(2)أستاذ فيصل
كنت أمر في ردهات المدرسة الشرقية . . لا أذكر الآن أكان ذلك في فسحة الفطور أو في الفسحة الثانية أم أنني خرجت أثناء الحصص لغرض ما . . على كل ٍ مهما يكن من شيء فإنني بينما كنت أسير في المدرسة مررت بجوار بعض الفصول فرأيت طالباً من الدفعة التي قبلنا . . كان أنفه ينزف دماً وكان الدم قد صبغ قميصه . . لستُ أذكر الآن على وجه الدقة من هو ذلك الطالب الزميل . . لكن يغلب على ظني أنه الأخ . . مناع محمد منصور . . ظننت لأول وهلة أنه قد أصابه رعاف . . لكن ظني قد تبدد لما فكرت في كثرة الدم النازف منه . . ثم تكشف الأمر بعد وهلة . . كان الأستاذ فيصل في حصة العلوم . . وكان الدرس عن الدينمو وكيفية عمله وتوليده للطاقة الكهربائية . . لاحظ الأستاذ أنه ثمة كلام وهرجلة في الفصل . . اسكت يا ولد دندن الأستاذ . . فلما لم يسكت الطلاب أصابت الأستاذ حالة غضب شديد وربما هياج . . كان الدينمو في يد الأستاذ يشرح أجزاءه للطلبة . . لما أصابته تلك الحالة من الغضب . . رمى الدينمو على الطلاب . . قذف به عليهم . . لما رأى الطلاب الدينمو أخذوا يخفضون رؤوسهم حتى لا يصيبهم . . لو خفض الجميع رؤوسهم لكان قد مرت الواقعة بسلام . . لكن لسوء الحظ لم تمر الواقعة بسلام . . لم يخفض الجميع رؤوسهم . . ليصيب الدينمو هذا الطالب في وجهه ويسبب له ما رأيته من حالته . . علمتُ أن أستاذ أفيصل هو المتسبب فيما وقع . . كان ما رأيته كفيلاً بأن يقذف الرعب في قلب كل من رآه من الطلاب . . أخذني ما قرب وما بعد لا سيما وأنني سأكون بعد سنة في الفصل الذي يدرس فيه أستاذ فيصل مادة العلوم ! . .
كان الأستاذ فيصل قوي البنية ضخم الجثة صارم القسمات . . لكنه كان يحب النكتة ويرسل في الفصل من القفشات ما يبعث على الضحك لا سيما في سخريته من الطلاب . . لا زلت أذكره بعد أن وزع أوراق الاختبار وصوته يجلجل في الفصل . . وكانت للأستاذ فيصل حركة اعتاد أن يصنعها بيده وهو يتكلم . . اشتهرت بين الطلاب حتى غدت ماركة مسجلة باسمه حتى أن بعض الطلاب كانوا يقلدونه في طريقة كلامه وهزة يده . . لا زلت أذكر زميلنا المعز هجو عبد المطلب وهو يقلد أستاذ فيصل ويهز يده متمتماً . . أعمل حسابك يا ولد ، العين بحسين . . وهو يضحك ملء شدقيه . .
كان للأستاذ فيصل أساليب غريبة في عقاب الطلاب . . لم يكن دائماً يعاقب الطلاب بالجلد . . كان أحياناً يحمل الطالب من رجليه بحيث يكون رجلاه للأعلى ورأسه للأسفل ثم يدخل رأسه في سبت القمامة . . وكان أحياناً يلوي للطالب يده حتى يصرخ بأعلى صوته . . وكان كذلك ربما عاقب الطالب بأن قذف به خارج الفصل من الشباك . . وإذا عاقب بالجلد فلم يكن يكثر في عدد السياط لكن كانت ضربة سوطه أشد إيلاماً من غيره لأنه كان يمسك السوط من منتصفة ويشد نفسه للأعلى ثم ينزل على السوط بكل ثقله . . وكانت له طريقة غريبة في ابتداء الجلد فإن معظم المدرسين كانوا يأمرون الطالب بالطلوع في الكنبة وأما هو ففي يوم الجلد كان يتلقف الطلاب واحداً بعد الآخر حتى قبل أن يصلوا إلى الكنبة العجيبة فيحملهم بنفسه ويرميهم على الكنبة رمياً فتسمع " رب كرب " . .
أسلوب الأستاذ فيصل في التعامل مع الطلاب جلب له الكثير من المشكلات مع بعض أولياء الأمور ومع بعض الطلاب أيضاً . . وإن كنتُ أنسى فلا أنسى ما حدث مع زميلنا نيازي عمر حمد . .
كان نيازي جارنا في دردق وكان قصير القامة صغير الحجم جداً . . حظه العاثر أوقعه من أستاذ فيصل بعد توزيع أوراق اختبار العلوم . . أمسكه أستاذ فيصل من رأسه وألصق ظهره ورأسه على السبورة ثم رفعه من رأسه على تلك الهيئة حتى أصبح معلقاً لا تصل رجلاه إلى الأرض ثم أخذ يدق مؤخرة رأسه بالجدار !! لم يتمالك نيازي نفسه فراح يتكلم مع الأستاذ ويجادله ثم تطورت الأمور حتى وصلت بالأخ نيازي أن قال للأستاذ فيصل . . بجيب ليك خالي يكسرك !! أستاذ فيصل كالعادة قال له . . أنا أتحداك وأتحدى خيلانك كلهم !! بالرغم من أن نيازي كان يسكن بالقرب من منزلنا لكن كانت تلك أول مرة أعرف فيها أن له خالاً في مقدوره أن يتشاجر مع رجل في هامة وقامة الأستاذ فيصل !! لا سيما وقد وقع في مخيلتي أن خاله في نفس ما هو عليه من قصر القامة وقلة الحجم . . لكن قدر الله لي أن أرى خاله بعد يومين من تلك الحادثة وذلك أنني كنت عائداً رفقة الأخ نيازي من درس العصر فطلب مني أن أدخل معه إلى منزلهم لأؤكد لخاله حكاية ما حدث بينه وبين أستاذ فيصل . . لما دخلت قابلت أولاً أخاه نزار ثم رأيت خاله وكان على صورة مغايرة تماماً لما تخيلته فقد كان قوي البنية مربوع الجسم مكتنز العضلات ويبدو عليه بما لا يدع مجالاً للشك أنه ممن يمارس رياضة كمال الأجسام ورفع الحديد !!
بعد يومين وبينما نحن في حصة العلوم سمعنا جلبة في خارج الفصل وناس بتحجز في ناس وكأنه ستقع مضاربة . . فما كان من الأستاذ فيصل إلا أن نظر من الباب ليرى ما الذي يحدث . . ثم بعد أن رجع من الباب لم يلبث أن قفز من الشباك ولم يعد إلى الحصة !! . . في الخارج كان نيازي مع خاله !! . . اختلف الطلاب في تفسير ما حدث . . كثير منهم يقولون أن أستاذ فيصل هرش من الجماعة فولى الأدبار وبعضهم يقول إنه خرج من الشباك ليباغت القوم !وبعضهم زعم أنه ذهب ليحضر سلاحه !! على كل علمت من نيازي فيما بعد أنه قد تم تسوية الأمور بسلام ولم تقع أي مضاربة .
بالرغم من كل ما كان في الأستاذ فيصل من شدة وقسوة ولكنه كانت يجيد تدريس حصته ويحسن تفهيم مادته . . ولسنا هنا في معرض تقييم أو انتقاد ولكن حسبنا أننا نؤرخ لأيام برغم كل ما فيها مما ينتقد لا زلنا نذكرها بالخير ونحن لها ونطرب لذكرها ونضحك ملء أفواهنا لما مرت بنا فيها من وقائع وأحداث .
كان آخر عهدي بالأستاذ فيصل سنة 1986 م يوم فارقت المرحلة الابتدائية ولم أره بعد ذلك ولست أدري ما فعلت به الدنيا.