راشد حامد
26-09-2014, 09:45 AM
أوصى بإعادة وزارة الري وإلغاء قانون 2005م
حراك أبناء الجزيرة الموحد للتنمية والتغيير يعقد مؤتمره القاعدي الأول بمدينة المسلمية وسط حضور كبير للمزارعين
مطالب بتكوين لجنة قانوينة للتحقيق في التجاوزات والمخالفات التي أدت لضياع أصول وممتلكات المشروع
المناداة بفتح ملف شركات الخدمات المتكاملة والدفع بعدم شرعية اتحاد المزارعين المنتهية ولايته
يرى الكثير من المراقبين أن مشروع الجزيرة يعيش ما تعارف عليه اليوم بـ(الصوملة)، أي أنه بات مفككاً، ولا يعرف له مسئول. حال وصفه بروفيسور عبد الله عبد السلام الوزير الأسبق للزراعة والثروة الحيوانية والري، عضو حراك أبناء الجزيرة للتغيير والتنمية، بـ(الهمل) فهو- أي المشروع- قد فقد البوصلة تماماً في كافة نواحيه الزراعية، والإدارية، والفنية. واقع يفرض على الدولة إعادة النظر فيما يجري، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتدارك الحال قبل فوات الأوان، وإصلاح ما تم تخريبه، وهدمه حتى تعود للمشروع سيرته الأولى كأحد أعمدة الاقتصاد والتنمية التي يعول عليها.
http://www2.0zz0.com/2014/09/26/21/926780073.jpg
** ماذا يدور بالمشروع؟
حديث بروفيسور صلاح جاء في فاتحة المؤتمرات القاعدية لحراك أبناء الجزيرة الموحد للتغيير والتنمية بمدينة المسلمية السبت الماضي، كشكل من أشكال التواصل مع قواعد الحراك لإدارة حوار مجتمعي حقيقي يفضي لبلورة رؤية الحراك حول قضايا ولاية الجزيرة وعلى رأسها المشروع.
بروفيسور صلاح كان على رأس لجنة فنية ضمت إلي جانبه د. أحمد محمد آدم الوكيل الأسبق لوزارة الري، وعمر عبد الوهاب وكيل وزارة الزراعة الاتحادية، أصدرت تقريراً في العام 2009م نبهت فيه الدولة لما يجري بمشروع الجزيرة من تدهور مضطرد في وقت كان فيه حال المشروع أحسن مما هو عليه الآن.
يقول بروفيسور صلاح: بعد اضطلاع اللجنة على العديد من الجوانب المحيطة بمشروع الجزيرة من خلال الزيارات الميدانية، والمقابلات المطولة، وما صحب ذلك من تحليل دقيق لما يجري، خلصت اللجنة إلي حقيقة (مرة المذاق)، وهي أن المشروع يسير بسرعة إلي مصير مجهول، وهاوية سحيقة، إن لم يتم تداركه الآن فلن تنفع فيه أي معالجات تأتي لاحقاً، وإن ما حدث ضرر غير قابل للإصلاح.
ويضيف: إن ما جرى في السنوات القليلة الماضية، وما يجري الآن من سرقات، ونهب منظم لممتلكات المشروع، وبنيته التحتية، لأوضح دليل على فقدان إدارة المشروع لهيبتها وسط جمهور المزارعين، وقاطني المشروع بصفة خاصة، بل أن تقليص مستوى، وسلطات قيادة المشروع من درجة محافظ، وإلي مدير عام، ومن تعيين بواسطة رئيس الجمهورية، إلي تعيين بواسطة مجلس إدارة المشروع بالتعاقد، لأصدق دليل على تدني مستوى وقيمة المشروع لدى الدولة.
http://www2.0zz0.com/2014/09/26/21/300735398.jpg
** توصيات لجنة تاج السر
وكشف بروفيسور عبد الله عبد السلام عضو لجنة مراجعة وتقييم وتقويم الأداء بمشروع الجزيرة التي تشكلت بموجب قرار الأستاذ علي عثمان محمد طه– النائب الأول لرئيس الجمهورية– رئيس المجلس الأعلى للنهضة الزراعية الصادر في فبراير 2013م، عن جانب مما توصلت إليه اللجنة.
وأشارت اللجنة في تقريرها إلي أن ما شهده المشروع من تدهور ينبغي أن يسأل عنه عنه القائمون على أمر المشروع، ولا بد من المحاسبة الصارمة، والأمينة لكل من فرط في أمانة التكليف، وتسبب في انهيار كافة بنياته الأساسية التي وصلت إلي الدرجة التي صارت عرضة للتصفية والبيع بعد أن نهبت وسرقت.
وحملت اللجنة بحسب بروفيسور عبد الله مجلس إدارة المشروع قبل وبعد صدور قانون 2005م المسئولية التامة عما وصل إليه المشروع من حالة متردية، فيما يتحمل اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، عِظم مسئولية ما حدث بالمشروع.
وكانت اللجنة قد اتصلت برئيس الجمهورية عقب اضطلاعها على ما يجري بمشروع الجزيرة لإيقاف ما وصفه بروفيسور عبد الله بـ(النزيف)، فصدر قرار جمهوري أوكل مسئولية حماية البنية الأساسية لولاية الجزيرة على أن تتولى وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة تمويل هذه الحماية.
قرار مر عليه الآن أكثر من عام وللأسف الشديد- كما قال بروفيسور عبد الله- لم ينفذ هذا القرار؛ فلا ولاية الجزيرة حمت المشروع وأمنته، ولا وزارة المالية دفعت المبالغ المطلوبة لهذه الحماية، وظل المشروع عرضة للنهب والسرقة.
وإذا ما طرح سؤال لماذا يتبنى حراك أبناء الجزيرة ما ورد في تقارير إصلاح المشروع، فإن الإجابة وكما أوردها بروفيسور عبد الله أن ولاية الجزيرة وخلافاً لكثير من الولايات التي تدفع الأموال للتنمية والإعمار، (يشلع) ما فيها من بنية أساسية وإعمار.
http://www2.0zz0.com/2014/09/26/21/413549038.jpg
** ضياع مستندات المشروع
والمؤسف جداً أن كل المستندات الخاصة بمشروع الجزيرة منذ عام 1925م قد ضاعت تماماً. وبحسب بروفيسور عبد الله، فإن حقوق الناس، وأوراق ملكية الحواشات، وكل المستندات المحفوظة في المكاتب، قد استخدمها البعض ومنهم الرعاة، في إشعال النيران. مشهد يعيد للأذهان هجوم (التتر) على بغداد ورميهم للكتب وما حوته بطونها من تاريخ وأمجاد، في دجلة والفرات.
لجنة تاج السر كانت قد عقدت نحواً من مائة اجتماع، غير أن بعض أعضائها الذين شاركوا في الاجتماعات الأولى، قد توقفوا (دون عذر) عن الاجتماعات كما ورد في تقرير اللجنة وعلى حد ما ذكر بروفيسور عبد الله، وهم: بلال عوض الله محمد ممثل اتحاد مزارعي السودان، وعباس حمد الترابي رئيس اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، وكمال محمود النقر ممثل نقابة العاملين بمشروع الجزيرة.
** قضية الري
قرار أيلولة إدارة عمليات الري لإدارة مشروع الجزيرة بدلاً عن وزارة الري والموارد المائية والذي صدر في العام 2011م، وما تبعه من انضمام عدد قليل من المهندسين الذين كانوا يعملون في إدارة الري بالمشروع لهذه الإدارة، وما ترتب عليه من تحويل إدارة قنوات الحقل من أبواب الترع الفرعية لروابط مستخدمي المياه قبل تأهيلها ودون ضوابط هندسية آثار سالبة على عمليات الري في المشروع، ساهم في تعقيد مشكلة الري بمشروع الجزيرة بسبب عدم إلمام روابط مستخدمي المياه بالأعمال الهندسية لمسح وتطهير الترع الفرعية وإدارة المياه وعدم وجود المرجعية الفنية.
وزاد من تعقيد الأمر، عدم التزام المزارعين بالدورة الزراعية، وبفتح العدد المقرر من قنوات أبو عشرين، بالإضافة لعدم التزامهم بمواقيت الزراعة للمحاصيل المُختلفة.
ونتج عن هذا الخلل في الري عطش في بعض المناطق وغرق في مناطق أخرى، واضطر بعض المزارعين لاستخدام المضخات لرفع المياه من الترع الفرعية التي انخفضت مناسيب المياه فيها عن مناسيب قنوات الحقل نتيجةً للتطهير غير السليم للترع الفرعية وقنوات أبو عشرين.
وقال بروفيسور عبد الله عبد السلام، إنه لا توجد جامعة في السودان تخرج مهندسي ري، وإنما تصنعهم وزارة الري. مضيفاً: (إذا ضاعت وزارة الري، ضاع معها مستقبل الري في السودان).
** إلغاء قانون 2005م
اشتمل قانون مشروع الجزير لسنة 2005م، على "30" مادة، "19" منها إجرائية، و"11" مادة هي صلب القانون. ومعظم أحكام قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م فُسّرت وطُبّقت بطريقة معيبة أدت إلى تدهور في البني التحتية وضياع الأصول وتراجع نظم الانتاج فأحبط معنويات المزارعين. وعليه فقد رأت اللجنة أن يُلغى قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م وتُنشئ رئاسة الجمهورية جهازاً مؤقتاً من كوادر ذات كفاءة علمية وخبرة عالية في شأن المشروع تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية.
** عودة وزارة الري
بروفيسور أحمد محمد آدم الوكيل الأسبق لوزارة الري، وصف استخراج البترول بأنه كان لعنة على البلاد ما استدعى عودتها للزراعة. مطالباً باتحاد كافة أبناء الجزيرة بمن فيهم المشاركين في تدمير المشروع، فيما تعالت فيه أصوات الحاضرين برفض هذا المقترح.
http://www5.0zz0.com/2014/09/26/21/931706631.jpg
وشدد أحمد على ضرورة صدور قرار بعود وزارة الري وأن يوفر لها مشروع تأهيل في أسرع وقت لأن ري القنوات لم يعد انسيابياً وبسبب ما وصفه بالحفر الجائر للقنوات، والعمل التجاري في إزالة الأطماء ما اعتبره أمراً كارثياً. لافتاً لضرورة عمل دراسة لكمية الأطماء المفترض إزالتها سنوياً وليس برغبة أصحاب الشركات والكركات. محذراً من أن قيام سد النهضة سيعمل على اختفاء الطمي بصورة نهائية خلال السنوات القادمة.
وانتقد أحمد مشروع تعلية الروصيرص، متسائلاً: ماذا نفعل بها؟ وكشف أن المياه المتوفرة حالياً في حدود "أربعة" مليار إضافية لا يستفيد منها مشروع الجزيرة شيئاً ما يتطلب إنشاء قناة جديدة أو تأهيل قناة المناقل الحالية. مؤكداً أن تعلية الروصيرص ليس لها قيمة لمشروع الجزيرة ما لم يتم تأهيل الترع الرئيسة.
وقال أحمد إن المياه التي خرجت من خزان سنار منذ العام 1980م وحتى 2005م كانت في الحدود المعقولة، حيث بلغت المساحة المزروعة في العام 1992م، 1.7 مليون فدان مليون منها على مستوى السودان، ونحو "613" ألف فدان بولاية الجزيرة، حيث تمت زراعة القمح وتصدير جانب منه إلي الخارج وتم هذا في وقت كان فيه عقل الحكومة معها على حد تعبيره.
ونوه إلي أن استهلاك مشروع الجزيرة من المياه في العام 1992م، بلغ "6" مليار متر مكعب، مقابل "8.7" مليار متر مكعب في العام 2012م ما اعتبره بروفيسور أحمد تبذيراً وأمراً غير جائز من الناحية الشرعية، ما سيدخل البلاد في وعثة كبيرة مع العالم باعتبارها مياه إقليمية تهم كل دول الحوض.
** الشركات المتكاملة
وبحسب تقرير لجنة تاج السر فقد ساهمت شركات القطاع الخاص في عمليات الري وتحضير الأرض وتعاظمت مديونياتها على إدارة المشروع قبل عام 2005م. ولما كانت وحدة الهندسة الزراعية قد تدهورت وعجزت عن الاضطلاع بمهامها، فقد قضت أحكام قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م بخصخصتها. وعمل مجلس الإدارة على تشجيع تكوين الشركات المتكاملة للخدمات الزراعية
والري المشروع ووفّر لها تسهيلات مصرفية من البنك الزراعي وبدأها بست شركات في موسم 2010م-2011م ثم ارتفعت إلى 21 شركة في الموسم التالي.
وأوكلت جميع عمليات صيانة وإدارة قنوات الري والخدمات الزراعية وإدارة أصول المشروع في الحقول لهذه الشركات من خلال التعاقد مع إدارة المشروع في المرحلة الأولى، وفى المرحلة الثانية كان التعاقد مع روابط مستخدمي المياه. وفى مرحلة لاحقة أسندت لهذه الشركات مهمة تحصيل رسوم المياه والإدارة، ولكنّ التجربة فشلت وأعيدت المهمة لروابط مستخدمي المياه.
ونتج عن غياب الهندسة الزراعية وعدم الإشراف الفنى على التأهيل والصيانة التي اضطلعت بها الشركات المتكاملة تدهور كبير في شبكة الري والبيئة الزراعية بالمشروع.
وانتقد حراك أبناء الجزيرة هذه الشركات بسبب افتقارها للخبرة، والتأهيل، والكوادر الفنية. وساعد قربهم من مركز القرار على استحواذهم على تمويل بلغ في جملته (276) مليون جنيه. ومن بين هذه الشركات ما يفترض أن يكون أصحابها ممثلين للمزارعين في مجلس إدارة مشروع الجزيرة. وجرت الإشارة إلي أن ستة أشخاص يمثلون المزارعين في مجلس إدارة المشروع قد تملكوا شركات متكاملة بالمليارات، حيث عاثت هذه الشركات فساداً في أرض المشروع، وقد فضحتهم القنوات الفارغة والمحفورة بطرف واحد نسبة لغياب المهندسين، ومختصي القياس، ويقطع أصحاب هذه الشركات الحياة عن المزارعين لتمتلئ جيوبهم.
** حوار مجتمعي
المؤتمرات القاعدية التي ابتدرها حراك أبناء الجزيرة الموحد للتغير والتنمية بحسب ما ذكر رئيس الحراك المهندس عمر يوسف، تستهدف في الأساس، التواصل مع قواعد الحراك لإدارة حوار مجتمعي حقيقي يفيض لبلورة رؤية الحراك حول قضايا مشروع الجزيرة، بجانب تصعيد عضوية المؤتمر للجمعية العمومية للحراك، والحصول على تفويض العضوية لقيادة الحراك نحو إصلاح مشروع الجزيرة.
وكان حراك أبناء الجزيرة قد تشكل على خلفية الحال المزرية التي آلت إليها ولاية الجزيرة، وتوقف مشروعات التنمية، وتدني الخدمات الضرورية التي يحتاجها المواطن نتيجة لضعف موارد الولاية، وشح الدعم الذي يجود به المركز وكل ذلك نتاج التدهور الذي أصاب مشروعاتها الاقتصادية وعلى رأسها مشروع الجزيرة الذي تم تخريبه، وتفكيك منشآته ما أدى إلي اعتلاك الوضع الاقتصادي، والاجتماعي للجزيرة والسودان بأكمله.
http://www5.0zz0.com/2014/09/26/21/322074801.jpg
** توصيات الحراك:
قرر حراك أبناء الجزيرة في التوصيات الختامية لمؤتمره القاعدي الأول، العمل على تغيير المنظومة المتحكمة في إدارة المشروع واتخاذ القرار فيه بأن تكون إدارته شراكة (عادلة) بين المزارعين، ومواطني الولاية، والحكومة الاتحادية دون وصاية من طرف على الآخرين، وأن يتم اختيار المزارعين بواسطة المزارعين وفق انتخابات حرة، وشفافة، ومراقبة، بجانب الضغط من أجل تنفيذ مخرجات مراجعة الأداء بمشروع الجزيرة، وإلغاء قانون 2005م، وهي مطالب مشروعة يؤيدها جمهور مزارعي المشروع.
http://www5.0zz0.com/2014/09/26/21/654685205.jpg
كما قرر الحراك الدفع بعدم شرعية اتحاد المزارعين المنتهية ولايته، وببطلان ما ترتب على ذلك وعلى رأسها تمثيلهم للمزارعين في مجلس إدارة مشروع الجزيرة، والسعي لضمان اختيار ممثلي المزارعين من عناصر مشهود لها بالنزاهة، والكفاءة، والأمانة، وأن يتم اختيارهم عبر انتخابات حرة وشفافة.
وأقر الحراك تكوين لجنة قانوينة للتحقيق في التجاوزات والمخالفات التي أدت لضياع أصول وممتلكات المشروع وتدهوره، ورفع دعاوى ضد المتسببين في ذلك، وفتح ملف شركات الخدمات المتكاملة والممولة من المال العام، والمملكة لقيادات اتحاد المزارعين والموالين لهم، والتقصي عن مدى تقيد الجهة الممولة بالشروط الحاكمة لتمويل هذه العمليات.
وشدد الحراك على ضرورة إعادة وزارة الري والموارد المائية، كوزارة موحدة، وأن تتولى مسئولية إدارة شبكة الري بكاملها بما فيها القنوات (الترع) الفرعية حتى فم أبوعشرين وتمكينها من الإشراف على الري بالمشروع.
هذا علاوة على أن يتبنى الحراك عبر قطاعه القانوني إعداد مسودة قانون لمشروع الجزيرة يكون بديلاً لقانون 2005م المثير للجدل والذي أوصى تقرير لجنة تاج السر بإلغائه، إضافة لتكوين فريق عمل لإسناد الجهود التي تبذل لإنجاح العروة الشتوية في غياب اتحاد يحمل هم المزارعين ويتدبر شؤونهم.
حراك أبناء الجزيرة الموحد للتنمية والتغيير يعقد مؤتمره القاعدي الأول بمدينة المسلمية وسط حضور كبير للمزارعين
مطالب بتكوين لجنة قانوينة للتحقيق في التجاوزات والمخالفات التي أدت لضياع أصول وممتلكات المشروع
المناداة بفتح ملف شركات الخدمات المتكاملة والدفع بعدم شرعية اتحاد المزارعين المنتهية ولايته
يرى الكثير من المراقبين أن مشروع الجزيرة يعيش ما تعارف عليه اليوم بـ(الصوملة)، أي أنه بات مفككاً، ولا يعرف له مسئول. حال وصفه بروفيسور عبد الله عبد السلام الوزير الأسبق للزراعة والثروة الحيوانية والري، عضو حراك أبناء الجزيرة للتغيير والتنمية، بـ(الهمل) فهو- أي المشروع- قد فقد البوصلة تماماً في كافة نواحيه الزراعية، والإدارية، والفنية. واقع يفرض على الدولة إعادة النظر فيما يجري، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتدارك الحال قبل فوات الأوان، وإصلاح ما تم تخريبه، وهدمه حتى تعود للمشروع سيرته الأولى كأحد أعمدة الاقتصاد والتنمية التي يعول عليها.
http://www2.0zz0.com/2014/09/26/21/926780073.jpg
** ماذا يدور بالمشروع؟
حديث بروفيسور صلاح جاء في فاتحة المؤتمرات القاعدية لحراك أبناء الجزيرة الموحد للتغيير والتنمية بمدينة المسلمية السبت الماضي، كشكل من أشكال التواصل مع قواعد الحراك لإدارة حوار مجتمعي حقيقي يفضي لبلورة رؤية الحراك حول قضايا ولاية الجزيرة وعلى رأسها المشروع.
بروفيسور صلاح كان على رأس لجنة فنية ضمت إلي جانبه د. أحمد محمد آدم الوكيل الأسبق لوزارة الري، وعمر عبد الوهاب وكيل وزارة الزراعة الاتحادية، أصدرت تقريراً في العام 2009م نبهت فيه الدولة لما يجري بمشروع الجزيرة من تدهور مضطرد في وقت كان فيه حال المشروع أحسن مما هو عليه الآن.
يقول بروفيسور صلاح: بعد اضطلاع اللجنة على العديد من الجوانب المحيطة بمشروع الجزيرة من خلال الزيارات الميدانية، والمقابلات المطولة، وما صحب ذلك من تحليل دقيق لما يجري، خلصت اللجنة إلي حقيقة (مرة المذاق)، وهي أن المشروع يسير بسرعة إلي مصير مجهول، وهاوية سحيقة، إن لم يتم تداركه الآن فلن تنفع فيه أي معالجات تأتي لاحقاً، وإن ما حدث ضرر غير قابل للإصلاح.
ويضيف: إن ما جرى في السنوات القليلة الماضية، وما يجري الآن من سرقات، ونهب منظم لممتلكات المشروع، وبنيته التحتية، لأوضح دليل على فقدان إدارة المشروع لهيبتها وسط جمهور المزارعين، وقاطني المشروع بصفة خاصة، بل أن تقليص مستوى، وسلطات قيادة المشروع من درجة محافظ، وإلي مدير عام، ومن تعيين بواسطة رئيس الجمهورية، إلي تعيين بواسطة مجلس إدارة المشروع بالتعاقد، لأصدق دليل على تدني مستوى وقيمة المشروع لدى الدولة.
http://www2.0zz0.com/2014/09/26/21/300735398.jpg
** توصيات لجنة تاج السر
وكشف بروفيسور عبد الله عبد السلام عضو لجنة مراجعة وتقييم وتقويم الأداء بمشروع الجزيرة التي تشكلت بموجب قرار الأستاذ علي عثمان محمد طه– النائب الأول لرئيس الجمهورية– رئيس المجلس الأعلى للنهضة الزراعية الصادر في فبراير 2013م، عن جانب مما توصلت إليه اللجنة.
وأشارت اللجنة في تقريرها إلي أن ما شهده المشروع من تدهور ينبغي أن يسأل عنه عنه القائمون على أمر المشروع، ولا بد من المحاسبة الصارمة، والأمينة لكل من فرط في أمانة التكليف، وتسبب في انهيار كافة بنياته الأساسية التي وصلت إلي الدرجة التي صارت عرضة للتصفية والبيع بعد أن نهبت وسرقت.
وحملت اللجنة بحسب بروفيسور عبد الله مجلس إدارة المشروع قبل وبعد صدور قانون 2005م المسئولية التامة عما وصل إليه المشروع من حالة متردية، فيما يتحمل اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، عِظم مسئولية ما حدث بالمشروع.
وكانت اللجنة قد اتصلت برئيس الجمهورية عقب اضطلاعها على ما يجري بمشروع الجزيرة لإيقاف ما وصفه بروفيسور عبد الله بـ(النزيف)، فصدر قرار جمهوري أوكل مسئولية حماية البنية الأساسية لولاية الجزيرة على أن تتولى وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة تمويل هذه الحماية.
قرار مر عليه الآن أكثر من عام وللأسف الشديد- كما قال بروفيسور عبد الله- لم ينفذ هذا القرار؛ فلا ولاية الجزيرة حمت المشروع وأمنته، ولا وزارة المالية دفعت المبالغ المطلوبة لهذه الحماية، وظل المشروع عرضة للنهب والسرقة.
وإذا ما طرح سؤال لماذا يتبنى حراك أبناء الجزيرة ما ورد في تقارير إصلاح المشروع، فإن الإجابة وكما أوردها بروفيسور عبد الله أن ولاية الجزيرة وخلافاً لكثير من الولايات التي تدفع الأموال للتنمية والإعمار، (يشلع) ما فيها من بنية أساسية وإعمار.
http://www2.0zz0.com/2014/09/26/21/413549038.jpg
** ضياع مستندات المشروع
والمؤسف جداً أن كل المستندات الخاصة بمشروع الجزيرة منذ عام 1925م قد ضاعت تماماً. وبحسب بروفيسور عبد الله، فإن حقوق الناس، وأوراق ملكية الحواشات، وكل المستندات المحفوظة في المكاتب، قد استخدمها البعض ومنهم الرعاة، في إشعال النيران. مشهد يعيد للأذهان هجوم (التتر) على بغداد ورميهم للكتب وما حوته بطونها من تاريخ وأمجاد، في دجلة والفرات.
لجنة تاج السر كانت قد عقدت نحواً من مائة اجتماع، غير أن بعض أعضائها الذين شاركوا في الاجتماعات الأولى، قد توقفوا (دون عذر) عن الاجتماعات كما ورد في تقرير اللجنة وعلى حد ما ذكر بروفيسور عبد الله، وهم: بلال عوض الله محمد ممثل اتحاد مزارعي السودان، وعباس حمد الترابي رئيس اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، وكمال محمود النقر ممثل نقابة العاملين بمشروع الجزيرة.
** قضية الري
قرار أيلولة إدارة عمليات الري لإدارة مشروع الجزيرة بدلاً عن وزارة الري والموارد المائية والذي صدر في العام 2011م، وما تبعه من انضمام عدد قليل من المهندسين الذين كانوا يعملون في إدارة الري بالمشروع لهذه الإدارة، وما ترتب عليه من تحويل إدارة قنوات الحقل من أبواب الترع الفرعية لروابط مستخدمي المياه قبل تأهيلها ودون ضوابط هندسية آثار سالبة على عمليات الري في المشروع، ساهم في تعقيد مشكلة الري بمشروع الجزيرة بسبب عدم إلمام روابط مستخدمي المياه بالأعمال الهندسية لمسح وتطهير الترع الفرعية وإدارة المياه وعدم وجود المرجعية الفنية.
وزاد من تعقيد الأمر، عدم التزام المزارعين بالدورة الزراعية، وبفتح العدد المقرر من قنوات أبو عشرين، بالإضافة لعدم التزامهم بمواقيت الزراعة للمحاصيل المُختلفة.
ونتج عن هذا الخلل في الري عطش في بعض المناطق وغرق في مناطق أخرى، واضطر بعض المزارعين لاستخدام المضخات لرفع المياه من الترع الفرعية التي انخفضت مناسيب المياه فيها عن مناسيب قنوات الحقل نتيجةً للتطهير غير السليم للترع الفرعية وقنوات أبو عشرين.
وقال بروفيسور عبد الله عبد السلام، إنه لا توجد جامعة في السودان تخرج مهندسي ري، وإنما تصنعهم وزارة الري. مضيفاً: (إذا ضاعت وزارة الري، ضاع معها مستقبل الري في السودان).
** إلغاء قانون 2005م
اشتمل قانون مشروع الجزير لسنة 2005م، على "30" مادة، "19" منها إجرائية، و"11" مادة هي صلب القانون. ومعظم أحكام قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م فُسّرت وطُبّقت بطريقة معيبة أدت إلى تدهور في البني التحتية وضياع الأصول وتراجع نظم الانتاج فأحبط معنويات المزارعين. وعليه فقد رأت اللجنة أن يُلغى قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م وتُنشئ رئاسة الجمهورية جهازاً مؤقتاً من كوادر ذات كفاءة علمية وخبرة عالية في شأن المشروع تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية.
** عودة وزارة الري
بروفيسور أحمد محمد آدم الوكيل الأسبق لوزارة الري، وصف استخراج البترول بأنه كان لعنة على البلاد ما استدعى عودتها للزراعة. مطالباً باتحاد كافة أبناء الجزيرة بمن فيهم المشاركين في تدمير المشروع، فيما تعالت فيه أصوات الحاضرين برفض هذا المقترح.
http://www5.0zz0.com/2014/09/26/21/931706631.jpg
وشدد أحمد على ضرورة صدور قرار بعود وزارة الري وأن يوفر لها مشروع تأهيل في أسرع وقت لأن ري القنوات لم يعد انسيابياً وبسبب ما وصفه بالحفر الجائر للقنوات، والعمل التجاري في إزالة الأطماء ما اعتبره أمراً كارثياً. لافتاً لضرورة عمل دراسة لكمية الأطماء المفترض إزالتها سنوياً وليس برغبة أصحاب الشركات والكركات. محذراً من أن قيام سد النهضة سيعمل على اختفاء الطمي بصورة نهائية خلال السنوات القادمة.
وانتقد أحمد مشروع تعلية الروصيرص، متسائلاً: ماذا نفعل بها؟ وكشف أن المياه المتوفرة حالياً في حدود "أربعة" مليار إضافية لا يستفيد منها مشروع الجزيرة شيئاً ما يتطلب إنشاء قناة جديدة أو تأهيل قناة المناقل الحالية. مؤكداً أن تعلية الروصيرص ليس لها قيمة لمشروع الجزيرة ما لم يتم تأهيل الترع الرئيسة.
وقال أحمد إن المياه التي خرجت من خزان سنار منذ العام 1980م وحتى 2005م كانت في الحدود المعقولة، حيث بلغت المساحة المزروعة في العام 1992م، 1.7 مليون فدان مليون منها على مستوى السودان، ونحو "613" ألف فدان بولاية الجزيرة، حيث تمت زراعة القمح وتصدير جانب منه إلي الخارج وتم هذا في وقت كان فيه عقل الحكومة معها على حد تعبيره.
ونوه إلي أن استهلاك مشروع الجزيرة من المياه في العام 1992م، بلغ "6" مليار متر مكعب، مقابل "8.7" مليار متر مكعب في العام 2012م ما اعتبره بروفيسور أحمد تبذيراً وأمراً غير جائز من الناحية الشرعية، ما سيدخل البلاد في وعثة كبيرة مع العالم باعتبارها مياه إقليمية تهم كل دول الحوض.
** الشركات المتكاملة
وبحسب تقرير لجنة تاج السر فقد ساهمت شركات القطاع الخاص في عمليات الري وتحضير الأرض وتعاظمت مديونياتها على إدارة المشروع قبل عام 2005م. ولما كانت وحدة الهندسة الزراعية قد تدهورت وعجزت عن الاضطلاع بمهامها، فقد قضت أحكام قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م بخصخصتها. وعمل مجلس الإدارة على تشجيع تكوين الشركات المتكاملة للخدمات الزراعية
والري المشروع ووفّر لها تسهيلات مصرفية من البنك الزراعي وبدأها بست شركات في موسم 2010م-2011م ثم ارتفعت إلى 21 شركة في الموسم التالي.
وأوكلت جميع عمليات صيانة وإدارة قنوات الري والخدمات الزراعية وإدارة أصول المشروع في الحقول لهذه الشركات من خلال التعاقد مع إدارة المشروع في المرحلة الأولى، وفى المرحلة الثانية كان التعاقد مع روابط مستخدمي المياه. وفى مرحلة لاحقة أسندت لهذه الشركات مهمة تحصيل رسوم المياه والإدارة، ولكنّ التجربة فشلت وأعيدت المهمة لروابط مستخدمي المياه.
ونتج عن غياب الهندسة الزراعية وعدم الإشراف الفنى على التأهيل والصيانة التي اضطلعت بها الشركات المتكاملة تدهور كبير في شبكة الري والبيئة الزراعية بالمشروع.
وانتقد حراك أبناء الجزيرة هذه الشركات بسبب افتقارها للخبرة، والتأهيل، والكوادر الفنية. وساعد قربهم من مركز القرار على استحواذهم على تمويل بلغ في جملته (276) مليون جنيه. ومن بين هذه الشركات ما يفترض أن يكون أصحابها ممثلين للمزارعين في مجلس إدارة مشروع الجزيرة. وجرت الإشارة إلي أن ستة أشخاص يمثلون المزارعين في مجلس إدارة المشروع قد تملكوا شركات متكاملة بالمليارات، حيث عاثت هذه الشركات فساداً في أرض المشروع، وقد فضحتهم القنوات الفارغة والمحفورة بطرف واحد نسبة لغياب المهندسين، ومختصي القياس، ويقطع أصحاب هذه الشركات الحياة عن المزارعين لتمتلئ جيوبهم.
** حوار مجتمعي
المؤتمرات القاعدية التي ابتدرها حراك أبناء الجزيرة الموحد للتغير والتنمية بحسب ما ذكر رئيس الحراك المهندس عمر يوسف، تستهدف في الأساس، التواصل مع قواعد الحراك لإدارة حوار مجتمعي حقيقي يفيض لبلورة رؤية الحراك حول قضايا مشروع الجزيرة، بجانب تصعيد عضوية المؤتمر للجمعية العمومية للحراك، والحصول على تفويض العضوية لقيادة الحراك نحو إصلاح مشروع الجزيرة.
وكان حراك أبناء الجزيرة قد تشكل على خلفية الحال المزرية التي آلت إليها ولاية الجزيرة، وتوقف مشروعات التنمية، وتدني الخدمات الضرورية التي يحتاجها المواطن نتيجة لضعف موارد الولاية، وشح الدعم الذي يجود به المركز وكل ذلك نتاج التدهور الذي أصاب مشروعاتها الاقتصادية وعلى رأسها مشروع الجزيرة الذي تم تخريبه، وتفكيك منشآته ما أدى إلي اعتلاك الوضع الاقتصادي، والاجتماعي للجزيرة والسودان بأكمله.
http://www5.0zz0.com/2014/09/26/21/322074801.jpg
** توصيات الحراك:
قرر حراك أبناء الجزيرة في التوصيات الختامية لمؤتمره القاعدي الأول، العمل على تغيير المنظومة المتحكمة في إدارة المشروع واتخاذ القرار فيه بأن تكون إدارته شراكة (عادلة) بين المزارعين، ومواطني الولاية، والحكومة الاتحادية دون وصاية من طرف على الآخرين، وأن يتم اختيار المزارعين بواسطة المزارعين وفق انتخابات حرة، وشفافة، ومراقبة، بجانب الضغط من أجل تنفيذ مخرجات مراجعة الأداء بمشروع الجزيرة، وإلغاء قانون 2005م، وهي مطالب مشروعة يؤيدها جمهور مزارعي المشروع.
http://www5.0zz0.com/2014/09/26/21/654685205.jpg
كما قرر الحراك الدفع بعدم شرعية اتحاد المزارعين المنتهية ولايته، وببطلان ما ترتب على ذلك وعلى رأسها تمثيلهم للمزارعين في مجلس إدارة مشروع الجزيرة، والسعي لضمان اختيار ممثلي المزارعين من عناصر مشهود لها بالنزاهة، والكفاءة، والأمانة، وأن يتم اختيارهم عبر انتخابات حرة وشفافة.
وأقر الحراك تكوين لجنة قانوينة للتحقيق في التجاوزات والمخالفات التي أدت لضياع أصول وممتلكات المشروع وتدهوره، ورفع دعاوى ضد المتسببين في ذلك، وفتح ملف شركات الخدمات المتكاملة والممولة من المال العام، والمملكة لقيادات اتحاد المزارعين والموالين لهم، والتقصي عن مدى تقيد الجهة الممولة بالشروط الحاكمة لتمويل هذه العمليات.
وشدد الحراك على ضرورة إعادة وزارة الري والموارد المائية، كوزارة موحدة، وأن تتولى مسئولية إدارة شبكة الري بكاملها بما فيها القنوات (الترع) الفرعية حتى فم أبوعشرين وتمكينها من الإشراف على الري بالمشروع.
هذا علاوة على أن يتبنى الحراك عبر قطاعه القانوني إعداد مسودة قانون لمشروع الجزيرة يكون بديلاً لقانون 2005م المثير للجدل والذي أوصى تقرير لجنة تاج السر بإلغائه، إضافة لتكوين فريق عمل لإسناد الجهود التي تبذل لإنجاح العروة الشتوية في غياب اتحاد يحمل هم المزارعين ويتدبر شؤونهم.