها ليل نهار ..وأخيراً عثرت علي إحدى صديقات أنجلينا التي أرشدتني إلي مكان تواجدها .. قالت لي ( أنجي ) عصبية وقلقة جداً طوال الفترة الماضية وقد تركتها للتو بإحدى الحانات وهي تشرب الكأس تلو الكأس حتى أضحت مخمورة تماماً .. وكلما أسألها عما يقلقها تنفجر باكية .. مرحبا أنجي .. أويس ؟!! قالت ذلك وقد انتفضت محدثة فوضي لا مثيل لها بالمكان .. تساقطت الأكواب و( منفضة ) السجائر وعلبة سجائرها واندلق كأسها علي الطاولة بعد أن تدحرجت فوقه زجاجة (الويسكي ) التي لم يتبق منها الكثير محدثة فرقعة هائلة كقنابل ( المولتوف ) .. ما بك يا أنجي ؟ اخبريني بربك ما بك ؟ .. احتضنتني بقوة وهي تردد ( halt mich fest.. lass mich nicht ) ..ومضي زمن طويل قبل أن أتمكن من تهدئتها .. إنها كارثة لا تصدق يا أويس .. لقد غادر شرودر إلي كينيا وهنالك التقي بعض الرفاق ومن ثمّ استقلوا طائرة اللوفتهانزا المتجهة إلي ألمانيا عن طريق القاهرة وقاموا باختطافها وأجبروها علي الهبوط بمطار مقديشو .. نعم .. نعم .. لقد سمعت بالحادثة في ال ( B.B.C. ) .. ولم أكن أتصور أن شرودر من بين الخاطفين .. هذا يفسر لي غيابه المستمر منذ ما يزيد علي الأسبوعين .. إنه من بينهم .. لقد خدعتنا السلطات الصومالية وأدخلت القوات الألمانية الخاصة للطائرة في زي موظفي الإغاثة .. المجرمين القتلة .. الآن يا أنجي العزيزة أدركت معني القتل وسفك الدماء .. الآن ..؟ بعد أن تأكد لك أن شرودر من بين المفقودين وربما القتلي .. هذا شيء فظيع .. أكاد أُجن يا أويس .. أكاد أُجن .. كانت مطالبهم بسيطة وهي الإفراج عن رفاقنا المسجونين في سجن ( شتوتقارد ) .. أنا حزينة وضائعه يا أخي ومرة أخري يفتح صندوق الأحزان علي آخره ..هونت الأمر عليها وطلبت منها أن تمر عليّ مساء الغد لاستلام متعلقات شرودر ..ماذا أفعل بها .. قل لي بربك ماذا أفعل بها ؟! .. قالت ذلك وهي تمسك بتلابيبي وتهزني هزاً .. لربما تكون بها بعض الأوراق الهامة يا أنجي .. أرجوك لا تسيئي فهمي .. لم أكن أعلم أن شرودر يهمك بهذه الدرجة .. إنه ابن عمتي ويكبرني بعامين فقط .. نشأنا وترعرنا في قرية واحدة .. وعندما بلغ سن السابعة عشرة غادر أسرته ليستقر في ( فيينا ) .. ولحقت أنا به بعد أن صرت في السابعة عشرة .. السن التي تخولني الانفصال عن أسرتي والعيش مع أصدقائي .. إني أتذكر تلك الأمسية التي ودعت فيها والدي المقعد بسبب المرض .. غادر غرفته علي كرسيٍ متحرك حتى باب حديقتنا .. ضمني إليه وهو يبكي .. وكانت والدتي إلي جانبه تشد من أزره دون جدوي .. قال لي بين الدموع والتنهدات ربما لا نلتقي مرة أخري يا طفلتي الغالية (أنجي ) حاولي أن تتذكري ( بابا ) وصلي من أجلي وسامحيني إن قسوت عليك أو قصرت في أمر يخصك .. كنا نعيش في قرية صغيرة جداً تعدادها لا يتجاوز ثلاث ألف نسمة .. وكانت حياتنا مملّة وفارغة تتمحور حول مصنع صغير للأدوية .. لم تستوعب فضاءاتها وعتمتها طموحاتي وأحلامي ..فقررت اللحاق بشرودر في النمسا وارتياد آفاق العالم الرحبة بحثاً عن الحب والمجد والسعادة .. لم يعش والدي طويلاً فقد مات بعد شهر من مغادرتي ولحقت به والدتي بعد عام .. كانت امرأة قوية ومتجبرة ولا أدري كيف لم تصمد أمام الموت .. هذا قدرها ولا يعيش المرء دقيقة واحدة بعد انقضاء أجله .. قلت لها ذلك لأصحح فهما لفلسفة الحياة والموت.
mahagoub
10-03-2013, 05:19 AM
اذهلنى ابداعك
وانت تنتقل من فكرة لآخرى
وترجع لنفس الموقع بدون خلط
مع كثرة ترحالك
فأنت الإبداع بعينه
عبدالغني خلف الله
12-03-2013, 07:46 PM
عزيزي محجوب ..صباح الخير
بداية معذرة للتأخير في الرد بسبب وعكه بسيطه (ملاريا ) ..ما قلتوا حتنتهوا منها ..متين ؟1
عبدالغني خلف الله
12-03-2013, 07:54 PM
الحلقة السادسة عشرة
غادرنا موسكو أنا و(أنأ) فقد علمت أن أسرتها تسأل عني وتود رؤيتي من جديد ..ضمتني والدتها بحنو وحب وشمّتني تحت الأذن تماماً كما تفعل العمات والخالات في السودان .. وكأنما للحب والحنان هوية واحدة وشكل واحد في شتي بقاع العالم .. لماذا كل الكبار موسومين بهذا القدر من الحنان في وقت يتباعد فيه الصغار .. يركضون يمنة ويسرة لتحقيق الثراء السريع وقد يمر عام لا يزور فيه الواحد فيهم أمه وأبيه بينما العمر يمضي وتنقضي الآجال ليفاجأ الواحد منهم ونفاجأ بالمذياع ينعي وفاة فلان أو فلانة .. والد أو والدة كل من الدكتور فلان بكندا والمهندس (علان) بأمريكا .. يرحلون في صمت ودون ضوضاء وأبناؤهم بعيدون هنالك في مدن الصقيع فلا يوسدونهم الثري بأيديهم هم وليس بأيدي الأقارب والجيران .. والآن جاء دور والد أنستاسيا فيأخذني بالأحضان وهو يردد ( دوبريا قيتشر ..ياجولستا ) ..وتقافزت الصغيرة ( باتريشيا ) لتقتحمني في حميمية هائلة .. كل هذا الإعزاز والود تكنه لي هذه العائلة الأنيقة .. يا الله كم أنا محظوظ .. قبلات وأحضان وشميم ( الحبوبات ) .. أشعر وكأنني بين أفراد أسرتى .. رزان لا تحب قبلات العمات والخالات .. قالت لي ذلك وكنا قد عدنا لتّونا من المدرسة وكانت إحدى عماتها قد وصلت من البلد .. أخذتها إليها وقبلّتها فوق فمها وهي تصدر فرقعة وهمهمة مثل ( موه !!) أو شيء من هذا القبيل .. انفلتت منها وهرعت نحو الحمام .. غسلت فمها وجففته ومن ثمّ عادت إلينا ولدي باب منزلهم قلت لها وأنا أغادر .. لم فعلت هذا يا رزان ؟! .. لأنني ببساطه لا أحب أن يقبّلني أحد في فمي ..ولا حتى أنا حين نكبر ونتزوج ..؟..سأفكر في الأمر بعد الزواج بشرط أن تقلع عن أكل ( فول الحاجات والقونقليس بالشطة ) وتنظف فمك بالمعجون والفرشاة .. لن أدع أحداً سواك يقبّلني ما حييت وسأختزن كل قبلاتي لأجلك .
انتهت مراسم الاستقبال التي أعقبتها وجبة عشاء دسمة .. انتقلنا بعدها أنا وأنستاسيا إلي غرفة الجلوس .. تمددت علي أريكة أمامي وقالت لي بصوت هامس ( أدنو مني يا أويس ..) .. كانت ساحرة ومتألقة وكأنها قدمت لتوها من الجنة .. ستقص عليّ بقية أجدادك .. توقفنا في المرة السابقة عند جدك الخامس .. بل الرابع .. لا بل الخامس .. وكنت أود إغلاق هذا الملف الذي يحولني في كل مرة إلي شهرزاد .. جلست علي كرسي صغير وحدثتها عن جدي المقداد بن الراشد ..قلت لها ..أقسم الملك الأيهم بألاّ يزوج ابنته الوحيدة (قمر الزمان) إلا لمن يعيد له سيفه (قرص الشمس) المرصع بالذهب والأحجار الكريمة من قصر أمير جزيرة الهلاك في أعالي البحار .. وهي جزيرة تسكنها المردة والشياطين وشرذمة من القراصنة قطعت الطريق علي سفينة (الأيهم) التي سافرت إلي رأس الرجاء الصالح خصيصاً لإحضار ذاك السيف الذي أهداه له ملك قبائل (الزولو ) الجنوب أفريقية .. قبِل جدي المقداد بن الراشد الرهان حتى يفوز بقمر الزمان التي طبقت شهرتها الآفاق لجمالها ودلّها ودلالها .. وكان جدي حينها فارساً مغواراً تهابه جميع قبائل العرب .. جمع حوله عدداً من فرسان القبيلة وعكفوا علي صناعة قارب شراعي كبير .. أخذوا معم ما يكفيهم أكلٍ وشربٍ وسيوفٍ وخناجر .. وتمنطق جدي بخنجره الأزرق الذي يا طالما مزق أكباد الفرسان إرباً .. إرباً .. ومن ثم ّ أبحروا ذات صباحٍ سكنت فيه أمواج البحر إلي جزيرة الهلاك لاستعادة السيف المفقود .. وفي الليلة الرابعة علي رحيلهم هاج البحر وماج وأصبح المركب الشراعي مثل كرة تتقاذفها الأمواج .. كانوا قريبين جداً من وجهتم بيد أن المركب انقلب رأساً علي عقب وضاعف من حجم المأساة الظلام الكثيف والرياح العاتية .. وفجأة وجد جدي المقداد بن الراشد نفسه وهو يقاوم الموت بشراسته المعهودة رافضاً الاستسلام .. وفي تلك اللحظات الحرجة انشق الموج عن حوت عملاق ابتلع جدي في ثوانٍ .. فطن الجد المتعب إلي خطورة موقفه وأدرك أن الحوت سيهشمه ويهضمه فيما لو وصل إلي أمعائه ..تشبث بحلق الحوت قريباً من خياشيمه وصار يتنفس من خلالها والحوت الجائع يحاول عبثاً إنزاله إلي الأمعاء .. مضي يوم كامل وجدي قد تكور في موقعه يتنفس مع الحوت ويأكل الطحالب والأصداف التي يمررها الحوت عبر فمه الواسع .. وفي اليوم التالي لاحظ جدي عبر فوهة الخياشيم أنهما باتا قريباً جداً من اليابسة فانتزع خنجره الأزرق وشق بطن الحوت العملاق الذي أرسل دوياً هائلا وهو يضرب الماء بذيله ويتلوي من شدة الألم .. انفلت جدي من حلق الحوت ليغوص بين ثنايا الوحل والأعشاب الكثيفة القريبة من الشاطئ .. نظر حوله فلم يعثر للحوت علي أثر وبانت عند الأفق كثبان الرمل والأشجار الباسقة التي تؤكد نجاته ولو إلي حين ريثما يتبين أين هو من الجزر العديدة المنتثرة بين جنبات المحيط .. تنفس جدي المقداد بن الراشد الصعداء وحمد الله كثيراً علي سلامته ..أمضي سحابة ذاك اليوم وهو يعالج جراحه والآلام الرهيبة التي تعصف بجسمه .. وشيئاً فشيئاً شعر ببعض التحسن .. تحامل علي نفسه ونهض وهو يترنح كالسكارى .. وغادر الشاطئ ليجد نفسه وسط غابة من أشجار البلوط الكثيفة .. والحدائق الغناء التي تعج بالعصافير الملونة .. وكان ثمة نبع صاف داخل الجزيرة شرب منه حتى ارتوي وغسل جسده وملابسه مما علق بها من أدران واستلقي فوق الرمل ونام .. نام طويلاً لدرجة أنه لا يعرف كم مضي عليه من الوقت وهو نائم .. وعندما استيقظ حملت له النُسيمات الباردة أصوات دفوفٍ وغناءٍ ليست ببعيدة عن المكان الذي هو فيه .. تتبع أثر الغناء ليفاجأ بعدد من الصبايا وقد تحلقن حول فتاة رائعة الجمال نامت فوق أرجوحة من الدوالي والصبايا يمرجحنها ويغنين لها .. استجمع قواه وصفق بيديه طالباً الإذن بالدخول لهن .. قفزت الفتاة من أرجوحتها وهي فزعة وأرسلت الفتيات صرخات وأحدثن جلبة وضوضاء من شدة الخوف بيد أن الفتاة أمرتهن بالتوقف عن الصياح .. عمل جدي علي تهدئتهن وجثا علي ركبتيه وهو يقدم فروض الولاء والطاعة ..اطمأنت الفتاة بعض الشيء .. تقدم جدي نحوها وأعطاها منديلاً مطرزاً بخيوط الذهب والفضة كعربون صداقة وتعارف ..أمرت الفتاة رفيقاتها بالانصراف .. طلبت منه أن يجلس وكانت المشكلة في كيفية التعارف بينهما .. شرح لها بالإشارات كيف وصل إلي هنا ولماذا غادر موطنه في بلاد العرب .. كانت جميلة جمالاً يخلب الألباب ولم يحتمل جدي المقداد بن الراشد تلكم الأضواء التي سفحتها وجنتاها الساحرتان .. صفقت بيديها فعادت الفتيات الأخريات في ثوانٍ معدودة وأمرتهن بأخذه عبر طريق معزولة إلي القصر وعادت هي وبقية الخادمات عبر طريق آخر ليجد نفسه بإحدى غرف القصر .. أحضرت له الخادمة طعاماً وشراباً وملابس جديدة وكانت تلك الأميرة الصغيرة تزوره كل مساء بعد أن يخلد الجميع للنوم .. ليكتشف جدي أن تلك الفتاة ليست سوي ابنة أمير جزيرة الهلاك .. كانت مفاجأة عظيمة كادت أن تقضي عليه .. ووعدته بأن تحقق له مأربه ولكن بقليل من الصبر والتريث حتى لا ينكشف أمرهما فيقتله والدها ومن ثمّ يذيقها الويل والثبور وعظائم الأمور .. وفي ليلة صاخبة كان أمير جزيرة الهلاك يحتفل خلالها بزواجه من الزوجة الخامس والستون ..إنسلت الأميرة من الحفل ودخلت غرفة والدها وبحرص شديد أخذت السيف المطلوب وعادت به إليه وأمرته بالتوجه نحو الشاطئ ليجد مركباً صغيراً به عدد من الرجال بانتظاره ليأخذه ويعود به بأمر منها إلي بلده .. وكانت الريح مواتية والبحر ساكن فلم يحدث ما يعكر صفو تلك الرحلة .. كان الوداع مّر المذاق علي كليهما ولم يدر كيف يشكر جدي المقداد بن الراشد تلك الصغيرة التي لا يعرف حتى اسمها .. فوعدها بان يعود يوماً ما لرؤيتها وعقد حلف مع والدها .. وعاشت القبيلة أياماً وليالي في الرقص والغناء احتفاءً بزواج جدي من الأميرة قمر الزمان .. والآن يا ( أنّا ) ما رأيك في هذه الحكاية ..؟ !! .. أنستاسيا ما رأيك ..؟ دنوت منها أكثر لأكتشف بأنها قد راحت في سباتٍ عميق .
mahagoub
12-03-2013, 08:35 PM
وادرك شهرزاد الصباح
وسكتت عن الكلام المباح
عبدالغني خلف الله
13-03-2013, 08:08 PM
عزيزي محجوب ..صباح الخير
من شبكة حربي لشبكة أنستاسا ..المخرجه كيف ؟!
عبدالغني خلف الله
13-03-2013, 08:25 PM
الحلقة السادسة عشرة
خطاب مستر أوليس ..مستر أوليس ..كريموف وهو يخطئ للمرة الألف في نطق اسمي ..نعم يا كريموف ..ماذا وراءك ؟ ..البشارة سيدي .. البشارة .. لقد وصلك مسجل من الخرطوم ..خطاب لي أنا؟! ..نعم .. نعم بكل تأكيد ..أين هو ؟ قلت له في لهفة عارمة ..ولكن ..أين ..؟ ..فهمتك يا كريموف خذ هذه ..خمسة دولارات ..؟ أنت كريم جداً سيدي ..وأنت أبو الكرم يا كريموف واسمك يشير إلي ذلك فقط أعطني المظروف ..أدخل يده في تضاريس( البالطو) الضخم وناولني إياه ..أخذت منه المظروف وتوجهت نحو غرفتي ..أسدلت الستائر وأغلقت الباب من ورائي وكأنني أختلي بحبيبة قلبي لأول مره ..فضضته بعناية فائقة وكأنني أخشي تساقط الحروف علي أرضية الغرفة ..وشريط كاسيت أيضاً .. يااه .. إذن أنا موعود بالسفر عبر عيون أهلي إلي سماوات وطني الحبيب .. قرأت الرسالة ووجدت بها أسطراً من والدي وأخري من شقيقي وشقيقاتي حتى الصغيرة ( روان) التي لا تزال بالروضة أعطوها حيزاً .. كانت كلمات مفعمة بالأشواق والأمنيات والوصايا .. الصلاة والمذاكرة ولم أجد سطراً واحداً من أمي التي تجيد القراءة والكتابة فانتابني إحساس عارم بالخوف ولكنني ما أن أدرت شريط التسجيل حتى جاءني صوتها واهناً متعباً وحنوناً .. احتضنت آلة التسجيل أضمها إلي بقوة وكأنني أضم إليّ جسد أمي الحبيبة .. وبكيت .. لا أدري كم مر علي من الوقت وأنا أبكي .. وعندما تعبت من البكاء أخذت قرصاً من ( فاليوم تن ) فنمت ..وفي المنام زارتني أمي ..جلست بقربي تؤنسني وتأخذ يدي في يدها وتقص علي الأحاجي تماماً مثلما كنت صغيراً ..حدثتني عن ( ود النمير .. وفاطمة السمحة والغول .. وود النقادي) .. وآخرين ..كان حلماً جميلاً تمنيت لو لم ينته ولكن هاهو كريموف مرة أخري يقرع الباب بقوة فيوقظني .. مستر أوليس .. مستر أوليس .. السيدة ذات الفراء الفاخر تطلبك علي الهاتف .. نهضت في تثاقل واضح وأنا أشعر بصداع شديد من أثر ( الفاليوم ) .. وذهبت نحو غرفة الإستقبال .. مرحبا إزابيلا .. كيف حالك يا أويس .. أسبوع كامل ولا أسمع حتي صوتك ؟! ..هل هذه هي أصول الصداقة عند قبائل أفريقيا .. لا والله يا إزابيلا ..أنت دائماً في بالي ولكن الامتحانات علي الأبواب .. هل تستطيع المرور عليّ بمنزلي ؟! .. الآن ؟ .. بالطبع فأنا أشتاقك جداً ..حسناً فأنا أشتاقك أيضاً وأشتاق عصير التوت الكولمبي ..كنت بحاجة لكتف صديقة أرتاح عندها بعد الرسالة التي وصلتني من أهلي .. أخذت حماماً دافئاً وغيرت ملابسي بسرعة وحملت معي ربابتي .. لقد أعددت لك اليوم مفاجأة يا إزابيلا وأي مفاجأة ..مفاجأة ستزلزل كيانك ..فقد عكفت أنا وصديقي الإسباني ( نعوم ) القادم من جنوب لبنان علي حفظ أغنية لاتينية كتبها شاعر كولمبي وقمت بتوقيعها علي ربابتي مع بعض التعديلات .. استقبلتني بحماسة بالغة وكأننا لم نلتق منذ قرون .. جلسنا وحدنا في غرفة الجلوس .. سألتها عن أحوالها فغمغمت بعبارات غير مفهومة فهمت منها بأنها محبطة وأنها تتهدم وتموت ببطء .. اختفت وعادت بقنينة كبيرة من التوت الكولمبي الذي أحبه .. صبت لي كأساً عملاقة كمسبح صغير .. شربت منها حتي ارتويت وشعرت بالخدر يتسلل إلي عروقي .. وانزاحت في لحظات كل آثار التعب وآلام الصداع ودبت الحركة والحيوية في أوصالي .. حيوية جعلتني وقتها مستعداً لمصارعة ثور هائج .. إِنتبهت إلي آلة الربابة ورجتني أن أغني لها شيئاً خاصاً جداً قلت لها سأفعل .. أمسكت بالربابة وبدأت الغناء بلغة اسبانية سليمه .. انعقد حاجباها دهشة واتسعت عيناها الرائعتان تكاد لا تصدق ما تسمع .. ضحكت وفركت أصابعها من شدة النشوة .. غادرت موقعها بالمقعد المقابل وجلست بقربي تعيد الكلمات من بعدي وبدأ وكأننا نشّكل ثنائياً غنائياً رائعاً ..( إن عثرت عليك مجدداً في وقت ما .. سأعود إلي نظرات عينيك الحبيبة .. سأفعل معك نفس الأشياء المجنونة ذاتها .. لو عثرت عليك مجدداً .. سأعود إلي نفس المكان الذي فقدنا فيه حبنا .. لو عرفت مكانك لبحثت عنك ولقلت لك .. لا معني لحياتي بدونك .. ولكنك بعيد جداً .. ولكي أحقق هذا الحلم أفعل أي شيء .. كل مرة أتعثر بهذا الصوت .. لم يبق شيء بيني وبينك .. إن كنت أبكي لأن قلبي يفتقدك .. لكنني تعلمت حين أتألم بأنه يجب عليّ أن أنسي .. سأكون متغلغلاً في جلدك .. مبحراً في مسامك . .وسيبقي لي مكان في قلبك .. ولتكن هذه هي التنهيدة الأخيرة .. عندما عثرت عليك ذاك الصباح بينما النسيم يقبّل بشرتك الرائقة شعرت بهذا الحب الأزرق بداخلي وأراك في النجمة التي طالما حلمت بها .. بكل دمعة أثناء الغفران .. كالسماء الزرقاء ربيع أزرق غمرني .. علمني كيف تكون الرقة الساحرة فكتبت قصيده ) .. كانت منفعلة وقلقة وهي تتابع الغناء معي .. وعندما وصلت إلي المقطع الأخير .. أجهشت بالبكاء وهرعت نحو غرفتها .. دفنت نفسها داخل الملاءة وهي تنشج وتتأوه .. قلت لنفسي .. هذه الانفجارات الوجدانية مطلوبة في بعض الأحيان .. راجعت الصالون الأنيق ولفت انتباهي صورة كبيرة ل(إزابيلآ) وهي في ثوب الزفاف ومعها عريسها .. شاب أسمر طويل القامة وقد التف حولهما عدد كبير من الجنود يرتدون الزي العسكري وتظهر في الصورة أشجار كثيفة قرب نبع جارٍ .. شعرت بالخدر والنعاس وبين اليقظة والأحلام رأيت وجهها قريباً جداً من وجهي .. فنمت .. نمت طويلاً وحين استيقظت من نومي وجدتها وهي تجلس قربي تتأملني في تبتل صوفي غريب .. أنت متعب يا أويس .. هيا أعيدك للنزل بعربتي .. نعم من فضلك .. وقبل أن أغادر ناولتني كأساً من عصير التوت .. الشراب الذي بات ينعشني ويسبح بي في سماوات من الراحة والسكون وكأنني (هدندوي) من غابات نهر القاش بكسلا أدمن البن الحبشي .. كان والدي قد عمل بمنطقة أروما القريبة من كسلا ولا يحتاج البجاوي هنالك لكثير عناء ليصنع قهوته .. تجده يحمل شيئاً من البن والسكر والفحم في جرابه ويتوه ممتطياً ناقته في وهاد الشرق وسفوحها بحثاً عن لا شيء في حياة هي أقرب للتصوف .. وعندما يشعر بأنه بحاجة لفنجان من القهوة .. يترجل من علي ظهر ناقته وتحت ظلال أقرب شجرة يقدح زناده ويوقد ناراً صغيرة يحتويها بين ثلاثة قطع من الطوب ليحميها من ( الهبباي ) العاتي لا سيما في الصيف .. ثم يضع إبريقاً فوق النار ويصنع قهوته بنفسه .. وتكون الصورة في أقصي حدود الروعة لو أن (تاجوج )بقربه تناوله الفنجان فلا يملك سوي أن يغني للحب والناس والجبال والأجداد ..( فنجان جبنه بشمالو تسوا الدنيا بحالو ..).
ها أنا أتكيء علي وسادة الشجن .. تتقاذفني الهواجس والكوابيس الرهيبة .. وشجيرة صحرائي ونجمتي الغائبة رزان تهدهد أوجاعي في المنام فأرتاح . .لماذا أنت بعيدة بهذه الدرجة .. أنظر في الخارطة وأقيس المسافة بين السودان وموسكو فأصاب بالرعب .. والله كم أنت بعيدة يا رزان .. إني أتذكر لحظة فراقنا وأنا أقف قريباً من نافذة المركبة في موقف العربات بالأبيض .. وكفك في كفي ..لكأنها معجونة من أجنح غيمة .. أنيقة وبضة ومشاغبة ..عبثت بأصابعي أكاد أجن من البهجة والسعادة .. وهتفت في سري .. اللهم لا تحرمني من هذا الوجه الطفولي الرائع بكل تفاصيله المدهشة وسمته المترف البهيج ..ذاك الحنون.
قرع بالباب والقادم ليس سوي أنجلينا جاءت لتأخذ متعلقات إبن عمتها الذي مات في مقديشو .. كم هي غريبة هذه الحياة ..ألماني يموت في مقديشو وطالب غاني يموت في موسكو .. دفعت لها بكل ما يملك شوماخر أو شرودر كما تعودنا علي مناداته .. ولكن أين هو .. ربما استكثروا عليه جنازة متواضعة فقذفوا بجسده للعقبان ووحوش الغابة .. وهل من أوراق أخري ؟! همست والدموع تبلل وجنتيها الناعمتين .. هذا كل ما لديه بخزانة الملابس وقد تكون ثمة أوراق أخري في الحقيبة الصغيرة .. ضمت ملابسه إلي صدرها تشمها وتبكي بكاءً مراً .. بكت الساعات الطوال وأنا أحاول تهدئتها دون جدوي .. لكأنها خزان للدموع يكفي كل المعذبين علي وجه هذه الأرض .. استأذنتني لحظة لتدخل الحمام .. سمعت صرير المزلاج من الداخل وبقيت هنالك أكثر من اللازم .. انتابني نوع من القلق .. طرقت باب الحمام طرقات خفيفة وأنا أنادي عليها .. أنجي ..أ نجي .. هل أنت بخير ؟! .. فجاءني صوتها واهناً ومتعباً وهي تردد بالألمانية ( Ich can nicht ..ich can nicht ) ومعناها لا أقدر .. لا أقدر .. دفعت الباب بكل ما أوتيت بقوة محطماً القفل من الداخل لأجدها وقد وضعت مسدساً قرب صدعها .. أخذت منها المسدس وأفرغته من الطلقات وسحبتها في رفق إلي الغرفة .. وحمدت الله كثيراً أنها لم تنتحر بكل ما يمكن أن يمثله حادث كهذا من ذيول وتداعيات بالنسبة لي .
وبت غير قادر علي فعل أي شيء .. دائماً متعب ومكدود واشعر بثقل في أجفاني حتي وأنا داخل قاعة المحاضرات .. حالك لا تعجبني يا أويس .. لماذا أنت شاحب هكذا ؟ هل تشعر بشيء ؟ هكذا كان حديث أنستاسيا معي في كل مرة تلتقيني فيها وهكذا كانت ملاحظات الرائعة شاهندة .. حتي روزماري الإيرلندية القادمة من بلفاست والتي تعودت أن ترشقني بنظرات حانية عندما يلتئم شمل الطلاب في غرفة الطعام وتحييني من علي البعد .. هي الأخري لاحظت ما يعتريني من أسقام .. وفي مرة مازحتني وركضنا معاً نتقاذف بكرات الثلج ونحن نلهو في ميدان كرة السلة .. فشعرت بميول رهيبة نحوها لدرجة أنستني نفسي والمحاضرات فاقترحت عليّ جولة في الضواحي علي ظهر الدراجات البخارية وكانت لدي فكرة ما في قيادتها .. تجولنا في الغابات والمزارع دونما زاد دونما اتجاه .. وتمنينا لو نتوه العمر كله .. ألم تكفك ( أنّا ) وإزابيلا لتضيف لقلبك المتعب أثقالاً جديدة من المواجد .؟ كأن للجمال ثأر قديم لديك .. ما أن تتاح لك معرفة هذه الجميلة أو تلك حتي تستسلم تماماً وترفع جميع راياتك البيضاء ولا تقاوم وزملاؤك في جامعة الصداقة يقاومون الأنظمة المستبدة في بلدانهم بالدم والبارود .. ولكنني لا أؤمن بالقتل وإراقة الدماء دفاعاً عن فكرة أو قضية ما .. لأن ذلك الطريق يوقع ضحايا أبرياء من المدنيين وعابري الطريق الذين لا ذنب لهم وأؤمن بمدرسة غاندي في مقاومة الظلم والاستبداد .. المسيرات السلمية والإعتصامات فإن لم تنجح فسلاح الإضراب العام يفعل الأعاجيب في السلطة أي سلطة مهما كانت قوتها وجبروتها .. خذ مثلاً شرودر الذي فقد حياته وهو يقاوم حكومة بلده المنتخبة ديمقراطياً .. ما لها ألمانيا ؟! تقدم تكنولووجي ورفاهية لا يوجد لها مثيل .. أتفهم دوافعه لو كان قد قدم من دول العالم الثالث حيث تشقي أجيال بحالها من أجل الحصول علي شربة ماء أو جرعة دواء وليس مقعداً لحضور حفل للأزياء .. واليوم كان من المفروض أن أذهب مع ( أنّا) لمراجعة طبيب إختصاصي صديق لعمتها السفيرة السابقة ولكن إزابيلا أخبرتني علي الهاتف بأن عمتها خواليتا وابنتها سيسيليا قد حضرتا من لينينقراد وتودان رؤيتي .. توجهت علي الفور نحو منزلها لتأتي أنستاسيا في الموعد المتفق علي فلا تجدني .. لقد غضبت غضباً شديداً ولعنتك بكل اللغات .. كريموف يصف لي الموقف لدي عودتي من منزل إزابيلا .. يا لروعة الصغيرة سيسيليا ..أمضيت معهم بعض الوقت وكان علي إزابلا تركنا لوحدنا والذهاب في مشوار هام بالنسبة لهما .. حملتا ذات الحقيبة السوداء التي كانت تجد كل الحفاوة والاهتمام لدي وصولنا لآخر مرة إلي لينينقراد وهاهي ترقد الآن مهملة قرب الباب المؤدي إلي غرفة نوم إزابيلا ولا أحد يعيرها أي اهتمام .. لماذا هذه الدورة العجيبة من الحب والاهتمام ومن ثمّ الصد والإهمال بعد حين حتى بين الجمادات ؟! .. أمضيت وقتاً رائعاً وغريباً مع الصبية سيسيليا .. كانت صاخبة وضاجة ومسلية ومتوثبة كنمرة صغيرة .. وماذا أيضاً ؟ كانت حلوة وأنيقة ورائعه .. وماذا أيضاً ؟ كانت ناضجة وشيقة وغضة وناعمه .. وماذا ايضاً ؟ كانت كقطعة حلوي كحزمة من المرمر .. مشرقة وبهية و..و.. كل هذه الصفات تجمعت في سيسيليا ؟!! ..أنت تبالغ يا صديقي .. لقد منحتني ساعات من الدفء والروعة تكفيني بقية عمري .. وامتعضت حين سمعت بوق سيارة إزابيلا يطلب من الحارس فتح البوابة الرئيسية .. لعلني أول شخص تعامل معها كسيدة محترمة وليس كطفلة .. لتسكب كل ما بدواخلها من رقة وحنان .. مرحبا أويس .. مرحبا إزابيلا مرحبا خواليتا .. هل كانت سيسيليا رائقة ومؤدبة معك ؟ خواليتا .. تسأل بشيء من المرح ..أسأليه ماما .. بل كنت صامتة ومتجمدة كبحيرة روسية في فصل الشتاء .. الحق يقال .. لديك بنت رائعة يا عمة خواليتا وينتظرها مستقبل باهر .. إنها ذكية ومهذبة ..عدنا للأوصاف يا ( كامل الأوصاف ) .. علي رسلك .. علي رسلك .. ضعها هنا .. ومرة أخري تستعيد الحقيبة السوداء أهميتها .. هل قالت لك سيسيليا بأننا سنغادر بعد نصف ساعة من الوقت ..؟ العمة خواليتا تفاجئني بهذا القرار الصعب ..ماممااء ..هل سنغادر فعلاً ؟ ..اتركيني لبعض الوقت في موسكو .. أرجوك ماما .. أتوسل إليك .. لماذا لا تقولين شيئاً يا إزابيلا ؟ .. لا مجال لتركك ورائي والدراسة ستبدأ بعد غد .. مرة قادمة حبيبتي .. أعدك بأن أعيدك إلي هنا لتمضين إجازة الفترة مع ( إييزا) .. إييزا ؟! .. هل هذا هو الاسم الذي ينادونك به وأسمع به لأول مرة ( إزابيلا ) أنا الذي كنت أعتقد بأنني من أقرب أصدقاؤك يا .. يا ..إييزا ؟! .. لا والله يا أويس ولكنني سأشعر بالخجل إن طلبت منك ذلك .. وحانت لحظة الفراق القاسية .. سيسيليا تغرق في البكاء وكأننا في موسم البكاء والندم .. لماذا الجميع يبكون في هذا البلد ؟! .. سأتذكرك كثيراً أويس .. يا إلهي ..لماذا أنت بهذه الروعة التي آلمتني ؟.. آه ما أصعب الفراق وما أتعسه .
نحتاج لفحص شامل للدم والأنسجة ولصورة مفصلية ب(الراديو آكتيفتي ) ..الطبيب الاختصاصي وهو يوجه حديثه نحو أنستاسيا بينما أنا راقد علي ظهري فوق أريكة الفحص أمامه وكانت قد اعترتني حمي شديدة وصداع نصفي وتعرق أفقدني كثيراً من السوائل مع شيء من التشنج وطلب مني أن أعوده بعد أسبوع لمعرفة النتيجة .. ولم أكد أغادر المشفي حتى أخذتني ( أنّا) بسيارتها إلي مطعم خلوي .. لماذا نتناول طعام الغداء في هذا المكان البعيد يا عزيزتي ..؟ هذا لأنني أعددت لك مفاجأة ما .. مفاجأة ؟! .. ما هي يا (أنّا) .. أرجوك قولي لي .. وكيف ستكون مفاجأة إذا ما أفصحت عنها .. لا تستعجل ستعرف بعد ساعة من الزمن .. دلفنا إلي داخل المطعم الفخم وكانت ثمةّ أريكة قد أعدت لشخصين تتوسطها باقة من الورد وبعض الشموع .. أخذ النادل معطفينا وأجلسنا بأدب جم .. وبعد دقائق ظهر شخص يحمل بيده آلة موسيقية أشبه بالكمنجة وبدأ العزف .. طعمنا وشربنا وفي خضم هذا الزخم الاحتفالي أخرجت (أنّا) علبة أنيقة وقالت لي بحزم وبصرامة .. أسمع يا أويس .. اسمعني جيداً .. أنا أخطبك زوجاً لي علي سنة الله ورسوله .. وتسطيع الرفض أو القبول .. علي سنة الله ورسوله ؟! .. وهل أنت مسلمة يا (أنّا) ..نعم والحمد لله ..بيد أني أخفي إسلامي عن الروس وكذلك انتمائي للشيشان .. وطني الأول .. أذهلتني المفاجأة وكادت أن تقضي عليّ لو لا تشبثي ب( حسبنا الله ونعم الوكيل ) .. هل تمنحينني بعض الوقت فأصلي وأستخير الله ؟! .. بالطبع تفضل .. هرعت نحو الحمام توضأت وصليت في ركن قصي من المطعم ركعتين وتلوت في سري دعاء الاستخارة وشريط من الذكريات ينداح أمامي .. صورة أمي وأبي وأهلي ورزان .. ياااه .. لكم تتوالي عليك المفاجآت يا أويس .. بالأمس القريب شهدت بمسجد موسكو الكبير إسلام ( نعوم ) من أجل شاهندة وسفرهما معاً إلي (مظفرأباد ) ليخطبها من والدها حسب شروطها وأن يتم الزواج وفق التراث الكشميري وقبل شهر سألت إزابيلا عن صورة الزفاف التي تزين مكتبتها فأخبرتك بأن الذي يظهر في الصورة هو زوجها الراحل ( سيزار ) .. ذلك الطالب الذي هرب معها بعد نهب الصرافة وقد تقدم في صفوف القوات المسلحة الثورية التي تقود المقاومة المسلحة في كولومبيا وبينما كان يعقد مؤتمراً صحفياً داخل الغابة بإحدى المناطق المحررة حدث انفجار قوي أودي بحياته وعدد من الصحفيين وتمكنت إحدى الفصائل من نقلها إلي كاراكاس ومنها إلي روسيا وسبق ذلك بالطبع تحويل جميع أرصدتها إلي هنا .. يا لهذا العالم الغريب .. عدت إلي أنستاسيا .. اسمعي يا ( أنّا ) .. أنا من أطلبك زوجة لي فهل تقبلين ..؟غادرت موقعها وعانقتني طويلاً وهي تبكي وتردد ( الحمد لله العظيم ..) .
تقبلت إزابيلا النبأ بما يشبه الصدمة .. وظلت تردد .. هذا مستحيل .. هذا حرام .. هذا غير عادل .. قلت لها محاولاً مؤاساتها هذه الأشياء مقدرة سلفاً والزواج مثل حادث المرور لا تعلم متي وكيف يقع ومن سيكون الطرف الثاني في الحادث والأفضل لنا يا إييزا أن نظل أصدقاء .. ألسنا أصدقاء يا إزابيلا ..؟ نعم .. نعم .. ولكنني أحبك ولم أكن بحاجة لأقولها لك صراحة .. أنا أحبك يا أويس .. يا إلهي ساعدني يا إلهي ساعدني .. لن أخذلك يا إييزا .. لن أخذلك وسأبقي ما حييت صديقاً مخلصاً لك وللعمة خواليتا وللصغيرة سيسيليا .. أعدك بذلك والآن هيا كفي عن هذا المزاج الغاضب .. تعلمين شيئاً يا إييزا .. لقد اكتشفت اليوم كم أنت جميلة حين تغضبين .. أرجوك امنحيني مزيداً من التململ والغضب .. كف عن هذا الهراء يا يا أويس .. لقد بعتني وخنتني وفضلت أنستاسيا عليّ .. هذه القروية الروسية الساذجة أخذتك مني وأنا بحاجة لك أكثر منها .. علي الأقل لديها أسرتها والجامعة والحزب .. أما أنا ..ماذا تبقي لي ؟ .. ماذا ؟ مات زوجي وانقطعت صلتي بوالدي ووطني .. كنت أعول عليك كثيراً وكنت واثقة بأننا سنتزوج .. لا تبكي يا إييزا ..فأنا هنا بجنبك وسأظل .. والآن هيا ابتسمي .. هيا .. هكذا أجمل .. أتمني لك السعادة معها ومن كل قلبي .. وآمل أن تقدر كم هي محظوظة حين حصلت علي جوهرة نادرة المثال اسمها أويس .. والآن أريد شيئاً من عصير التوت ..عصير التوت ؟! .. قالت في ارتباك .. لقد نفدت الكمية التي معي .. لا تشربه يا أويس .. أرجوك لا تشربه مرة أخري ولا تسألني لماذا وقبل أن أغادر دست في يدي علبة أنيقة وهي تهمس في وجهي هذه هديتي لأنستاسيا .. أهدته لي والدتي عندما نجحت في الدخول للجامعة وأنا بدوري أهديه لعروستك .. فتحت العلبة لأجد عقداً من الماس الحقيقي .. ( واو !!!) .. هذا عقد من الجواهر الحقيقية حبيبي .. من أين حصلت عليه ولماذا .. لا بد أنه غال جداً أويس . .( أناّ ) وهي تقلب العقد بين يديها .. هذا العقد هدية زفافك من إزابيلا .. عبس وجهها لبعض الوقت وأعادته لي بشيء من الغضب .. أرجوك خذيه .. لا تحرجيني مع إزابيلا .. لأجلك فقط سآخذه .. وكان واضحاً أنها مفتونة به .. وضعته حول عنقها الأنيق فبدا أكثر جمالاً وإشراقاً .. من المؤكد أنه يساوي ملايين الروبلات .
عبدالغني خلف الله
16-03-2013, 05:27 AM
الحلقة السابعة عشرة
ومضت الأيام سراعاً ونحن نركض هنا وهناك لتجهيز لوازم العرس .. نريده زفافاً متواضعاً وفي نطاق أسرتي وبعض أصدقاؤك لا أكثر ..المهم أننا سنتزوج .. وذات صباح شديد البرودة تغطيه الثلوج الكثيفة .. جلست بغرفتي وأنا أرتجف من البرد أقلب في يدي مسدس أنجلينا الذي سحبته منها خوفاً من أن تؤذي نفسها به .. سمعت طرقاً شديداً بالباب .. افتح يا أويس .. أفتح بسرعة فالبرد قارص في الخارج .. بسم الله الرحمن الرحيم من الشيطان الرجيم .. لكأنه صوت شرودر .. لقد مات وشبع موتاً .. شرودر ؟!!! .. شعرت بدوار خفيف وأن رجلاي لا تقدران علي حملي وتهاويت نحو أقرب مقعد .. أويس ما بك ؟! ما بك يا رجل ؟! .. ألم تمت يا شرودر ضمن من ماتوا في مقديشو ؟ أم أنك شبح عاد من وراء برزخ بعيد ؟! .. مقديشو .. لعلك تقصد عملية ( بادرماينهوف ) بطائرة اللوفتهانزا .. تلك قصة طويلة يا أويس وأنا متعب جداً .. لقد حالت الشرطة الكينية دون صعودي للطائرة في اللحظات الأخيرة .. سأخبرك فيما بعد .. سأخبرك .. كيف حال أنجلينا ؟ .. لم أرها قبل مدة وكانت علي وشك الانتحار بسببك .. إنها تحبك بقوة يا شرودر ويتحتم عليك عدم التفريط بها من أجل قضاياكم الواهية .. قضايانا واهية يا أويس ؟! .. بالله عليك كف عن إزعاجي بنظرياتك يا شرودر . .ماذا تعرفون عن الظلم الاجتماعي وكل احتياجاتكم متوفرة بالأسواق وحكومتكم تمنح رواتب شهرية حتى للعاطلين عن العمل .. ماذا تعرفون عن المعاناة وعن التفاوت الطبقي وأنتم تتمتعون بجميع الخدمات في بلدكم الماء والخضرة والعلاج والتعليم وحرية السفر لأي مكان والبنوك التي ما فتئت تقرض حتى غير الراغبين في الإقراض .. قروض لشراء شقق وقروض لشراء سيارة وإجازات في سواحل البحر البيض وجزر كناريا .. وتلفزة ودور سينما وانتخابات حرة ونزيهة .. في وقت نشقي فيه لمجرد الحصول علي لقمة العيش وفرصة للعمل وربما للهجرة .. كرة قدم متطورة وملابس زاهية الألوان وأجسام قوية وأناقة لا تصدق .. وبرغم كل هذا الثراء تأتي ياشرودر لتغيّر المجتمع بالقوة ..امنحونا عشر ما بأيديكم ونرضي بديكتاتور إلي الأبد .. هل انتهيت من دفاعك عن الرأسمالية يا أويس ؟! .. حسناً يؤسفني أن أقول لك بأنك إنسان بلا أفق ولا هوية وكل همك الكل والشرب كبقية الحيوانات .. طابت ليلتك .. أحلاماً سعيدة ومرحباً بك من جديدٍ في دنيا الأحياء يا شرودر.
راجعت الطبيب في الموعد الذي حدده لي ووجدت أمامه حزمة من الصور والتقارير المخبرية وقال لي أن ثمة تأثير مباشر علي الأعصاب جراء تناولك قدراً أكبر من اللازم من الكحول أو الحبوب المهدئة وربما نوع غير ضار من المخدرات .. هل تدخن الحشيش ؟ .. لا .. لا طبعاً .. أعوذ بالله .. حشيش ؟! .. تربيتي ومعتقداتي الدينية لا تسمحان لي بمثل هذا الانحراف .. لا باس إذن خذ هذه الروشتة وستجد بعض الأدوية التي ستساعدك كثيراً ولكن المهم أن تتذكر أي نوع من المشروبات أو الكحول يصيبك بالخدر .. عصير التوت الكولومبي .. إنه هو ولا ريب ..لا .. لا ..لن يكون في بال إزابيلا إدخالي إلي تلك الدائرة الجهنمية .. دائرة الإدمان علي المخدرات .
لا وقت لدينا يا أنجي .. ستذهبين معي الآن إلي غرفتي فثمة مفاجأة سارة بانتظارك .. أرجو أن تعفيني من زيارة النزل مرة أخري .. بت لا أطيقه منذ وفاة شرودر .. بل ستذهبين ولا داعي للتسليم بان شرودر قد مات .. هل رأيت جثمانه بنفسك ..؟ لا ولكن .. هنالك بصيص أمل ولو ضئيلاً باحتمال وجود شرودر عالي قيد الحياة .. قلت لها مقاطعاً .. وقريباً من باب الغرفة حاولت أن أقلل من حجم المفاجأة عليها .. كم تعطينني من المال إذا كان الشخص الذي بانتظارك في الداخل هو شرودر ؟ .. أعطيك كل ما أملك .. أعطيك نفسي لأصبح جارية لك ولأنستاسيا ..أعطيك .. كفي .. كفي والآن تفضلي بالدخول .. شرودااااار .. ومن ثمّ تهاوت نحو أرضية الغرفة .. بذلنا جهوداً مضنية لتستعيد وعيها .. جربنا الماء البارد والعطر .. وشيئاً فشيئاً بدأت تستعيد وعيها ..تساءلت في البداية بصوت واهن .. أين أنا ؟ ومن يكون هذا الشخص ؟!! ..إنه شديد الشبه بشرودر .. بل إنه شرودر .. حبيبي ..أخي .. لقد نجوت .. لقد نجوت .. وذاب كلاهما في أحضان الآخر .. أغلقت الباب خلفي فقد كان الموقف فوق طاقة احتمالي وحين عدت لهما وجدته ممسكاً بيدها وقد أراحت رأسها فوق كتفه وهي تردد كنت دائماً شديدة التشبث بفكرة وجودك علي قيد الحياة ولكنني أفقد الأمل في بعض الحيان فيجُن جنوني .
mahagoub
16-03-2013, 10:15 PM
مبروك يا عريس
حلقة مليئة بالمفاجأت
زواج وادمان وعودة الى الحياة
وتقلبات فى بحور الحب والعشق
من زهرة الى وردة
عبدالغني خلف الله
17-03-2013, 09:44 AM
وعقبال الشباب يا ريس ..مع كل الود ..لكن زولك المسجون داك وأعني ( حربي ) نطلعو من السجن ؟
عبدالغني خلف الله
17-03-2013, 09:51 AM
الحلقة الثامنة عشرة
عادت شاهندة ونعوم بعد إنهاء مراسم الزواج ب( مظفر أباد )وفق العادات والتقاليد الكشميرية .. إنها جنة الله في الأرض يا أويس .. لم أكن أتصور أن كشمير بهذا الثراء في كل شيء .. الآن عرفت لماذا تخشي الهند وباكستان توحد شطري كشمير .. لأن أي قدر من الاستقرار السياسي أو الوحدة سيطيح بكل آمال وخطط الهند وباكستان في السياحة .. فاغتنمت فرصة وجودهما معاً فدعوتهما لحضور الحفل الصغير الذي سنقيمه بفندق ( أنتشو ) بموسكو .. ستكونين وزيرة العروس يا شاهندة وستكون أنت يا نعوم وزير العريس .. هل لديكم مثل هذا التقليد في بلدكم يا أويس ؟.. شاهندة تتساءل في دهشة واستغراب .. من كانت وزيرتك يا شاهندة ؟ .. إنها صديقتي ( ماليكا ) .. وأنت يا يا نعوم .. كنت رئيساً بلا وزراء .. هكذا أحسن .. قلت له .. تنهي وتأمر كما تشاء .. وها أنت تحصل علي حقيبة في حفل عرسي .. أفعل بفخر واعتزاز .. وأنا كذلك سألتقي ( أنستاسيا ) في أقرب فرصة لأخبرها بما يتحتم عليها عمله .. هي مؤامرة إذن .. إن كيدكن عظيم ..من يتآمر علي من ؟ .. الرجال أس التآمر في هذا العالم وبفضلكم تجد الأرض كل ما تحتاجه من دماء وأشلاء .. والمحرّ ض من خلف الكواليس هو في الغالب امرأة ..أليس كذلك يا نعوم ؟ .. ها ..ما رأيك ؟ ..نظر نحوها فأومات له بالرفض .. لا يا أويس أنت تبالغ ولا ريب .. هل بدأنا الاستسلام منذ الآن .. و(ضحكنا ضحك طفلين معاً ) وافترقنا علي أمل اللقاء .
هل صحيح يا أويس ما سمعته ؟ .. روزماري تستوقفني بقامتها الفارعة وتفاصيلها المموسقة وكانت تضع فوق عينيها الساحرتين نظارة سوداء .. أنيقة ومترفة ورائعه .. أستأذنكم لبعض الوقت وسأعود إليك لاحقاً .. نعوم وهو يهم بالمغادرة .. بل ابق معنا .. وماذا سمعت يا روز ؟ .. لقد قيل لي بأنك ستتزوج من تلك الروسية الشقراء التي أجرت معنا ( الإنترفيو ) لدي وصولنا إلي هنا الصيف الماضي .. نعم يا روز ماري سأتزوجها وهذه فرصة أدعوك وصديقك لحضور حفل العرس بفندق ( أنتشو) .. صديقي ؟ من هو صديقي ؟ .. ذلك الإيرلندي الذي كان بصحبتك .. ليس صديقي إنما هو مواطن إيرلندي لا أكثر .. كان لي مشروع صديق من إفريقيا اسمه ( أويس ) ولكن يا خساره .. سرقته مني شقراء من هذا البلد .. أنا مشروع صديق لك يا روزماري ؟ .. انزعي هذه النظارة من عينيك لأقرأ مثل هذا الكلام في لألاء عينيك يا روز .. هل تتغزل في عيوني أم ماذا .. أرجوك ضعيها جانباً فأنا أحب التحليق في سماوات عينيك .. لن أنزعها .. إداً سأنزعها أنا .. وبدأ وكأننا نتعارك .. التحمنا في حميمية هائلة وبذل كلانا مجهوداً كبيراً وفي النهاية ظفرت أنا بالنظارة .. كانت منفعلة وأنفاسها تكاد تتقطع وصدرها يعلو ويهبط .. لقد سامحتك هذه المرة يا أويس .. لقد أوصلتني إلي مرحلة من الهياج جد غريبة وفكرت في لحظة ما أن استخدام مهاراتي التي تعلمتها مع ( الآي .آر .أ .) .. من تاكندو وأساليب الدفاع عن النفس .. ولو فعلت لكنت الآن في غرفة الإنعاش .. (الاي .آر . أ ) ..؟!! .. لقد قالتها دون أن تقصد وتظاهرت بأنني لم أسمعها جيداً .. هل هو معهد رياضي ؟! .. من ؟ .. هذا الذي نطقته قبل قليل .. نعم .. نعم .. إنه معهد معروف في بلفاست .. دعوتها علي كوب من الكولا فقبلت .. ( جلست أمامي كحمامة بيضاء) .. وجهت سؤالي مباشرة نحو عينيها .. لماذا تودون الانفصال عن المملكة المتحدة .. عن انجلترا بكل ما لديها من ثقل اقتصادي وسياسي ؟! .. ماذا أقول لك يا أويس .. إحساس المرء بأن حملاً ثقيلاً يجسم فوق صدرك إحساس بغيض .. لقد كانت إيرلندا وما زالت وطن المجد والشعر والفنون .. تذخر بطاقات اقتصادية هائلة وقد حباها الله بخيرات وفيرة .. فما حاجتنا للإنجليز ؟ .. ولكن بلدكم منقسمة علي نفسها وأنتم لا تعانون مثل الأكراد المتوزعين علي عدد من الدول ولا كالفلسطينيين الذين يرزحون تحت الاحتلال .. ولا حتى كالكشميريين الذين يتوقون للتوحد تحت مظلة واحدة .. فماذا ينقصكم يا روزماري .. ماذا ينقصكم ؟ .. بإمكانك التلويح بجواز سفرك البريطاني هذا فتفتح لك كل المطارات أبوابها وترحب بك .. هذا ليس مبرراً كافياً لأفقد هويتي الوطنية وأذوب في كيان الآخر .. إذن جربوا النضال عبر الوسائل السلمية بدلاً من تفجير القنابل في غرف استقبال الفنادق والقطارات فيسقط الأبرياء .. هذا ما فكرنا به بالضبط وقد أنشأنا حزباً سياسياً وليداً يحمل اسم ( الشين فين ) وإذا لم ننل استحقاقنا في حق تقرير المصير سنعود مرة أخري للكفاح المسلح وليكن ما يكن .. قلت ل(نعوم ) وكان صامتاً طوال الوقت .. وأنت يا نعوم .. كيف تقرأ الموضوع .. أنا .. أقرأ ماذا ..؟ وفهمت منه أنه لا يود التحدث أمام روزماري .. إلي اللقاء أويس .. إلي اللقاء مستر نعوم .. روز ماري وهي تتراجع خطوتين للوراء وتزيح خصلاتها عن عينيها وتحرك شعرها يمنةً ويسرةً وهي تغادر وقد منحتنا التفاتة رهيبة أفقدتني صوابي .. هل تعجبك هذه الأيرلندية المأفونة يا أويس ؟ . .نعوم وقد تصفح تعابير وجهي وهي تودعنا وتنصرف .. يمكنك أن تقول بأنني متيم بها .. ويمكنك أن تقول بأني إنسان ضيع بوصلة مشاعره في هذا البلد العجيب .. ومع وجود أنستاسيا بكل ألقها وروعتها وأحلامنا الخضراء في عشٍ هادئٍ يجمعنا معاً إلا أنني لا أملك القدرة الكافية للصمود في وجه الجميلات بجامعة الصداقة .. ولكن قل لي بربك يا نعوم هل أنت مع رأيها في أسلوب إدارة النضال في إيرلندا الشمالية .. بالطبع أنا معها وإلا كيف سنحرر نحن إقليم (الباسك) .. ؟ .. تحررونه بقتل وجرح المئات من الجنود والأطباء والمعلمين ورجال الإعلام ..؟ .. ليس أمامنا من خيار آخر .. هؤلاء القوميون المتعصبون في اسبانيا لن يدعوننا وشأننا ولا يجدي معهم الحوار ..هل سبق لك يا نعوم أن قتلت اسبانياً ولو عن طريق الخطأ ؟ .. أنا ؟ أقتل ؟ قال ذلك باضطراب واضح .. فلماذا ذهبت إلي جنوب لبنان إذن ؟ هل ذهبت إلي هنالك من أجل السياحة والتمتع بمناظر الطبيعة الخلابة ؟ .. لا .. لا ..الأمر ليس بهذه البساطة .. لقد ذهبت للتدرب علي استعمال السلاح وصنع المتفجرات .. ويجب أن أعترف لك يا أيها الصديق العزيز أويس .. بأنني قتلت جندياً اسبانياً واحداً فقط طوال انخراطي بمنظمة ( إيتا ) .. وكيف كان شعورك وأنت تقتل شخصاً لا تعرفه وليس بينكما خصومة شخصية ؟ .. إيييه يا أويس لماذا تضعني علي كرسي الاعتراف وكأنك قاض ..؟ لا بل كصديق .. قل ولا تخف من شيء .. كان ذلك في وقت عصيب مرت به ( إيتا ) كنا بحاجة إلي المال والسلاح وإلي إحداث فرقعة إعلامية تلفت الانتباه إلي قضيتنا العادلة .. قمنا في فجر ذاك اليوم بالهجوم علي نقطة تفتيش للجيش في مشارف ( سرقسطة ) .. كان عددهم حوالي العشرة وكنا نحن حوالي الثلاثين مقاتلاً مزودين بالبنادق الأوتوماتيكية والقنابل اليدوية .. اذكر أنني أصبت أحدهم إصابة مباشرة في القلب .. كان شاباً نحيلاً في مقتبل العمر .. تهاوي نحو الأرض علي وجهه .. انسحبت المجموعة بعد أن تكبدت ستة قتلي وفقدنا نحن اثنين من رفاقنا .. توجهت نحوه وهو يسبح في بركة من الدماء أخذت سلاحه ومحفظته وانسحبنا عائدين لمعسكرنا بعد أن تركنا خلفنا بياناً بتحمل المسئولية عن العملية .. وهنالك نقبت في محفظته وقد احتوت علي مبلغ ضئيل من المال وصورة فوتوغرافية له مع أسرته .. والده ووالدته وحفنة من الأطفال وهو يتوسطهم بزيه العسكري ولكن ما آلمني أكثر عثوري علي صورة أخري بحجم (البوستال) لفتاة رائعة الجمال وقد كتبت خلفها عبارة ( إلي سابا .. مع كل الحب .. عد لي سالماً كما وعدتني ) والتوقيع ..حبيبتك إلي الأبد ( كلارا ).
mahagoub
17-03-2013, 08:31 PM
الحروب دمار
للمنتصر والمهزوم
وسلب لمكتسبات الشعوب
وخراب لميزانيتها
لكن ما قلب صاحبك لكوندا
Isam Hussien H
17-03-2013, 09:31 PM
أنني أسبح في فضاءات من المعرفة والبعد الحقيقي لحركة مجتمعات من نواحي متعددة سياسية نضالية إجتماعية .. أنت أستاذ دون شك تجيد فن الرواية بإتقان .. لا تقل عن عظماء في هذا المحفل الإبداعي ..
سنقرأ كل ما تكتب لأنك تستحق أن تُتابع أقلامك أينما نُشرت .
عبدالغني خلف الله
18-03-2013, 07:49 AM
أحبتي محجوب وعصام ..مساء الصحة والعافية لكما وسعيد بمتبعتكم لهذ النص الروائي ..وكا قلت يا أستاذ محجوب الحرب دمار وقد فطن الأوربيون لأضرارها بعد أن فقدوا حوالي خمسون مليون ما بين قتيل وجريح وليتنا نتعلم من هذا الدرس ويا عزيزي عصام يكفيني أن أكون معكم وبكم في كتابة الرواية مع كل الود .
عبدالغني خلف الله
18-03-2013, 07:55 AM
الحلقة الثامنة عشرة
عدت إلي النزل وأنا مثقل بقصة ذلك الجندي الإسباني الذي قتله نعوم وحمداً لله أن( شاهندة) لم تكن موجودة معنا لتسمع بأن زوجها قد جرب القتل من قبل ولا بد أن الشخص الذي قتل شقيقها في (سرنغار) يعاني هو الآخر .. أدخلت المفتاح في القفل ولكنه لا يفتح .. حاولت أكثر من مرة دون جدوي .. لا بد أن لصاً بالداخل .. هرعت إلي كريموف لأستنجد به وحين عدنا سمعنا همهمة بالداخل .. رجعنا خطوات إلي الوراء ومعاً حطمنا الباب لنفاجأ ب(شرودر وأنجلينا) وقد جلسا خائفين علي السرير وهما يتصببان عرقاً وثمة حبلان معقودان ومربوطان بسقف الغرفة .. وكان واضحاً بأنهما كانا علي وشك الانتحار .. نشط كريموف في إزالة الحبال وانخرطت أنجلينا في بكاء مر .. لماذا عدت يا أويس .. بربك لم عدت ؟ .. لقد كنا علي وشك اللحاق بأحبائنا لولا تدخلك الغبي .. ماذا لو تأخرت خمس دقائق فقط .. عملت علي تهدئتها وجلس شرودر صامتاً لا يحرك ساكناً .. ما الحكاية يا (شرودر) ولماذا تنتحران ؟ لم أكن أحسبكما جبانين بهذه الدرجة .. لقد انتحرت (أورليكا ماينهوف وبادر) داخل السجن ب ( شتوتقارد ) بعد فشل عملية مقديشو .. لقد ماتت (أورليكا الأنيقة المترفة والجميلة ) يا أويس .. ماتت .. هل تفهم ما يعنيه لنا موتها ؟ .. حتماً لن تفهم .. وكيف ستفهم .. لقد انتهينا يا أويس .. إنتهينا .. (أنجلينا) وهي تبكي بحرقة شديدة .. علي رسلكما يا أخوتي .. ما هذا التفكير الساذج والغبي .. سوف تدخلان النار يوم الحساب لو أنكما أقدمتما علي الانتحار .. اسمع يا (كريموف) .. انتظرني هنا ريثما اتصل بِ( أنّا ) وإياك أن تتفوه ولو بكلمة واحدة بما شاهدته الساعة ..هل فهمتني .. نعم سيدي لن أتفوه بكلمة واحدة .. ولم تتأخر علينا( أنستاسيا) كثيراً .. ما بكما ماذا حدث ؟ .. اسألي (شرودر وأنجلينا) .. كانا علي وشك الانتحار .. معقول هذا الذي يحدث أمامي ؟ وهذه الحبال .. هذا شيء مخيف .. أمرت (كريموف) بالانصراف وأمضينا الليل بطوله ونحن نعمل علي تهدئتهما وتبصيرهما بالجريمة المرّوعة التي كانا علي وشك ارتكابها بحق نفسيهما .. وشيئاً فشيئاً هدأت خواطرهما ودخلنا في نقاش جاد معهما ليسلما حيث أفصحت لهما (أنستاسيا) باعتناقها الإسلام .. وشرحنا لهما كيف أن حياتهما ستتغير وأنهما سيشعران براحة نفسية عميقة فيما لو اسلما .. وأخيراً وافق (شرودر) وطلبت ( أنجلينا) مزيداً من الوقت لتفكر بالأمر.
كان حفلاً لا يصدق.. تداعي له حشد كبير من الساسة ورجال الإعلام .. وزراء ورجال أعمال ومدير جامعة الصداقة وشخصيات متنفذة في الحزب نسمع بها فقط من خلال الراديو والتلفاز .. وأمام الفندق الفخم .. أخذتها والدتها بالأحضان وكذلك فعل والدها وصافحت الجميع فرداً .. فرداً وهم يغادرون وعندما جاء الدور علي والديها ليغادرا استوقفتهما لحظة لتقول ( اسمعي يا أمي الحنونة.. اسمع يا والدي الطيب ً.. أستطيع أن أضمن لكم سعادة هذا الفتي ما حييت .. أشهد الله وأشهدكما علي ذلك ..) .. نحن واثقون من ذلك يا ( أنّا ) وليباركك الرب .. والدتها وقد اختلطت في دواخلها مشاعر الفرح والحزن لتزويج ابنتها وفراقها في نفس الوقت .. لن يطول غيابي (ماما )وسأزوركما كلما سمحت الظروف بذلك .. إلي اللقاء .. إلي اللقاء .
وهكذا انتهي الحفل الذي حضره كل أصدقائي من طلبة الجامعة وقد ارتدي البعض أزياءهم القومية المميّزة وكان حاضراً أيضاً بعض موظفي السفارة السودانية بموسكو مع أسرهم وقد قرأت (أنستاسيا) وجوههم جيداً ولسان حالها يقول( يا إلهي!! هل تملك المرأة السودانية كل هذه الرقة والأنوثة والجمال وقد تخيلناها مغطاة بالغبار والأتربة في سعيها اليومي بين الغابة والمنزل تجمع الحطب وتقطف الثمار .. لا يا حبيبة أيامي .. هي أجمل مما تتصورين .. ولو كان قدري أن أرتاح في مراسيك لبعض الوقت وأمضي في حال سبيلي .. تأكدي بأنني سأجد حتما من يلملم أوجاعي وأحزاني لفقدك إن هو حصل ولا أدري لماذا أشعر في هذه اللحظات الحاسمة من حياتي بأنك أكبر من طموحاتي .. كل هذه الأناقة والجاذبية والروعة ملكي أنا وحدي .. أتمني ألاّ أكون في حلم .. وأن كل ما يحدث أمامي هو الحقيقة بعينها وأنك زوجتي علي سنة الله ورسوله .
لم استطع إخفاء أمر زواجي من أنستاسيا عن والدي وهو بدون شك سيتفهم دوافعي .. وهذا ما حدث بالضبط .. ولم أكن لأتوقع من أب تخرج من كلية الآداب جامعة الخرطوم وأمضي زمناً طويلاً يتلقي الدورات التدريبية بكل من لندن ولاهاي .. لم أتوقع سوي كلمات التشجيع والرضاء التي غمرني بها واتفقنا علي أن يظل الأمر سراً بيني وبينه فلا نطلع أمي التي تسوء صحتها باطراد وقد يزيد سماعها نبأ زواجي بأجنبية من تفاقم وضعها الصحي .. وهل هي مسلمة يا بني ؟! نعم يا أبي هي مسلمة ومن أصول شيشانية .. الحمد لله علي ذلك لقد أرحتني أراحك الله .. وكانت ( أنّا) بجانبي وأنا أهاتفه .. سلم عليها وتبادل معها عبارات التهاني والأماني بانجليزية باهرة .. الشيء الذي أسعدها أيما سعادة .. ولدي مغادرتنا الفندق بعد أسبوع واحد تصورت بأننا سنواصل تمضية شهر العسل في مكان آخر ..بيد أن أنسستاسيا أقنعتني بالعودة للجامعة وأن ثمّة مهام كثيرة بانتظارها في الحزب .. عدت وكان أول من التقاني من الزملاء الألماني شرودر .. قلت له حالك لا تعجبني يا شرودر .. لماذا أنت شاحب ومحبط هكذا ..؟ ..نعم أنا كذلك يا أويس .. فقد رحلت أنجلينا .. رحلت ؟!! .. إلي أين رحلت ؟ .. إلي فلسطين .. أنت تحيرني يا شرودر .. ما علاقة أنجلينا بفلسطين ؟ .. ومن ثم قص عليّ كيف أن أحد القادمين من الأراضي المحتلة ومن نابلس بالضفة الغربية بالتحديد قد سلمها رسالة من بسام يقول فيها بأنه أصيب بطلق ناري .. بينما كان يتظاهر بالقرب من طولكرم ومعه لفيف من الأجانب والإسرائيليين من أنصار حركة ( السلام الآن ) .. كانوا يطالبون بفك الحصار عن المدينة الفلسطينية المحاصرة في تظاهرة سلمية لا أكثر ولكن الجنود الإسرائيليون أمطروهم بوابل من الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع وعندما تشبثوا بمواقعهم رشقوهم بزخات من الذخيرة الحية فأصيب بسام إصابة بالغة يرقد بسببها بمستشفي نابلس .. وما أن قرأت أنجلينا الرسالة حتى توجهت بصورة دراماتيكية نحو مكاتب الخطوط الجوية الأردنية وطارت علي الرحلة المتوجهة إلي عمّان في مساء نفس اليوم .. لقد هجرتني بكل بساطة يا أويس بعد كل ما فعلته من أجلها .. ليس لي سواها وليس لها سواي بعد أن انقطعت صلاتنا بأسرتينا منذ سنوات ولا تنس أنها ابنة عمتي .. أنا تعيس جداً ومحبط يا أويس .. أنصحني يا صديقي كيف أتصرف حيال هذا الموقف الصعب .. الذنب ذنبك يا شرودر فأنت لم تقدر أنجلينا حق قدرها .. انشغلت عنها باهتماماتك السياسية الهدامة .. ولم تدرك كم تحبك ولعلك لم تقل في يوم من الأيام بأنك تحبها .. لقد كادت أن تنتحر بسببك عندما علمت بنبأ فشل عملية مقديشو لولا لطف الله .. أجل .. أجل .. أعلم كم أنا مقّصر تجاهها .. لقد كنت غبياً عندما تأكدت بأنها لي وليس لأحد سواي .. كم أنا ساذج وغبي .. لقد خسرتها لصالح هذا الفلسطيني الطائش بسام ..لا..لا تظلم بسام يا شرودر .. لقد استنجد بها وهو بين الحياة والموت .. ولا بد أنه قد صرح بحبه لها وهو يغادر .. كان عليك أن تكون إيجابياًً في مشاعرك نحوها .. ماذا كان عليّ أن أفعل أيها الحكيم الإفريقي ..؟ أنتم تروضون الأسود والنمور وجميع حيوانات الغابة فمن الطبيعي أن تكون لكم وسائلكم في ترويض المرأة .. لا ليس هذا بالضبط ما قصدته .. الأمر يا صديقي لا يحتاج إلي كثير عناء .. كان عليك إرسال بعض الإشارات في حضورها كأن تعلق علي قوامها المموسق وكتفها العاجي وطلتها الآسرة وابتسامتها المشرقة وضحكتها المختزلة مع شيء من الدهشة وأن تضع يديك فوق كتفها وأنتما تتجولان في الحدائق العامة وأن تبحر في عينيها الزرقاويين كسماء بلادي في صباحات ربيعيه .. أنت تتغزل في ابنة عمتي يا أويس .. لا بل أصفها لك لعلك تراها كما أراها وكما يراها كل الطلاب بجامعة الصداقة .. أنت محق يا أويس فأنا مقصّر تجاهها .. والآن دلني بربك ماذا أفعل ..؟ أفكر باللحاق بها ..لا ..لا .. أرجوك لا تفعل .. ستبدو رخيصاً وساذجاً ومغفلاً إن أنت ركضت خلفها .. إنها المرأة يا شرودر .. المرأة في كل زمان ومكان .. تنظر إليك من علي البعد وتتمناك ملاكا ومخلصّاً من الضياع والألم وما أن تظفر بك وتنتهي تلك الهالة من الغموض والقداسة حتى تقلب لك ظهر المِجن وتركلك جانباً.. أنت محق فعلاً ولكن هذا ما لا أراه في العلاقة بينك وبين أنستاسيا .. أنستاسيا ؟!!! ..( أنّا ) شيء آخر .. شيء مختلف جداً .
mahagoub
19-03-2013, 09:27 PM
حب وعشق
وتضحيات وانتحار
عبدالغني خلف الله
24-03-2013, 05:48 AM
نعم هي كذلك عزيزي محجوب ..شكراً لأنك هنا ومعذرة للغياب غير المقصود فقد كنت في زيارة قصيرة للأهل بالجزيرة بدون لابتوب وها قد عدنا والحمد لله ..هذا مع تحياتي للجميع .
عبدالغني خلف الله
24-03-2013, 05:51 AM
الحلقة التاسعة عشرة
وأخيراً عادت أنجلينا من فلسطين .. كانت تبدو متعبة وحزينة مع شيء من اليقين والرضاء يلون قسماتها الجميلة .. تمنيت لو أمضي بقية عمري هنالك مع أسرة بسام .. الناس هنالك رائعون وطيبون ووالد ووالدة بسام مع أشقائه وشقيقاته يكونون أسرة مثالية .. ها .. أنجلينا ماذا فعلت في فلسطين ..؟ شرودر يسأل وهو غير قادر علي إخفاء مشاعره فرحاً بعودة أنجلينا ..؟ وكيف حال بسام ؟ هل تركته بخير وكنت أنا من يسأل هذه المرة .. أرجوكما اتركاني وشأني ..أنا متعبة جداً .. أستأذن أنا فلدي بعض المشاوير المهمة ..أراك لاحقاً .. عزيزتي ..أنجي ..إلي اللقاء ..والآن يا أنجلينا قولي لي ماذا يحدث هنالك في نابلس ؟ ..لقد مات بسام يا أويس .. مات بسام .. لحظة من الصمت المطبق جثمت كصخرة عملاقة فوق صدرينا .. عبرت سحابة سوداء فضاءات الغرفة وشعرت للحظات بأنني أتهدم وأتمزق إلي أجزاء متباعده .. تمالكت نفسي وقلت لها في رفق وأنا آخذ كفها في كفي .. هذه إرادة الله ولا راد لقضائه .. اطلبي له الرحمة .. وسالت الدموع غزيرة فوق وجنتيها الشاحبتين .. ولكن كم هذا مجحف وغير عادل .. غمغمت بين الآهات والتنهدات .. لعلك وصلت بعد فوات الأوان .. لا لم أصل بعد فوات الأوان وجدته وهو يصارع الألم والجراح بمعنويات عالية وكان في شبه إغفاءة حين دخلت عليه بغرفته في مستشفي نابلس .. وما كان منه إلا أن همهم باسمي لحظة وقوفي قرب سريره .. قبلتّه فوق جبينه وأنا أحاول التماسك .. أنا هنا يا حبيبي .. بسام هل تسمعني ؟ .. فما كان منه إلا أن أفاق .. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يفيق فيها منذ دخوله المستشفي .. لقد وصلتك رسالتي إذن .. قالها بصعوبة شديدة .. أنا شاكر وممتن لحضورك يا أنجي .. أنا أحبك جداً .. أرجوك لا تقل شيئاً فالكلام يضر بصحتك .. أنا أيضاً أحبك وعليك أن تتشبث بالأمل في الشفاء وسنبقي بقية العمر معاً .. أقسم لك بأنني جادة فيما أقول يا بسام .. أضاء وجهه الوسيم للحظات وارتسمت ابتسامة عريضة فوق شفتيه وبدا وكأنه ينام نوماً عميقاً والابتسامة لا تفارق شفتيه .. بيد أنه استيقظ للحظات وقال لي في توسل وخضوع .. لي طلب أخير أرجو أن توافقي عليه يا حياتي .. وما هو يا بسام قله وأنا أستجيب له علي الفور .. أريدك أن تدخلي الإسلام .. أعني أن تعتنقي ديننا .. وكيف أعتنق الإسلام يا بسام ؟!! .. أخبرني ماذا يتحتم عليّ فعله ..؟ أن تقولي فقط وأنت مطمئنة ..أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .. بل أفعل يا حياتي وعلي أحدهم أن يعيد عليّ هذه الجملة .. هنا تدخل والده ولقنني الشهادة .. بيد أنه عاد لغيبوبته وهو أكثر إشراقاً وجمالاً و لم يفق أبداً .. لقد مات وهو راضٍ عني تماماً وهذا ما يخفف عليّ فقده يا أويس .. بذل الأطباء جهوداً مضنية لاستعادته من تلك الإغفاءة العميقة بالرغم من ضآلة الإمكانيات المتوفرة للمستشفي بعد أن رفض الإسرائيليون طلباً تقدمت به عبر قنصليتنا لنقله إلي عمان .. أو حتى رام الله .. لقد أسلمت إذن يا أنجلينا ..مبارك لك الإسلام وهذا الخبر سيسعد شرودر كثيراً .. لعلك تذكرين موافقته علي اعتناق الإسلام ليلة محاولتكما الانتحار معاً وهذا ما تم فعلاً .. يا إلهي .. كم هي غريبة هذه الدنيا .. هل أفرح بهديتك أم أبكي لفقد بسام ..أحياناً تختلط مشاعر الحزن والأسي ولا ينفصلان .. نعم يا أويس .. أنت محق في هذا ..كنت أنوي البقاء قليلاً مع أسرته ولكن السلطات الإسرائيلية أبعدتني قسراً إلي الأردن وهنالك اعتصمت ثلاثة أيام بلياليها أمام سفارة إسرائيل وقد رفعت لافتة كتبت عليها ..( أطالب بمثول الجندي الذي قتل حبيبي بسام في طولكرم أمام العدالة ) .. وكان الجمهور الأردني كريما معي وتضامن معي العشرات من النساء والرجال وغمروني بالهدايا .
أسمع يا أويس نسيت أن أخبرك بأنني حامل ..هكذا وبدون مقدمات وبهذه البساطة يا ربيع أيامي .. أخذت عنها حزمة من اللفافات كانت تحملها وقد اقتربنا من شراء كل ما نحتاجه .. أخذت عنها حتى حقيبة يدها خوفاً عليها وعلي أبني .. وتجادلنا لدرجة الصراخ في وجه بعضنا .. أريده ولداً وأنا أريدها بنتاً يا أويس ..لا ..لا .. دعك من البنات الأولاد أفضل وأفيد .. هذا غير معقول يا حبيبي كيف تفكر بهذه الطريقة الغريبة هل نسيت بأنني أنثي .. غاليتي لم أنس .. ولكن الولد يحميك حين يكبر فيما لو حدث لي مكروه فأموت وأنا مطمئن .. تموت .. أعوذ بالله من هذه الفكرة المخيفة .. دعنا نتوسل إلي الله سبحانه وتعالي أن يرزقنا بالذرية الصالحة ولداً كان أو بنتاً لا فرق .. وهكذا تغير كل شيء في حياتنا منذ تلك اللحظة وبت أخاف علي أنستاسيا وعلي ابننا ( ألا زلت تصر علي خياراتك ؟ ..نعم بشرط أن لا تعلم هي بذلك ..) قلت لضميري وأنا أحمل عنها الأطباق إلي المائدة .. ألا تلاحظ بأنك تبالغ في حرصك عليّ أيها العزيز أويس ؟ .. ليس لي أغلي منك ومن .. ومن .. ومنك .. أعلم كم تتوق لرؤية صبي وليس صبية وأتمني أن يوفقني الله لأنجبه لك سالماً ..أتمني ذلك من كل قلبي علي أن أترك لك فرصة اختيار جنيننا القادم .. الخيرة لله وحده .. اتفقنا ؟ .. اتفقنا .
عبدالغني خلف الله
25-03-2013, 09:16 PM
الحلقة العشرون
ومضت أيامنا هانئة لا يعكر صفوها شيء ومع الاستقرار النفسي الذي حظيت به مع أنستاسيا والأجواء المريحة التي نسجتها من حولي .. اجتهدت في التحصيل ولم أعد أفوت محاضرة واحدة وبالمقابل نجحت في الامتحان النهائي بتقدير جيد جداً .. وكانت ( أنّا) تحوم حولي كفراشة ملوّنة تسألني إن كنت احتاج إلي شيء .. تصنع لي الفطائر والشاي والقهوة .. وعندما يجن الليل تتحول أنستاسيا إلي وردة تنشر عبيرها الفواح .. أريجها المعطّر.. نداوتها المستحيلة ولمساتها الحانية .. وردة هي في الهزيع الأخير من الليل في رقتها ونعومتها وشذاها .. وردة للوفاء .. وردة للجمال .. ولكل ما هو نادر وغريب .. وأقول لها في رعب حقيقي .. أخاف تحولك المستمر هذا إلي وردة يا ( أنّا ) إذ أن عمر الورود قصير جداً يا حياتي فهو أنيق وموحٍ .. أليس كذلك ..؟! لهذا أريدك نخلة في الصباح ضاربة في باطن الأرض تهزئين بالريح والمطر .. أنت مخطئ يا حبيبي .. أفّضل أن أمنحك عبيري ورحيقي وأنا وردة حتى وإن قصرت أوقاتنا علي أن أتمدد فوقك أجيالاً من الثمار والظلال .. ألهذا غادرت محطة حياتي بهذه السرعة ؟! .. الوطن أولاً يا أويس .. وطني الشيشان يحتاجني وقد دقت ساعة المواجهة .. هكذا كانت فحوي الرسالة التي تركتها لي علي سريري في ذاك الصباح الماطر ورحلت بعيدا كالغيوم المسافرة .. ومضت تقول .. أعدك بأن أحافظ علي ابننا مهما كلفني ذلك من عناء وسيكون بمثابة أمانة عندي وأقسم بان أعيده لك في أقرب فرصة ممكنة إن حفظني الله من كل مكروه أما إذا استشهدت فحاول أن تتذكرني في الهزيع الأخير من الليل ونيلكم العظيم يوشح صباحاتكم بالندي والنسيم العليل .. أرجوك تصرف بحياتك كما تشاء تزوج وأنجب أطفالاً رائعين مثلك وحاول أن تشرح الأمر لوالدتي ووالدي وأن يبقي رحيلي سراً بيني وبينك لدواعٍ أمنية بحتة ..أخاف عليكم من ( الكي . جي .بي . ) وعقابهم المّر ..الشقة مؤجرة حتى بقية العام .. وفي خزانة الملابس مظروفان بهما بعض النقود .. واحد باسمك والآخر لعائلتي .. أحبك من كل قلبي وسأظل أحبك ما حييت.
الوطن أولاً .. وأنا يا حياة عمري .. أين هو موقعي من أولوياتك .. وقرعت الباب وأنا أترنح من ثقل اللحظات القادمة .. ماذا أقول لهما وماذا يمكن أن يقال .. فتحت الباب شقيقتها ( باتريشا ) وقد تهلل وجهها لرؤيتي ..هل أنت لوحدك ..وأين ( أنّا ) ؟!! ..مرحبا .. لعلها قرأت كل صنوف التعاسة التي أنتجتها البشرية منذ سيدنا آدم في قسمات وجهي ..أمي ..أمي ..إنه أويس ..مرحبا بني العزيز أويس .. جلست قبالة والدها وكان يقلب صفحات موسوعة (قينيس) للأرقام القياسية .. ألا يوجد تصنيف عالمي للضياع والحزن والفراغ ..أظنني سأحطم جميع الأرقام القياسية المسجلة للحزاني والضائعين .. ناولت والدتها المظروف فاعتدل والدها في جلسته .. أهذا المال من صغيرتي (أنستاسيا ؟ !!!) .. نعم إنه منها .. لم يعلق بشيء .. فقط تراجع في ال(صوفيا) العملاقة إلي الخلف ودفن وجهه من جديد في موسوعته وكأنه يود الاختباء خلفها حتى لا يفضح انفعالاته تلك .. أما أمها فقد إستاذنتني في صوت متهدج .. أشعر بصداع رهيب وأود أن أبقي لمفردي لبعض الوقت .. ومن ثمّ ركضت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها.. هل كانا يتوقعان ذاك الرحيل المفاجئ ..أم ماذا ؟ ..ولكن أين هي ( أنّا ) ..الصغيرة ( باتريشيا ) وهي تحاصرني بالأسئلة وهي تزفني حتي البوابة الخارجية .. بالإذن عزيزتي .. قلت لها ذلك وأنا أجرجر أرجلي وأفسح المجال للنسمات العابرات لتصفعني بلا هوادة حتى وصولي إلي محطة الحافلات .. وقررت أن أتوجه مباشرة لدي وصولي إلي موسكو ل(إزابيلآ) لعلني أجد بعض العزاء في رفقتها .
Isam Hussien H
08-04-2013, 07:27 AM
لن نرتضيها خاتمة لشوقنا لسردك ..
عبدالغني خلف الله
12-04-2013, 06:47 AM
الحلقة الحادية والعشرون للرائع المترف عصام وبقية الرائعين والرائعات بالمنتدي :
أويس ؟!! .. منذ متي وأنت هنا ؟! .. وكان برفقتها شاب روسي الملامح ..لا ..لا .. أشكرك( إزابيلا ).. تبدوان وكأنكما علي وشك الخروج .. نعم .. نعم .. نحن في طريقنا لحضور اجتماع هام جداً .. أليس كذلك يا (إيزو ؟) .. بالطبع (فكتور) .. أقدم لك أويس ..إنه يدرس الطب في( الأونفيرستيت دورشبي) .. هذا هو فكتور شريكي في إدارة أعمال الشركة التي قمت بتأسيسها مؤخراً .. سعدت بمعرفتك سيد فكتور .. لا رد وإنما حمم من الكراهية الممزوجة بشيء من الغرور والتعالي ..وكانت الحقيبة السوداء التي أذكرها جيداً تقبع تحت قدميه ..أراك لاحقاً .. (داسيفيدينا ) .. كنت بصدد أن أقول لك (إزابيلا) .. بأن (أنستاسيا) قد رحلت .. لقد .. لقد انفصلنا .. أحقاً ؟ قالتها بشيء من الدهشة والاستغراب .. هذا شيء مؤسف .. سنتحدث حول هذا الأمر في فرصة قادمة ..أجل (إزابيلا ).. سنفعل .. وأغلق فكتور الباب في وجهي بقسوة غير معهودة .. فتي مربوع القامة أقرب إلي حارسها الشخصي من أن يكون عشيقها .. ومن أدراك بذلك ..؟ إحساسي يقول لي ذلك .. ورجعت وحدي محزون الخطي وبلا رفيق .. سوي الأمطار الغزيرة تجلدني بغزارة .. ولم أجد وجهة اتجه إليها فقررت التوجه نحو غرفتي القديمة ألتمس بعض العزاء هنالك لعلي أصادف (نعوم وشاهندة) وربما (روزماري أو أنجلينا ) ..أو حتى (كريموف) .. حزنت (شاهندة ) كثيراً لأجلي ولكنها تفهمت دوافع ( أنستاسيا) وأكبرتها .. ووعدتني بأن يكون الأمر سراً بيننا نحن الإثنين فقط ورجوتها أن تقنع زوجها بالانتقال إلي منزلي ليعيشا معي .. فقد بت أخشي العودة إلي هناك حيث خيالات حبيبتي ( أنّا ) تدوزن ردهات المكان .. فوافقت علي الفور سيسر نعوم لذلك كثيراً .. فهو لا يطيق الفوضى والإزعاج الذي يتفجر كل مساء بالنزل ..لم يكن (كريموف) موجوداً وقتها بيد أنه ظهر فجأة وهو يحمل خطاباً أو شيئاً من هذا القبيل .. سيدي أويس .. سيدي أويس .. لقد كنت بصدد التوجه إلي منزلك .. أحضر ساعي البريد هذا التلغراف ويقول السيد نعوم بأنه ينطوي علي أنباء مزعجة لك .. لأنه يتعلق بالسيدة والدتكم في الوطن .. أرجوك أقرأه .. علي رسلك .. علي رسلك .. أخذت منه البرقية بيدين راجفتين وجلتين .. صفعتني أحرفها القاسية لدرجة كدت أسقط معها مغشياً عليّ .. بيد أن كريموف تلقفني قبل أن أسقط وأجلسني علي أقرب كرسي .. إذن ماتت والدتي الرائعة الحاجة رقية النعمان .. ماتت وأنا بعيد عن الأهل والوطن .. هرع كريموف لإحضار كوب من الماء فقد جف حلقي وخارت قواي وبت لا أقوي علي البكاء أو حتى مجرد الكلام .. لم أنم ليلتها .. فقد عشت شريط حياتي بكامله مع أمي مذ كنت تلميذا بالخلوة والمدرسة الابتدائية وتعلمت كم هو قاسٍ ومؤلمٍ فقدان الأم .. وتذكرت المرات العديدة التي ذهبت فيها وحدي أو مع آخرين لتقديم واجب العزاء للأصدقاء والزملاء في البلد في فقد أمهاتهم .. كان الواحد منهم يبدو متماسكاً ويندفع نحوك يرفع ( الفاتحة ) ويأمر الصبية بتقديم الماء والشاي ويجلس بقربك يسألك عن الأحوال الخاصة منها والعامة .. وحين يُجن الليل ويأوي إلي فراشه يكتشف كم هو باهظ ومكلف وفظيع فقدان الأم ويود لو يرفع عقيرته بالبكاء في قلب الظلمة ويقول للجميع أنا مكلوم وضائع وحزين وأريد أمي بأي ثمن .. أريد ابتساماتها ودعواتها وحضنها الدافئ الحنون .. ولكن هيهات يا صديقي هيهات .ثلاثة أشهر وأنا أتجرع الحيرة والألم ولولا أن تسلم شهادة التخرج يتطلب الصبر والانتظار لغادرت موسكو علي متن أول طائرة متوجهة للخرطوم .. لأن شهادات التخرج تسلم في توقيت معين يصادف ذكري أعياد الثورة البلشفية وفي إطار حفل قومي كبير يؤمه كبار رجالات الدولة .. بيد أن وجود شاهندة ونعوم إلي جانبي خفف علي وطأة الانتظار .. وصرت أكثر قرباً من ( إدوين ) الإيرلندي صاحب المواهب الفريدة .. كنت قد اعتقدت بأنه صديق ل( روزماري ) بما أنهما حضرا من بلفاست معاً .. لأكتشف أن الرابطة النضالية وحدها هي الرابط بينهما .. كان شخصاً غريب الأطوار .. يحرك يديه وأرجله فيما يشبه الرقص بمرونة فائقة فيقدم لنا لوحات من التشكيل الجسماني الخارق .. أيضاً يفهم ( إدوين ) في اليوغا والكنفوشية والبوذية وكل الأديان السماوية .. معه لا تمل الحديث .. وصارت صداقتنا تنمو بصورة مطردة .. علمني الرقص والسباحة وقيادة الموترسايكل وتدخين الحشيش .. وبتنا نغشي الأندية الليلية نتصيد الفتيات الجميلات .. الحياة الصاخبة بإيقاعها السريع هي العلاج الذي سيخرجني من تجهمي وأحزاني لا سيما بعد أن أدارت لي إيزابلا ظهرها وفضلت عليّ ذلك الشاب الروسي المدعو (فكتور).. هذا ما توصلت إليه بعد طول عناءٍ وتفكير .. إييه يا إزابيلا .. لقد خدعتني بمعسول الكلام وسحر اللمسات الحانية ثم تركتني للوحدة والمجهول ..وها أنا وهذا الإيرلندي (الحاوي ) .. ها نحن نعود آخر كل أمسية عند الفجر مخمورين تصفعنا صباحات موسكو الممطرة .
mahagoub
13-04-2013, 04:38 AM
الا رحم الله الوالده
لكن قد عشت حياة بالطول والعرض
حتى فى لحظات الحزن
حياة يتوقع فيها الغدر
وهل من عوده هل ؟؟!!
عبدالغني خلف الله
14-04-2013, 09:13 PM
عزيزي محجوب - صباح الخير -أحاول منذ يومين ألتواصل معكم وبعد كلمات الترحيب المعتادة أجد نفسي خارج التسجيل ولا أستطيع الدخول للمشاركة ، وبعد الاستعانة برفيق الصبا والشباب الأستاذ كمال فقير صالح - تمكنت من جهازه من الدخول - يبدو أن الخلل ربما كان من الجهاز الخاص بي - سأحاول مرة أخرى وإذا لم أنجح سأنقل مكتبتي إلى هنا مع كل الود
عبدالغني خلف الله
15-04-2013, 08:13 PM
الحلقة الثانية والعشرونلم تكن شاهندة مرتاحة لهذا الانحراف المفاجئ في سلوكياتي فصارت تزعجني بسيل من النصائح كلما تقابلنا في غرفة الطعام .. وفي ذات مرة هددتني بترك المنزل إن لم أقطع صلتي بهذا الأيرلندي الماكر علي حد قولها .. إنه يستغلك يا أويس .. اشتريت له موترسايكل وتدفع عنه تكاليف أمسياتكم الماجنة تلك .. وكيف علمت بهذا يا شاهندة ؟ .. لا شيء يخفي بهذه المدينة يا دكتور .. نعوم وهو يشارك في إسداء النصح .. وخوفاً من فقدهما قررت السفر مع صديقي (إدوين ) إلي ( ليننقراد ) حيث الصغيرة الرائعة (سيسيليا) والعمة ( خواليتا ) .. رحب بالفكرة أيما ترحيب فالجامعة مغلقة بنهاية النصف الأول من العام الدراسي وليس بوسعه السفر إلي بلفاست فهو علي قائمة المطلوبين بواسطة الأسكتلند يارد غادرنا باكراً دون أن نوقظ ( نعوم وشاهندة )وركبنا علي الباص السياحي العملاق باتجاه تلكم المدينة الأسطورية العريقة .. كانت الرحلة رائعة وتعرفت في أثناء الرحلة علي بعض الأفراد القادمين من شرق آسيا وكم كانت دهشتي عظيمة عندما تقابلنا مجدداً بمنزل العمة ( خواليتا ) .. إييه يا خواليتا لكمّ أنت غامضة ومحيرة ولولا وجود الساحرة الصغيرة سيسيليا لأقمنا بأي فندق عوضاً عن هذه القلعة الغارقة في الصمت والأسرار.رحبت بنا مضيفتنا ترحيباً حاراً وتسلقتني )سيسيليا( وهي تهتف بفرح حقيقي .. مرحباً أيها الزنجي الوسيم .. لقد اشتقت إليك كثيراً .. هيا ادخلا .. تفضلا بالدخول .. مرحبا .. مرحبا .. هذا هو ( إدوين ) صديقي وزميلي بالجامعة .. إنه من إيرلندا من (بلفاست) ..أهلاً بكما .. ولم تشفع لنا حالتنا المزرية جراء الرحلة الطويلة في أخذ قسط من الراحة .. فقد طافت بنا السيدة خواليتا وابنتها سيسيليا أنحاء المدينة المختلفة ومعالمها التاريخية وفي أثناء تنقلنا من مكان لأخر كانت سيسيليا المتوثبة مثل كرة من المطاط تتأبط ذراعي وتدور بي في فرح طفوليًّ غامر ..حدث هذا في اليوم الأول والثاني وفي صباح اليوم الثالث وبينما نحن نتناول إفطارنا بحديقة المنزل لاحظت أن صديقي ( إدوين ) وسيسيليا يتبادلان النظرات الحانية ويذوبان في حالة من العشق غريبة .. آلمني ذلك كثيراً فقد كنت أنظر إلي (سيسيليا) كصخرة ناتئة في قلب المحيط وأنا أتشبث بها كغريق يائس .. ظللت ساهماً أثناء جولة لنا بإحدى مراكز التسوق وافتقدت في تلك اللحظات القاتمة (أنستاسيا ).. حبيبة عمري ومني خاطري وذكرياتي .. ازداد إيقاع التقارب بينهما حرارة وتسارعاً .. وأنا أتجرع كأس الذلّ والحرمان .. وبمجرد عودتنا للمنزل طلبت الأذن لأخذ قسط من الراحة وتعللت بأنني أشعر بصداع فظيع .. ولكنني في الواقع كنت أتفادي رؤيتهما معاً .. وبينما الجميع في باحة المنزل يتناولون وجبة العشاء ويشربون النبيذ الأحمر ويتسامرون نظرت عبر النافذة لأجد سيسيليا وقد تكومت كقطة صغيرة في حجر ( إدوين ) .. عدت مسرعاً إلي فراشي وقررت الرحيل في الصباح الباكر من هذا الجحيم القاسي .. ومع خيوط الفجر الأولي سطرت للسيدة (خواليتا) رسالة مقتضبة أقول لها فيها بأنني تذكرت موعداً هاماً مع إدارة الجامعة وعليّ أن ألحق به .. وحملت حقيبتي وأنا أجرجر خطواتي نحو البهو الخارجي ومن ثمّ باب الحديقة والشارع الطويل .. كنت وحيداً .. حزيناً ومطروداً من جنة أحلامي .. من الرائعة المترفة الصغيرة (سيسيليا) وعوالمها الباهرة والمبهرة .. ومن يومها لم أعد أقابل (إدوين ) بالرغم من رجاءاته المتكررة إذ كنت أختلق في كل مرة يطلبني فيها عذراً جديداً .. كانت (شاهندة) سعيدة بهذه القطيعة المفاجئة وكذلك زوجها الأسباني (نعوم) القادم من إقليم (الباسك) .. وبتنا نتحلق من جديد حول المائدة كأسرة واحدة وأحيانا نخرج للنزهة وقراءة الوجوه والأماكن وتمنيت لو أن (رزان) كانت إلي جانبي ولكن أين أنا وأين (رزان ؟).. آه منك يا شاهندة !! .. يا أخت روحي وبلسم جراحي .. تري أين أنت الآن وكيف الحال عنكم في كشمير الغالية .وفي ذات يوم وبينما كنا نقلّب صفحات الصحف الصادرة صباح ذاك اليوم .. فوجئنا بصورة كبيرة بحجم ( البوستال ) تتوسط الصفحة الأولي وقد ظهر فيها وجه سيدة وشاب روسي الملامح والتعليق يقول .. شرطة موسكو تُلقي القبض علي سيدة كولومبية ورفيقها وهما يقومان بتوزيع كميات كبيرة من الكوكايين .. وأخذت تلكم الحقيبة السوداء التي طالما أُحتفي بها هنا وفي (ليننقراد) موقعها بين أقدام الاثنين .. ويمضي الخبر ليقول أن الشرطة كانت تراقب منذ مدة ليست بالقصيرة تحركات سيدة الأعمال الكولمبية القادمة من كولومبيا عبر العاصمة الفنزولية (كاراكاس) .. وهنالك سهم يشير للحقيبة السوداء وتعليق يقول ..ا لحقيبة التي ضبطت الشرطة بداخلها المخدرات .. لم يخامرني أدني شك بأن الصورة ل(إزابيلا) وصديقها المتجهم ( فكتور ) .. انتابني خوف حقيقي وشعرت بان قدماي لا تقويان علي السير .. هل ستقبض الشرطة عليّ أنا أيضاً ؟! .. إن الخبر يقول بأن الشرطة كانت تراقب تحركات إزابيلا ولا بد أنها رصدت تواصلي معها .. يا إلهي .. لكم كانت (أنستاسيا) محقةً وهي تحذرني منها .. لا أرتاح لها يا أويس ولا تسألني لماذا .. إن شخصيتها غامضة ولا تبعث علي الثقة والارتياح.. الغالية (أنّا) وهي تحذرني مراراً وتكراراً .. وتذكرت عدد المرات التي صاحبتنا فيها تلك الحقيبة ما بين موسكو ولينينقراد وتبدل وضعيتها بين الاحتفاء الشديد والإهمال التام .. هل ستذهب لزيارتها في السجن يا أويس ؟ .. أزورها أنا ؟ .. هل جننت ؟ قلت وأنا أتكلم كالمجنون مع نفسي .. مخدرات وكوكايين .. ولماذا هذا السم الزعاف الذي يرسل آلاف الشباب لتلك الدائرة الجهنمية دائرة الإدمان يا إزابيلا ؟ وأنت يا فكتور المتجهم .. هنيئاً لك ظلمات السجن .
عبدالغني خلف الله
16-04-2013, 08:02 PM
الحلقة الثالثة والعشرون
لم أتوقع أن تبحر سفن بعض الزملاء والزميلات بعيداً بهذه السرعة .. لقد توحدنا في ( الأونيفرسيتيت دورشبي ) كأسرة واحدة بالرغم من الاختلافات الإثنية والدينية .. جمعتنا الروابط الإنسانية العريضة وحبنا لأوطاننا وللحياة .. واليوم سنقوم بتوديع إثنين من أحب الزميلات إلي قلبي .. ( أنجلينا )التي قررت العودة مجدداً إلي فلسطين والانضمام للهلال الأحمر الفلسطيني كممرضة متطوعة و(روزماري) التي ستغادرنا إلي ( كيب تاون ) بصحبة أحد الأثرياء الجنوب إفريقيين من البيض المعروفين بانتمائهم للفقراء والمسحوقين من السود .. كان حفلاً صغيراً ومتواضعاً بيد أنه مثّل علامة فارقة في الإتحاد والتوحد بين شباب العالم .. قدمنا من خلاله الهدايا للمحتفي بهن وتبادلنا بعض الكلمات .. كانت هنالك شاهندة ونعوم وشوماخر وفاجأنا ( إدوين ) وهو يأتي متأخراً بعض الشيء .. يزف أمامه فتاة جميلة أدارت أعناق كل الحضور من النساء والرجال .. تفرست في ملامحها التي تلونت بأضواء الثريات الموزعة علي أركان حديقة الجامعة .. وعندما أخذا موقعهما ليس ببعيد عني .. أصابني إحساس عارم بالدهشة الممزوجة بالغضب والاستياء .. إذ أن تلك الفتاة الجميلة لم تكن سوي ( سيسيليا ليننقراد) .. شعرت بكل دواخلي ترتعش وبتُ غير قادرٍ علي التماسك .. حيتني من علي البعد وهي تهتف ( هاي أويس .. كيف حالك ؟ ) .. جاوبتها بتلويحة باردة وأنا أغمغم بكلام غير مفهوم .. لم تكلف نفسها تحيتي حيث أجلس ولم أكلف نفسي مشقة الانتقال إلي طاولتها .. وجاء دور (روزماري) لإلقاء كلمة وداع قصيرة ولكنها عوضاً عن ذلك ألقت خطبة عصماء مذكرةً الجميع بالمسئولية المشتركة لكل شباب العالم في مقاومة الظلم والاضطهاد والوقوف في وجه الطواغيت وتوظيف العلم والتكنولوجيا من أجل إحداث التغيير المنشود لشعوب العالم الثالث ومكافحة الفقر والجوع والمرض .. ودعتنا للتوحد جميعاً بالانخراط في منظمات المجتمع المدني وتبادل الرسائل والخبرات .. وجاء دور (أنجلينا) التي ارتدت حجاباً رقيقاً زادها تألقاً وجمالاً وطلبت منا أن نرسم لحياتنا جملة من الأهداف والطموحات النبيلة وأن نتمسك بمكارم الأخلاق والقيم النبيلة التي توارثناها عن آبائنا وأجدادنا فلا ننخدع بأطروحات العولمة والإباحية والانحطاط الخلقي .. وأن ننخرط في حرب كونية لا هوادة فيها ضد الاستعمار والإمبريالية الجديدة وأن ندعو للسلم والصداقة بين الشعوب ونقف صفاً واحداً ضد تجار الحروب والفساد .. ومضي الحفل ثقيلاً علي قلبي .. فمن ناحية أجد صعوبة في تقبل فكرة رحيل هاتين الرائعتين ومن ناحية أخري يؤلمني رؤية ( سيسيليا ) مجدداً في أحضان شخص آخر .. لذلك قررت الانسحاب من الحفل مبكراً .. ولدي مغادرتي سمعت (صوتاً يشبه صوت كريموف ينادي باسمي ..( مستر أوليس ..مستر أوليس ) فتأكدت بأنه هو ولا ريب .. ومن غيره يخطئ في نطق اسمي علي الدوام .. مستر أوليس .. حمداً لله أني لقيتك .. مرحبا كريموف .. لقد حضر صباح اليوم للجامعة رجل قال أنه دبلوماسي بسفارة بلادكم السودان وبرفقتة سيدة أو آنسة لا أدري .. المهم أنها جميلة وأنيقة وخجولة .. و .. ماذا بك كريموف .. هل أحببتها من النظرة الأولي أم ماذا ؟.. قلت له مضاحكاً .. وترتدي الزي الهندي تماماً كالسيدة شاهندة .. لعله يقصد الثوب السوداني بيد أنها تضع غلالة سوداء فوق وجهها فلا يتبين منه سوي العينين .. وقد أخبراني بأن أبلغك بضرورة التوجه صباح الغد إلي مبني السفارة .. أشكرك يا كريموف .. خُذ .. هذا كثير سيدي أنت دائماً كريم معي .. وأنت أبو الكرم يا كريموف .. واختفي قبل أن أكمل .. ( واسمك يدل علي هذا ). كنت شارد الذهن أفكر في أمر ذاك السيد القادم من السفارة ورفيقته .. ربما كانت زوجته أو لربما هي موظفة بالسفارة وقد حضرا لدعوتي كأي سوداني مقيم بموسكو لحضور حفلٍ بمناسبة عيدٍ من أعياد الوطن ولقد شهد الجميع بقدراتي الفائقة علي استنطاق آلة الربابة ..هل هو عيد الاستقلال ..لا ..لا ..لسنا في يناير .. ثم أن الغالبية العظمي من المواطنين فقدت الاهتمام بذكري الاستقلال بعد مرور كل هذه السنوات من التخبط السياسي والكيد الأعمى بين الأحزاب .. وبعد أن ازدادت معاناة الناس .. هل هو عيد العمال .. الأول من مايو .. لا أظن ذلك فقد ضاعت صيحة الشيوعيين المعروفة ( يا عمال العالم اتحدوا ) بين صخب وضجيج الماكينات وبات رؤساء وأعضاء النقابات العمالية في واد ومتطلبات قواعدهم في وادٍ آخر بعد أن صار كل واحد منهم ظهيراً للسلطة علي حساب أولئك التعساء .. هل هي ذكري ثورة الواحد والعشرين من أكتوبر 64 .. أظنك تمزح يا صديقي .. ألم يقولوا لنا بأن ثورة أكتوبر نحرت بليل .. أكتوبر ؟! .. إنها موجودة فقط في ذاكرة الأرشيف .. مجرد أناشيد لم يعد يسمعها أحد ..أم لعلها ثورة الخامس والعشرين من مايو .. لماذا تكثر من ترديد كلمة ( ثورة ) ؟.. هل تشتري حفنة موز من سوق الفواكه والخضروات أم ماذا ؟.. أعطني تعريفاً واضحاً للمفردة ( ثورة ) .. ولماذا أنت غاضب هكذا ؟ .. أنا متوتر فقط .. يعتريني إحساس غريب أجهل كنهه ..نعم أنا قادم .. من يقرع الأجراس بهذه الشدة في هذا الوقت المتأخر من الليل .. أللهم أجعله خير .. أللهم أجعله .. نعم .. نعم .. أنا قادم .. من؟!!! .. سيسيليا ؟! ما الخطب ؟! .. لماذا أنت هكذا ؟.. هل يمكنني الدخول .. أرجوك .. بالطبع تفضلي .. ولكن من فعل بك هذا .. لماذا أنت بهذه الحالة المزرية ؟! .. ثياب ممزقة وكدمات وآثار عراك وملابسك ملطخة بالطين .. ماذا جري سيسيليا ماذا جري ؟ .. امنحني فرصة استعيد فيها توازني .. أنا .. أنا .. ماذا ؟ .. ما بك ؟ .. قولي .. تكلمي .. لقد تعرضت لمحاولة اغتصاب .. المجرم السافل .. من هو هذا المجرم السافل .. من هو وماذا فعل لك ؟ .. إنه ( إدوين ) .. نعم ( إدوين ) أخذني في نزهة بدراجته النارية وعرج بي علي إحدى الغابات وحاول اغتصابي وعندما قاومته ضربني بقسوة ومزق ثيابي .. فهربت منه وصرت أجري وأجري بين الشجيرات وهو يطاردني بال(موتر سايكل ) .. بيد أنه اصطدم بشجرة وربما يكون قد أصيب إصابات بليغة التفت وشاهدت دخان الحريق يتصاعد من المكان .. وصلت بصعوبة بالغة للطريق العام وهنالك التقطني سائق شاحنة مخمور .. كان لوحده وحاول العبث بي أكثر من مرة .. اغتنمت فرصة إبطاء الشاحنة بإحدى المنعطفات وفتحت باب الشاحنة وقفزت منها حتى قبل أن تتوقف تماماً فأصبت ببعض الكدمات بذراعي وأرجلي بيد أنني نهضت ثانيةً وعدوت بالاتجاه المعاكس بأقصى ما أستطيع حيث توقفت عربة صغيرة تقودها سيدة طيبة أقلتني حتى باب منزلكم .. يا إلهي كم كنت غبية .. هذا جنون لا يصدق .. أنا غبية فعلاً إذ وثقت بذاك المخادع .. سامحني يا أويس .. أنت إنسان مختلف جداً وما كان عليّ أن أفقدك بهذه السهولة ولأجل من ؟.. سخيف مخادع وجبان .. لا بأس يا صغيرتي .. المهم أن تكوني أنت بخير وأن تتعلمي شيئاً من هذه التجربة المريرة .. ولكن كيف وصلت إلي هنا .. أعني من أعطاك عنواني ؟ .. أعطتني إياه خالتي ( إزابيلا ) عندما زرتها في السجن .. بالمناسبة .. هي تسأل عنك بشدة وقد علمت أن شخصاً متنفذاً ومهماً أمر بإخراجها من السجن بالضمانة وشطب الإتهام في مواجهتها بعد أن اعترف فكتور بالجرم وشهد بأن خالتي إزابيلا لم تكن علي علم بمحتويات تلكم الحقيبة المشئومة .. والآن أويس .. أرجوك أنا جائعة وظمآنة وأشعر بالبرد يطحن عظامي .. ولن يكون بوسعي العودة للمنزل لتراني أمي وأنا بهذه الصورة .. هل تسمح لي بقضاء الليل معكم ؟.. بالطبع سيسيليا .. تركتها لبعض الوقت وعدت ومعي شراباً دافئاً وأيقظت شاهندة وزوجها وشرحت لهما الأمر وطلبت من شاهندة أن تهتم بها وأن تنام معها في غرفة نومها ونمنا أنا ونعوم في غرفتي .. ولكن هل نمت ؟! .. لا .. لا .. لم أنم وظللت مسهداً أقلب في ذهني مجريات هذا اليوم العجيب .. سفر (أنجلينا وروزماري ).. وذاك السيد القادم من سفارتنا ورفيقته وقصة سيسيليا المحزنة .. ووجدتني أتعاطف معها بالرغم من هجرها لي والارتماء في أحضان ذلك الإيرلندي ( إدوين ) .. لم أحقد عليها ولكنني رثيت لحالها وقررت أن اشتري لها ثياب جديدة قبل توصيلها لأسرتها .. فضلاً هل بإمكاني استخدام الهاتف ؟.. بالطبع تفضلي .. هالو .. ماما .. أنا سيسيليا .. أنا هنا أتسامر مع بعض الأصدقاء بمنزل السيد أويس .. لا .. لا تقلقي أنا بخير وسنسهر حتى الفجر لنحتفل ببزوغ شمس الغد .. مرحبا سيده خواليتا .. إنها بخير وسأوصلها لمنزلكم غداً بنفسي .. طاب مساؤك .
عبدالغني خلف الله
17-04-2013, 08:35 AM
الحلقة الرابعة والعشرون
لم أضيع وقتاً .. الفضول يقتلني وأشعر باني ضائع ومشوش .. وفي مكتب الاستقبال بالسفارة قال لي الموظف .. السفير عماد غادر إلي منزله ويطلب منك اللحاق به علي هذا العنوان .. أخذته منه وواصلت السير بدراجتي النارية أبحث عن العنوان المنشود .. دلني أحد المارة علي الشارع وبات العثور علي رقم المنزل ميسوراً .. قرعت الباب فجاءت خادمة قوقازية لتفتح لي .. قلت لها .. قولي للسيد السفير عماد الدين .. أن الدكتور أويس من جامعة الصداقة يود رؤيتك .. اختفت تلكم الخادمة الصغيرة بملامحها المتواضعة ثم عادت لتأخذني عبر البهو الواسع لغرفة الجلوس .. لحظة من فضلك السيد عماد سيلحق بك بعد قليل .. إنه يهاتف شخصاً ما بوزارة خارجية بلادكم .. دقائق معدودة انقضت علي حساب أعصابي .. هل أحضر لك شيئاً من شراب ( الكركدي ) الساخن .. إنه لذيذ جداً .. أعلم ذلك يا آنستي وقد سبق لي زراعته وحصاده عندما كنا بكردفان .. نعم لو كان هذا لا يضايقك .. كلا البتة .. وفي هذه اللحظة أطلّ علينا السفير عماد .. أنا آسف لتركك هكذا وحدك .. في الحقيقة لديك رسائل ووصايا من والدك وشقيقاتك بالسودان أحضرتها ابنة أختي ..آها .. ها هي قادمة .. سلمي علي الدكتور أويس .. مرحبا .. مددت يدي لمصافحتها بيد أنها لوحت لي من علي البعد وفهمت من القفازات التي ترتديها بيديها والخمار الأسود المسدل علي وجها بأنها من النوع الذي لا يصافح الغرباء .. لكن شيئاً ما جذبني نحوها .. قرأت تفاصيل عينيها وأبحرت في خضمها لثوان .. يا إلهي .. هاتان العينان الرائقتان الناعستان مألوفة جداً بالنسبة لي .. ولكن أين طالعتهما .. هل سبق أن تجاورنا في مدينة ما من المدن التي عمل بها والدي الضابط الإداري .. هل هي من الأبيض؟ .. بورسودان .. كسلا .. بارا .. بور .. رفاعة ..؟ .. أين رأيت هاتين العينين النجلاوين .. ؟ أين يا أويس ؟ أين .. أين .. لحظة صمت مفتوحة علي كل الاحتمالات خيمت فوقنا .. لعلك لم تعد تتذكرني وربما النقاب الذي أضعه فوق وجهي قد ضيع ملامحي .. نعم آنستي .. لا أتبينك تماماً لكن صوتك يخبرني بأنك رزان عبدو .. هل أنت متأكد ؟! .. ولماذا رزان بالذات ؟.. إنها فتاة أحلامي وحبي الحقيقي مذ كنا أطفالاً وحتى يومنا هذا .. ربما أكون كذلك ولكن يمنعني التزامي الديني من كشف تقاطيع وجهي .. وعليك أن تتوقع أشخاصاً آخرين غير رزان .. لا أستطيع لو لم تكوني رزان ..أرجوك حاولي أن تكوني .. صوتك ولفتاتك تقول لي بأنك هي وقد أكون مخطئاً وفي هذه الحالة سأشعر بخذلان شديد .. أويس مرغني الفاضل .. أنا فعلاً رزان .. رزااااان .. أكاد لا أصدق ونهضت نحوها لآخذها بين ذراعي ولكنها استوقفتني وغادرت المكان وصدي نهنهاتها يزلزل كياني .. لم أكن أعلم بأن العلاقة بينك وبين الدكتورة رزان متجذرة بهذه القوة .. بل وأكثر .. يا إلهي ..لا ..لا ..لا ..لم أعد قادراً علي التفكير .. رزان هنا في موسكو .. هذا مستحيل .. هذا .. ولكن .. كيف سمح الأستاذ (عبدو) ل( رزان ) بالمجيء إلي هنا .. أعني إلي موسكو ؟! .. سمح لي يا (دوك) ..لأن خالي هنا.. (رزان) وقد عادت بعد أن جففت دموعها .. نعم .. نعم .. كيف فات عليّ ذلك ..لا بد أنني أصبحت غبياّ .. أشعر وكأنني أكبر غبي في العالم .. وبما أن خالك هنا فإنني أطلبك زوجة لي عليّ سنة الله ورسوله .. لا بد أن طلبي فاجأ الجميع .. فقد توقفت زوجة السفير في منتصف البهو وكانت تحمل بعض الحلوى وعصير (الكركدي) .. وساد المكان صمت رهيب .. أنا أعني ما أقول .. ولكن يا دكتور (أويس) ألا تري أنه من الأفضل أن تتم أمور كهذه في البلد .. أعني في (وادمدني) حيث يقيم والدها .. أنا آسف أعني .. ليس بوسعي التفريط في (رزان) بعد أن ساقها القدر إليّ وحتى بابي .. وأنتم يا سعادة السفير تملكون خطاً ساخنا ً.. ومن ثمّ أعطيته هاتف والدي بالشركة التي يعمل بها بالخرطوم بعد التقاعد وطلبت منه أن يوصلني به لأطلب منه التوجه إلي (وادمدني) ليطلب ( رزان ) من والدها .. ثم نغادر للسودان لنكمل مراسم الزواج هنالك ونعود لنواصل مشاريعنا في التخصص .. والله فكرة هائلة .. هنالك موضوع هام لم تتطرقا إليه .. زوجة السفير وهي تشارك في النقاش بعد أن أراحت الأواني التي كانت تحملها علي الطاولة . لماذا لا نسأل (رزان) صاحبة الشأن إن كانت مرتبطة بشخص ما قبل حضورها إلي موسكو ؟ وكانت قد ظلت طوال الوقت محدقةً نحو الأرض .. أصابني نوع غريب من الرعب وشعرت بان دواخلي تنهار فجأة .. شخص ما ؟ ماذا تعنين بشخص ما يا خالة ؟ .. قلت ربما .. وفي هذه اللحظة المشحونة بشتي الانفعالات والاحتمالات ..انسحبت (رزان) من البهو لتتركنا وحدنا نتخبط في بحر من الظنون .. أرجوك خالتي .. أتوسل إليك .. ألحقي بها واسأليها إن كان ثمة أمر كهذا موجود في حسبانها .. سألحق بها .. يا طالما عاشت (رزان) السنين الطوال في أحلامي وخيالاتي .. إنها كل ما أتمني في هذه الدنيا وقد أتت إلي هنا .. أقسم بأنني لن أغادر هذا المنزل إلا و(رزان) قد قبلتني خطيباً لها .. ومرت الدقائق والثواني بطيئة وكأنها أسابيع بحالها .. وأخيراً عادت زوجة السفير وأساريرها متهللة توشك أن ترسل زغرودة .. لم تجبني بلا أو نعم ولكنها أشاحت بوجهها حياءً وخجلاً .. وكما نقول ( السكات رضا ).. بإمكانكما الاعتماد عليّ في أمورٍ كهذه .. كم أنا سعيدة لسعادتك ُبني .. ولسعادتها هي أيضاً .. سوف تتزوجان وتعودان إلي روسيا ونشكل معاً أسرة واحدة قوامها الحب والتكافل .. أرجو ذلك .. أشكرك من كل قلبي .. لو كانت أمي علي قيد الحياة لشكرتك بنفسها .. والآن ماذا تنتظران ؟!.. هيا أذهبا للسفارة وأجريا المكالمات الهاتفية المطلوبة وعودا لنا بالبشارة .. و(رزان) .. قالت إنها تفضل بأن تترك لوحدها .. لا عليكما سأهتم بها لحين عودتكما.
mahagoub
17-04-2013, 08:11 PM
عاشق المليون يود أن يستقر
بعد أن تشبع بحب كل من رآها
فهل ستكون محطة استقراره
ام سيبحث عن وردة آخرى
عبدالغني خلف الله
18-04-2013, 10:26 PM
الغالي محجوب ..بت مدني رزان وبس ..وأنت مدعو لحضور عقد القران وقد تكون وكيل العريس( اويس )..جمعه مباركه لك ولمن ةحولك .
عبدالغني خلف الله
18-04-2013, 10:34 PM
الحلقة الخامسة والعشرون
أسبوع .. أسبوعان والخرطوم العنيدة لا ترد .. وكنت أذهب تقريباً كل يوم بعد انقضاء ساعات العمل الرسمي لمنزل السيد السفير فتقابلني أسرته بترحاب شديد بينما تتحصن ( رزان ) بالصمت الرهيب وبغرفتها .. وأكثر ما تستطيع منحي إياه تلويحة من علي البعد دون أن تجلس لتشاركنا الأنس والطعام وقد أسدلت كالعادة خمارها فوق وجهها فلا أكاد أري سوي تلكم العينين الرائعتين وقد التمعت فيهما مشاعر دافئة .. فأعود مساء كل يوم أحتضن الفقد والأشواق وصورة ( رزان ) وأحياناً تأتيني صورة ( أنستاسيا ) من وراء الغيوم وقد حملت بين يديها طفلة صغيرة كثيرة البهاء .. تشبهني بسحنتها الخلاسية وتشبه ( أنّا) بتقاطيعها القوقازية المترفة .. ولم يطل انتظارنا .. وما كان له أن يأخذ كل ذاك الوقت .. وذهبت ذات مساء لأجد منزل السيد السفير وهو يعج بموظفي السفارة وأسرهم وقد تلقفني بابتسامة عريضة وهو يقول .. مرحبا أويس ..العريس .. لقد بحثنا عنك في كل مكان دون جدوى .. بربك أين كنت ؟ .. عموماً مبروك يا صديقي .. ربنا يتمم بخير .. وما كنت لأحتاج لكثير عناء لأكتشف من الحركة الدءوبة التي انتظمت الدار وأكواب الشربات وكل أنواع الحلوى التي غصت بها المائدة بأني موعود بأخبار سارة .. انتظرت حتى غادر المدعوون المنزل لأدلف إلي غرفة قادتني إليها زوجة السفير حيث ( رزان ) وقد كشفت وجهها لأول مرة أمامي منذ قدومها إلي (موسكو) .. لم أتمالك نفسي من شدة الدهشة ووقع المفاجأة فترنحت وكأن بي سكر أو شيء من الحمي .. انسلت تلكم السيدة الفاضلة وتركتنا لوحدنا .. دنوت منها في حالة من العشق الصوفي الجميل .. أفردت لي كفها فأخذتها وأنا شبه تائه وضائع تماماً بعد أن أفصحت (رزان) عن تفاصيلها المموسقة .. يا لنعومتها ورقتها .. لم كل هذه الروعة يا رزان ؟ .. هذا الضياء المسكوب علي وجنتيك الساحرتين أم ذاك البريق العجيب المنداح من عينيك الواسعتين .. أم .. تفضل .. لم تنظر إلي هكذا ؟ .. أويس .. هل أنت بخير .. نعم .. نعم بكل تأكيد .. لقد أزحت الخمار عن وجهي لأن من حقك أن تراني علي حقيقتي بعد كل هذه السنين .. خاصة ونحن لا زلنا علي البر كما يقولون .. وتستطيع أن تغير رأيك الآن إن شئت .. أتمزحين يا .. لا بل أنا جادة فيما أقول .. لقد تغيرت كثيراً يا رزان .. لم تكوني بكل هذا الجمال وأنت طفلة .. وأنت لم تكن بهذه الوسامة وأنت طفلاً .. أرجوك حبيبتي .. كوني جادة .. أنا أعني ما أقول يا رزان .. وأتمني أن أكون في مستوي هذا الألق الذي أراه أمامي .
وتبقي رزان حقيقة ماثلة للعيان بكل ما بها من كبرياء وعنفوان .. لم كل هذا الاعتداد بالنفس وتلكم النفرة وذاك الجموح .. رزان .. هنالك جوانب في حياتي تحتاج لبعض الإضاءة والتوضيح .. لا تحدثني عن الماضي .. أنت الآن لي وأنا لك .. وكلانا ملك لأطفالنا القادمين من وراء الغيب فلم نشغل بالنا بما كنت وليس بما تكون .. عزيزتي .. عزيزتي الأمر يتعلق .. اسمع أويس .. سأسمعك فقط عندما يتعلق الموضوع بي وبك .. أرجوك لا تجرّح أناقة هذه الدقائق الغالية بماضٍ قد ولي ولن يعود .. كما تشائين .. حبيبتي كما تشائين .. والآن أريد أن أعرفك علي صديقين هما بالنسبة لي بمثابة أخ وأخت وقد تزوجا قبل عام .. الفتاة من كشمير والفتي من اسبانيا من إقليم الباسك .. ها قد وصلنا .. انتظرنا كثيراً قبل أن تفتح لنا شاهندة باب شقتهما التي انتقلا إليها بعد انقضاء مدة الإيجار المدفوعة مقدماً بواسطة ( أنستاسيا ) .. مرحبا .. تفضلا بالدخول .. هل نعوم موجود ؟ .. نعم .. نعم إنه بالداخل .. تفضلا .. السلام عليكم سيد نعوم .. أهلاً بصديقي المختفي أويس .. إنه أخوك قبل أن يكون صديقك يا نعوم .. آه شاهندة .. أنت دائماً تصححين أخطائي الصغيرة عزيزتي .. والكبيرة أيضاً .. كانت نظراتهما المبهورة تقولان لي من تكون هذه الفتاة ( القنبلة ) .. عفواً يسعدني أن أقدم لكم خطيبتي الدكتورة ( رزان ) .. هل قلت ..؟! .. شهقة صغيرة .. (رزان ) .. شاهندة وقد أذهلتها المفاجأة .. نعم .. إنها هي .. لقد حدثني أويس عنك كثيراً بل وكثيراً جداً ومن ثمّ قامت من مكانها واحتضنتها في محبة حقيقية .. يا طالما قلت لأويس أرجوك ضعني في مرتبة (رزان ) وهو يقص لنا حكايات طفولتكما .. قلت له .. أريدك أخاً لي كشقيقي الأكبر في سرنغار .. قومني ونبهني إذا لاحظت بأني أحيد عن جادة الطريق وكأنني رزان .. هل قال لك كل هذا ؟! .. أيها الثرثار الماكر .. بم كنت تحدثهم عني .. قصصنا في أيام المدرسة الابتدائية وقصة الدراجة ويوم الاستقلال بالأبيض .. وأشياء من هذا القبيل .. ثم ماذا أيضاً ؟وتحديك لي يوم أن ركضت وتكومت تحت الجدار وعربة ( الكارو ) .. الحمد لله أنك هنا .. ولو أننا عاتبان بعض الشيء .. كان الواجب عليكما دعوتنا لحضور حفل الخطوبة بمنزل السفير .. أنا آسفة يا شهرزاد .. شاهندة من فضلك .. شاهندة .. أنا متأسفة جداً يا شاهندة .. لقد سارت الأمور بسرعة لا تصدق .. عموماً ها قد عوضك الله يا أويس خيراً من أنستاسيا .. إحم .. إحم .. نعوم وهو يحاول تغيير الموضوع قبل أن تسترسل شاهندة في الكلام .. وهل ستسافران لإتمام الزواج بالسودان كما فعلنا أنا وشاهندة .. لقد سافرنا لإتمام مراسم زفافنا في كشمير .. بالطبع سنفعل .. لن يكون للعرس طعم بعيداً عن الأهل والوطن وطقوسه الرائعة .. صمت من جانب رزان تقابله ثرثرة من جانب شاهندة .. ولدي عودتنا إلي منزل السفير .. أجلستني رزان علي كرسيٍ ساخن كاد أن يطيح بكل ما تحقق من أحلام .. لقد حاولت أكثر من مرة أن أشرح لك الأمر .. وكان هدفي أن أكون صادقاً معك منذ البداية ولكنك كنت دائماً ترفضين الحديث عن الماضي .. أجل .. أجل يا أويس .. لكل منا ماض و.. وجراحات وكنت أفضل أن تحدثني أنت عن أنستاسيا هذه .. حتى لا أبدو كالبلهاء أمام شاهندة .
mahagoub
19-04-2013, 10:14 PM
من اولا شادين ليك القدة
وجاك الموت يا تارك الصلاة
عبدالغني خلف الله
22-04-2013, 01:53 AM
كم شخص قبلي قال لك كم أنت رايع ياعزيزي محجوب ..ولا أقول كم واحده ..وبلاش مشاكل ..وجايينكم مع أويس لخطبة رزان ..إن شاء الله .
عبدالغني خلف الله
22-04-2013, 01:59 AM
الحلقة السادسة والعشرون
تبقت بضعة أشهر قبل أن تبدأ رزان دراستها التخصصية في الأمراض النفسية ويتحتم عليّ الانتظار شهران علي الأقل قبل أن استلم شهادة التخرج لذلك قررنا العودة للسودان .. نسلم علي الأهل ونتزوج ومن ثمّ نعود إلي موسكو لمواصلة دراستنا .. وكانت قد قررت التخصص في طب الأطفال .. بكت رزان من الفرحة عندما لامست الطائرة أرضية مطار الخرطوم ولدي هبوطنا صليت ركعتين شكراً لله علي سلامة الوصول والعودة للوطن بعد طول غياب وكان الجميع بانتظارنا في شرفات الاستقبال وتوجهنا مباشرة نحو واد مدني في موكب كبير حيث أطلقت الفتيات العنان للغناء وقرع الدفوف ( دا اليوم الدايرنو ليك يا أويس مبروك عليك وأحياناً يا رزان مبروك عليك ) .. وكان المسافرون علي طريق واد مدني الخرطوم ينظرون إلينا عبر النوافذ بإعجاب شديد وأحيانا تصافح أسماعنا عبارة ( أبشروا بالخير ) مصحوبة بتلويحات حميمة .. وكانت أكثر من مفاجأة بانتظارنا في منزل أسرة رزان فقد تجمع عدد كبير من الأقارب والأصدقاء ونصب سرادق ضخم زينته مجموعات من الأطفال بملابسهن الزاهية وانطلقت الزغاريد علي أكثر من صعيد وحضر عدد لا باس به من أفراد أسرتنا من البلد .. باستثناء الغائبة الحاضرة أمي الحبيبة يرحمها الله .. ما هذا الذي يجري يا أبي ؟ تساءلت في حيرة .. سنعقد لكم اليوم يا ولدي وقد نسقت مع الأستاذ عبدو لتكون فرحتنا بعودتكما فرحتين .. ولكن .. نحتاج لبعض الوقت لتجهيز أنفسنا .. نعقد اليوم وتدخلان بعد أسبوع .. أين المشكلة ..؟ وما كان أمامنا سوي الرضوخ لإرادة الأهل .. وفي المساء وبرغم التعب والإرهاق من رحلة الطائرة الطويلة أقيم لنا حفل باذخ سيظل راسخاً في أذهاننا مدي الحياة.
قلت لرزان بعد عودتنا مجدداً إلي موسكو .. ضعي كامل زينتك ولا تنسي طبعاً العطر السوداني المنزلي الذي صنعته لك قريباتك وشقيقاتك .. آه يا عروستي المدللة كم يسكرني ذاك العبق المترف الذي ينداح منك حين تضعينه خلف أذنيك وفي ثنايا شعرك .. وليتك تأخذين حماماً بخارياً من أعواد الطلح والصندل .. هل جُننت يا أويس .. لا توجد حفرة دخان بمنزل خالي .. هل تظن أننا لا زلنا بواد مدني .. لو أشعلت ناراً هنا بالحي الدبلوماسي لا أعلم ما يمكن أن يحدث .. أظنهم سيطلبون المطافئ بعد أن تضج صفارات الإنذار معلنة نشوب حريق بمنزل السفير .. قلت بعض الأعواد ولم أقل غابة ( الفيل ) .. حسناً ولم كل هذا الاهتمام بهذه الزيارة بالذات وقد زرنا أكثر من عائلة ولم تشدّد علي كل هذه المظاهر .. ستعرفين عندما نصل .. وهكذا انتهينا من تجهيز أنفسنا وبتنا مستعدين للانطلاق .. ولكن إلي أين ؟ .. رزان وقد بدأ عليها بعض التبرم والانزعاج .. ثقي بي .. فأنا لن أسلمك للثوار في أفغانستان .. وأخيراً.. ها قد وصلنا .. نحن الآن يا عزيزتي أمام منزل أسرة أنستاسيا .. أنستاسيا؟!! تساءلت في رعب حقيقي .. ما بك يا حياتي .. إنهم أناس لطيفون جداً ويجب أن يعلموا بأنني تزوجت بك بعد رحيل ابنتهم .. آه رزااان ..اطرحي هذه التكشيرة جانباً وأعطنا أجمل ابتسامة في الوجود .. مرحباً .. والدتها وهي تفتح الباب .. أنظروا من لدينا اليوم .. أويس .. أويس يا عزيزي الغائب .. من الطارق والدها وقد شعر بقدومنا .. إنه أويس .. ومن تكون هذه السيدة الصغيرة ..؟! .. إنها رزان .. من السودان زوجتي الجديدة .. يا لها من مفاجأة .. تفضلا .. تفضلا .. فالبيت بيتكما ..وجاء والدها ليأخذني بالأحضان بيد أنه لم يحتمل صعوبة الموقف وقد رآني واقفاً أمامه ولكن بدون ابنته الغالية ( أنّا ) .. سلم علي رزان بكلمات غير مفهومة وغادر الصالة بسرعة وسمعنا صوت اصطفاق باب حجرته من خلفه .. إييه يا أويس .. زوجتك جميلة جداً .. وتستعمل عطراً غريبا لم أشم في حياتي عطراً بمثل روعته ونفاذه .. ما اسم هذا العطر بنيتي .. ترجمت سؤالها ل( رزان ) التي استعادت بعضاً من رباطة جأشها .. إنه عطر أنثوي من المواد المحلية عادة ما يتم تحضيره للعرسان الجدد .. لدي منه الكثير وسأحضر لك قارورة كاملة منه.. يسعدني أنه أعجبك .. ولم تكن باتريشيا حاضرة لحظة وصولنا فهي تتلقي دروساً في الموسيقي في معهد قريب من منزلهم ولكنها عادت قبل أن نغادر ومن غريب الصدف أنها تعلقت ب(رزان ) لدرجة الوله ..وهل من أخبار ؟! .. سألتها وأنا أتعطش لسماع أخبار ( أنّا ) .. أية أخبار؟ .. آه فهمت .. لعلك تقصد أخبارها .. لا .. لا .. لم نسمع عنها شيئاً منذ أن غادرت .. وكيف وجدت موسكو عزيزتي .. عزيزتي . .رزان .. رزان ..ق لت مذّكراً إياها .. يا ابنتي رزان .. إنها مدينة كبيرة ومزدحمة ولم نعتد في بلادنا علي مثل هذا الضجيج والزحام .. رزان وقد أفصحت عن شعورها حول العيش بموسكو .. لو أن الحياة في موسكو تزعجك .. لم لا تحضران للعيش معنا هنا .. فالبيت كبير وبه غرف عديدة وزوجي بالكاد يغادر غرفته بعد أن اشتدت عليه الروماتيزم .. أجادة أنت فيما تقولين خالتي ؟ .. قلت لها وقد راقني اقتراحها بصورة غريبة ..وصفقت بتريشيا في انفعال قريب وهي تفرك يديها وتعانق رزان ..أرجوكما وافقا ..وافقي رزان أنا أرجوك .. أنا بالطبع جادة وسأكون ممتنة لكما إن قبلتما هذا العرض .. في الواقع لن نطلب منكما أي شيء باستثناء تسديد فواتير الماء والكهرباء الخاصة بكما .. ها ماذا قلتما ؟ .. سأذهب لرؤية زوجي وأعود لكما ببعض ألحلوى والعصير ريثما تكونان قد اتخذتما قراركما .. ما رأيك رزان ؟ .. الرأي رأيك .. وأنت أدري بهما مني وسبق لك العيش هنا .. لقد أحببت هذه السيدة والمكان أنه أشبه بمنطقة السواقي الجنوبية بكسلا .. أليس كذلك ؟ .. إنه بالفعل مكان هادئ وعند هذه الناحية من الوادي توجد مروج ودغل كثيف..وكانت باتريشيا تتنقل بنظراتها بيني وبين رزان ونحن نقلّب الموضوع وفهمت من إيماءاتنا بأننا قد وافقنا فصرخت بأعلي صوتها ( ياهووو ..رائع ..رائع ) .
تبقت بضعة أشهر قبل أن تبدأ رزان دراستها التخصصية في الأمراض النفسية ويتحتم عليّ الانتظار شهران علي الأقل قبل أن استلم شهادة التخرج لذلك قررنا العودة للسودان .. نسلم علي الأهل ونتزوج ومن ثمّ نعود إلي موسكو لمواصلة دراستنا .. وكانت قد قررت التخصص في طب الأطفال .. بكت رزان من الفرحة عندما لامست الطائرة أرضية مطار الخرطوم ولدي هبوطنا صليت ركعتين شكراً لله علي سلامة الوصول والعودة للوطن بعد طول غياب وكان الجميع بانتظارنا في شرفات الاستقبال وتوجهنا مباشرة نحو واد مدني في موكب كبير حيث أطلقت الفتيات العنان للغناء وقرع الدفوف ( دا اليوم الدايرنو ليك يا أويس مبروك عليك وأحياناً يا رزان مبروك عليك ) .. وكان المسافرون علي طريق واد مدني الخرطوم ينظرون إلينا عبر النوافذ بإعجاب شديد وأحيانا تصافح أسماعنا عبارة ( أبشروا بالخير ) مصحوبة بتلويحات حميمة .. وكانت أكثر من مفاجأة بانتظارنا في منزل أسرة رزان فقد تجمع عدد كبير من الأقارب والأصدقاء ونصب سرادق ضخم زينته مجموعات من الأطفال بملابسهن الزاهية وانطلقت الزغاريد علي أكثر من صعيد وحضر عدد لا باس به من أفراد أسرتنا من البلد .. باستثناء الغائبة الحاضرة أمي الحبيبة يرحمها الله .. ما هذا الذي يجري يا أبي ؟ تساءلت في حيرة .. سنعقد لكم اليوم يا ولدي وقد نسقت مع الأستاذ عبدو لتكون فرحتنا بعودتكما فرحتين .. ولكن .. نحتاج لبعض الوقت لتجهيز أنفسنا .. نعقد اليوم وتدخلان بعد أسبوع .. أين المشكلة ..؟ وما كان أمامنا سوي الرضوخ لإرادة الأهل .. وفي المساء وبرغم التعب والإرهاق من رحلة الطائرة الطويلة أقيم لنا حفل باذخ سيظل راسخاً في أذهاننا مدي الحياة.
قلت لرزان بعد عودتنا مجدداً إلي موسكو .. ضعي كامل زينتك ولا تنسي طبعاً العطر السوداني المنزلي الذي صنعته لك قريباتك وشقيقاتك .. آه يا عروستي المدللة كم يسكرني ذاك العبق المترف الذي ينداح منك حين تضعينه خلف أذنيك وفي ثنايا شعرك .. وليتك تأخذين حماماً بخارياً من أعواد الطلح والصندل .. هل جُننت يا أويس .. لا توجد حفرة دخان بمنزل خالي .. هل تظن أننا لا زلنا بواد مدني .. لو أشعلت ناراً هنا بالحي الدبلوماسي لا أعلم ما يمكن أن يحدث .. أظنهم سيطلبون المطافئ بعد أن تضج صفارات الإنذار معلنة نشوب حريق بمنزل السفير .. قلت بعض الأعواد ولم أقل غابة ( الفيل ) .. حسناً ولم كل هذا الاهتمام بهذه الزيارة بالذات وقد زرنا أكثر من عائلة ولم تشدّد علي كل هذه المظاهر .. ستعرفين عندما نصل .. وهكذا انتهينا من تجهيز أنفسنا وبتنا مستعدين للانطلاق .. ولكن إلي أين ؟ .. رزان وقد بدأ عليها بعض التبرم والانزعاج .. ثقي بي .. فأنا لن أسلمك للثوار في أفغانستان .. وأخيراً.. ها قد وصلنا .. نحن الآن يا عزيزتي أمام منزل أسرة أنستاسيا .. أنستاسيا؟!! تساءلت في رعب حقيقي .. ما بك يا حياتي .. إنهم أناس لطيفون جداً ويجب أن يعلموا بأنني تزوجت بك بعد رحيل ابنتهم .. آه رزااان ..اطرحي هذه التكشيرة جانباً وأعطنا أجمل ابتسامة في الوجود .. مرحباً .. والدتها وهي تفتح الباب .. أنظروا من لدينا اليوم .. أويس .. أويس يا عزيزي الغائب .. من الطارق والدها وقد شعر بقدومنا .. إنه أويس .. ومن تكون هذه السيدة الصغيرة ..؟! .. إنها رزان .. من السودان زوجتي الجديدة .. يا لها من مفاجأة .. تفضلا .. تفضلا .. فالبيت بيتكما ..وجاء والدها ليأخذني بالأحضان بيد أنه لم يحتمل صعوبة الموقف وقد رآني واقفاً أمامه ولكن بدون ابنته الغالية ( أنّا ) .. سلم علي رزان بكلمات غير مفهومة وغادر الصالة بسرعة وسمعنا صوت اصطفاق باب حجرته من خلفه .. إييه يا أويس .. زوجتك جميلة جداً .. وتستعمل عطراً غريبا لم أشم في حياتي عطراً بمثل روعته ونفاذه .. ما اسم هذا العطر بنيتي .. ترجمت سؤالها ل( رزان ) التي استعادت بعضاً من رباطة جأشها .. إنه عطر أنثوي من المواد المحلية عادة ما يتم تحضيره للعرسان الجدد .. لدي منه الكثير وسأحضر لك قارورة كاملة منه.. يسعدني أنه أعجبك .. ولم تكن باتريشيا حاضرة لحظة وصولنا فهي تتلقي دروساً في الموسيقي في معهد قريب من منزلهم ولكنها عادت قبل أن نغادر ومن غريب الصدف أنها تعلقت ب(رزان ) لدرجة الوله ..وهل من أخبار ؟! .. سألتها وأنا أتعطش لسماع أخبار ( أنّا ) .. أية أخبار؟ .. آه فهمت .. لعلك تقصد أخبارها .. لا .. لا .. لم نسمع عنها شيئاً منذ أن غادرت .. وكيف وجدت موسكو عزيزتي .. عزيزتي . .رزان .. رزان ..ق لت مذّكراً إياها .. يا ابنتي رزان .. إنها مدينة كبيرة ومزدحمة ولم نعتد في بلادنا علي مثل هذا الضجيج والزحام .. رزان وقد أفصحت عن شعورها حول العيش بموسكو .. لو أن الحياة في موسكو تزعجك .. لم لا تحضران للعيش معنا هنا .. فالبيت كبير وبه غرف عديدة وزوجي بالكاد يغادر غرفته بعد أن اشتدت عليه الروماتيزم .. أجادة أنت فيما تقولين خالتي ؟ .. قلت لها وقد راقني اقتراحها بصورة غريبة ..وصفقت بتريشيا في انفعال قريب وهي تفرك يديها وتعانق رزان ..أرجوكما وافقا ..وافقي رزان أنا أرجوك .. أنا بالطبع جادة وسأكون ممتنة لكما إن قبلتما هذا العرض .. في الواقع لن نطلب منكما أي شيء باستثناء تسديد فواتير الماء والكهرباء الخاصة بكما .. ها ماذا قلتما ؟ .. سأذهب لرؤية زوجي وأعود لكما ببعض ألحلوى والعصير ريثما تكونان قد اتخذتما قراركما .. ما رأيك رزان ؟ .. الرأي رأيك .. وأنت أدري بهما مني وسبق لك العيش هنا .. لقد أحببت هذه السيدة والمكان أنه أشبه بمنطقة السواقي الجنوبية بكسلا .. أليس كذلك ؟ .. إنه بالفعل مكان هادئ وعند هذه الناحية من الوادي توجد مروج ودغل كثيف..وكانت باتريشيا تتنقل بنظراتها بيني وبين رزان ونحن نقلّب الموضوع وفهمت من إيماءاتنا بأننا قد وافقنا فصرخت بأعلي صوتها ( ياهووو ..رائع ..رائع ) .
عبدالغني خلف الله
22-04-2013, 02:09 AM
عزيزي ياسر ..أسعد الله أوقاتكم بكل الخير
يوجد نص مكررفي الحلقة الأخيره من بداية الجمله (تبقت بضعة أشهر وحتي ( ياهوو رايع رائع )وقد حاولت حذفه دون جدوي أرجو التعديل من قبلكم مع كل الود
mahagoub
22-04-2013, 05:40 AM
رزان طششت بيك
وخلتك تكتب وتعيد
فهل يا ترى باتريشيا
تحاول أن تعيد ما مضى
نستنى قادم الايام
عبدالغني خلف الله
22-04-2013, 08:36 PM
عزيزي محجوب .. صباح الخير ..كم هو محظوظ أويس وهو يفوز برزان ..أتمني لكل شاب أن يفوز بحبيبته ..ويتجوز .. ساعتها سيندم علي كل سنه قضاها وهو عازب ..دمت بعافيه .
عبدالغني خلف الله
22-04-2013, 08:41 PM
الحلقة السابعة والعشرون
عدنا إلي موسكو وعرضنا الأمر علي خال رزان وزوجته .. في البداية استغرب الأمر جداً .. ولكن زوجته ولسبب لا أعلمه شجعته علي الموافقة .. الروس أناس طيبون وودودون وأنا متأكدة من أن العيش سيطيب لكما هنالك .. الزوجة المتحمسة أكثر مني ومن رزان .. لعلها كانت تخشى أن نقيم معهم .. لا .. لا .. رزان تصححني وقد بتنا لوحدنا .. زوجة خالي امرأة لطيفة للغاية وأنا أعرف طريقة تفكيرها هي ليست بخيلة ولن تكون .. ماذا ؟!! .. شاهندة وقد فاجأتها الفكرة .. فكرة العيش بالريف خارج موسكو .. ولكن دكتور أويس .. نحن نريدكما بالقرب منا .. نستأجر شقة واسعة نوعاً ما ونقيم فيها كلنا نتشاطر الأوقات الحلوة والتسوق والرحلات وال(كامبنق) في الحدائق العامة وتقول لي بكل بساطة ستتركان موسكو لتعيشا وسط الأدغال .. مهلاً .. مهلاً عزيزتي .. زوجها نعوم وهو يحاول تهدئتها .. ولماذا أنت منزعجة لهذا الحد شاهندة ..؟ .. أويس أخي ولم أصدق بأن الله قد بعث له رزان .. لكم أحبك يا رزان ولا أريدك أن تبتعدي عنا .. لا بأس شاهندة .. سنكون معكم طوال اليوم بالجامعة .. نتغدي معاً ونتسوق معاً ونعود في المساء إلي عائلة زوجة أويس السابقة .. قالت ذلك وهي ترمقني بنظرة ذات مغزىً .. وهكذا أقنعت الجميع باستثناء كريموف .. بالله عليك دكتور أوليس .. عفواً .. أويس .. لا تقل لي بأنك تفضل العيش مع الدببة في الغابة علي موسكو المفعمة بالحيوية والثراء في كل شيء .. كل شيء .. النساء الجميلات والصبايا المتأنقات.. و .. اسمع كريموف يا صديقي الغالي ..سأترك لك جميلات موسكو لأنني ببساطة لا أرغب فيهن .. فلدي زوجتي الطيبة رزان.
وهكذا وجدنا أنفسنا في معية أسرة ( أنستاسيا ) .. كان المنزل يضج بالفوضى فعكفنا أنا ورزان وباتريشيا في عطلة نهاية الأسبوع علي تنظيفه وترتيبه .. ومن ثمّ انتقلنا إلي الحديقة المهملة وقمنا بتشذيبها وتهيئتها بأفضل صورة ممكنة .. وأزلنا الدوالي المتدلية من سقف المنزل وكل الأشياء المهملة منذ سنين وحملناها علي مركبة استأجرناها خصيصاً لنقل كل المنقولات غير المرغوب فيها والقمامة وقذفنا بها بعيداً جداً في مستودع النفايات خارج البلدة .. وعملت رزان بجهد خارق لترتيب الغرف الداخلية والأسّرة والمفروشات .. وأحضرت معها من موسكو بعض الورود والرياحين بثتها في زوايا المنزل وقمت أنا ونعوم بدهان الجدران الداخلية والخارجية وأصلحنا الأعطال الكهربائية فتحسن مستوي الإضاءة في الداخل والخارج .. وتحولنا بعد ذلك إلي والد ووالدة ( أنّا ) وقمنا بقياس ضغط الدم لهما وأجرينا لهما كل الفحوصات المطلوبة وقمت بإلغاء العديد من الأدوية التي كانا يستعملانها لعقود طويلة فتحسنت حالتهما الصحية وبدأت العافية تعود لكل شيء بالمنزل .. وعملنا علي إخراجهما من عزلتهما التي فرضاها علي نفسيهما منذ رحيل ( أنستاسيا ) .. لا سيما وأن المواصلات العامة بين البلدة وموسكو متوفرة ومريحة .. فأخذناهما لحضور الحفلات الموسيقية والمهرجانات الراقصة .. وعندما عادت العمة ( فرنشيسكا ) من رحلة لها خارج روسيا أخذتها إلي( براغ ) .. لم تصدق ما تري أمامها من تحول في كل شيء وظلت تردد هذا غير معقول .. هذا لا يصدق .. تركناهما لوحدهما وتناهت إلينا صدي قهقهاتهم وانفعالاتهم حتى ونحن داخل غرفتنا ..إيييه فرانشيسكا عزيزتي .. إنهما ملاكان طاهران بعثهما لنا الرب لإسعادنا وتعويضنا فقدنا .. ل( أنّا) .. آصحيح .. هل من أخبار جديدة .. لقد طالت هذه البعثة الدراسية كثيراً ولا أعتقد أن ( كولمبو ) معزولة عن أوروبا بهذا الشكل .. وكانت ابنتهما قد حذرتهما من البوح لأي أحد كان عن وجهتها .. لا .. لا .. بالطبع تهاتفنا من حين لآخر بيد أن العمل يأخذ كل وقتها .. عملنا بجهد لتكملة كورسات التخصص .. أنا بالجراحة ورزان في الطب النفسي .. وتعودنا علي العيش مع أسرة ( أناّ ) .. وبتنا نتقاسم معهم أفراحهم وأحزانهم وتصر كل فروع العائلة المنتشرة في أنحاء روسيا علي دعوتنا و استضافتنا وكنا لا نتردد في إجابة دعواتهم حتى علي صعيد المناسبات الصغيرة كعيد ميلاد هذه الآنسة أو ذاك الشاب .. كانوا يجدوننا مميزين ويشيرون لنا بفخر واعتزاز وهم يقدموننا بوظيفتنا كأطباء لأصدقائهم وحرص رئيس الحزب بالبلدة علي دعوتنا في المناسبات الوطنية وإجلاسنا ضمن قائمة كبار رجالات الدولة والحزب .. وكانت رزان سعيدة بهذا الاحتفاء فغفرت لي زواجي من (أنستاسيا ) بالرغم من التعهدات التي قطعناها علي أنفسنا ونحن صبية صغار .. بيد أن العمل يتطلب منا أحياناً التواجد المستمر بموسكو لعدة أيام وربما أسبوع وكان ذلك يضايق عائلة ( أنّا ) والجيران فيخضعوننا لاستجواب رهيب .. هل سئمتم العيش معنا ؟ .. تسأل والدتها وهي تبكي .. لا يا خالتي .. أقسم لك بأننا مضطرون للعيش بموسكو وفق الجدول الموضوع لنا من قبل مرؤوسينا .. رزان وهي تقوم من مكانها وتأخذها بالأحضان .. آه بنيتي .. لو تعلمين كم نحبكما لما غادرتما هذه الدار لحظة واحدة .. نحن نمضي اليوم كله نترقب جرس الباب يرن لنفتح لكم ولا يهدأ لنا بال حتي نراكم بيننا ..لا سيما الصغيرة ياتريشيا إنها مغرمة بكم جداً .. وجاء وقت تطلب بقاء رزان بالمنزل في إجازة لوضع مولودنا الأول .. فكرنا في إرسال تذاكر سفر لوالدتها لتكون إلي جانبها وهي تضع .. بيد أن والدة ( أنّا) عارضت هذه الفكرة بشدة واعتبرتها انتقاص لأمومتها بالنسبة لرزان .. أنا لا زلت قوية يا بنيتي وباستطاعتي القيام بكل ما يلزم .. وسأعتني بك كما لو كنت ابنتي من لحمي ودمي .. وكذلك ستفعل ابنتي وأخيراً وبعد ساعات من المخاض العسير جاءت (مسك الجنة) ولكن ما هذا الاسم القديم إنه علي اسم والدتي أم أظنك قد نسيت ؟ ..هل لديك مانع ..لا ..لا طبعاً .. حسناً سأختار أنا أسماء الصبيان وأنت أسماء البنات ..اتفقنا ؟ حسناً .. موافقة .. ( مسك الجنة ) .. طفلة ولا أجمل من ملاك .. أخذت كل ملامحها تقريباً من رزان باستثناء جزء صغير جداً .. أنظر أويس .. والد رزان وهو يحمل الطفلة بين ذراعيه .. هل لاحظتم شيئاً ؟ .. هل ترون ما أري ؟ .. إن (الجنة) تشبه أباها في اليدين .. أنظروا للأصابع تكاد تكون مطابقة تماماً.. بل هي كذلك فعلاً وطارت أخبار مولودنا الأول إلي السودان .. بكت والدتها علي الهاتف عندما علمت بأننا قد أسميناها تيمناً بها .. وزارتنا بالطبع شاهندة وزوجها نعوم .. وزارتنا أيضاً زوجة السفير خال رزان التي لم تبد الحرص نفسه الذي أبدته عائلة ( أنستاسيا ) علي العيش معهم خلال فترة الوضوع الأولي .
mahagoub
24-04-2013, 10:59 PM
وزاد الترابط
بوجود مولود
يملأ حياة الجميع بهجة وسرور
عبدالغني خلف الله
29-04-2013, 05:42 AM
الأخ الغالي محجوب ..أتمني أن تكون والجميع بألف خير ..المصران العصبي عامل فينا عمايل والدكتور يقول ليك ما تتوتر ..كيف ؟!!!!!
عبدالغني خلف الله
29-04-2013, 05:47 AM
الحلقة الثامنة والعشرون
كنت منهمكاً في العمل مع المستر اسكاندوف إختصاصي الجراحة الأشهر بموسكو وذلك بعيادته الخاصة التي هي في الواقع مستوصف ضخم به مجمع عمليات وعنابر للمرضي حتى تسهل عملية متابعتهم بعد خروجهم من غرفة العمليات عندما اقتحمت عربة الإسعاف بوابة المكان وهُرع الممرضون لنقل سيدة سمراء بين الحياة والموت لشروعها في الانتحار بعد أن قطعت شرايين رسغها بسكين حادة ويبدو أنها نزفت الكثير من الدماء ..وأخذناها علي عجل لغرفة العملية وعكفنا علي إيقاف النزف وتعويضها بدم جديد .. واستغرقت العملية بضع ساعات ونحن ننتقل من تدهور في هذا الجانب إلى ذاك الجانب وبدأت وظائف أعضاء جسمها تتعطل الواحدة بعد الأخرى ولكن لا .. يا إلهي .. ساعدنا يا رب .. ساعدنا يا رب .. إنها إزابيلا .. آهٍ إزابيلا لم فعلت ذلك بنفسك .. وفيما كنا نبذل جهداً خارقاً لإنقاذ حياتها كانت هنالك جلبة وضوضاء قاسية خارج الغرفة وتبينت صوت (سيسيليا ) .. وهي تصرخ في شبه هستيريا .. لم نتمكن من فعل شيءٍ فقد رحلت المسكينة بالطريقة التي اختارتها لنفسها وأرادها لها الله .. خرجنا من غرفة العمليات لنواجه الموقف الصعب .. ولمحت رزان من بين الحضور وكانت قد أنهت نوبتها في مستشفيً آخر .. وحضرت لأصطحبها لمنزلنا أو بالأحرى منزل أسرة أنسناسيا .. وبينما المستر اسكاندوف يزّف إلي أسرتها الخبر السيئ .. لمحتني سيسيليا وتعرفت علي .. هرولت نحوي وعانقتني وهي تبكي بحرقة وهي تردد .. عمتي دكتور أويس .. عمتي الغالية إييزو .. بربك ماذا فعلتم بها .. كان الموقف صعباً عليّ لا سيما ورزان حاضرة .. هدأت من روعها .. وتملصت من بين ذراعيها الصغيرتين وهي لا تزال تنشج وصدي نهنهاتها وصراخها يعتصر القلوبوأخذتها حيث تقف رزان وقدمتها لها .. زوجتي الدكتورة رزان وهي من الوطن .. من السودان .. سيسيليا إبن أخت المتوفاة .. وهي أسرة صديقة تعرفت عليها لدي قدومي في بادئ الأمر إلي موسكو .. مرحبا.. سيسيليا . .تعازينا القلبية علي فقد خالتك .. تحلي بالشجاعة والإيمان .. شكراً .. قالتها بين دموعها المنهمرة بغزارة .. ولأول مرة اكتشف رقة وشفافية سيسيليا وكنت أراها كصبية مدللة لا أكثر .. عدنا للمنزل .. ورزان تحاصرني بالأسئلة الصعبة ولم تدع لي دقيقة واحدة للراحة ..استعادت كل التفاصيل الممّلة لتلك اللحظات التي عانقتني فيها سيسيليا .. وخاصمتني علي ذلك التصرف أسبوعاً كاملاً قبل أن تصالحني.
مطرُُ.. مطرُُ.. وصواعق .. والريح يمزق شرانق السكون وحبات الثلج توزعت علي أعطاف الظلام الكثيف .. أويس .. أويس .. استيقظ أرجوك .. أنا خائفة جداً مضت علي ّ.. ثلاثة أعوام لم أشهد شيئاً كهذ ا.. و( مسكه ) خائفة جداً .. هدأت من روعها وروع مسك الجنة تكومنا جميعاً في نقطة واحدة وبذلك منحنا الدفء والطمأنينة لبعضنا .. وفجأة سمعناً قرعاً متواتراً بالباب إذ أن الكهرباء مقطوعة وجرس الباب لا يعمل .. هرعت نحو البهو الخارجي ..وتفاجئنا ب(أنستاسيا) تقف في عتبة المنزل وبرفقتها طفلة صغيرة .. أنستاسياااااااا .. عمتي .. عمي .. رزان .. هيا انهضوا جميعاً لقد عادت ( أناّ ).. استيقظ الجميع بحالة من الفوضى والارتباك وتدحرج والدها علي السلم وهو يهبط في الظلام الدامس من الطابق العلوي .. تلقفته أنستاسيا وهي تضمه إليها وهي تردد .. أبي.. أبي.. هل أنت بخير ..؟ .. الشموع .. الشموع .. أين هي الشموع بحق الإله والدتها وهي تتلمس ابنتها وتضمها إليها وهي تبكي .. وأطلت رزان وهي تحمل شمعة كبيرة أضاءت المكان .. وغرق الجميع في حمي الأحضان والقبلات بيد أن ثمة شخصان وقفا غير بعيد يراقبان ما يحدث .. رزان والطفلة القادمة مع (أنّا) .. مرحباً من تكون السيدة .. إنها زوجتي الدكتورة رزان من السودان وتلك هي ابنتنا (مسك الحنة ) .. صحيح..؟!!! .. مرحباً بك تشرفت برؤيتك وسعدت بمقابلتك .. ( أناّ ) .. وهي تشكل الجمل باضطراب بالغ .. مرحباً عزيزتي أنستاسيا .. مرحباً بك في دارك .. بل هي دارك أيضاً .. ولكن نسيت أن أقدم لكم ابنتي ( مارثا ) .. وابنتك أيضاً أويس .. أم لعلك نسيت .. مرحبا .. خالي .. لا بل أنا أبوك ..أنا بابا حبيبتي .. أخذتها بين ذراعيّ أضمها وأشمها وأقبّلها في وجهها وعينيها وكتفيها .. مامي .. أنا متعبة جدا وجائعة وأود أن أنام .. نعم .. نعم .. حبيبتي ولكن ليس قبل أن تسلمي علي جدو وجدتك .. تعالي إليّ يا عزيزتي ..مريم .. مارثا .. اسمها مارثا يا أمي .. لقد بات سمعي ضعيفاً .. والآن هذا هو جدك .. مارثا .. مارثا .. أيتها النبتة الطيبة تعالي وضميني إليك .. شخص واحد تخلف عن معايشة تلكم الدقائق الغالية إنها الصغيرة باتريشيا
كنت منهمكاً في العمل مع المستر اسكاندوف إختصاصي الجراحة الأشهر بموسكو وذلك بعيادته الخاصة التي هي في الواقع مستوصف ضخم به مجمع عمليات وعنابر للمرضي حتى تسهل عملية متابعتهم بعد خروجهم من غرفة العمليات عندما اقتحمت عربة الإسعاف بوابة المكان وهُرع الممرضون لنقل سيدة سمراء بين الحياة والموت لشروعها في الانتحار بعد أن قطعت شرايين رسغها بسكين حادة ويبدو أنها نزفت الكثير من الدماء ..وأخذناها علي عجل لغرفة العملية وعكفنا علي إيقاف النزف وتعويضها بدم جديد .. واستغرقت العملية بضع ساعات ونحن ننتقل من تدهور في هذا الجانب إلى ذاك الجانب وبدأت وظائف أعضاء جسمها تتعطل الواحدة بعد الأخرى ولكن لا .. يا إلهي .. ساعدنا يا رب .. ساعدنا يا رب .. إنها إزابيلا .. آهٍ إزابيلا لم فعلت ذلك بنفسك .. وفيما كنا نبذل جهداً خارقاً لإنقاذ حياتها كانت هنالك جلبة وضوضاء قاسية خارج الغرفة وتبينت صوت (سيسيليا ) .. وهي تصرخ في شبه هستيريا .. لم نتمكن من فعل شيءٍ فقد رحلت المسكينة بالطريقة التي اختارتها لنفسها وأرادها لها الله .. خرجنا من غرفة العمليات لنواجه الموقف الصعب .. ولمحت رزان من بين الحضور وكانت قد أنهت نوبتها في مستشفيً آخر .. وحضرت لأصطحبها لمنزلنا أو بالأحرى منزل أسرة أنسناسيا .. وبينما المستر اسكاندوف يزّف إلي أسرتها الخبر السيئ .. لمحتني سيسيليا وتعرفت علي .. هرولت نحوي وعانقتني وهي تبكي بحرقة وهي تردد .. عمتي دكتور أويس .. عمتي الغالية إييزو .. بربك ماذا فعلتم بها .. كان الموقف صعباً عليّ لا سيما ورزان حاضرة .. هدأت من روعها .. وتملصت من بين ذراعيها الصغيرتين وهي لا تزال تنشج وصدي نهنهاتها وصراخها يعتصر القلوبوأخذتها حيث تقف رزان وقدمتها لها .. زوجتي الدكتورة رزان وهي من الوطن .. من السودان .. سيسيليا إبن أخت المتوفاة .. وهي أسرة صديقة تعرفت عليها لدي قدومي في بادئ الأمر إلي موسكو .. مرحبا.. سيسيليا . .تعازينا القلبية علي فقد خالتك .. تحلي بالشجاعة والإيمان .. شكراً .. قالتها بين دموعها المنهمرة بغزارة .. ولأول مرة اكتشف رقة وشفافية سيسيليا وكنت أراها كصبية مدللة لا أكثر .. عدنا للمنزل .. ورزان تحاصرني بالأسئلة الصعبة ولم تدع لي دقيقة واحدة للراحة ..استعادت كل التفاصيل الممّلة لتلك اللحظات التي عانقتني فيها سيسيليا .. وخاصمتني علي ذلك التصرف أسبوعاً كاملاً قبل أن تصالحني.
مطرُُ.. مطرُُ.. وصواعق .. والريح يمزق شرانق السكون وحبات الثلج توزعت علي أعطاف الظلام الكثيف .. أويس .. أويس .. استيقظ أرجوك .. أنا خائفة جداً مضت علي ّ.. ثلاثة أعوام لم أشهد شيئاً كهذ ا.. و( مسكه ) خائفة جداً .. هدأت من روعها وروع مسك الجنة تكومنا جميعاً في نقطة واحدة وبذلك منحنا الدفء والطمأنينة لبعضنا .. وفجأة سمعناً قرعاً متواتراً بالباب إذ أن الكهرباء مقطوعة وجرس الباب لا يعمل .. هرعت نحو البهو الخارجي ..وتفاجئنا ب(أنستاسيا) تقف في عتبة المنزل وبرفقتها طفلة صغيرة .. أنستاسياااااااا .. عمتي .. عمي .. رزان .. هيا انهضوا جميعاً لقد عادت ( أناّ ).. استيقظ الجميع بحالة من الفوضى والارتباك وتدحرج والدها علي السلم وهو يهبط في الظلام الدامس من الطابق العلوي .. تلقفته أنستاسيا وهي تضمه إليها وهي تردد .. أبي.. أبي.. هل أنت بخير ..؟ .. الشموع .. الشموع .. أين هي الشموع بحق الإله والدتها وهي تتلمس ابنتها وتضمها إليها وهي تبكي .. وأطلت رزان وهي تحمل شمعة كبيرة أضاءت المكان .. وغرق الجميع في حمي الأحضان والقبلات بيد أن ثمة شخصان وقفا غير بعيد يراقبان ما يحدث .. رزان والطفلة القادمة مع (أنّا) .. مرحباً من تكون السيدة .. إنها زوجتي الدكتورة رزان من السودان وتلك هي ابنتنا (مسك الحنة ) .. صحيح..؟!!! .. مرحباً بك تشرفت برؤيتك وسعدت بمقابلتك .. ( أناّ ) .. وهي تشكل الجمل باضطراب بالغ .. مرحباً عزيزتي أنستاسيا .. مرحباً بك في دارك .. بل هي دارك أيضاً .. ولكن نسيت أن أقدم لكم ابنتي ( مارثا ) .. وابنتك أيضاً أويس .. أم لعلك نسيت .. مرحبا .. خالي .. لا بل أنا أبوك ..أنا بابا حبيبتي .. أخذتها بين ذراعيّ أضمها وأشمها وأقبّلها في وجهها وعينيها وكتفيها .. مامي .. أنا متعبة جدا وجائعة وأود أن أنام .. نعم .. نعم .. حبيبتي ولكن ليس قبل أن تسلمي علي جدو وجدتك .. تعالي إليّ يا عزيزتي ..مريم .. مارثا .. اسمها مارثا يا أمي .. لقد بات سمعي ضعيفاً .. والآن هذا هو جدك .. مارثا .. مارثا .. أيتها النبتة الطيبة تعالي وضميني إليك .. شخص واحد تخلف عن معايشة تلكم الدقائق الغالية إنها الصغيرة باتريشيا كنت منهمكاً في العمل مع المستر اسكاندوف إختصاصي الجراحة الأشهر بموسكو وذلك بعيادته الخاصة التي هي في الواقع مستوصف ضخم به مجمع عمليات وعنابر للمرضي حتى تسهل عملية متابعتهم بعد خروجهم من غرفة العمليات عندما اقتحمت عربة الإسعاف بوابة المكان وهُرع الممرضون لنقل سيدة سمراء بين الحياة والموت لشروعها في الانتحار بعد أن قطعت شرايين رسغها بسكين حادة ويبدو أنها نزفت الكثير من الدماء ..وأخذناها علي عجل لغرفة العملية وعكفنا علي إيقاف النزف وتعويضها بدم جديد .. واستغرقت العملية بضع ساعات ونحن ننتقل من تدهور في هذا الجانب إلى ذاك الجانب وبدأت وظائف أعضاء جسمها تتعطل الواحدة بعد الأخرى ولكن لا .. يا إلهي .. ساعدنا يا رب .. ساعدنا يا رب .. إنها إزابيلا .. آهٍ إزابيلا لم فعلت ذلك بنفسك .. وفيما كنا نبذل جهداً خارقاً لإنقاذ حياتها كانت هنالك جلبة وضوضاء قاسية خارج الغرفة وتبينت صوت (سيسيليا ) .. وهي تصرخ في شبه هستيريا .. لم نتمكن من فعل شيءٍ فقد رحلت المسكينة بالطريقة التي اختارتها لنفسها وأرادها لها الله .. خرجنا من غرفة العمليات لنواجه الموقف الصعب .. ولمحت رزان من بين الحضور وكانت قد أنهت نوبتها في مستشفيً آخر .. وحضرت لأصطحبها لمنزلنا أو بالأحرى منزل أسرة أنسناسيا .. وبينما المستر اسكاندوف يزّف إلي أسرتها الخبر السيئ .. لمحتني سيسيليا وتعرفت علي .. هرولت نحوي وعانقتني وهي تبكي بحرقة وهي تردد .. عمتي دكتور أويس .. عمتي الغالية إييزو .. بربك ماذا فعلتم بها .. كان الموقف صعباً عليّ لا سيما ورزان حاضرة .. هدأت من روعها .. وتملصت من بين ذراعيها الصغيرتين وهي لا تزال تنشج وصدي نهنهاتها وصراخها يعتصر القلوبوأخذتها حيث تقف رزان وقدمتها لها .. زوجتي الدكتورة رزان وهي من الوطن .. من السودان .. سيسيليا إبن أخت المتوفاة .. وهي أسرة صديقة تعرفت عليها لدي قدومي في بادئ الأمر إلي موسكو .. مرحبا.. سيسيليا . .تعازينا القلبية علي فقد خالتك .. تحلي بالشجاعة والإيمان .. شكراً .. قالتها بين دموعها المنهمرة بغزارة .. ولأول مرة اكتشف رقة وشفافية سيسيليا وكنت أراها كصبية مدللة لا أكثر .. عدنا للمنزل .. ورزان تحاصرني بالأسئلة الصعبة ولم تدع لي دقيقة واحدة للراحة ..استعادت كل التفاصيل الممّلة لتلك اللحظات التي عانقتني فيها سيسيليا .. وخاصمتني علي ذلك التصرف أسبوعاً كاملاً قبل أن تصالحني.
مطرُُ.. مطرُُ.. وصواعق .. والريح يمزق شرانق السكون وحبات الثلج توزعت علي أعطاف الظلام الكثيف .. أويس .. أويس .. استيقظ أرجوك .. أنا خائفة جداً مضت علي ّ.. ثلاثة أعوام لم أشهد شيئاً كهذ ا.. و( مسكه ) خائفة جداً .. هدأت من روعها وروع مسك الجنة تكومنا جميعاً في نقطة واحدة وبذلك منحنا الدفء والطمأنينة لبعضنا .. وفجأة سمعناً قرعاً متواتراً بالباب إذ أن الكهرباء مقطوعة وجرس الباب لا يعمل .. هرعت نحو البهو الخارجي ..وتفاجئنا ب(أنستاسيا) تقف في عتبة المنزل وبرفقتها طفلة صغيرة .. أنستاسياااااااا .. عمتي .. عمي .. رزان .. هيا انهضوا جميعاً لقد عادت ( أناّ ).. استيقظ الجميع بحالة من الفوضى والارتباك وتدحرج والدها علي السلم وهو يهبط في الظلام الدامس من الطابق العلوي .. تلقفته أنستاسيا وهي تضمه إليها وهي تردد .. أبي.. أبي.. هل أنت بخير ..؟ .. الشموع .. الشموع .. أين هي الشموع بحق الإله والدتها وهي تتلمس ابنتها وتضمها إليها وهي تبكي .. وأطلت رزان وهي تحمل شمعة كبيرة أضاءت المكان .. وغرق الجميع في حمي الأحضان والقبلات بيد أن ثمة شخصان وقفا غير بعيد يراقبان ما يحدث .. رزان والطفلة القادمة مع (أنّا) .. مرحباً من تكون السيدة .. إنها زوجتي الدكتورة رزان من السودان وتلك هي ابنتنا (مسك الحنة ) .. صحيح..؟!!! .. مرحباً بك تشرفت برؤيتك وسعدت بمقابلتك .. ( أناّ ) .. وهي تشكل الجمل باضطراب بالغ .. مرحباً عزيزتي أنستاسيا .. مرحباً بك في دارك .. بل هي دارك أيضاً .. ولكن نسيت أن أقدم لكم ابنتي ( مارثا ) .. وابنتك أيضاً أويس .. أم لعلك نسيت .. مرحبا .. خالي .. لا بل أنا أبوك ..أنا بابا حبيبتي .. أخذتها بين ذراعيّ أضمها وأشمها وأقبّلها في وجهها وعينيها وكتفيها .. مامي .. أنا متعبة جدا وجائعة وأود أن أنام .. نعم .. نعم .. حبيبتي ولكن ليس قبل أن تسلمي علي جدو وجدتك .. تعالي إليّ يا عزيزتي ..مريم .. مارثا .. اسمها مارثا يا أمي .. لقد بات سمعي ضعيفاً .. والآن هذا هو جدك .. مارثا .. مارثا .. أيتها النبتة الطيبة تعالي وضميني إليك .. شخص واحد تخلف عن معايشة تلكم الدقائق الغالية إنها الصغيرة باتريشيا
mahagoub
29-04-2013, 08:24 PM
امانة ما وقع راجل
عبدالغني خلف الله
30-04-2013, 08:10 AM
صاح كلامك يا ريس ..موقف أجارك الله من أمثاله ..لكن ..ما عزيت أويس في ( إزابيلا ) ..إنتحرت ..أعوذ بالله من غضب الله .
Isam Hussien H
30-04-2013, 08:24 AM
ما وقع ولا أي شئ يا ريس .. هي اختارت الطريق في لحظة كانت هي الأوحد .. وهو إختار ما يمليه عليه القلب المليان من الطفولة .. شوف أستاذ عبدالغني أنا من أنصار أن يتحمل الإنسان مسئولية سلوكه .. ما تقوم تبوظ علينا بإنتهاج الشخصية السودانية البحتة لأم مسكه .. نحن في إنظار ولهفة لهذه الروائع أينما تحط الرواية شخوصها .
عبدالغني خلف الله
30-04-2013, 08:27 AM
الحلقة التاسعة والعشرون
سيكون الطعام جاهزاً بعد دقائق .. سيده أنستاسيا .. من فضلك .. أريد التحدث إليك علي انفراد .. بإمكانكما الذهاب إلي غرفتي .. حسناً .. اعتني ب(مارثا) أمي .. أفعل بكل سرور .. اسمعي سيده أنستاسيا .. هنالك أمور لابد أن تتوضح .. لقد فاجأتنا بعودتك .. وأريدك أن تعلمي بأنك مرحب بها جداً بين عائلتنا هذه وقد لا تعلمين أن والدك ووالدتك هما اليوم بمثابة أبوّي .. لذلك أقول لك وبكل الصدق والأمانة لا تتردي في العودة إلي أويس كزوجة ل ( أويس ) .. والإسلام يسمح بذلك وأنت امرأة مسلمة كما علمت .. آه عزيزتي رزان هذا الكلام سابق لأوانه وقد عدت فقط لتسليم مارثا ابنتي الحبيبة إلي والدها لتكون في مأمن من المخاطر التي نتعرض لها في الميدان .. لقد عانت بما فيه الكفاية وليتك تعلمين الطريقة التي وصلت بها إلي هنا بعد أن زوّرت جواز سفري وغيرت اسمي فأنا من أكثر المطلوبين لدي (الكي .جي .بي ) .. لقد سلكنا طريقاً معقداً وسط الجبال وبين الأدغال لنتفادى عيون شرطة الحدود الروسية وسأعود للشيشان وأنا مطمئنة علي مصير ابنتي بعد أن عرفتك .. لقد أردت فقط أن أطلعك أختي أنستاسيا علي سريرتي وما أراه بخصوص علاقتكما أنت وأويس ..وعلاقتي بأويس انتهت منذ أن قررت الانضمام للمقاومة وما يربطني به فقط هو مارثا .. أما وقد علمت أي نوع من البشر أنت فسأعتبر بأنني محظوظة جداً لأن ( مارثا ) ستجد أماً أفضل مني فيما لو حدث لي مكروه .. سلمت لنا يا عزيزتي .. فقط فكري بالأمر .. لقد فكرت منذ زمن بعيد واتخذت قراري .. وأرجوك كوني صبورة مع ( مارثا ) وسوف تعتادين عليها وتعتاد عليك .. وفي صباح اليوم التالي لم نعثر علي ( أناّ ) وعوضاً عنها وجدنا وريقة صغيرة مكتوب عليها ..( أحبكم جميعاً وأتمنى أن ألقاكم في يوم من الأيام ..أما إذا ما استشهدت ..ففي رحاب الخالدين ملتقانا إن شاء الله ) .. شخص واحد دفن نفسه بين الوسائد طوال اليوم بعد أن علم صباح اليوم التالي بعودة ( أنّا)ورحيلها في نفس الليلة .
لم هذه العجلة يا حياتي ؟ .. جئتنا في الهزيع الأخير من الليل ورحلت عند الفجر .. ألم يكن بوسعك أن تمنحينا بعض الوقت أو حتى تقولين لنا وداعاً .. ولكن .. شكراً علي هديتك الغالية ( مارثا ) ابنتي حبيبتي .. لكم تشبهها في كل شيء .. حتى ابتساماتها .. وضحكاتها وصوتها إنها هي .. صحيح إنها في الرابعة من العمر ولكنها تبدو كفتاة مثالية.. تهرع لي بمجرد سماع اسمها .. تحضر لي القهوة والساندويتشات بمجرد أن تنتهي رزان من إعدادهما ..وتصّر علي توصيلهما لي بنفسها مع انحناءة لطيفة تتبعها كلمات هامسة تثير جنوني .. مرحبا بابا .. هل تريد شيئاً آخر ؟ .. لا حبيبتي أريدك أن تواظبي علي فروضك المدرسية بروضة الأطفال .. كوني فتاة طيبة ( مارثا ) .. أفعل بابا .. أفعل بكل سرور .. يا للرقة والعذوبة .. لكأنها فتاة من ذهب وربما أغلي .. وغريبة حقا ردة فعل الجميع هنا بالنظر إلي رحيل أنستاسيا المفاجئ .. لو أنها بقيت حتى الصباح لاعتقلوها واقتادوها للسجن وقدموها للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمي وأعدموها رمياً بالرصاص .. يا إلهي .. هذا فظيع .. هل تظنين ذلك يا خالتي.. والدتها وهي تشرح لي موقف أنستاسيا .. بالطبع يا عزيزي أويس .. للأمن الروسي عيون في كل مكان وكانوا سيعرفون بالأمر لو طلع الصباح واكتشف أحدهم أنها قد عادت.
وكان لابد من تقديم العزاء لعائلة ( إزابيلا ) .. اصطحبت رزان وتركنا (مسك الجنة ) ل ( مارثا ) .. فهي مغرمة بها و ولا تفارقها طوال الوقت .. وتتقاسم مع جدها وجدتها مهمة ملاعبتها وحملها من هذه الزاوية إلي تلك الزاوية من المنزل وأحياناً تحملها وتلعبان في الحديقة.. و( مسك الجنة ) تعلمت المشي وهي الآن في عامها الثاني .. وصلنا إلي المنزل وكانت والدة سيسيليا وابنتها بالطبع وذاك الاسكتلندي البغيض أدوين وثمة رجل في كامل أناقته وقد بدأ وكأنه يقرأ شيئاً ما بالغ الأهمية .. توقفوا عن القراءة ورحبت بي سيسيليا بحرارة وكذلك فعلت والدتها .. هذه رزان زوجتي وقد جئنا لتقديم تعازينا في الفقيدة العزيزة إزابيلا .. ويبدو أنكم في اجتماع عائلي .. ولكن مهلاً .. مهلاً هل قلت الدكتور أويس ؟! .. نعم سيدي ما الأمر؟ .. هل من خطب ؟.. لا .. لا . .نحن في الواقع نقرأ وصية الراحلة المبجلة (إزابيلا ) وقد ورد اسمك في الفقرة التاسعة من الوصية .. دعني أري .. دعني .. أري .. نعم .. إنها تقول .. أوصي بمنح الدكتور أويس مرغني الفاضل بجامعة الصداقة علي العنوان كذا وكذا .. مبلغ وقدره خمسمائة ألف دولار من الحساب رقم كذا ببنك كذا لمساعدته في بناء مشفىً يحمل اسمي عندما يعود لبلده السودان .. ساد صمت رهيب كل الحاضرين وهمهم أدوين في تبرم واضح .. لا لا .. كلا .. عفواً عزيزي .. المحامي أشكوف .. عفواً عزيزي أشكوف .. لا يسعني قبول هذا المبلغ الكبير من المال إلا إذا كانت السيدة خواليتا وابنتها سيسيليا توافقان .. طبعاً نوافق .. ما بك بني ؟ .. لا بد من إظهار بعض الاحترام لوصية الفقيدة العزيزة (إييزو) وتنفيذها بحذافيرها حتى ترتاح في قبرها .. حسناً يجب أن أتأكد أولاً من مصدر هذا المال .. إنه جزء من ميراث والدها الذي توفي مؤخراً في بوغوتا .. عذراً سيدي أشكوف هل يمكنني التحدث إليك علي انفراد ..نعم بكل تأكيد .. سيدي مع كل احترامي للراحلة العزيزة ( إزابيلا ) ولكنك قد تعلم بأنها دخلت السجن لاتهامها بتجارة المخدرات .. أعلم وكنت محاميها في تلك القضية وقد اعترف ذاك الشاب بحيازته للمخدرات وتمت محاكمته ولقد انتحر داخل السجن وهذا هو سبب انتحار ( إزابيلا ) إذ عندما علمت بانتحاره شعرت بتأنيب الضمير فانتحرت هي الأخرى .. وهذا الحساب المشار إليه في الوصية فُتح حديثاً لاستيعاب ثروة والدها المحّولة لها من كولومبيا ..إ ذن أقبل بالهبة تلك وسأفعل ما أوصت به.
كانت رزان صامتة طوال الوقت وهي تستمع لنا ونحن نناقش الموضوع وقد أذهلتها ضخامة المبلغ الذي أوصت به ( إزابيلا ) .. كانت قلقة ومضطربة ولم يرق لها الأمر .. وتساءلت لماذا كنت أنا متردداً في قبول الهبة وقد تعلم بأن هذا المبلغ سيمكننا فعلاً من شراء منزل ضخم نحول جزءاً منه إلي مشفيً صغيراً للجراحات الصغيرة والطب النفسي .. قالت لي .. لابد أن ما بينك وهذه السيدة عميقاً جداً ربما أعمق من علاقتك بأنستاسيا .. شرحت لها الظروف التي جمعتني بها دون أن أخفي عنها شيئاً علي الإطلاق فأكبرت صراحتي تلك وقالت الآن بت أثق بك أكثر إذ لا يجب أن تكون هنالك أسرار بين الأزواج وأوضحت لها تحفظي علي تلك الثروة في بادئ الأمر لأنني كنت متخوفاً أن تكون من عائد اتجارها بالمخدرات ولكنني وقد ثبت لي بأنها أموال نظيفة وقد آلت إليها من والدها قبلت بها .. فهي علي الأقل ستمكننا من العودة إلي موسكو مرات ومرات لزيارة أسرة أنستاسيا مع ابنتينا بحكم العلاقة الوطيدة التي توطدت معهما ومدي تعلق البنتين بهما .
سيكون الطعام جاهزاً بعد دقائق .. سيده أنستاسيا .. من فضلك .. أريد التحدث إليك علي انفراد .. بإمكانكما الذهاب إلي غرفتي .. حسناً .. اعتني ب(مارثا) أمي .. أفعل بكل سرور .. اسمعي سيده أنستاسيا .. هنالك أمور لابد أن تتوضح .. لقد فاجأتنا بعودتك .. وأريدك أن تعلمي بأنك مرحب بها جداً بين عائلتنا هذه وقد لا تعلمين أن والدك ووالدتك هما اليوم بمثابة أبوّي .. لذلك أقول لك وبكل الصدق والأمانة لا تتردي في العودة إلي أويس كزوجة ل ( أويس ) .. والإسلام يسمح بذلك وأنت امرأة مسلمة كما علمت .. آه عزيزتي رزان هذا الكلام سابق لأوانه وقد عدت فقط لتسليم مارثا ابنتي الحبيبة إلي والدها لتكون في مأمن من المخاطر التي نتعرض لها في الميدان .. لقد عانت بما فيه الكفاية وليتك تعلمين الطريقة التي وصلت بها إلي هنا بعد أن زوّرت جواز سفري وغيرت اسمي فأنا من أكثر المطلوبين لدي (الكي .جي .بي ) .. لقد سلكنا طريقاً معقداً وسط الجبال وبين الأدغال لنتفادى عيون شرطة الحدود الروسية وسأعود للشيشان وأنا مطمئنة علي مصير ابنتي بعد أن عرفتك .. لقد أردت فقط أن أطلعك أختي أنستاسيا علي سريرتي وما أراه بخصوص علاقتكما أنت وأويس ..وعلاقتي بأويس انتهت منذ أن قررت الانضمام للمقاومة وما يربطني به فقط هو مارثا .. أما وقد علمت أي نوع من البشر أنت فسأعتبر بأنني محظوظة جداً لأن ( مارثا ) ستجد أماً أفضل مني فيما لو حدث لي مكروه .. سلمت لنا يا عزيزتي .. فقط فكري بالأمر .. لقد فكرت منذ زمن بعيد واتخذت قراري .. وأرجوك كوني صبورة مع ( مارثا ) وسوف تعتادين عليها وتعتاد عليك .. وفي صباح اليوم التالي لم نعثر علي ( أناّ ) وعوضاً عنها وجدنا وريقة صغيرة مكتوب عليها ..( أحبكم جميعاً وأتمنى أن ألقاكم في يوم من الأيام ..أما إذا ما استشهدت ..ففي رحاب الخالدين ملتقانا إن شاء الله ) .. شخص واحد دفن نفسه بين الوسائد طوال اليوم بعد أن علم صباح اليوم التالي بعودة ( أنّا)ورحيلها في نفس الليلة .
لم هذه العجلة يا حياتي ؟ .. جئتنا في الهزيع الأخير من الليل ورحلت عند الفجر .. ألم يكن بوسعك أن تمنحينا بعض الوقت أو حتى تقولين لنا وداعاً .. ولكن .. شكراً علي هديتك الغالية ( مارثا ) ابنتي حبيبتي .. لكم تشبهها في كل شيء .. حتى ابتساماتها .. وضحكاتها وصوتها إنها هي .. صحيح إنها في الرابعة من العمر ولكنها تبدو كفتاة مثالية.. تهرع لي بمجرد سماع اسمها .. تحضر لي القهوة والساندويتشات بمجرد أن تنتهي رزان من إعدادهما ..وتصّر علي توصيلهما لي بنفسها مع انحناءة لطيفة تتبعها كلمات هامسة تثير جنوني .. مرحبا بابا .. هل تريد شيئاً آخر ؟ .. لا حبيبتي أريدك أن تواظبي علي فروضك المدرسية بروضة الأطفال .. كوني فتاة طيبة ( مارثا ) .. أفعل بابا .. أفعل بكل سرور .. يا للرقة والعذوبة .. لكأنها فتاة من ذهب وربما أغلي .. وغريبة حقا ردة فعل الجميع هنا بالنظر إلي رحيل أنستاسيا المفاجئ .. لو أنها بقيت حتى الصباح لاعتقلوها واقتادوها للسجن وقدموها للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمي وأعدموها رمياً بالرصاص .. يا إلهي .. هذا فظيع .. هل تظنين ذلك يا خالتي.. والدتها وهي تشرح لي موقف أنستاسيا .. بالطبع يا عزيزي أويس .. للأمن الروسي عيون في كل مكان وكانوا سيعرفون بالأمر لو طلع الصباح واكتشف أحدهم أنها قد عادت.
وكان لابد من تقديم العزاء لعائلة ( إزابيلا ) .. اصطحبت رزان وتركنا (مسك الجنة ) ل ( مارثا ) .. فهي مغرمة بها و ولا تفارقها طوال الوقت .. وتتقاسم مع جدها وجدتها مهمة ملاعبتها وحملها من هذه الزاوية إلي تلك الزاوية من المنزل وأحياناً تحملها وتلعبان في الحديقة.. و( مسك الجنة ) تعلمت المشي وهي الآن في عامها الثاني .. وصلنا إلي المنزل وكانت والدة سيسيليا وابنتها بالطبع وذاك الاسكتلندي البغيض أدوين وثمة رجل في كامل أناقته وقد بدأ وكأنه يقرأ شيئاً ما بالغ الأهمية .. توقفوا عن القراءة ورحبت بي سيسيليا بحرارة وكذلك فعلت والدتها .. هذه رزان زوجتي وقد جئنا لتقديم تعازينا في الفقيدة العزيزة إزابيلا .. ويبدو أنكم في اجتماع عائلي .. ولكن مهلاً .. مهلاً هل قلت الدكتور أويس ؟! .. نعم سيدي ما الأمر؟ .. هل من خطب ؟.. لا .. لا . .نحن في الواقع نقرأ وصية الراحلة المبجلة (إزابيلا ) وقد ورد اسمك في الفقرة التاسعة من الوصية .. دعني أري .. دعني .. أري .. نعم .. إنها تقول .. أوصي بمنح الدكتور أويس مرغني الفاضل بجامعة الصداقة علي العنوان كذا وكذا .. مبلغ وقدره خمسمائة ألف دولار من الحساب رقم كذا ببنك كذا لمساعدته في بناء مشفىً يحمل اسمي عندما يعود لبلده السودان .. ساد صمت رهيب كل الحاضرين وهمهم أدوين في تبرم واضح .. لا لا .. كلا .. عفواً عزيزي .. المحامي أشكوف .. عفواً عزيزي أشكوف .. لا يسعني قبول هذا المبلغ الكبير من المال إلا إذا كانت السيدة خواليتا وابنتها سيسيليا توافقان .. طبعاً نوافق .. ما بك بني ؟ .. لا بد من إظهار بعض الاحترام لوصية الفقيدة العزيزة (إييزو) وتنفيذها بحذافيرها حتى ترتاح في قبرها .. حسناً يجب أن أتأكد أولاً من مصدر هذا المال .. إنه جزء من ميراث والدها الذي توفي مؤخراً في بوغوتا .. عذراً سيدي أشكوف هل يمكنني التحدث إليك علي انفراد ..نعم بكل تأكيد .. سيدي مع كل احترامي للراحلة العزيزة ( إزابيلا ) ولكنك قد تعلم بأنها دخلت السجن لاتهامها بتجارة المخدرات .. أعلم وكنت محاميها في تلك القضية وقد اعترف ذاك الشاب بحيازته للمخدرات وتمت محاكمته ولقد انتحر داخل السجن وهذا هو سبب انتحار ( إزابيلا ) إذ عندما علمت بانتحاره شعرت بتأنيب الضمير فانتحرت هي الأخرى .. وهذا الحساب المشار إليه في الوصية فُتح حديثاً لاستيعاب ثروة والدها المحّولة لها من كولومبيا ..إ ذن أقبل بالهبة تلك وسأفعل ما أوصت به.
كانت رزان صامتة طوال الوقت وهي تستمع لنا ونحن نناقش الموضوع وقد أذهلتها ضخامة المبلغ الذي أوصت به ( إزابيلا ) .. كانت قلقة ومضطربة ولم يرق لها الأمر .. وتساءلت لماذا كنت أنا متردداً في قبول الهبة وقد تعلم بأن هذا المبلغ سيمكننا فعلاً من شراء منزل ضخم نحول جزءاً منه إلي مشفيً صغيراً للجراحات الصغيرة والطب النفسي .. قالت لي .. لابد أن ما بينك وهذه السيدة عميقاً جداً ربما أعمق من علاقتك بأنستاسيا .. شرحت لها الظروف التي جمعتني بها دون أن أخفي عنها شيئاً علي الإطلاق فأكبرت صراحتي تلك وقالت الآن بت أثق بك أكثر إذ لا يجب أن تكون هنالك أسرار بين الأزواج وأوضحت لها تحفظي علي تلك الثروة في بادئ الأمر لأنني كنت متخوفاً أن تكون من عائد اتجارها بالمخدرات ولكنني وقد ثبت لي بأنها أموال نظيفة وقد آلت إليها من والدها قبلت بها .. فهي علي الأقل ستمكننا من العودة إلي موسكو مرات ومرات لزيارة أسرة أنستاسيا مع ابنتينا بحكم العلاقة الوطيدة التي توطدت معهما ومدي تعلق البنتين بهما .
عبدالغني خلف الله
02-05-2013, 01:40 AM
الحلقة االثلاثون
إيييه .. أكاد لا أصدق أننا تخطينا سنوات التخصص واستلمنا شهادتينا وقمنا بتوثيقهما .. ثم ماذا بعد ؟!! .. لم يبق سوي الرحيل فانهمكنا في تجهيز أغراضنا وتذاكر سفرنا مع ابنتينا وقد تطلب إضافة ( مارثا ) في جواز سفري الكثير من الإجراءات والتعقيدات .. فإن ( مارثا) بعينيها الزرقاويتين بلون البحر وطلتها الآسرة وعذوبتها ورقتها وأدبها الجم تستحق أن يموت الإنسان في سبيل الحصول عليها .. ولم ننس بالطبع عائلة إزابيلا وقد غادرت لتستقر في لينينقراد مرة أخري فتكبدنا المشتاق حتى هنالك أنا ورزان وتركنا البنتين مع جدتهما وباتريشيا .. فكانت لتلك الزيارة أثرها العميق في نفوسهم .. تبادلنا العناوين وأرقام الهواتف وقدمت لهما الدعوة لزيارتنا في السودان فقبلتاها وعندما حانت لحظة مغادرتنا انفجرت سيسيليا بالبكاء وهي تعانقني للمرة الثالثة في حضور رزان .. لتسلخني بالعتاب والتوبيخ كل المسافة من لينينقراد وحتي موسكو .
وكان هذا مجرد تمرين صغير لما سيأتي .. فقد تجمع عدد كبير من الأصدقاء والمعارف لتوديعنا .. كانت هنالك بالطبع شاهندة وطفلها وزوجها وبعض أفراد عائلة أنستاسيا .. كانت هنالك العمة فرانشيسكا وطبيب صيدلاني مقيم بالقرية وزوجته وأطفاله وكبادرة غير متوقعة جاء رئيس الحزب بالناحية وعمدة المدينة وسهرنا حتى الفجر ونحن نتسامر ونتبادل الحكايات الطريفة وتبقت اللحظات الأصعب .. وقفت الجدة والجد وكل واحد منهما قد حمل إحدى البنتين .. حتى مارثا وقد زاد وزنها لم يمنع ذلك جدها من حملها بين ذراعيه وهو يبكي .. هونت عليهما الأمر وتركت لهما مبلغاً محترماً من المال ليتمكنا من شراء التذاكر متي ما رغبا في زيارتنا بالخرطوم وتهربت باتريشيا من صعوبة تلك الدقائق فأمضت آخر يوم علي رحيلنا بمنزل احدي صديقاتها .
وهكذا تمضي بنا الحياة تأخذنا من هذا الجانب من الكرة الأرضية إلي ذاك الجانب وعكفنا بين مشاعر الترحيب من الأهل .. مشاعر بطعم البهار لم تعتد عليها ( مارثا ) واستغربت هذا الاهتمام الذي تجده من مئات النساء والأطفال والرجال .. كل واحد أقدمه لها بصفة ما من القرابة ( واو .. بابي ) أنتم قبيلة رائعة وأنا فخورة بأن يكون كل هؤلاء الناس عائلتي .. وطبعاً كانت تدهش من كل شيء وجُن جنونها عندما رأت الجمل أمامها مباشرة وكنت قد أوصيت علي بعض الحصير من الريف فأرسله لي أحد الأصدقاء صحبة جمّال ..حتى أتمكن من سقف ( جراج ) عربتنا بعد أن اكتمل كل شيء تقريباً وقمنا بتأثيث الغرف لنا وللمرضي .. الطابق الأرضي الكبير مشفيً رائعاً تُزين بوابته لوحة ضوئية عملاقة وقد كتب عليها ( مستوصف إزابيلا التخصصي للجراحة والطب النفسي ) وزيلناه باسمي واسم رزان وتخصص كل واحد منا والشهادات التي حصلنا عليها .. ولم يفت علينا وضع صورة إزابيلا علي جانبي اللوحة وبدا الأمر وكأنه إعلان عن فلم سينمائي وتلك الشقراء الساحرة تبعث بابتسامتها الغامضة للمارة وكأنها موناليزا جديدة.
عبدالغني خلف الله
02-05-2013, 01:42 AM
الحلقة الأخيرة
وبتنا نتقاسم الإجازات كل عام .. تأتينا عائلة أنستاسيا في الشتاء ونقضي معهم إجازة الصيف بالرغم من التوسع الكبير الذي شهده مشفانا بعونٍ من الله وتوفيقه ومن ثمّ العمل الرائع الذي قمنا به .. وصارت ( مارثا) محط إعجاب المعلمين والتلميذات بعد التقدم المذهل في تعلمها للعربية مع تلك المسحة القوقازية المترفة .. ورزقنا أنا ورزان بطفل ثانٍ صبي ولا أروع وهو يثير جنون مارثا ومسك الجنة ويتنافسان في حمله ومداعبته .. إلي أن حدث ذاك الموقف الرهيب الذي قلب أوضاعنا بصورة دراماتيكية لم نكن نتوقعها .. صحيح أن كل الاحتمالات كانت واردة .. لكن لم نحتمل حصولها بهذه السرعة ..كنا نتحلق حول التلفاز ذاك المساء المتعب بمنزلنا وكان الجد والجدة وباتريشيا قد حضروا من موسكو لتمضية فترة الشتاء معنا كعادتهم كل عام وكنا أنا ورزان نتابع الأخبار وقد آوي الصبية إلي غرفهم وصعد الضيوف إلي النوم بعد يوم حافل بالزيارات لمتحف السودان ومتحف الخليفة والمتحف الطبيعي .. وفجأة قطعت ال( سي .أن .أن .) القناة الإمريكية المعروفة إرسالها وأعلنت عن خبر عاجل يقول .. أن جماعة من مقاتلي الشيشان تقودها فتاة قد استولت علي حافلة للجيش في ضواحي (قوروزني) وأخذت الحافلة والجنود كرهائن وتطالب بإطلاق سراح بعض الثوار الشيشانين الذين تحتجزهم السلطات هنالك .. وانتقلت الكاميرا لموقع الحدث .. وظهرت علي الشاشة صورة الحافلة وقد أحاط بها الثوار وقاموا بتفخيخها بالمتفجرات .. وتقدم أحد مسئولي الصليب الأحمر لإدارة حوار مع الخاطفين وشوهدت سيدة تضع علي وجهها قناع وتحمل مدفع بدا وكأنه من نوع (الكلاشنكوف ) وهي تقدم قائمة بأسماء المسجونين المطلوب الإفراج عنهم لمندوب الصليب الأحمر والكاميرا تقرّب الصورة أكثر فأكثر لأكتشف الخاتم الفضي الذي أرسلته والدتي كهدية (لأنّا) بُعيد زواجنا .. أرسلت شهقة قوية وصرت أردد ( سترك يا رب .. سترك يا رب ) .. وشعرت رزان بانزعاج شديد من ذلك التحول المفاجئ في مزاجي وصارت أنفاسي تعلو وتهبط وأنا أتصبب عرقاً ورزان تردد أويس مابك ؟.. حبيبي مابك ..؟ دكتور ما الأمر ؟!! .. إنها هي .. أنظري للخاتم ..أنظري لعينيها ..يا الهي ..إنها أنستاسيا .. أين أنستاسيا ؟ أهدأ قليلاً .. أنت متوتر جداً حبيبي .. ُخذ نفساً عميقاً .. فكرت في إخطار أبويها ولكنني لم أفعل خوفاً من أية مفاجآت غير سارة قد تحدث .. وسهرنا الليل بطوله ونحن مشدودين للشاشة الفضية وأنستاسيا تتنقل بين مندوب الصليب الأحمر ورفاقها في قفزات صغيرة وأحياناً تركض .. ها قد عدنا للركض حبيبتي ليس في ( الأونفيرستيت دروبا ) كما كان يحدث في الماضي ولكن في ميدان المعركة ومع الجنود الروس المعروفين بشراستهم .. غادرنا مقاعدنا لأداء صلاة الفجر وحين عدنا مرة أخري شاهدنا الدخان والقنابل اليدوية وانفجاراً هائلاً يبعثر الناس وقد تطايرت الحافلة إلي أشلاء .. وفي نهاية التغطية الحية للحدث قال المذيع والأسي يعلو قسمات وجهه .. هذا وقد جد قرار اقتحام الحافلة بواسطة كتيبة من الروس فاجأت المتفاوضين .. انتقادات حادة من الأمين العام للأمم المتحدة والإتحاد الأوربي بالنظر للنتيجة المأساوية التي آلت إليها العملية بموت وجرح العديدين من ركاب الحافلة والمقاتلين الشيشان .
( إنتهت )
Isam Hussien H
04-05-2013, 08:18 PM
جزاك الله ألف خير وأن تمتعنا بهذه الرواية التي هي عميقة في إنسانها وجغرافيتها وعنصرها الثقافي والسياسي ومزيج من رائحة علاقة الطيب صالح بمصطفى سعيد في موسم الهجرة إلى الشمال .. أبعد ما نقلتنا إليه جغرافياً مع تنوير بنزاعات تلك المناطق التي لم نكن ندري عن صراعاتها لولا هذه الرواية ..
ليس هنا لتقييم وإن لأعبر عن مدى سعادتي بأن أقرأ لمثلك .. أتمنى ألا يقف يراعك عن إتحافنا بكل ما لديك مكتوب أو سيكتب ..
وبكل فخر أسجل إسمي في قائمة المعجبين بهذا الكاتب الفذ ..
عبدالغني خلف الله
05-05-2013, 10:28 AM
عزيزي عصام وكل المشرفين الجدد وأسرة المنتدي ..مساءات الروعة والجمال لكم جميعاً ..سعدت أنا أيضاً بوجودي بينكم وأتمني لمنتدانا دوام التقدم والازدهار .
Powered by vBulletin® Version 4.2.5 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir