ود الأصيل
26-05-2013, 04:07 AM
آخر حب و أول!!
أنا " أمين" و هي " أمينة" فتى وفتاة نشأنا نحمل من صفات التلاقي مايجعلنا شبه وجهين لعملة واحدة ويضع كلاً منا هدفاً شريفاً لنصفه الحلو الآخر. رغم ما يوجد بيننا من فوارق لا بد منهافي فطرة الله التي فطر الناس عليها كضرورة لتوثيق عرى الترابط على اعتبار أن كل قطبين مختلفين في الشحنة لا بد و أن يأتلفا فلا يختلفا. فلم يوجد بيني وبين حبي الأول و الأخير من الاختلاف ألا بمقدارما يسمح بذاك التجاذب و يقوي أوصر المحبة البريئة و التلاحم الشديد و اللافت لكل من يحيطون بناعبر مسيرة حياتناالطويلة و الحبلى بكل ما هو مدهش و مثير . ولقد ظل كل منا في سعي دؤوب لا يفتر لتكييف شيء من صفاته ربما غير المواتية حتى نصل معاً لدرجة التشبع و التحول كما جرت المقولة إلى شخص واحد في ثوبين أو روح واحدة في بضعين. ولا بأسأ، نصطدم أحياناً بصخرة ما يسمى الجبلة والطبع الذي غالباً ما يغلب التطبع و يجافي التكلف فنحن كما يقال أبناء حفرة واحدة ، كلانا ينحدر من الدرك الأسفل من الطبقة الوسطى, تلكالواقعة ما بين خطي الكفاف والفقر المضقع. ربما كان أبرز ما يفرق و يجمع بيننا في آن هو أن نشأتنا في بيئة ريفية واحدة من حيث السمت العام و الهدف الواحد والثابت كجبل أحد. إذ باتفي حكم المسلم به و شبه المفرغ منه, لا بل والمستقرة في روع كل من عاشر الفتى والفتاة أنهما لائقان لبعضهما البعض بكل المعايير. فقد وطن كل طرف منا نفسه و بنى قابل أيامه و قفل حساباته وكيف أوضاعه على أنه نصف حلو للأخر.أما العبد لله فقد نشأت وحدانياً كادحاً في حراك دائم؛ حاملاً خذ طموحاتي البسيطة على أعلى محمل للجد, مما يجعل منها أموراً عظيمة تستحق التأمل. تغلب على سمته الرزانة و الخجل في غير ذل ولا مسكنة. ملتزم بمبادئي. و لدي قدرة استثنائية على قهر أحزاني وحبسها في قمقم ضيق لدفنها في أغوار نفس مطمئنة ،بعد أن أحثو عليهاحفنات من غبار النسيان لتنطوي عليها ثناياً ذاكرتي الخربة المفقودة. لا يرى الناس مني سوى ثغر دائم التبسم وروح مطبوعة على المرح، مفعمة بالدعابة, رغم أن ما يسكنني من هموم وأحزان كفيلة لتصد هوج الرياح و تخر لها شوامخ الجبال هداً. لا أكن عدواناً و لا أضمر شراًلأحد و لا تثور حفيظتي إلا لشديد قوي. وأما فتاتي فحدث ولا حرج، وهي بحق اسم على مسماها (أمينة) رزينة بشوشة خلوقة و بنفسها أباء وشموخ. شبيهة بمن قال فيها الأعشى: ؛
تمشى الهوينة كما يمشي الوجي الوحل ،
فتمرمر السحاب لا ريث و لا عجل ؛
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرف،
كما استبان بريح عشرق زجل،
ثم لا تراها لسر الجار تختتل.
حسمت أمري ذات يوم، فحزمت متاعي و شددت رحلي و مضيت أسعى وراء حلمي المشروع, والذي لم أكن أجرؤ لأبوح بهلأحد و لا حتي أقرب المعنيين. سلكت دروباً شتى للكسب الشريف. كنت كنحلة تطير بجناحين . عملت تارة طالباً علم وتارة مدرس ، و ثالثة تربال بناي (طلبة البناول الطين) و أخرى كمساري فبائع متجول ، ثم حمال لأثقال الأخرين على قراريط لاتسمن و لا تعني من جوع؛ ولكن بحسبي دراهم معدودة تجود لي بما يسد رمقي ويكف يدي عن ذل السؤال. ظللت أكابد واصلاً ليلي بنهاري وإن استرحت لبضع لحظات سراع فهي كاستراحة محارب ،أعيشها بروحي وكياني مع خيالي الخصب و أحلامي الوردية و عريضة كأحلام ظلوط ؛ كثيراً ما أستلقي وحيداً لأتذوق متعتي في استدعاء الأماني العذبة من ضبابات العدم ، لتتراقص حيالي ، و أفتش ليها في مجاهل التاريخ وأسأل عنها المستقبل. كأن أتخيلني مثلاً طالباً متخرجاً وقد اعتليت منصةً للتويج متدثراً بعباءة مزدانة بشرطان مذهبة و فوق رأسي قبعة سوداء تعلوها ريشتا طاووس. أو أتخيل نفسي فارساً لفتاة أحلامي في زفة إلى مثوانا الأثير في لمة هادئة ضمت جمهرة لا يستهان بها من العشيرة و المعارف و عدداً لابأس به منا لأصدقاء, ممن نعدهم واحة في عز هجير معاناتنا المستطابة. سار ركب حياتي بخطى واسعة.. فسبقت أقراني ولحقت بمن سبقني وشققت طريقي في سلم التعليم أعلى درجاته ونلت من والخبرات العملية ما يؤلني لواحدة من الوظائف المرموقة و المحكورة فقط لأبناءالذوات، لو لا أن أيداي القدر أبت إلا أن تجيئ بها في سكتي و أنا واحد من الغبش أبان مسوحاً ماء. بيد أنني لم أشأ لأتدرج فيها كثيراً ، ليس لعدم مواكبة و إنما لطموح أوسع شدني إلى المهجر خارج حدود التراب. ذهبت متأبطاً معي كل شيء, وأهم شيء، حلمي الصغير الكبير بأن نبني عشاً و نؤسس مملكة مع تلك الإنسانة التي بقيت على عهديكما بقيت على عهدها نطأ الجمر و نعض الصخر. من أول حسبة كسبتها من عرق جبيني بعثت مبلغاً لأهلي مع تلغراف بأن: عجلوا ببناء عشنا فأنا قادم عريساً لفلانة. بطبيعة الحال لم يتفاجأ أحد لذلك, رغم أن البعض شرد بذهنه ليس بعيداً, في مسألة أنها جاءت متأخرة بعض الشيء و أن فلاناً ربما غير و بدل بعدما قد يكون رأى من الحسان وسمع عن حور الجنان عبر ترحاله. كانت بحق أسطورة من ألف ليلة وليلة، تصلح للسرد والحكاية, لا أن تعاش بحذافيرها من ألفها إلى يائها و يجسدها شخصان من لحم و دم وعظم. لكن ذلك قد كان فعلاً. و من ظن غير ذلك فلعله ممن لا يعرفون طباعنا عن كثب و لم يقرؤوا حقيقة ما يربطنا من ألفة. تلك ه يالحقيقة, فقد تزوج الفتى من فتاة صباه وفازت الفتاة بفارس أحلام عمرها؛ ولم ينقلب سحر على ساحر أو تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن, و ثبت أنه كان حباً عذرياً سليم البصر و البصيرة حيث أفضى بنا إلى زواج مبني على عقل وقلب معاً. حقيقة, إذا كان عيب العقل أنه آلة حاسبة صماء لا تجيد سوى التعامل الجاف مع معطيات الأرقام، فكذلك القلب ينقصه أنه مضغة صغيرة على نياتها؛ تضخ الدم في العروق و توفر ملاذا هادئاً وموطناً دافئاً لتختلج فيه الخواطر الطائشة وتجيش العواطف غير الملموسة . أما الزواج فمؤسسة بكل ماتحمل المفردة من هيكلة و أبعاد حسية وأدبية وتربوية .هو بحاجة لركائز ليقوم و يقف عليها وعصا يتوكأ عليها و يتلمس بها طريقه و مآرب أخرى. و بحاجة أيضاً لمدبر وحاشية و شغيلة. ثم هو بحاجة ماسة كذلك إلى زاد معنوي ووقود روحاني وموازنات رشيدة و أنفاس طويلة كي تستمر و تدوم و لا أقول كي يعم الرخاء و وتزقزق العصافير و تتراشق الفراشات بأجنحتها الغضة وهي تتمايل طرباُ ونشوة متنقلة بين الأزاهيروتلاقح الرباحين. فإن كل ذلك ضرب من ترف يشتهى و لا يوجد إلا بواد عبقري يقطنه مخاليق من خيالالمدن الأفلاطونية. و لكن قد كان لنا ما أردنا كما حلمنابه تماماً و لله الحمد المنة .
عقدنا القران وتم الزوج و جرت مراسيمه بكل نجاح وصارت مثاراً لحديث القريب والبعيد ممن يغبطون ذانك الملاكين اللذين صبرا و ثابرا حتى آن الأوان كي يقطفا ثمار حب خرافي. سارت الحياة على وتيرة يتمناها كل حالم بتكملة نصف دينه. تكونت الأسرة الصغيرة الكريمة وأنجبت صبياناً وصبايا و لم يكدر صفونا أي شيء. وخاب ظن العوازل في بقايا عشق يحتضر في حطام إنسانين .لم يكن إطار راً ناصعاً براقاً و ما خفي على الناس منه أعظم. لكنها قصة واقعية لحب عذري غير محدود الصلاحية طوى في ثناياه فصولاً مثيرة ملؤها الثبات في وجه ضغوط و إلحاحات الوأد والتلاشي .
لسنا بدعاً من البشر و لا غرو إن عشنا حياة يلغب عليها التفكير بصوت عالٍ ، و لا تخلو من تباين في الأذواق و وجهات النظر حول عموميات فضفاضة ونسبيات غير قابلة للحسم أصلاً. لعل ذلك نابع من تقاربنا حد التطابق في أمور عديدة كالسن لدرجة الندية, و الطباع وثقافة الجيل الواحد وإتيان الأمور من باب واحد باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله الوئام، وحملهاعلى أحد محامل نكون سوياً أو لا نكون. و لعل ثمة أسباباً خفية أخرى كنوبات من الغيرة الحارقة قد تنهش بين الفينة والأخرى في قلب ملكة النحل كلما رأت كائنة من كانت تطن قريباً من خليتها،وتنذر بخطف رفيق عمرها . ولعل ذلك لعلة أخرى ألا وهي ضيق التجربة بعض الشيء حيث إننا مذ التقينا لم نفترق ولو ليوم وليلة.
حتى الأبناء, وهم ثمرة ذاك اللقاء, وعوا معايشين لأجوائنا المشحونة بصولات وجولات من لعبة شد الحبل وجذبه شبه اليومي بين طرفي نقيض على رأسهما فرسا رهان كلما نظر أحدهما إلى الآخر فلا يرى إلا ذاته منعكسة من مرآة أخيه. نحن عائلة ميسورة وسعيدة ، و لا أحد يفكر مطلقاً بترك الآخر إلا على آلة حدباء محمولاً, ذلك لعلمه بأصالة المعدن في صنوه اللدود. ولربما أيضاً للشفقة على نصفه الآخر أن يجوب الدنيا من أقصاها إلى أقصاها فلا يظفر بمن لديه ذرة استعداد فطري ليتقبله على عواهنه. وكأني بلسان حال كل منا يناجي نفسه ويقول: "فلان له ما له وعليه ما عليه ، و لكنه فلتة نادرة، يصعب إن لم يسحتل تكرار انتاجهه في زماننا هذا؛فما أنا بهاجر أخي لمصيره ليذهب بعد عمر تطاول وعهد تولى وتجربة أسطورية قلما تسمع عن أثنين عاشا فصولها مثلما فعلنا" ، و عازمين نعيشها لآخر رمق برباط أمتن من خيط عنكبوت، أو كشمعة تظل رغم الداء والأنواء مسرجة تأكل أصابعها لتضيء الطريق لا لنفسها فقط ، و لكن لكل من يشاركها الطريق.
عابر
أنا " أمين" و هي " أمينة" فتى وفتاة نشأنا نحمل من صفات التلاقي مايجعلنا شبه وجهين لعملة واحدة ويضع كلاً منا هدفاً شريفاً لنصفه الحلو الآخر. رغم ما يوجد بيننا من فوارق لا بد منهافي فطرة الله التي فطر الناس عليها كضرورة لتوثيق عرى الترابط على اعتبار أن كل قطبين مختلفين في الشحنة لا بد و أن يأتلفا فلا يختلفا. فلم يوجد بيني وبين حبي الأول و الأخير من الاختلاف ألا بمقدارما يسمح بذاك التجاذب و يقوي أوصر المحبة البريئة و التلاحم الشديد و اللافت لكل من يحيطون بناعبر مسيرة حياتناالطويلة و الحبلى بكل ما هو مدهش و مثير . ولقد ظل كل منا في سعي دؤوب لا يفتر لتكييف شيء من صفاته ربما غير المواتية حتى نصل معاً لدرجة التشبع و التحول كما جرت المقولة إلى شخص واحد في ثوبين أو روح واحدة في بضعين. ولا بأسأ، نصطدم أحياناً بصخرة ما يسمى الجبلة والطبع الذي غالباً ما يغلب التطبع و يجافي التكلف فنحن كما يقال أبناء حفرة واحدة ، كلانا ينحدر من الدرك الأسفل من الطبقة الوسطى, تلكالواقعة ما بين خطي الكفاف والفقر المضقع. ربما كان أبرز ما يفرق و يجمع بيننا في آن هو أن نشأتنا في بيئة ريفية واحدة من حيث السمت العام و الهدف الواحد والثابت كجبل أحد. إذ باتفي حكم المسلم به و شبه المفرغ منه, لا بل والمستقرة في روع كل من عاشر الفتى والفتاة أنهما لائقان لبعضهما البعض بكل المعايير. فقد وطن كل طرف منا نفسه و بنى قابل أيامه و قفل حساباته وكيف أوضاعه على أنه نصف حلو للأخر.أما العبد لله فقد نشأت وحدانياً كادحاً في حراك دائم؛ حاملاً خذ طموحاتي البسيطة على أعلى محمل للجد, مما يجعل منها أموراً عظيمة تستحق التأمل. تغلب على سمته الرزانة و الخجل في غير ذل ولا مسكنة. ملتزم بمبادئي. و لدي قدرة استثنائية على قهر أحزاني وحبسها في قمقم ضيق لدفنها في أغوار نفس مطمئنة ،بعد أن أحثو عليهاحفنات من غبار النسيان لتنطوي عليها ثناياً ذاكرتي الخربة المفقودة. لا يرى الناس مني سوى ثغر دائم التبسم وروح مطبوعة على المرح، مفعمة بالدعابة, رغم أن ما يسكنني من هموم وأحزان كفيلة لتصد هوج الرياح و تخر لها شوامخ الجبال هداً. لا أكن عدواناً و لا أضمر شراًلأحد و لا تثور حفيظتي إلا لشديد قوي. وأما فتاتي فحدث ولا حرج، وهي بحق اسم على مسماها (أمينة) رزينة بشوشة خلوقة و بنفسها أباء وشموخ. شبيهة بمن قال فيها الأعشى: ؛
تمشى الهوينة كما يمشي الوجي الوحل ،
فتمرمر السحاب لا ريث و لا عجل ؛
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرف،
كما استبان بريح عشرق زجل،
ثم لا تراها لسر الجار تختتل.
حسمت أمري ذات يوم، فحزمت متاعي و شددت رحلي و مضيت أسعى وراء حلمي المشروع, والذي لم أكن أجرؤ لأبوح بهلأحد و لا حتي أقرب المعنيين. سلكت دروباً شتى للكسب الشريف. كنت كنحلة تطير بجناحين . عملت تارة طالباً علم وتارة مدرس ، و ثالثة تربال بناي (طلبة البناول الطين) و أخرى كمساري فبائع متجول ، ثم حمال لأثقال الأخرين على قراريط لاتسمن و لا تعني من جوع؛ ولكن بحسبي دراهم معدودة تجود لي بما يسد رمقي ويكف يدي عن ذل السؤال. ظللت أكابد واصلاً ليلي بنهاري وإن استرحت لبضع لحظات سراع فهي كاستراحة محارب ،أعيشها بروحي وكياني مع خيالي الخصب و أحلامي الوردية و عريضة كأحلام ظلوط ؛ كثيراً ما أستلقي وحيداً لأتذوق متعتي في استدعاء الأماني العذبة من ضبابات العدم ، لتتراقص حيالي ، و أفتش ليها في مجاهل التاريخ وأسأل عنها المستقبل. كأن أتخيلني مثلاً طالباً متخرجاً وقد اعتليت منصةً للتويج متدثراً بعباءة مزدانة بشرطان مذهبة و فوق رأسي قبعة سوداء تعلوها ريشتا طاووس. أو أتخيل نفسي فارساً لفتاة أحلامي في زفة إلى مثوانا الأثير في لمة هادئة ضمت جمهرة لا يستهان بها من العشيرة و المعارف و عدداً لابأس به منا لأصدقاء, ممن نعدهم واحة في عز هجير معاناتنا المستطابة. سار ركب حياتي بخطى واسعة.. فسبقت أقراني ولحقت بمن سبقني وشققت طريقي في سلم التعليم أعلى درجاته ونلت من والخبرات العملية ما يؤلني لواحدة من الوظائف المرموقة و المحكورة فقط لأبناءالذوات، لو لا أن أيداي القدر أبت إلا أن تجيئ بها في سكتي و أنا واحد من الغبش أبان مسوحاً ماء. بيد أنني لم أشأ لأتدرج فيها كثيراً ، ليس لعدم مواكبة و إنما لطموح أوسع شدني إلى المهجر خارج حدود التراب. ذهبت متأبطاً معي كل شيء, وأهم شيء، حلمي الصغير الكبير بأن نبني عشاً و نؤسس مملكة مع تلك الإنسانة التي بقيت على عهديكما بقيت على عهدها نطأ الجمر و نعض الصخر. من أول حسبة كسبتها من عرق جبيني بعثت مبلغاً لأهلي مع تلغراف بأن: عجلوا ببناء عشنا فأنا قادم عريساً لفلانة. بطبيعة الحال لم يتفاجأ أحد لذلك, رغم أن البعض شرد بذهنه ليس بعيداً, في مسألة أنها جاءت متأخرة بعض الشيء و أن فلاناً ربما غير و بدل بعدما قد يكون رأى من الحسان وسمع عن حور الجنان عبر ترحاله. كانت بحق أسطورة من ألف ليلة وليلة، تصلح للسرد والحكاية, لا أن تعاش بحذافيرها من ألفها إلى يائها و يجسدها شخصان من لحم و دم وعظم. لكن ذلك قد كان فعلاً. و من ظن غير ذلك فلعله ممن لا يعرفون طباعنا عن كثب و لم يقرؤوا حقيقة ما يربطنا من ألفة. تلك ه يالحقيقة, فقد تزوج الفتى من فتاة صباه وفازت الفتاة بفارس أحلام عمرها؛ ولم ينقلب سحر على ساحر أو تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن, و ثبت أنه كان حباً عذرياً سليم البصر و البصيرة حيث أفضى بنا إلى زواج مبني على عقل وقلب معاً. حقيقة, إذا كان عيب العقل أنه آلة حاسبة صماء لا تجيد سوى التعامل الجاف مع معطيات الأرقام، فكذلك القلب ينقصه أنه مضغة صغيرة على نياتها؛ تضخ الدم في العروق و توفر ملاذا هادئاً وموطناً دافئاً لتختلج فيه الخواطر الطائشة وتجيش العواطف غير الملموسة . أما الزواج فمؤسسة بكل ماتحمل المفردة من هيكلة و أبعاد حسية وأدبية وتربوية .هو بحاجة لركائز ليقوم و يقف عليها وعصا يتوكأ عليها و يتلمس بها طريقه و مآرب أخرى. و بحاجة أيضاً لمدبر وحاشية و شغيلة. ثم هو بحاجة ماسة كذلك إلى زاد معنوي ووقود روحاني وموازنات رشيدة و أنفاس طويلة كي تستمر و تدوم و لا أقول كي يعم الرخاء و وتزقزق العصافير و تتراشق الفراشات بأجنحتها الغضة وهي تتمايل طرباُ ونشوة متنقلة بين الأزاهيروتلاقح الرباحين. فإن كل ذلك ضرب من ترف يشتهى و لا يوجد إلا بواد عبقري يقطنه مخاليق من خيالالمدن الأفلاطونية. و لكن قد كان لنا ما أردنا كما حلمنابه تماماً و لله الحمد المنة .
عقدنا القران وتم الزوج و جرت مراسيمه بكل نجاح وصارت مثاراً لحديث القريب والبعيد ممن يغبطون ذانك الملاكين اللذين صبرا و ثابرا حتى آن الأوان كي يقطفا ثمار حب خرافي. سارت الحياة على وتيرة يتمناها كل حالم بتكملة نصف دينه. تكونت الأسرة الصغيرة الكريمة وأنجبت صبياناً وصبايا و لم يكدر صفونا أي شيء. وخاب ظن العوازل في بقايا عشق يحتضر في حطام إنسانين .لم يكن إطار راً ناصعاً براقاً و ما خفي على الناس منه أعظم. لكنها قصة واقعية لحب عذري غير محدود الصلاحية طوى في ثناياه فصولاً مثيرة ملؤها الثبات في وجه ضغوط و إلحاحات الوأد والتلاشي .
لسنا بدعاً من البشر و لا غرو إن عشنا حياة يلغب عليها التفكير بصوت عالٍ ، و لا تخلو من تباين في الأذواق و وجهات النظر حول عموميات فضفاضة ونسبيات غير قابلة للحسم أصلاً. لعل ذلك نابع من تقاربنا حد التطابق في أمور عديدة كالسن لدرجة الندية, و الطباع وثقافة الجيل الواحد وإتيان الأمور من باب واحد باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله الوئام، وحملهاعلى أحد محامل نكون سوياً أو لا نكون. و لعل ثمة أسباباً خفية أخرى كنوبات من الغيرة الحارقة قد تنهش بين الفينة والأخرى في قلب ملكة النحل كلما رأت كائنة من كانت تطن قريباً من خليتها،وتنذر بخطف رفيق عمرها . ولعل ذلك لعلة أخرى ألا وهي ضيق التجربة بعض الشيء حيث إننا مذ التقينا لم نفترق ولو ليوم وليلة.
حتى الأبناء, وهم ثمرة ذاك اللقاء, وعوا معايشين لأجوائنا المشحونة بصولات وجولات من لعبة شد الحبل وجذبه شبه اليومي بين طرفي نقيض على رأسهما فرسا رهان كلما نظر أحدهما إلى الآخر فلا يرى إلا ذاته منعكسة من مرآة أخيه. نحن عائلة ميسورة وسعيدة ، و لا أحد يفكر مطلقاً بترك الآخر إلا على آلة حدباء محمولاً, ذلك لعلمه بأصالة المعدن في صنوه اللدود. ولربما أيضاً للشفقة على نصفه الآخر أن يجوب الدنيا من أقصاها إلى أقصاها فلا يظفر بمن لديه ذرة استعداد فطري ليتقبله على عواهنه. وكأني بلسان حال كل منا يناجي نفسه ويقول: "فلان له ما له وعليه ما عليه ، و لكنه فلتة نادرة، يصعب إن لم يسحتل تكرار انتاجهه في زماننا هذا؛فما أنا بهاجر أخي لمصيره ليذهب بعد عمر تطاول وعهد تولى وتجربة أسطورية قلما تسمع عن أثنين عاشا فصولها مثلما فعلنا" ، و عازمين نعيشها لآخر رمق برباط أمتن من خيط عنكبوت، أو كشمعة تظل رغم الداء والأنواء مسرجة تأكل أصابعها لتضيء الطريق لا لنفسها فقط ، و لكن لكل من يشاركها الطريق.
عابر