ود الأصيل
18-02-2013, 02:31 AM
حنتوب ..فردوسي المفقود!!
و الله لا أخجل ، بل حق لي الفخر لأذيع سراي مرة وغلى الأبد، بأنني واحد من مخرجات حنتوب, تلك الفتاة (الحبلى) التي أنجبت من قبلي أجيالاً ذائعة الصيت كما طرحت (طيشاً) دانت له أعناق الأوائل والعباقرة في (قارة) مثل بلادي؛ ثم علمت بعد حين بأنها ماتت واقفة؛ كشجرة ظلت تطرح الثمار كلما حدفوها بالحجارة! و يبقى العزاء في أن أصولها ثابتة محفورة في ذاكرة العراقة.
تلك شجون أثارها لدي ضيف عزيز على (ظلال الأصيل) ظهر أمس على شاشة الشروق، هو إبراهيم البزعي. كان لقاءً و لاااااااااا أمتع؛ عاد بنا لأيام ظرفاء حنتوب: ناس باديرا - ود أب ظب ظن- أحمد منقة - محمد كبير الكتبي. و للأمانة، فكل هؤلاء سبقوني و لكن ظلت تجمعنا بهم سنوياً ليالي الخريجين الملاح. فرجاء ممن لا يزال منهم على قيد الحياة أن يذكرني خالياً بكل خير.
حكي عمنا الصول ود الزبير إنها مُتجذرة في ذاكرة الوجدان الشعبي(خمسون سنة إلا عاماً و نيف هي عمرها المتمادي عبر جوف الزمان)، مما يثير في النفس جذوات الشجن و يشعل قناديل الحنين للزمن القديم! ومن من أبنائها لا تحركه تلك الذكريات في محطة لم تكن عابرة بل نقطة تحول تشكلت منها ملامح الهوية و فاح الهوى. و من فاته شيء من زخم حنتوب، فقد ضيع عمراً يعوض إلا بضريبة باهظه.. هكذا علمتنى السنون اللاحقه. كم أذكر من حكايا و مواقف و جوقة من أسماء في حياتي هي مفخرة لسيرة ذاتي ، نفر كنت حيث كانوا ثم خرجوا للدنيا يصنعون الأحداث الجسام على نطاق بلادي والعالم .
على قناعه بأن هنالك من هو أجدر منى بذكر تلك الساقية التي طالما ظلت مدورة مع جوقة من رصيفاتها ردحاً من الزمان. خاصة و أن طفشاني في بلاد الله لحقب ممتده ، حالت دون متابعة التوثيق و وأدت رغبة المشاركة في حمالة بحجم جبال راسيات بتلك القامة.. وما يغص في حلقي الآن أن تجد حنتوب وأخواتها قد محيت تماماً من ذاكرة الوطن و خبا فيها سنا الإبداع ( من بعد التماع) و قد كانت ذات يوم في منازل القمر.
بالأمس استفزني مشهد في تلفزيون مصر ؛ إذ ببعثةً آثار تنقب عن هرم جديد يعود لسبعة آلاف سنة تم اكتشافه وهم لا تنقصهم أهرامات ولكنها المكابدة لإشباع شقفهم بإحياء القديم. فاذا كانت حنتوب و صويحباتها من رموز مجدنا الحاضر فلماذا حثونا التراب عليها حتى ولو كانت لدينا أهرامات أخرى حديثة فهي لن تغنى عن تراثنا الذى ما ضاقت به أرض كان مقدارها مليون ميل مربع(قبل محاصصة التجزئة)، فلو أردنا تحويلها إلى موقع آخر، فسوف لن يضيق به المكان ذرعاً ، (و لكن أحلام الرجال تضيق).
تحضرني بعض الطرائف ، هنا:-
بعد أن تخلص ثوار مايو من السادة و قضوا على مجالس السيادة وسيادة الوفادة والرفادة جمعتهم جلسة في مزعة ل(ود الناظر)، السيد إبراهيم منعم منصور ببترى. كانوا زمرة من دفعة 1951م تلاقوا هناك للسمر ونبش المحن ودفن الاحزان ولعق شطائر الذكريات. بينهم أب عاج (جعفر نميري) ذاك الهارب من (القراية أم دق)؛ ليدق فيلهب بسياطه ظهور الرجال الأحرار؛ و حسن الترابي (ناسك متحوصل في صومعة الانزواء)؛ قبل أن يستأسد ليدلق محتويات الطاولة على رؤوس الرفاق ؛ ثم محمد إبراهيم نقد ذاك (المحيط المتجمد اليساري) الذي لم يخلع رداءه الكاكي حتى رحيله. أثناء تلك الجلسة دارت بين هؤلاء و نسة دقاقة و شائقة حد الظرافة عن ذكريات تلك الودود الولود. التي لم تأكل جناها قط ، بل ظلت تدفع بهم عالياً على مدارج العلا لتضعهم في منازل القمر.
في العام 1973م طلبت لجنة الاحتفال باليوبيل الفضي لحنتوب من جميع خريجى المدرسة تشريف المدرسة، فحضر الرئيس وقتها جعفر نميري وعندما دخل الىالغرفة العامة ل(داخلية أبو عنجة) التى كان يرأسها ، طلب منه أحدهم أن يعطي الأمان لـ (نقد) الذي كان في واحدة من نوبات بياته الشتوي، فلما أعطوه الأمان. خرج الرفيق محمد إبراهيم نقد من مخبأه و حضر الاحتفال و شارك بإدارة المباراة الودية كحكم خط ونميري لاعب رأس حربة. من طرائف ذاك اللقاء أنه و عند استلام نميري الكرة بصدره و قبل أن يمزق بها الشباك كان اللاين مان( نقد) يرفع رايته لحكم الساحة لم ينتبه له حتى أحرز نميري الهدف، فحضر حكم اللقاء إلى مساعده/ نقد و الذي صرخ في وجهه قائلاً::ياخي ماك شايف الراجل دا؟ ما كان سارق..! لكن هيهات فالحكم لم يأخذ برأيه واحتسب الهدف، فالتفت نقد إلى جمهور المسطبة المغطاة بأشجار اللبخ و قال ساخراً: هذه لا تخلو من المكر السياسي؛ حتى حكام الزمن دا ما بسمعوا الكلام؟؟
في واحدة من زيارات نميري للندن قدمت له الملكة اليزابيث الدعوة لتناول وجبة الغداء وسمحت له بدعوة مواطنين انجليز من معارفه (إن كان لديه)، فدعى المستر براون (أول ناظر لحنتوب) الذي حين جاء أجهش بالبكاء في حضرة الملكة وضيفها الكبير. حيث اعتبر الناظر براون تلك الدعوة بمثابة لحظة وفاء نادرة من تلميذ عرف كيف يحفظ الود لمن كان علمه حرفاً.
و من تصارف القدر و عجائب المفارقات أيضاً أنه في أربعينات القرن الماضي كان السيد/ إسماعيل الأزهري يعمل معلماً بمدرسة أم درمان الأميرية ، و لمّا اشتم المستعمر منه رائحة المشاكسة و خشي منه أن يشكل خطراً وطنياً، هددوا بنفيه إلى حنتوب الوليدة آنذاك فقد أطلق الأزهري بتلك المناسبة سخريته الشهيرة: (في حنتوب برضو مُش ح (نتوب).
يذكر ود الزبير من أعلامها أيضاً وعبدالله زكريا (مؤسس الحركة الأسلامية ثم، لاحقاً، بتاع لجان ثورية و عراب الكتاب الأخضر) و أما المدعو/ حسن الترابي فيقال إنه كان أنبه و أذكي وأنجب طالب يمر عليها. كان يحفظ القصيدة الطويلة جداً بتلات قريات(يعني أشطر زول و جنَّو صلاة). كان الترابي عنقالياً رمادياً فلا هو إسلامي و لا شيوعي ، والحركة في حنتوب قامت على جهد عبد الله زكريا و جعفر شيخ إدريس. كانا يجمعان الطلاب ليلاً أمام رتينة مستلفة من قهوة عمك هباني المجاورة في إطار حملة لتجنيد البرالمة للحركة التي عندما سئل الشيوعيون عنها قالوا بخبث: إنها واجهة سيئة للإسلام و بطة يكفيها عرج أن الناطق باسمها جعفر شيخ إدريس، في تلميح سخيف لعاهة في إحدى رجليه.
و الله لا أخجل ، بل حق لي الفخر لأذيع سراي مرة وغلى الأبد، بأنني واحد من مخرجات حنتوب, تلك الفتاة (الحبلى) التي أنجبت من قبلي أجيالاً ذائعة الصيت كما طرحت (طيشاً) دانت له أعناق الأوائل والعباقرة في (قارة) مثل بلادي؛ ثم علمت بعد حين بأنها ماتت واقفة؛ كشجرة ظلت تطرح الثمار كلما حدفوها بالحجارة! و يبقى العزاء في أن أصولها ثابتة محفورة في ذاكرة العراقة.
تلك شجون أثارها لدي ضيف عزيز على (ظلال الأصيل) ظهر أمس على شاشة الشروق، هو إبراهيم البزعي. كان لقاءً و لاااااااااا أمتع؛ عاد بنا لأيام ظرفاء حنتوب: ناس باديرا - ود أب ظب ظن- أحمد منقة - محمد كبير الكتبي. و للأمانة، فكل هؤلاء سبقوني و لكن ظلت تجمعنا بهم سنوياً ليالي الخريجين الملاح. فرجاء ممن لا يزال منهم على قيد الحياة أن يذكرني خالياً بكل خير.
حكي عمنا الصول ود الزبير إنها مُتجذرة في ذاكرة الوجدان الشعبي(خمسون سنة إلا عاماً و نيف هي عمرها المتمادي عبر جوف الزمان)، مما يثير في النفس جذوات الشجن و يشعل قناديل الحنين للزمن القديم! ومن من أبنائها لا تحركه تلك الذكريات في محطة لم تكن عابرة بل نقطة تحول تشكلت منها ملامح الهوية و فاح الهوى. و من فاته شيء من زخم حنتوب، فقد ضيع عمراً يعوض إلا بضريبة باهظه.. هكذا علمتنى السنون اللاحقه. كم أذكر من حكايا و مواقف و جوقة من أسماء في حياتي هي مفخرة لسيرة ذاتي ، نفر كنت حيث كانوا ثم خرجوا للدنيا يصنعون الأحداث الجسام على نطاق بلادي والعالم .
على قناعه بأن هنالك من هو أجدر منى بذكر تلك الساقية التي طالما ظلت مدورة مع جوقة من رصيفاتها ردحاً من الزمان. خاصة و أن طفشاني في بلاد الله لحقب ممتده ، حالت دون متابعة التوثيق و وأدت رغبة المشاركة في حمالة بحجم جبال راسيات بتلك القامة.. وما يغص في حلقي الآن أن تجد حنتوب وأخواتها قد محيت تماماً من ذاكرة الوطن و خبا فيها سنا الإبداع ( من بعد التماع) و قد كانت ذات يوم في منازل القمر.
بالأمس استفزني مشهد في تلفزيون مصر ؛ إذ ببعثةً آثار تنقب عن هرم جديد يعود لسبعة آلاف سنة تم اكتشافه وهم لا تنقصهم أهرامات ولكنها المكابدة لإشباع شقفهم بإحياء القديم. فاذا كانت حنتوب و صويحباتها من رموز مجدنا الحاضر فلماذا حثونا التراب عليها حتى ولو كانت لدينا أهرامات أخرى حديثة فهي لن تغنى عن تراثنا الذى ما ضاقت به أرض كان مقدارها مليون ميل مربع(قبل محاصصة التجزئة)، فلو أردنا تحويلها إلى موقع آخر، فسوف لن يضيق به المكان ذرعاً ، (و لكن أحلام الرجال تضيق).
تحضرني بعض الطرائف ، هنا:-
بعد أن تخلص ثوار مايو من السادة و قضوا على مجالس السيادة وسيادة الوفادة والرفادة جمعتهم جلسة في مزعة ل(ود الناظر)، السيد إبراهيم منعم منصور ببترى. كانوا زمرة من دفعة 1951م تلاقوا هناك للسمر ونبش المحن ودفن الاحزان ولعق شطائر الذكريات. بينهم أب عاج (جعفر نميري) ذاك الهارب من (القراية أم دق)؛ ليدق فيلهب بسياطه ظهور الرجال الأحرار؛ و حسن الترابي (ناسك متحوصل في صومعة الانزواء)؛ قبل أن يستأسد ليدلق محتويات الطاولة على رؤوس الرفاق ؛ ثم محمد إبراهيم نقد ذاك (المحيط المتجمد اليساري) الذي لم يخلع رداءه الكاكي حتى رحيله. أثناء تلك الجلسة دارت بين هؤلاء و نسة دقاقة و شائقة حد الظرافة عن ذكريات تلك الودود الولود. التي لم تأكل جناها قط ، بل ظلت تدفع بهم عالياً على مدارج العلا لتضعهم في منازل القمر.
في العام 1973م طلبت لجنة الاحتفال باليوبيل الفضي لحنتوب من جميع خريجى المدرسة تشريف المدرسة، فحضر الرئيس وقتها جعفر نميري وعندما دخل الىالغرفة العامة ل(داخلية أبو عنجة) التى كان يرأسها ، طلب منه أحدهم أن يعطي الأمان لـ (نقد) الذي كان في واحدة من نوبات بياته الشتوي، فلما أعطوه الأمان. خرج الرفيق محمد إبراهيم نقد من مخبأه و حضر الاحتفال و شارك بإدارة المباراة الودية كحكم خط ونميري لاعب رأس حربة. من طرائف ذاك اللقاء أنه و عند استلام نميري الكرة بصدره و قبل أن يمزق بها الشباك كان اللاين مان( نقد) يرفع رايته لحكم الساحة لم ينتبه له حتى أحرز نميري الهدف، فحضر حكم اللقاء إلى مساعده/ نقد و الذي صرخ في وجهه قائلاً::ياخي ماك شايف الراجل دا؟ ما كان سارق..! لكن هيهات فالحكم لم يأخذ برأيه واحتسب الهدف، فالتفت نقد إلى جمهور المسطبة المغطاة بأشجار اللبخ و قال ساخراً: هذه لا تخلو من المكر السياسي؛ حتى حكام الزمن دا ما بسمعوا الكلام؟؟
في واحدة من زيارات نميري للندن قدمت له الملكة اليزابيث الدعوة لتناول وجبة الغداء وسمحت له بدعوة مواطنين انجليز من معارفه (إن كان لديه)، فدعى المستر براون (أول ناظر لحنتوب) الذي حين جاء أجهش بالبكاء في حضرة الملكة وضيفها الكبير. حيث اعتبر الناظر براون تلك الدعوة بمثابة لحظة وفاء نادرة من تلميذ عرف كيف يحفظ الود لمن كان علمه حرفاً.
و من تصارف القدر و عجائب المفارقات أيضاً أنه في أربعينات القرن الماضي كان السيد/ إسماعيل الأزهري يعمل معلماً بمدرسة أم درمان الأميرية ، و لمّا اشتم المستعمر منه رائحة المشاكسة و خشي منه أن يشكل خطراً وطنياً، هددوا بنفيه إلى حنتوب الوليدة آنذاك فقد أطلق الأزهري بتلك المناسبة سخريته الشهيرة: (في حنتوب برضو مُش ح (نتوب).
يذكر ود الزبير من أعلامها أيضاً وعبدالله زكريا (مؤسس الحركة الأسلامية ثم، لاحقاً، بتاع لجان ثورية و عراب الكتاب الأخضر) و أما المدعو/ حسن الترابي فيقال إنه كان أنبه و أذكي وأنجب طالب يمر عليها. كان يحفظ القصيدة الطويلة جداً بتلات قريات(يعني أشطر زول و جنَّو صلاة). كان الترابي عنقالياً رمادياً فلا هو إسلامي و لا شيوعي ، والحركة في حنتوب قامت على جهد عبد الله زكريا و جعفر شيخ إدريس. كانا يجمعان الطلاب ليلاً أمام رتينة مستلفة من قهوة عمك هباني المجاورة في إطار حملة لتجنيد البرالمة للحركة التي عندما سئل الشيوعيون عنها قالوا بخبث: إنها واجهة سيئة للإسلام و بطة يكفيها عرج أن الناطق باسمها جعفر شيخ إدريس، في تلميح سخيف لعاهة في إحدى رجليه.