يوميات مغترب شرع في اجازته السنوية (1)
يوميات مغترب شرع في إجازته السنوية (1)
monim_hasan@hotmail.com
هو رجل جسور وصبور من مغتربي السعودية المناضلين، كانت حساباته هذه السنة بالذات غاية في التعقيد ولم يكن لديه ما يكفي من المال لهذه الإجازة الميمونة والتي كان لزاما عليه ( نزولها ) هذا العام لحسم الكثير من القضايا المعلقة هناك، وكان التفكير المستمر فيها مصدر قلقه وسهره وتعاسته منذ عدة شهور سابقة ، تارة يقرر السفر وتارة يلغي الفكرة إلى أن منّ الله عليه ببعض المال، ولملم أطرافه وحزم أغراضه وانطلق إلى جدة مرورا بمكة لعمل عمرة و( يا الباخرة جاك زول ) كان لديه بعض الوزن الزائد ولا حل أمامه سوى الباخرة ، كان يحمل مشاعر متباينة ومتناقضة بين الشوق واللهفة والخوف والإحباط ، لم يشتر هدايا للجماعة كالعادة لوجود اهتمامات والتزامات أخرى هذه السنة ،واكتفى ببعض الملابس المحدودة لبناته وزوجته فقط ،كما أنه اشترى ( خلاطات ) لحمامات منزله وبعض الحنفيات و( دُش ) وحوض مطبخ استانلس استيل وبعض مفاتيح الكهرباء الأصلية وبعض النجفات ، وثلاث مراوح سقف ماركة CMC ،أشترى هذه المواد بعد أن (كسّرت) المرأة المستأجرة لمنزله جميع معدات السباكة والكهرباء و( هرستها ) و( كومتها في نص البيت ) وهربت بعد أن تركت مفتاح البيت لدى صاحب الدكان المجاور للمنزل ولم تترك أي بيانات للاستدلال عليها وسؤالها لماذا فعلت هذا التصرف الجنوني قبل إخلائها للمنزل مباشرة على الرغم من أنها خرجت طوعا وليس عن طريق البوليس، أيضا أخذ معه (ريسفر) صيني كان موجود لديه سلفا كان قد كسبه كجائزة من أحد ( المولات ) ، كما أنه أشترى كيس حليب ( آنكور) زنة 25 كيلو ، ومكيف صحراوي ( مفرتك ) قام بتستيفه بعناية في كرتونة بنصف حجم كرتونته الأصلية ،واشترى أيضا مطبخ ألمونيوم ( مفرتك برضه) ومستعمل قام بشرائه من الحراج ، واشترى ( ثيرمس ) شاي كبير (بتاع) مناسبات ماركة ( تايقر ) كما أخذ معه ثلاث سراير ماليزية وثلاث مخدات مضغوطة وطقمين ملايات وعلبة حلاوة ( جواهر)وعلبة عصير بودرة ماركة( ترايسي ) وكرتون ( آندومي) . كما استبدل جواله ( الدمعة ) بآخر ماركة N95 مستعمل استعمال خفيف ، كما اشترى شاشة LCD مستعملة لكمبيوتر الأولاد الذي أفادوه بأن شاشته احترقت وتكلفة صيانتها أغلى من شراء أخرى جديدة ، أيضا حمل مع أشواقه ولهفته لبناته( لاب توبه ) الـ Acer القديم وهو نفس( اللابتوب ) الذي سافر به في إجازته السابقة حيث لم تسمح الميزانية باستبداله بآخر جديد ماركة (توشيبا) كما كان يتمنى، لكنه قام بعمل بعض التحسينات عليه وحمّل عدد كبير من البرامج والصور والأفلام الكرتونية والعاب الـ games لبناته .
وبينما حافلة النقل الجماعي تنهب الإسفلت ناحية مكة ،كان صاحبنا مستغرقا في أفكاره ومشاكله وضغوطه فيغشاه النعاس ولا شعوريا يأخذ ( دقسة ) حتى يميل رأسه فوق كتف جاره بالمقعد الهندي الجنسية المتجه للعمرة ، فيسنده الهندي ويعيده إلى مكانه فيصحو مفزوعا ويتحسس محفظته وجواله وجوازه، وبعد أن يطمئن على ثلاثتها يقول للهندي ( ما قربنا لي مكة يا صديق ) فيجيبه الهندي بسخرية( وين مكة صديق نحنا الحين لسه مافي حصل عفيف ) فيصاب بإحباط شديد من بطء البص ويعود مرة أخرى إلى استغراقه ونومه وأحلامه . فيعيد شريط الذكريات والالتزامات ويصاب بخيبة أمل عندما لا يصل لحل منطقي لكيفية تغطية ما في جيبه للمشاريع التي يود انجازها في إجازته ، فتجده يحدث نفسه ( حاجات السباكة والكهرباء معاي ) والمواد التموينية ( معاي ) والضريبة والزكاة سددتها بالسفارة والإيصال ( معاي ) فيطمئن وتهدأ نفسه نسبيا ، وما أن يتذكر الطوب والسيخ والاسمنت المطلوبة لعمل ( سايفون ) لمنزله حتى يعود إلى ضجره وقلقه واستغراقه العميق ، فيتحسس مرة أخرى محفظته وجوازه وجواله الفخم الذي يخطط لبيعه في آخر الإجازة إذا اضطرت الظروف، فيعود إلى رشده مؤقتا ويعادوه النوم مرة أخرى و( ويطيح ) بكامل ثقله هذه المرة على جسد العامل الهندي النحيل فيعيده الهندي إلى مكانه بصعوبة فينظر إليه خجلا ويرمقه بنظرة أسف واعتذار فيفهمها الهندي الفطن ويقول :( مافي مشكل صديق ).وبين صحو ونوم وكوابيس يسمع صوت سائق (البص ) يعلن وصولهم إلى منطقة ( السيل الكبير ) حيث الميقات ويطلب من الجميع التوجه بسرعة لمسجد (السيل) بغرض الاستعداد ولبس ( الإحرام ) وعمل كافة الطقوس والنية حتى يتمكنوا من لحاق صلاة الفجر بالحرم النبوي الشريف ، وما هي إلا ساعة بعد ذلك حتى وصل بص النقل الجماعي إلى مكة المكرمة وبعد أن حفظ صاحبنا أغراضه بغرفة الفندق جيدا، توجه مبتهلا للحرم وأدى عمرته بنية خالصة وأكثر من الدعاء والابتهال لله سبحانه وتعالى كي يوفقه ويسهل أمره في هذه الرحلة المحفوفة بالمخاوف والمحاذير ، وخرج من الحرم مطمئنا ومشبعا بالأمل ، فارتاحت نفسه وهدأت سريرته وذهب للفندق واخذ أغراضه وطيران ( يا جدة جال زول ) وتوجه مباشرة لمنطقة الميناء مرورا بمكتب الشحن حيث أغراضه ( المشحونة) ومضت الإجراءات بصورة سلسلة وقام بتسليم ( عفشه) إلى حوش باخرة (باعبود) ولم يزعجه ويعكر صفوه سوى تعامل العمال الخشن مع أغراضه الحساسة، فكلما يمسكون بقطعة بغرض ( جدعها ) على سطح (التريلا) حتى ينقبض قلبه ويصيح فيهم ( يا أخي براحة دي فيها قزاز) ، ( ياخي حرام عليك دي فيها حاجات بتتكسر ) والعمال لا يعيرون صيحاته أي اهتمام ويواصلون في جدع العفش دون رحمة أو اهتمام أو خوف .
لم تنطلق الباخرة من ميناء جدة في موعدها المعروف بسبب كثرة سيارات الإفراج المؤقت هذه السنة حيث ينتابك شعور بأن مع كل راكب سيارة إفراج مؤقت ، إضافة لبعض السخف والروتين الذي يحدث في مثل هذه الظروف، حيث ينتابك إحساس منذ دخول هذه المنطقة بأنك في السودان وتبدأ معك علاماته المميزة وهي ( العطلة) و( المدافرة ) و( الأنانية ) فما أن فُتح باب الدخول للباخرة حتى هجم الناس بطريقة همجية بغرض حجز الأماكن الإستراتيجية والكنب للنوم بدلا عن الجلوس ، كل شاب نشيط وسريع حظي بكنبة كاملة وضع عليها ( شنطته ) المقدسة وتمدد عليها كملك حر له ، وكلما تقترب من أحدهم عله يقول لك تفضّل يبادرك بأنه معه جماعة وهذا المكان محجوز لهم ، لم يكن صديقنا من الذين تروق لهم مسالة ( المدافرة ) فلم يجد بطبيعة الحال كنبة خالية كي يجلس عليها فذهب إلى سطح الباخرة ووقف على الحافة يتأمل البحر ويشكو إليه همومه ويبث أشجانه وأحزانه فيستلهم من سكوته الكثير من العبر والدروس ويجد فيها خير مبرر للسكوت على أوجاعه وآلامه الخاصة. وبعد مد وجزر وسخف تهادت الباخرة من مرفأها بجدة صوب سواكن بسلحفائية مميتة وكان الليل قد أسدل ستره ولم يعد صاحبنا يرى سوى الظلمة الكالحة والمدى الغير محدود فهرب من هذا المنظر المحبط إلى قلب الباخرة حيث( الكافتيريا) وطلب كوب ( نسكافيه بالحليب) وجلس مع الجالسين لمتابعة فيلم ( اللمبي ) لمحمد سعد ، فوجد فيه بعض السلوى والضحك مما أخرجه من حالة الإحباط والتعاسة بسبب بطء الباخرة ، ولكن ما شلّ تركيزه عن متابعة الفيلم تلك الضحكات والاجتماعات الجانبية على هامش الفيلم لأناس غير متابعين للفيلم ولا يهمهم أمره وإنما هم مشغولين بشدة بسيارتهم المشحونة (بقعر) الباخرة فذاك يؤكد أن ( الاكسنت ) سوقها ( حار ) وجماركها معقولة وآخر يمدح ( البكاسي ) موديل 78 ويؤكد أنها هي التجارة الرابحة وثالث يحلف بالطلاق أنه ليس هناك أجدى واربح من ( الكورلا ) وأنه في سفريته الماضية شحن ليه ( كوريلا 2006) وقضى بها إجازته كلها وسافر بها الى البلد و( تزوج ) وحام السودان كله وفي النهاية باعها بمكسب خمسة مليون ، وهناك ( شلة ) أخرى تتناقش حول سعر الريال والازدياد المضطرد فيه ويتغالطون حول جدوى أخذ فلوسهم ( كاش ) أم بضاعة ، ومجموعة ثالثة راقية نسبيا تتحدث عن جدوى شراء الأجهزة المنزلية من السعودية وخاصة التلفزيونات الـ LCD ولكنهم يعيبون شحنها في الباخرة لكونها ربما تتكسر بسبب تعامل عمال الشحن الغير مسئول ، فلم يفهم صاحبنا شيء من الفيلم سوى رقصة محمد سعد العجيبة وصوته المجلجل وهو يغني:
حب إيه ده اللجاي تقول عليــه
انـت ما بينك وبين الحب دنيـا
امـا نفس الحب عندي حاجه تانيـــه
انـت فين والحب فيـن
ده أنت لو حبيت يومـين
أنت فين والحب فين
ليـه بتتجنى كده عالحب ليه ..
كما استمتع لدرجة الإشباع برقة وجمال ولطافة بطلة الفيلم حلا شيحة .
ونواصل الرحلة الميمونة بإذن الله تعالى ......
عبد المنعم الحسن محمد
يوميات مغترب شرع في اجازته السنوية (3)
بسم الله الرحمن الرحيم
التاريخ : 12/08/2009م
يوميات مغترب شرع في إجازته السنوية ( 3)
مضى وقت ليس بالقصير حتى تمكّن الناس من الخروج من الباخرة إلى باحة الميناء وخرج صاحبنا مع غيره إلى هذه المنطقة التي تعتبر بعيدة نسبيا عن الصالة والتي تُمشى عادةً على الأقدام ولا يتذكر صاحبنا أن هناك حافلات نقلتهم من هذا المكان إلى بوابة الصالة . كانت شمس صيف سواكن حارقة بشكل غير طبيعي هذا العام فلفحت وجوههم بلا رحمة واستقبلت صديقنا وبقية رفاقه الأبرار خير استقبال وهم يقطعون هذه المسافة فيما يشبه الهرولة للهروب منها من ناحية وللحاق الجوازات بغرض ختم الدخول و( المخارجة ) بسرعة من ناحية أخرى ، وبينما صديقنا في هرولته هذه بين منطقة الخروج من الباخرة وصالة الجوازات إذا بشخص ( يتلبّط) فيه ويعرض عليه خدماته بخصوص ختم الجواز ، فرد عليه بغيظ (أنت عايز تخدمني في شنو ؟) وليه ؟ و(حا تآخد كم ؟ ) رد الرجل بأدب يحسد عليه بأنه لا يريد شيئا سوى أن يدلّه على مكان مكتب الجوازات ومساعدته إذا لزِم الأمر ، ومن هنا بدأت رحلة الحركات و( اللُبط ) والناس الذين يفرضون أنفسهم على القادمين من السفر للحصول منهم على رزق يومهم ، لانت عاطفة صاحبنا نحو هذا الرجل بعد أن قرأ في عينيه علامات الرجاء والتوسل وأن هذه طبيعة عمله التي كتبها الله له ، فوافق على مرافقته إلى مكتب الجوازات وختم صاحبنا جوازه بعد أن حملق مسئول الجوازات في وجهه بحِدة وقارن سريعاً بين الصورة الماثلة أمامه والصورة الفوتوغرافية التي بالجواز و( لبعه) بالختم. وضع صاحبنا جوازه في جيبه وناول مرافقِه ما فيه النصيب رغم أنه لم يقدم له خدمة فعلية يستحق عليها شيئاً ولكنها عاطفته الجياشة كما ذكرنا، انتهى صاحبنا من عتبة صغيرة من عتبات سواكن المتعددة وخرج إلى الصالة ومنها إلى الباحة الخارجية للميناء مروراً بمكتب استبدال العملة حيث حول بعضاً من الريالات السعودية إلى جنيهات سودانية ، كان موظف الصرافة غاية في العجرفة والسخف والافتراء وكان يتعامل مع الزبائن الذين يجلبون العملات الصعبة لداخل البلاد بطريقة مستفزة ومهينة وكأنهم يستجدونه للتبرع لهم من خزينته الخاصة، دخل معه صاحبنا في مشادة كلامية حامية بسبب تعامله الفوقي وعجرفته وقلة ذوقه فارتفع ضغطه بسبب هذا الاستقبال الحافل وهو من تسابق لهفته أشواقه لمعانقة تراب وطنه العزيز، لكن تمالك صاحبنا نفسه واستدعي كمية من الصبر كي ينصرف من أمام هذا الموظف دون أن يفقد أعصابه التي يحتاجها لبقية الرحلة التي لا زلت في بواكيرها.
وجد بالخارج ( موقف ) به بعض عربات التاكسي القديمة جدا وبعض ( البكاسي ) واللاندروفرات مصطفة فيما يعرف ( بالنمرة ) كانت قيمة التذكرة لوسط البلد بهذه السيارات غالية جدا وربما أغلى تذكرة يدفعها صاحبنا في حياته نظير مثل هذه المسافة القصيرة ، دفع صاحبنا الـ ( sharing ) الذي حُدد له وانطلق بهم التاكسي ( الهكرة ) هو وبعض رفاقه إلى ما يعرف بمنطقة الفنادق ، عندما تسمع كلمة فنادق يجول بخاطرك سلسلة فنادق ديزني لاند ودبي وشرم الشيخ وشيراتون وبرج العرب وتاج محل وغيرها وعندما ترى الحقيقة البائسة (عينك ما تشوف إلا النور). بيوت تعيسة تُؤجر فيها ( السراير ) وليس الغرف كاملة ونظام الاتفاق فيها على السرير ، فمجرد وقوفك أمام المسئول عن أحد هذه الفنادق يبادرك موظف الاستقبال بقوله :( عايز كم سرير ).ترجّل صاحبنا من التاكسي يتأبط ( لاب توبه الـ Acer) ودخل إلى الفندق واستأجر ما تهيأ له في هذه اللحظة أهم وأجمل وأعظم سرير في حياته من شدة ما به من إرهاق وتعب ،ووجد فيه ضالته من الراحة والاستجمام بعد معاناة الأيام السابقة حيث لم يعانق ظهره سريرا ولا رأسه ( مخدّة ) منذ عدة أيام ، أكمل صاحبنا يومه وكان النوم ليلا بالحوش حيث أخرجت (السراير) من غرف الفندق إليه حيث الهواء الطلق ولكونها لا توجد كهرباء بالفندق أساسا ، كان نظام النوم المتبع بهذه الفنادق هو في حوش الفندق الأرضي للرجال والسطح للنساء على ما ذكر صاحبنا، استلقى صاحبنا على ظهره وبدا يتأمل سماء سواكن الصافية وليلها الهادئ والخالي من ضجيج وضوضاء المدن الصاخبة ، فارتاحت نفسه نسبياً وسحب كمية من الهواء إلى رئتيه وعاد إليه شريط الذكريات وداعبت مخيلته مرة أخرى أغنية( اللِمبي ) ورددها في سره مؤمناً بما تحمله من معاني . كان باله مشغولا ببرنامج اليوم التالي وعملية استلام العفش والجمارك وعمال الشحن وحاجاته التي يمكن أن تكون قد تكسّرت فانشغل باله بهذا الأمر لبعض الوقت ولكن سرعان ما طرده واستحضر خاطر بناته وازدادت لهفته وشوقه إليهن وبدأ يمنّي نفسه بقرب لحظة عناق أشواقه لمحبوباته الصغيرات ، فنام هذه الليلة نوما عميقا وهادئاً على أمل الصحو مبكراً للذهاب للميناء لخوض معركة استلام ( الهكر ) أقصد العفش.
توجه صاحبنا مبكراً إلى الميناء عبر نفس عربات التاكسي غالية التذاكر، وبعد وصوله إلى بوابة الميناء الرئيسية طُلب منه إبراز الجواز الذي يؤكد أنه مغترب وأنه ضمن القادمين في باخرة الأمس ، وبعد انتهاء هذا الإجراء سُمح له بالدخول إلى صالة الميناء ، قابلته في هذه المنطقة (شُلل) من عمال الشحن أو ما يعرف بـ ( كلات المواني ) وهجموا عليه بشراسة وكل مجموعة تجره في اتجاه محاولة اصطياده والظفر به كصيدٍ سمين وانه أكيد (مليان) ومعه كمية كبيرة من العفش، ولا يدرون أنه ضعيف جدا ومنتهي ولكنه يتجمّل ،وبينما هم يتجادلون ويتصارعون حوله تدخل كبيرهم وحسم الأمر وحدد المجموعة التي ترافق صاحبنا لاستخراج عفشه والتي عادة ما تتولى الأمر من الألف إلى الياء ( تسليم مفتاح ) لكن ما افزع صاحبنا وقلب كيانه أنهم دخلوا معه في مرحلة المقاولة حيث طلبوا منه مبلغ خيالي يفوق قيمة الأغراض المشحونة ويفوق إمكاناته ويفوق تصوره ، وكلكم تعرفون ما معه جيدا وأنها أشياء مستعملة ومعظمها من( الحراج ) وجزء كبير منها ماركات صينية رخيصة، صعق صاحبنا من هذا المبلغ الخرافي ولفّت به الدنيا ودارت به دورة كاملة حول نفسه ، وسرح وهام مع خياله لبعض الوقت ثم فوّض أمره لله وقال لهم بهدوء وتوسل ( يا جماعة كِدي نقِصوا شوية ) لكن عادة عمال الشحن يمسكون في العالي بل والعالي جدا لدرجة تجعل من يأتون لأول مرة يصابون بالذهول من غلاء تكلفة استخراج العفش لدرجة قد تفوق في بعض الحالات تكلفة الشحن بالطائرة ولكن ماذا يفعل مع (كلات المواني ... الغُبش التعاني ) الذين جعل الله رزقهم في يد هؤلاء العائدين التعساء ، برر عمال الشحن غلاء أجرتهم بسبب أنهم سيضيّعون يوماً كاملاً في هذه العملية ولا فرصة لهم سوى هذه ( النمرة ) خلال هذا اليوم ، وأنهم مجموعة وعندما يقسم المبلغ عليهم سيكون زهيدا ، بعد أخذ ورد ومفاصلة ودخول بعض الوسطاء من مجموعات العمال التي لم تفوز بالعطاء تم الاتفاق على مبلغ رضي به صاحبنا مجبرُ أخاك لا بطلُ.
دخل مع ( كلّتِه ) إلى حيث العفش فوجده ( مكوّم ) في حوش خلف صالة الجمارك وبطريقة أقل ما توصف به أنها بائسة ، ولا يمكن لمخلوق سوى هؤلاء العمال المتخصصين ( لو أذّن ) أن يستطيع إخراج عفشه أو التعرف عليه أصلاً ، كمية العفش ضخمة جدا و( مبهول ) بدون أي نوع من الـ classification أو التنظيم، فتجد الكراتين مع ( البُقجْ ) مع ( الطرود الكبيرة ) والبراميل وكله مردوم فوق بعضه البعض مُشكِلاً ما يشبه الجبل، ويسمح عادة لصاحب العفش بمرافقة العمال كي يساعدهم في الاستدلال على أشيائه وهم يقومون بِفجْ (الكوم) ورجّه بحثا عن أي خيط يدلهم على أي طرد أو شوال أو برميل فيه حروف اسمك أو جانا الخبر شايله النسيم . حصل صاحبنا على جميع قطعة وليس هناك أي مفقودات والحمد لله ولكن كونها مكسرة أو سليمة فهذا أمر آخر لم يكتشفه بعد ، شحن العمال طرود صاحبنا على العربة ( الدرداقة ) وتوجهوا لموظف جالس قرب( الكوم ) وتم تحصيل مبلغ خمسة آلاف نظير كل قطعة ، لماذا ومقابل ماذا ؟ لا وقت للسؤال والمجادلة ولا بد للعمال من الجري و( المُكابسة ) لحجز دور في الدخول للصالة ، حيث يُسمح لعدد محدد من ( الدرداقات ) بالدخول ويُحجز الباقون لحين انتهاء تفتيش وجمركة الذين عبروا البوابة ، ومن ثم يفسح لدفعة أخرى وثالثة وهكذا حتى ينتهي الجميع ولكن الحصيف والحريف من يأتي مبكراُ ويختار عمال نشطاء وخبراء تنقيب في (الكوم) ليفوز بدور في الدفعة الأولى أو الثانية على ابعد تقدير .
وُفّق صاحبنا في لِحاق عُماله للدفعة التي يفترض أن تكون الأولى والتي تخضع لتقدير عسكري البوابة الذي يمرر عدد معين من العربات ثم يوقف العبور لحين انتهاء الدفعة التي عبرت البوابة الفاصلة ، ويا لتعاسة من يقف فيه الدور ، وهو مثل الذي تولّع فيه الإشارة الحمراء، من يقف عليه الدور ربما ينتظر ساعات حتى يُفتح الباب للدفعة التالية ، تأخر ضباط الجمارك في ذلك البوم على غير العادة والعمال مصطفون والحر شديد جدا والصالة طبعا لا تعدو كونها مظلة من الزنك ولا توجد بها أي خدمات مثل التكييف والكراسي ودورات المياه والبرادات وغيرها ، فقط يوجد بها بعض الكنب المتفرق وباعة يجولون ( بالجبنة ) لمن يرغب وفي احد أطرافها يوجد مطعم لمن يريد اكلأ ولمن يستطيع إليه سبيلا ..
انتهى صاحبنا من مرحلة التعرف على عفشه وإخراجه من ( الكوم ) وأطمأن أن العربة التي تحمل أغراضِه اصطفّت في مرحلة متقدمة من الدور ، وانه لا توجد مفقودات ، شفط نفساً عميقا رغم قلة الهواء أساساً في هذا المكان وتنفس الصعداء ثم طفق إلى أطراف الصالة ينشد ( جبنةً ) ليعدل مزاجه بعد انتهاء مرحلة التنقيب بنجاح، وبينما كان يرشف قهوته ويشعر ببعض السعادة والزهو لما حققه من انجاز ،عكّر صفوه أن أحد الذين رافقوه في الفندق جاء نحوه وجلس بجواره وحكا له بحسرة أن (شنطةً) مهمة وأمانة مرسلة معه وهي( شيلة )عريس فقدت للأسف ولم يحصل عليها حتى هذه اللحظة ، وبينما كان يواسيه في هذه المحنة ويبدي تعاطفاً كبيراً نحوه ، إذا برفيقهم الثالث يأتي وتبدو عليه علامات الحسرة حيث حكا لهم أن غسالته (السامسونج) الجديدة لم يجد منها سوى الماكينة فقط ولم يحصل على ( البودي ) الذي يبدو انه (أتهرس) وضاع أشلاءً في ( الكوم ) الكبير . طأطأ صاحبنا رأسه إلى الأرض وكاد أن يزرف بعض الدموع تعاطفا مع زملائه ولسان حال يقول ( يا فرحة ما تمت ) وهمهم ببعض الدعاء والتعاويذ وبدا يردد (حسبي الله ونعم الوكيل) ، والمعوض الله ، و( الجاتك في مالك سامحتك ) وووووو ، وبينما ثلاثتهم على هذا الحال إذا بالبوابة تُفتح ويُفتح معها قلب صاحبنا ورفاقه الغلابة الذين تركوا ( جبنتهم) وانطلقوا إلى الصالة في انتظار وصول ( درداقاتهم) الميمون .
ونواصل .......
عبد المنعم الحسن محمد
أصحاب تجارب والبحر والباخرة أجمعوا هنا
أصحاب التجارب الفريدة في سفر البحر والباخرة ....سواء كانت حلوة أو مرة ..... أسردوها هنا لتعميم الفائدة واثراء البوست
مع شكري وتقديري للجميع