-
كان هوانها يتصاعد وذكرى الرقصة المحمومة تقفز امام عينيها باصرار ... تهدج صوتها وصار اقرب للبكاء .. كانت ترغب في ايلامه لانه تسبب في هروب شقيقها ... ارادت ان تعاقبه لانه قام بتدمير الصنم الذي بنته له بداخها وظلت تعبده سراً لسنوات طوال ... هاجمته بضراوة ...
- هو انت اصلاً ياابراهيم بنفع تعرس ؟؟ يعني ممكن تعيش حياة زوجية طبيعية مع أي واحدة ؟؟؟ ولا يمكن عشان كدة اخترتني وقررت تتزوجني ... حبيبة المسكينة بت خادم ابوك وجدك... البت الشافتك مع اخوها في احقر وضع ممكن يتشاف فيهو بني آدم وبعد داك سكتت وما قالت كلمة واحدة .. يمكن قلت لنفسك طالما هي سكتت عن الموضوع دة يبقى ما بيهمها ؟؟!! ... ويمكن كمان قلت دي ما حتصدق اني اقول عاوزها وحتوافق طوالي ؟؟ ... لا يا سليل الحسب والنسب .. اول شئ انا ما سكت عن موضوع عبد الرزاق عشان خاطرك ولا خوفا منك .. انا سكت عشان خاطر امي وابوي لانهم لو عرفوا الحقيقة ممكن يموتوا فيها ... وتاني شئ اذا انت مفتكر انك اول ما تقول دايرني حجيك جارية واقول ليك شبيك لبيك انا بين ايديك تكون غلطان .. تالت شئ اذا انت متخيل انكم لسة بتملوكنا ولازم ننصاع لاوامركم تكون واهم .. عهد الاقطاع دة انتهى زمان ... واحنا قاعدين معاكم بس عشان ابوي مصر ما يفارق ابوك بدافع ولاء غبي وما عندو معنى ... وبعدين يا ابراهيم انا لمن اجي اعرس بكون عاوزة ارتبط براجل كامل مش نص راجل .. راجل احترمه واثق فيه ... وانت فاقد لكل الحاجات دي ...
انقطعت انفاسها وفقدت السيطرة على دموعها فسالت باندفاع ... دل ارتعاش جسدها على غضبها العارم فغطت وجهها بيديها وانخرطت في بكاء حاد ... تركها تفرغ انفعالاتها حتى هدأت ... ساد السيارة صمت ثقيل لا يبدده سوى هسيس احتراق لفافة التبغ التي يدخنها ابراهيم بعصبية .. عندما رفعت وجهها اخيرا ونظرت اليه هالها وجهه الشاحب الممتقع ... كانت يداه ترتعشان وهما تشعلان اللفافة الخامسة منذ بداية الجلسة المؤلمة ... نظر اليها بامعان ..
- خلاص خلصتي كلامك يا حبيبة ؟؟!! .. ممكن انا اتكلم ؟؟...
هزت راسها بصمت وركزت نظراتها على مركب شراعي صغير يتهادى بعيدا عن الشاطئ ... بدا حديثه بصوت خفيض وبلهجة تتمايل بين الحدة ... والضراعة ...
- عارفة يا حبيبة انا عاوز اعرسك ليه ؟؟ .. عشان اكون على طبيعتي .. بدون ما البس قناع يدس حقيقتي .. بدون ما اتظاهر اني انسان تاني ... معاك بحس بالامان وبدون خوف من انو سري يتكشف ولا اتفضح ... انا عاوز اعرسك انتي بالتحديد لانك جزء من مأساتي الانا عايشها من طفولتي ... تفتكري يا حبيبة انا اتولدت كدة ؟؟؟ لا .. لانو مافي انسان بتولد كدة ... احنا اتربينا مع بعض في حوش واحد .. وانا قعدت في بيتكم اكتر مما قعدت في بيتنا ... يعني لو الوصلت ليهو هسة دة بسبب غلط في تربيتي يبقى من بيتكم ما من بيتنا ... واذا بتفتكري اني ولد بايظ حقول ليك ايوة انا ولد بايظ .. ومن زمان شديد ... لكن ختي في بالك انو الاولاد هم البيبوظوا الاولاد وانتي عارفة بيتنا كلو بنات .. ما تتخيلي اني بقول ليك الكلام دة عشان الوم اخوانك ولا ابرئ نفسي الحصل حصل من زمان وخلاص انتهينا منو ... المهم اني بقيت كدة .. وما بقدر اتغير دة بس عشان تكوني عارفة انو حتى بعد ما نتزوج انا حافضل كدة الا اذا انتي قدرتي تغيريني وتطلعيني من الشئ دة ...
استنشق نفساً طويلا من لفافته .. واخرجه بتدرج من فمه وهو ينظر في عينيها مباشرة ..
- السبب التاني الخلاني افكر فيك انتي بالتحديد هو حبك لي ..
شهقت حبيبة بصوت عال عندما سمعت جملته الاخيرة .. التفتت لتنكر الاتهام الصحيح الذي ظنت انه سرها وحدها .. فرفع ابراهيم يده مقاطعا نيتها ..
- انتي كنتي قايلاني ما عارف ؟؟ قايلاني ما حاسي بيك ؟؟ انا عارف وحاسي من زمان يا حبيبة وكنت مبسوط بحبك لي لاني كنت متاكد انك بتحبيني انا ابراهيم .. لشخصي مش عشان ابوي منو .. ولا عمي منو .. ولاعندنا شنو ... حبيبة .. انا لو عاوز اعرس أي بت من اجعص البيوت هنا ولا في البلد بقدر .. عارفة ليه ؟؟ لانو الناس ليها بالظاهر .. وانا قدام الناس فارس الاحلام .. امنية أي بت .. لكن انا ما عاوز أي بت انا عاوزك انتي ... لانو انتي الوحيدة الحتفهميني ...
اصطبغ صوته بسخرية غريبة وهو يواجهها ..
- يا زولة احنا بينا حاجات مشتركة كتيرة ما محتاج اعدها ليك .. لكن حاقول ليك بس كفاية يكون بينا عبد الرزاق وعبد الستار ...
انتاب حبيبة خوف مبهم من اسلوبه وردت عليه بوهن ...
- عرفنا عبد الرزاق !! .. مالك كمان بعبد الستار ؟؟!! .. دة حتى لمن خلى البيت ومشى الجيش انت كنت شافع .. عاوز تقول عليهو شنو ؟؟ ...
لمعت عينا ابراهيم بومضة مفاجئة ... وارتسمت ابتسامة صغيرة على ركن شفتيه وهو يجاوبها بلهجة اكدت شكوكها التي راودتها بعد ملاحظة نظراتهما المتواطئة يوم اختفاء عبد الرزاق ...
- عبد الستار ؟؟!! .. دة يا ستي المعلم .. كبيرنا الذي علمنا السحر ... هو العنصر البخلي المعادلة موزونة .. هو بدا معاي وانا انتهيت مع عبد الرزاق ... مش بلاهي عليك الله دة منتهى العدل ؟؟ هو ابتدع النظرية وانا طبقتها .. هو فتح الباب وانا مشيت في الدرب ...
عندما عادت الى المنزل بكت طويلاً ... واذدادت تصميما واصرارا على رفض ابراهيم ... وتمسكت بموقفها حتى اليوم التالي .. بعد الزيارة العاصفة التي قامت بها السرة الى الجزء الذي يخصهم من المنزل لاول مرة في حياتها ... اتتهم تحمل غضبها وعنجهيتها واذدراءها ورفضها ... هيمن صوتها الجهوري على فضاء المنزل وهي تصرخ منادية ..
- بخيت ... العينة ... انتو وين ؟؟!!..
خرج بخيت من غرفته مفزوعاً وعلامات التوجس تملا وجهه الكالح .. بينما اتت العينة مهرولة وهي تحمل يديها الملطختين بالعجين ...
وبادرتها بالتحية ..
- السرة ؟؟!! ... اهلاً حبابك .. اتفضلي لجوة ... البيت نوّر ...
قاطعتها السرة الهائجة بحدة ..
- السرة كدة ساكت يالعينة ؟؟ انا ستك السرة .. ولا انتي نسيتي انتي منو وانا منو ؟؟!! وانت كمان نسيت يا بخيت ؟؟ .... واضح جداً انكم نسيتوا .. لانكم لو كنتوا متذكرين ما كنتوا غشيتوا ولدي وجرجرتوهو لغاية ما يقول عاوز يعرس بتكم ... ولدي انا ؟؟!! ابراهيم ود ابراهيم ود العمدة الامين يعرس بت بخيت والعينة ؟؟!! ... صحي نسب يشرف ويرفع الراس ... اسمعوا هنا ...
قاطعتها حبيبة التي وقفت بانزعاج وهي تتامل والديها الذليلين امام سطوة السرة الجارحة ...
- لو سمحتي يا خالتي السرة مافي داعي للاهانات دي كلها ... ولدك مافي زول غشاهو ولا جرجرو !! ولدك جانا براهو وعشان ترتاحي انا رفضتو وقلت ليهو ما عاوزاك ... يبقى خلاص انتهينا ..
التفتت اليها السرة بتحفز وهي تكور قبضتي يديها كانها تهم بضربها ... اتسعت عينا بخيت وندت عن العينة صرخة واهنة بينما تراجعت حبيبة خطوة الى الوراء ..
- خالتي السرة ؟؟!! انشاء خلل الضروس .. خالتك بوين يا بت العينة ؟؟!! اوعك اسمعك تقولي خالتي دي تاني ... وكان نكرتي من هسة للسنة الجاية ما بصدقك ... ولدي غشيتيهو وجرجرتيهو .. بس وريني عملتي شنو ؟؟ ... مشيتي ليك لفكي ؟؟ كتبتيهو ؟؟ اصلكم معروفين بتاعين فقرا .. تكونوا ليكم سنين بتشربوا العروق والمحايات لمن عميتو عيونو .. هو كان ما عميان صحي صحي يقول عاوز يعرسك انتي ؟؟!! ليه من جمالك ولا من اصلك ولا من قروش ابوك ؟؟ ولا يمكن تكوني حامل ؟؟!! ايوة بس قولي كدة .. ما هو مافي سبب تاني يجبرو يعرسك الا اذا حملتي منو ... ولدي انا عارفاهو ولد اصول ومتربي صح .. بيكون عاوز يصلح غلطو ويتحمل مسئوليتو ... وانتي يا حربوية بتكوني عملتي كدة مخصوص ... اصلاً ياهو دة اسلوبكم من زمان تحملوا من اسيادكم عشان يعرسوكم ... لكن اسمعوني هنا وفتحوا عيونكم ... خلاص انتهى الزمن البيجي فيهو السيد يقول الخادم حامل لبسوها توب وشبشب وما تخلوها تعوس وتخدم .. اها يا بت العينة اكان دايرة توب وشبشب بديك .. لكن عرس ليك مافي .. دايرة قروش بديك لكن ولدي لا .. ما بديهو ليك .. اهون علي اقطعو وارمي لحمو للكلاب ولا يعرسك انتي .. وكان قايلة روحك بتغشيني بكلام انك رفضتيهو تبقى غلطانة ... انتي ترفضي ولدي ؟؟!! هو انتي اصلا كنتي تحلمي انك تلقيهو عشان ترفضيهو ؟؟ جاية تقولي الكلام دة بعد ما سكيتيهو لمن روحك طلعت ؟؟؟ لكن مليت خشمي بالله ... ابراهيم ما يعرسك طول ما انا حية ...
رفعت حبيبة الموجوعة من اهانات السرة لها ولوالديها راسها بتحدي واتي ردها باردا ...
- طيب يا السرة بدون خالتي ... شفتي عشان كلامك دة انا حوافق على ابراهيم .. وحعرسو .. واتحداك لو بتقدري تمنعي الحاجة دي .. وهسة لو سمحتي اتفضلي برة من غير مطرود ..كفاية السم السمعناهو منك من لحظة ما عتبتي الباب ... اتفضلي برة
بدات حبيبة تتجه نحو السرة المسمرة من الدهشة بخطوات مهددة وهي تحس بالالم لانكماش ابيها ودموع امها العاجزة ...
-
- انتي بتطرديني يا بت العينة ؟؟ .. بتطرديني من بيتي .. والله دة كلام !! يا قليلة الادب يا ما مربية ... بتطرديني من ملكي وحقي ؟؟ دي قوة عين انا ما شفت زيها ... لكن ما غريبة على صنفكم دة ... طيب والله عشان قلة ادبك دي الا ابيتكم الليلة في الشارع ... لموا كروركم دة واطلعوا من بيتي ... امشوا شوفوا ليكم راكوبة ولا ضل شجرة اقعدوا تحتوا ... اصلا داك حيكون مكانكم الطبيعي ...
وقفت حبيبة في وجهها بتحفز ويداها مغروزتان في وسطها ... كانت نظراتها تلمع بالتشفي والسخرية
- بيتك ؟؟؟ ملكك ؟؟ بيت شنو الملكك يا ام بيت انتي ؟؟ انتي ما عارفة انو عمي حامد كتب البيت دة لابوي بيع وشرا وسجلو باسمو في المحكمة قبل عشرة سنين ؟؟ .. شكلك ما عارفة ؟؟ لكن ما بلومو لانو دسّ منك .. هو اكتر زول عارف انك انسانة عنصرية ومليانة كراهية وحقد ... داخلة في وهم انك احسن من الناس ... لسة عاوزة تصنفي البشر اسياد وعبيد ... عايشة في الماضي وما قادرة تستوعبي انو الزمن اتغير والناس اتغيرت والافكار اتغيرت !!
وقع الخبر كالصاعقة على راس السرة .. مفاجاة البيت الذي وهبه حامد لبخيت دون علمها اخرستها اصبحت كالتمثال وهي تسمع عبارات حبيبة الشامتة ... كانت نظراتها تدور بين افراد الاسرة بفم مفتوح ... ظلت تبحث عن صوتها حتى وجدته فخرج خشنا ومبحوحاً .. تدفقت كلماتها مخلوطة برزاز بصاقها الذي تناثر في وجه حبيبة ...
- تعرفي يا بت العينة ..مش لو اتعلمتي ولا دخلتي جامعة ولا حتى جبتي دكتوراه تفتكري انك ممكن تبقى زينا ولا حتى توصلي طرف مكانتنا ... مهما عملتي حتفضلي طول عمرك حبيبة بت بخيت والعينة ..وكان رضيتي ولا ابيتي .. انا ستكم وبت اسيادكم ... وولدي بقتلو بايدي قبل ما يعرسك ويفضحني بيك قدام الناس ...
استدرات وسارت بخطوات متعبة دون ان تهتم برفع طرف ثوبها الذي تبعها ماسحاً الارض خلفها فرفعت حبيبة صوتها وهي تاكد لها ...
- طيب يا السرة .. حنشوف ... انا ولا انتي ؟؟ وبكرة ولدك يعرس الخادم غصباً عنك كان رضيتي ولا ابيتي ..وحاقعد ليك في قلبك ... وحابقى ليك زي شوكة الحوت .. وشوفي حتقدري تعملي شنو ...
بعدها باسبوع تم عقد قرآن حبيبة على ابراهيم في حفل مختصر باهت غابت عنه السرة وبناتها ... وبعد سنة انتقلا الى المنزل الصغير الذي شيده ود العمدة في ركن بعيد من الحوش بعد ان رفض خروج ابراهيم وزوجته من المنزل نزولا عند رغبة السرة الغاضبة .. وبعد الانتقال بثلاثة اشهر انجبت حبيبة ابنتها البكر " فاطمة " لتخرس الاشاعات التي انتشرت عن سبب الزواج الغريب ...
مرت السنوات وحبيبة تحارب السر الاسود في حياة زوجها ... لكنه كان اقوى واعمق واكبر من كل اسلحتها ... فاعلنت هزيمتها امامه وانسحبت من المعركة مكتفية بانتصاراتها المتمثلة في بناتها الثلاث .. تظاهرت بالسعادة والاكتفاء امام العالم الخارجي وهي تتهاوى داخلياً ... كان ابراهيم يدفع ثمن صمتها وبراعتها في تزييف واقعه بسخاء شديد .. فاصبحت ترتدي افخم الثياب واغلى المجوهرات كي تخفي جوع انوثتها المهدورة وفقر روحها المدقع واحساسها المستمر بالذل في حضور زوج اثبت رجولته بالانجاب والغى انوثتها بمباركة صامتة من مجتمع غافل لم يستطع ان يحل لغز التناقض الغريب بين مظهرها الطافح ثراء .. وملامحها المشبعة بالحزن ... والجوع ...
ارتفعت موجة من الزغاريد فاعادت حبيبة الى واقعها ... رفعت راسها لتخاطب العجوز الواهنة .. فوجدتها غطت في نوم عميق وفمها يصدر صفيراً خافتا متقطعاً ... حملت الغطاء ووضعته فوقها برفق وهي تقبل مفرق الراس الابيض وتسقط فيه دمعة ساخنة ... اتجهت بخطوات بطئية نحو السور الشجري الذي يفصل بين عالم تحبه .. وعالم يكرهها ...
-
الفصل العاشر
كانت حلبة الرقص تغلي بالاجساد الموزعة فيها بفوضى ... اختلطت روائح العطور الغالية مع الرخيصة .. وامتزجت برائحة العرق والرمل المبلل بالماء ... في الجو تشكلت سحابة رقيقة من ضباب الانفاس اللاهثة تخترقها من وقت لآخر شرارات ناتجة عن التصادم العفوي او المتعمد بين الراقصين ..
كانت منال تحس بحريق هذه الشرارات وهو يصلي جسدها وينشر فيه رعشة متوثبة كلما اقتربت من جمال وابتعدت عنه في محيط الدائرة المتمركزة حول رحمة وزوجها ... كانت حركاتهما المتناغمة تبدو تلقائية لكل من حولهما .. وحدهما يدركان ان نية التقارب كانت مبيتة وتم التخطيط لها قبل الحفل بوقت طويل عندما انتزع جمال من منال وعداً بان تكون معه طيلة الوقت ...
- منال ... اوعك يوم العرس ترقصي مع أي زول تاني غيري ... انتي عارفة انا بغير عليك قدر شنو .. وما بتحمل اشوف حد تاني يقرب منك ...
- ما تخاف يا جمال .. يا انت يا بلاش ... مش في الرقيص وبس .. في حياتي كلها ..
في احدى لحظات التقارب امال جمال راسه على اذن منال وهمس لها ...
- منال .. انا حنسحب هسة وانتي تعالي بعد شوية ... الدنيا جايطة وما حد حيلاحظ غيابنا ... عاوزك ضروري ... حستناك في حوش بيتنا .. ما تتاخري ...
كانت انفاسه التي تعبث بشعيرات اذنها تعدها باحتمالات مبهمة ... احست بحرارة جسدها ترتفع حتى خيل اليها ان بخارا يخرج من عينيها ويضفي على محيطها مشهداً سيريالياً ... اومأت براسها ايجابا واشرقت ملامحها بابتسامة حالمة عندما ضغطت اطراف انامله على باطن كفها قبل ان يغادر مكانه بجانبها ... تبعته نظراتها بوله .. وتراقصت غمازتيها بشكل مغر ... دارت عيناها بحذر فيمن حولها وهي تبحث عن لمحة ادارك لما يدور بينهما .. تنفست بارتياح عندما لاحظت ان الكل لاهي بالتنفيس عن مشاعره في رقص هستيري لاهث ...
وقع نظرها على والدتها وهي تحيط شقيقتها وزوجها بكلتا ذراعيها .. وبين الفينة والاخرى ترفع كفها الذي تصالح مع لون الحناء بعد خصام طويل وهي تمسح به دمعة عصية انحدرت في غفلة منها ... احست منال بموجات من الحنان تعبر حواسها وهي تتامل والدتها ... ما لبث ان تبعها احساس قوي بالكآبة عندما غزت افكارها الهواجس بما يمكن ان يحدث عندما تعلم عن علاقتها بجمال .. وانتقل عقلها من جو الفرح الذي يحيط بها الى عالم الخوف الذي يناوشها منذ ان اعترفت لنفسها بحبها المستحيل .. لقد ادركت باستحالته منذ الوهلة الاولى ... انكرت احاسيسها ودفعتها خارج قلبها .. حاولت بكل ما تملك من ارادة ان تقاوم مشاعرها التي سكنتها منذ صغرها .. وعندما دخلت الجامعة جاهدت كي توجهها الى اتجاه آخر باقامة علاقة مع احد زملائها الذي استمات في التقرب اليها منذ اول يوم لها في الكلية ... لكنها فشلت ... كان جمال الوحيد الذي استطاع فك شفرة الدخول الى قلبها واحتلاله بلا منافس .. بمرور الايام اصبحت تحبه بعمق وصدق مخلوط بالخوف والحيرة ... تماوجت ظلال الهموم التي تعتريها على ملامحها وصبغتها بالتوتر كانت تتامل امها الباكية فرحاً وهي تتساءل .. هل ستبكي فرحا اذا ما قدر لها ان تتزوج بجمال ؟؟...
انسحبت من وسط الدائرة بهدوء وشقت الجموع بخطوات مرتبكة ... دخلت الى المنزل وقطعت الساحة حتى وصلت الى السور الشجري ... دفعت الباب الخشبي القصير فاصدر صوتا اجفلها .. عبرت الحوش على اطراف حذائها حتى لا توقظ العجوز النائمة بسلام ... فتحت الباب المؤدي الى الشارع وبخطوات قليلة وصلت الى الباب الملاصق له فوجدته موارباً بانتظار حضورها ...نزلت الدرجات الصغيرة الى داخل الحوش شبه المظلم ..كان جمال قد اكتفى باضواء الصيوان المشعة وجلس بانتظارها في احد الكراسي الحديدية ... هب واقفاً ما ان رآها ..كانت اللهفة تملا ملامحه الوسيمة التي تزينت بابتسامة عريضة .. فتح ذراعيه على اتساعهما فتقدمت واندست بينهما .. احتضنها بقوة وحنان .. استكان راسها على صدره العريض .. وتقاطعت يداها خلفه ... زرع شفتيه على مفرق راسها وتجولت يداه على طول ظهرها برقة ... اختنقت منال من قوة المشاعر التي تعتمل في صدرها فتنفست دموعها بصمت ... احس جمال باختلاجات البكاء التي تهز الجسد الملتحم معه ... تهاوى قلبه خوفاً على الفتاة التي يعشقها بجنون .. حاول ان يحررها من اسر ذراعيه حتى يرى وجهها .. لكنها احكمت عقد كفيها خلف ظهره ودفنت وجهها في صدره وهي ترفض ان تدعه يرى دموعها .. همس في اذنها
- منال !! انتي بتبكي ؟؟...في شنو ؟؟ كلميني .. انتي عارفة اني ما بتحمل اشوفك حتى مكشرة ... عايني لي يا منال ..
امسكها من كتفيها وابعدها عنه قسراً ليفاجا باخدودين عميقين حفرا طريقهما من عينيها ليكونا بركة رطبة مخلوطة بالكحل على قميصه الازرق ... اصابه الجزع وهو يرى دموعها تنزل بهذا الشجن لاول مرة منذ بدء علاقتهما .. فخرجت كلماته متوترة وحائرة ..
- منال !! كلميني .. في شنو ؟؟ الحاصل شنو ؟؟!! ... حد مزعلك ؟؟؟ حد قال ليك حاجة عننا ؟؟ حالتك دي قلقتني شديد ... قولي لي مالك ؟؟...
كانت تهز راسها سلباً على كل سؤال يوجهه لها ... تلفحت بصمتها وهي تتامل علامات الانزعاج على ملامحه ... رفعت يدها الصغيرة ووضعتها بتعب على صدره .. فرفع كفيه واحاط بهما وجهها المبلل بالدموع .. وبدا يجفهها بالطريقة الوحيدة التي تريحه .. وتريحها .. هبطت قبلته بنعومة الريشة على جفنيها ... ثم تجولت شفتاه برقة بين خد وآخر وهي ترتشف القطرات المالحة بهيام حتى وصلت الى ركن شفتيها .. توقف طويلاً قبل ان يطبع فيه قبلة اثارت رعشتهما معاً ... اراد ان يتوقف .. لكنه لم يستطع ... ارادته ان يتوقف .. لكنها لم تنبس بحرف ... انها قبلتهما الاولى ... كان لها مذاق لاذع كالبهار الحار.. وناعم كملمس المخمل ... خلقت بداخلهما مشاعر غامضة ... ومخيفة ... تلاشى كل شئ حولهما الصوت والضوء والمكان والزمان ... لم يبق الا التحام شفتين تركزت فيهما حواس كائنين عاشقين ... شهقت منال وهي تبحث عن انفاسها .. فانفصل عنها جمال بصعوبة ... وامسكها بحرص عندما ترنحت خطواتها لحظة انفصالهما .. امسكها من ذراعها واجلسها في الكرسي خلفها ثم جلس بجانبها وهو ما زال ممسكاً بيدها ...تلاقت نظراتهما بدهشة .. وفرح ... عندما وجد صوته بعد عناء .. اتت كلماته عميقة ومتحشرجة ...
- منال وحياة البيني وبينك تكوني صريحة معاي وتحكي لي الحاصل ... بتبكي ليه ؟؟ دي اول اشوفك بتبكي بالصورة دي من يوم ما عرفتك !! .. قولي لي الحقيقة وما تخليني قاعد على اعصابي ..
وفجاة اتسعت عيناه برعب وظهرت فيهما لمحة ادراك مرتابة .. فسالها بهمس ..
- منال ؟؟ انتي في حد اتقدم ليك ؟؟ جاك عريس ؟؟ عاوزة تخليني يا منال ؟؟...
انتفضت عند سماعها عباراته المتالمة وسارعت بالرد ...
- لا .. لا يا جمال ... ما تخلي خيالك يسرح بيك بعيد ... ما في زول اتقدم لي .. حتى لو دة حصل انت عارف اني حارفض .. لانو انا عاوزاك انت .. ومستحيل ارتبط بانسان غيرك مهما حصل ..
- طيب بتبكي ليه ؟؟
- ما عارفة يا جمال ... خايفة ... خايفة شديد لدرجة انو مخي مشلول وما قادرة افكر في أي شئ ... خايفة من المستقبل .. مجرد احتمال اننا ما نقدر نواجه الناس بحبنا وما نقدر ندافع عنو ونضطر نخلي بعض في النهاية ... احتمال انو اعيش حياتي من غيرك بيقتلني يا جمال ...
- نخلي بعض ؟؟!! ... منو القال اننا حنخلي بعض ؟؟ منال انتي مفروض تكوني لغاية هسة عرفتي اني مستعد اتخلى عن روحي ولا اخليك .. واني مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا دي عشان اكون معاك ... في اكتر من ديني ؟؟ منال انا حخلي ديني عشانك..
- جمال انت عارف انا بحبك قدر شنو .. وبرضو مستعدة اعمل أي شئ عشان اكون معاك لكن بعد كدة خايفة ... الموضوع دة ما ساهل ... لا علي ولا عليك ... انا لمن اتخيل الممكن يحصل ليك لما اهلك يعرفوا انك بقيت مسلم !! وحتى لو انت اسلمت وعن قناعة اهلي حيرفضوا اني اتزوج انسان كان مسيحي واهلو كلهم لسة مسيحيين .. وحيحاولوا يفرقونا باي طريقة ... ابسط شئ انهم ممكن يحبسوني ويعرسوني لي اول واحد يدق الباب ... اما انت .. تاكد انو وقتها جدي حامد حينسى انو رباك على ايدينو حينسى العشرة والجيرة والعلاقة الطيبة .. دة جدي وانا باعرفو كويس .. هو انسان طيب وكريم وحنين .. لكن عندو حدود لكل شئ .. وما بيقبل اي زول يتخطى الحدود دي مهما كان ... ولو بالغلط او عن عمد ... ولو أي واحد مننا اتخطاها بينقلب ويبقى انسان تاني ... قاسي وما بيرحم ... يعني يا جمال لو عرف .. ممكن ياذيك وياذي اهلك .. ولا العجب كان ابوي واعمامي سمعوا !! ... دي بيحصل فيها موت ... بيقتلونا احنا الاتنين ..
اطرق جمال فترة طويلة وهو يستمع الى صوتها المهتز ... وعندما رفع راسه كانت في عينيه نظرة مصممة
- شوفي يا منال ... انا مستعد احارب الدنيا كلها عشان خاطرك ... بس اكون ضامن انك حتقيفي معاي وتتمسكي بي زي ما انا متمسك بيك ... احنا من البداية كنا عارفين انو ارتباطنا دة ممكن يواجه صعوبات كتيرة .. وبرغم كدة مشينا فيهو ... هسة دة الوقت الحنثبت فيهو لبعض جدية مشاعرنا .. انا باقي لي شهور واخلص الامتياز .. كنت ناوي ما اعمل أي خطوة الا بعد ما اخلص .. لكن الحالة الانتي فيها دي خوفتني وخلتني اقرر اني ما انتظر ... من بكرة انا حابدا احضر اوراقي عشان اقدم للهجرة ... وحقدم ليك معاي بصفتك زوجتي ..
لم يتوقف برغم الشهقة العالية التي صدرت عنها ...
- منال .. طالما انو احنا عارفين ما عندنا فرصة حياة مع بعض هنا ... يبقى نطلع برة احسن ... نمشي ابعد مكان في الدنيا ... مكان ما يقدروا يوصلوا لينا فيهو ... انا عندي اصحابي في استراليا وكندا كل مرة يحنسوني عشان اقدم .. انا كنت رافض اطلع من السودان عشانك ... لكن هسة دة بقى حلنا الوحيد ... ولما نقدم مع بعض فرصتنا بتكون احسن وقضيتنا مضمونة .. تعرفي الخواجات ديل بيهتموا شديد باسباب طلب الهجرة وبالذات الجانب الانساني ... يعني لمن ندخل انا وانتي مع بعض ونحكي ليهم قصتنا ونشيل معانا الاوراق البتثبت اختلاف ديننا .. ونوضح ليهم انه في تهديد مباشر على حياتنا لو قعدنا هنا .. تاكدي انهم حيقتنعوا ... ناس كتار اتحججوا بموضوع الاضطهاد الديني دة وادوهم ... بعد ما تخلص جوطة عرس رحمة دي .. نطلع يوم من الجامعة مع بعض ونمشي الجوازات نطلع ليك جواز سفر .. انتي جهزي جنسيتك وباقي الاوراق .. وجيبي لي شهادتك بتاعت الثانوي واطلبي شهادة من الجامعة تثبت انك في سنة اولى طب وانا حاشيلهم وامشي اوثقهم في الخارجية وفي السفارة عشان أي مكان نمشي تواصلي دراستك ... عاوزك تتحركي بهدوء وما تخلي أي زول مهما كان يعرف انتي بتخططي لشنو ... ولا حتى جاكلين اختي ما تعرف حاجة ... وعلى بال ما اخلص الامتياز تكون الاوراق الرسمية كلها جهزت ونمشي نقدم طوالي ... وما تشيلي هم لقروش التذاكر ومصاريف السفر انا حدبر كل شئ ..وقبل السفر بيومين نمشي المحكمة اشهر اسلامي ونعمل العقد ونخلص .. اها قلتي شنو في الكلام دة يا منال ؟؟!!
عندما رفعت منال راسها وواجهت نظراته كان وجهها قد اختفى لونه وارتسمت فيه علامات الفزع والحيرة ...
- قصدك شنو يا جمال بالكلام دة ؟؟ انت عاوزنا نهرب ؟؟ نخلي البلد واهلنا وكل شئ ؟؟
- عندك حل تاني ؟؟!! .. لو عندك حل قوليهو لي وانا مستعد اعملو ...
قوبل تساؤله المتحدي بصمتها اليائس ... بينما استعاد مجرى الاخاديد نشاطه المحموم ...
-
الفصل الحادي عشر
جلس ابراهيم خلف المائدة المربعة وعلامات التجهم تعتلي وجهــه الوسيم ... كــان يتامــل اوراق ( الكوتشينة ) التي يحملها بعدم رضى وهو يحمل كأسه شبه الفارغ .. تناول آخر رشفة منه ثم رمى اوراقه .. ندت عن شريك اللعب صيحة فرح وضرب بيده سطح الطاولة بقوة جعلت الاكواب والزجاجات ترتفع عن مكانها قليلا لتهبط بفوضى في الاوراق المبعثرة محدثة ضجيجاً عالياً لفت انتباه المجموعة الجالسة ارضاً في احد اركان الحجرة المتواضعة متحلقين في دائرة وقد انهمك كل منهم في عمله ... كانت اوراق لفافات التبغ الفارغة واعقابها منتشرة في كل مكان بعد ان انتزعت احشائها في طبق واسع عميق احتشـدت فيه عدة ايادي لتخلط التبغ مع اوراق الحشيش المتساقطة من (قنــدول) يحمله ( جادين ) ويفركه بين يديه بقوة ... بينما تولى آخر مهمة تجهيز اوراق (البرنسيسة) الناعمة ووضع الخليط ولفه بحرص في لفافات صغيرة متساوية ...
رفع جادين راسه مخاطبا رفيق ابراهيم في اللعب وعلى وجهه ابتسامة شامتة ...
- يا زول انت الليلة حظك ضارب بالجد ما دام قدرت تغلب ابراهيم الحريف ... اها طلعت منو بكم ؟؟ من حضر القسمة فليقتسم ... وما دايرين قروش ... امشوا جيبوا لينا كوارع ولا سمك من الموردة .. اتهرينا من اكل الفول والطعمية .. الا انت يا ابراهيم مالك ما جبت لينا معاك عشا من بيت العرس ؟؟ ما عزمتنا قلنا معليش تكون خايف من ابوك وما دايرو يشوف اصحابك الصعاليك .. طيب على الاقل كنت تملا لينا كيس اكل وتجيبو معاك !! ...
هب ابراهيم غاضباً فارتد كرسي الخيزران القديم الى الخلف وسقط ارضاً بدوي عال اشاع التوتر في جو الغرفة المعباة بالدخان الازرق ورائحة الخمر ... وتكلم بانفعال وحدة ..
- اسمع هنا يا جادين ... انا ما بخاف الا من ربي الخلقني ... وقلت ليك قبل كدة الف مرة ود العمدة ما ابوي ... انا ابوي مات زمان .. وبعدين فول وطعمية شنو الاتهريت بيهم ؟؟ انا ما كل يوم بجيب ليكم احسن اكل ... لكن اصلك زي الكدايس تاكل وتنكر ..
تحامل جادين على نفسه محاولا الوقوف ومواجهة ابراهيم الذي كان يطل عليه من عل بطوله الفارع تدخّل ( منان ) صاحب المنزل عندما احس بنذر الحرب المعتادة بين صديقيه تطل براسها ..
- يا جماعة مالكم قولوا بسم الله ... اقعد يا ابراهيم وروق المنجة ... خليني الف ليك سيجارة مخصوصة .. والله جابوا لي نوع ما يستاهلو زول غيرك ...
تجاهله ابراهيم وعاد الى الطاولة حمل مفاتيح سيارته واتجه الى الباب يتبعه منان باستعطاف ذليل ...
- يا ابراهيم ياخي الليلة مالو خلقك ضيق كدة ؟؟ جادين ما قاصد حاجة وبيهزر معاك من العشم بس ...
- شوف يا منان .. انا لو تاني جيت ولقيت الزول دة قاعد هنا بطلع طوالي .. ويمكن ما ارجع تاني ... دة انسان سخيف وجنو مطاعنة زي النسوان .. وانا متاكد انو ما بيهزر وبتعمد يفور دمي كل مرة ...
سد منان الدرب بجسده حتى لا يخرج ابراهيم الغاضب ..
- ياخي هو زول اشتر وما بيعرف يتكلم .. احنا ذنبنا شنو تخلينا عشانو ؟؟ وبعدين انت عارف من زمان انو بيغير منك شديد .. سيبك منو .. كدة روق واقعد عشان تشوف انا مجهز ليك شنو ... حاجة كدة حتخلي مزاجك في العالي ... انا عارف انك ما بتحب الاعراس وانو جوها بيعكرك .. وكنت عارفك حتجي هنا .. عشان كدة عملت حسابي من بدري وجهزت ليك طلبك قبال ما تطلبو .. واها الليلة عشان زعلتك دي حرّم ما اشيل منك مليم ولا تعريفة بس انت كيف ترضى ؟؟!! ... الهدية في السكة وقربت توصل .. اديني صبرك حبة بس .. يا زول حاجة كدة من القلبك بيحبها ...
قاطعت طرقات خفيفة كلمات منان المندفعة فهرول باسما تجاه الباب وعاد مصطحباً معه فتى ناعم الملامح يصعب تحديد عمره بسبب ضآلة حجمه ومشيته المتمايلة بخطواتها الضيقة وتسبقه رائحة عطر نسائي رخيص ... كان ابراهيم يراقب تقدمه باحاسيس متضاربة ما بين الاثارة والحذر ... انه نوعه المفضل ويبدو قريبا من سن عبد الستار عندما بدا معه لعبة الاصدقاء اول مرة ... اللعبة التي اقنعه بانها ميثاق سري بين الصبية وجعله يقسم بكتمانها ... علمه اصولها واسرارها في حصص منتظمة كانت تتم في الاماكن المنعزلة من المنزل الكبير حتى لا يسمع احدهم صرخات ابراهيم المتالمة التي خفت بمرور الايام وخلفت وراءها احاسيس اخرى لم يستطع عمره الصغير وقتها ان يستوعبها ... واصبحت لعبته المفضلة مع صديقه كلما اجتمعا بدعوى استذكار دروسه ... تعلقه بعبد الستار جعله ينفذ كل ما يطلبه منه بلا تذمر .. كان يحاول ارضاؤه بشتى السبل .. وفي كل الاوقات ... كانت النتيجة ان الوقت المخصص للاستذكار قد تقلص وبدات علامته المدرسية تتدنى باضطراد ... لكن من يهتم ؟؟ فالسرة لاهية عنه ببناتها وسعدت برمي حمله على بخيت والعينة ليقوما بتربيته ... اما والده .. فقد كان يزداد تجاهلا له وبعدا عنه يوماً بعد يوم ... وبرغم محاولاته اليائسة لاكتساب حبه ورضاه الا ان قلب ود العمدة ظل موصدا امامه باصرار شديد .. كان يعوضه عن نقص مشاعره بزيادة كمية النقود التي يمنحها له حتى بدون ان يطلبها او يرغب فيها ...بمرور الايام كف عن المحاولة وتعلم كيف ياخذ نقود ابيه ليشتري بها حب الآخرين ... واشتهر في المدرسة بكرمه فسعى الجميع لصداقته واظهار حبهم له ... كان في اعماقه يدرك ان غالبيتهم يسبونه خلف ظهره ويطلقون عليه النكات ... لكنه لم يهتم .. يكفيه تملقهم ومشاعرهم المبذولة عند الطلب لقاء ما يدفعه لهم ...
الوحيد الذي كان يرفض ماله هو عبد الستار ... اعتاد ان يعطيه حبه بلا مقابل .. كان يتقبله بكل عيوبه ونزوات طفولته المرهقة .. كما كان الوحيد الذي استطاع تبديد حيرته بشان كره والده له ... اخبره السبب في جلسة الوداع التي سبقت التحاقه بالجيش .. يومها جلس ابراهيم دامعاً وعيونه تحدق في الفراغ .. وهو يفكر في الايام القادمة بدون صديقه الذي جلس مهموما بقربه وهو يحاول ان يسري عنه ...
- ابراهيم ... ما تخليني امشي وانا قلقان عليك وشايل همك .. انا عارفك زعلان .. لكن انا ما عندي طريقة غير ادخل الجيش ... وما تخاف ححاول اجي كل فترة والتانية بس عشان خاطرك ..
انحدرت دموع ابراهيم المطرق دون ان يحاول ايقافها .. وهمس بصوت مخنوق ..
- انت ليه عاوز تمشي الجيش ؟؟!! .. اقعد هنا يا عبد الستار وانا حكلم ابوي يشغلك معاهو في السوق ... انت صاحبي الوحيد .. وانت بس البتفهمني وتحبني .. انا مافي زول غيرك بيحبني ... حتى ابوي زاتو ما بيحبني ...
- لانه ما ابوك ...
كان الرد صاعقاً .. لذلك لم يستوعبه عقله الحزين التائه في امور اخرى ... ساد صمت ثقيل تغلغلت خلاله الجملة المخيفة الى خلايا عقله .. وعندما رفع راسه كانت نظراته فزعة ومليئة بالدهشة ...
- قلت شنو يا عبد الستار ؟؟!! ... ابوي ما ابوي ؟؟ كيف يعني الكلام دة ؟؟!!...
ظهرت علامات الندم على ملامح عبد الستار بسبب زلة لسانه التي افشت لصديقه سرا حرص الجميع على اخفاؤه عنه منذ ولادته و لمدة احد عشر عاماً ... وفي النهاية قرر ان يخبره ...
- ود العمدة ما ابوك ... ابوك مات لمن كنت في بطن امك .. ودالعمدة عمك اخو ابوك الصغير وعرس امك بعد وفاة ابوك ... انت اصلك ما انتبهت لاختلاف الاسم بينكم ؟؟!! يمكن ما تكون انتبهت لانو الناس كلها بتقول ليهو ود العمدة بدون اسمو ... او لانو امك زرعت في راسك انو ابوك من ما انت صغير ... وفي النهاية هو عمك واساميكم متشابهة ...
اعاد اليه التفسير الصادم ذكرى محاولاته المستميتة للحصول على حب من كان يظنه ابوه ... وفشله المزمن في كل مرة ... انفتحت طاقة عقله واطلت منها الذكريات المؤلمة والاسئلة الحائرة التي رافقته منذ ان وعى بالحاجز العالى الذي يفصل قلب ود العمدة عنه ... وبدات المواقف تمر كشريط سينمائي تؤكد كل لقطة فيه صدق كلمات عبد الستار ... تذكر احساسه الطفولي الفطري الذي جعله يدرك منذ البداية ان هناك خطبا ما في علاقته بابيه .... شيئا مجهولا يجعله يبعده منه كلما حاول الاقتراب ... وضع كل الاسباب التي يستطيع تخيلها لهذا الجفاء الغريب ... وعندما عجز عن ادراك السبب الحقيقي .. لام نفسه .. واحس انه ربما خذل والده بطريقة او باخرى ... وانه لم يصل الى المرتبة التي تؤهله للحصول على ما يستحقه من حب ... لكنه لم يتصور للحظة ان والده ليس والده ... تذكر نظرات الحزن في عيون السرة كلما باغتها بالسؤال المحير ...
-
انتي يالسرة .. ابوي ليه ما بيحبني ؟؟!! ...
في السنوات الاولى كانت تنفي الامر بحماس فتر مع مرور السنين وتكرار السؤال حتى اصبح ردها صمتاً عاجزاً ... ثم توقف عن سؤالها بعد اقتنع باستحالة تغيير الوضع .. واكتفى بالتعويض المادي السخي وبحب عبد الستار ... عبد الستار الذي قرر التخلي عنه الآن ليعود وحيدا منبوذا لا يجد من يهتم به .. ادراكه لهذا الواقع جعله يجهش ببكاء مرير ارتجف له جسده الممتلئ ... احتضنه صديقه مواسياً .. لكن اخراجه من مستنقع الحزن الذ ابتلعه احتاج الى اكثر من ذلك ... في ذلك اليوم اتسمت لعبتهما بالخشونة وافرغ ابراهيم حزنه ومرارته في جوف عبد الستار الذي تقبل تقوف تلميذه عليه بلذة واكتفاء .. يومها تلاشت الفوارق بينهما ... وتبادلا دور الصقر والحمامة بكل رضا ... بعدها قرر ابراهيم ان يصبح صقرا ويفترس كل الحمام الذي يعترض طريقه ...
صبيحة رحيل عبد الستار حدثت المواجهة العنيفة بينه وبين السرة .. دخل متحفزاً الى غرفتها .. كانت مواعيدها المقدسة لاحتساء الشاي ... بدت في قمة الراحة وهي ترفع الكوب الى فمها بتلذذ ... نظر اليها بحقد وبدأ هجومه بقسوة ...
- السرة ؟؟ ... مش كنتي من البداية تريحي روحك وتريحيني وتقولي لي انو ود العمدة ما ابوي ... على الاقل كنت فهمت سبب كراهيتو لي وما كنت عذبتك بالاسئلة السنين الفاتت دي كلها ..
رفعت السرة راسها بفزع من لهجة ولدها التي تقطر كراهية .. ومن اسلوبه الوقح في مخاطبتها .. ومن ادراكها بانكشاف السر الذي حرصت على اخفاؤه عن ابراهيم منذ طفولته ... انتفض جسدها وتوقف كوب الشاي في منتصف المسافة الى فمها ... التقت عيناها بعينيه الثابتتين واخافتها نظراته ساد الصمت لفترة بدت دهراً .. وافاقت السرة من جمودها على لسعة حرارة الكوب على اصابعها...
- دة شنو الكلام الفاضي البتقوله دة يا ولد ؟؟؟ جبتو من وين ؟؟ القال ليك منو ؟؟ !! ...
كانت نبرتها المتخاذلة وانكسار نظراتها امام نيران الغضب المشتعلة في عينيه اكبر دليل على صحة ما قيل له ... خرج صوته باكياً ... لائماً ...
- اتاري انا اقول ليه بيفرق في المعاملة بيني وبين اخواتي البنات ؟؟ كنت مستغرب وبقول لنفسي انا الولد الوحيد ... يعني مفروض يهتم بي اكتر منهم ويفضلني عليهم زي ما عمي بله بيعمل مع اولاده وعم بخيت بيعمل مع اولاده ... وكنت كل ما تدخلوا اوضتكم ومعاكم البنات وتقفلوا الباب وتخلوني برة براي اسال نفسي ليه ما بتدخلوني معاكم ؟؟ وكل ما اشوفو شايل واحدة من اخواتي اتذكر انو عمرو ما شالني زيهم وانو كل ما اجري عليهو كان بيدفرني بعيد ... وكنت بجيك واسالك ليه ابوي بيكرهني وانتي كل مرة تكذبي علي كذبة مختلفة ... وانا العوير كنت بصدق كذبك ... لاني كنت عاوز اصدقك انتي وما اصدق نفسي البتاكد لي كل يوم وكل لحظة انو بيكرهني ...
انفجرت السرة بالبكاء وهي تهتز بعنف جعل الطاولة الصغيرة امامها تنكفئ وتوقع صينية الشاي بمحتوياتها لتفرش شظايا الزجاج المخلوط بحبات السكر مساحة واسعة من ارضية الغرفة ... حاولت ان تنتهره لتوقف سيل الحمم المندفع من فمه .. لكن كلماتها خرجت متقطعة ... ضعيفة .. متلعثمة ...
- اسكت يا ابراهيم ... اسكت كفاية حرام عليك .. وريني منو القال ليك الكلام دة ؟؟ !! حامد طول عمرو بيعتبرك زي ولده وما بيخت في محلك زول .. صحي هو ما جابك من صلبو .. لكن هو الرباك وبعدين هو ما غريب عليك .. دة عمك اخو ابوك لزم .. يعني حتى لو ما كنت عرستو كان حيتسال منك ...
اتى رد ابراهيم ساخرا وسريعاً ...
- طيب اذا كان في كل الاحوال حيكون مسئول عني عرستيهو ليه ؟؟ مش كان ممكن يتحمل مسئوليتي بدون ما يعرسك ؟؟ ولا انا كنت حجّة ساكت .. وانتي زاتك لو ما كنت عاوزة تعرسي كنتي رفضتي وقعدتي عشان تربيني ... نسوان كتار بيعملوا كدة...
بدا الغضب يتملك السرة فهبت واقفة لتجد نفسها في مواجهة ابراهيم الذي لم يتزحزح من مكانه ...
كان واقفاً كالطود وقد اصبح يقاربها طولاً ... بدا بذراعيه المعقودين حول صدره اكثر شبها بابيه مما جعل السرة تحجم عن قرار الوقوف فعاودت الجلوس بينما واصل الصبي الثائر هجومه بسخرية..
- بعدين يالسرة انتي مقتنعة انو راجلك رباني ؟؟ هي الرباية دي شنو ؟؟ انو يديني قروش وبس ؟؟ ياريتو لو كان حرمني من القروش بس اهتم بي زي ما اهتم ببناته ... طول السنين الفاتت دي كان نفسي يوم يجي يسالني عن مدرستي ولا عن اصحابي ...عن القروش الكتيرة البديني ليها بصرفها كيف ووين .. كان نفسي يوم ينهرني زي ما كل ابو بيعمل مع اولاده ... أو حتى يضربني بس عشان احس انو عندي زول بيوجهني وبيخاف علي ... راجلك ما رباني يالسرة .. وانتي زاتك ما ربيتني لانك كنتي مشغولة بيهو و ببناتك ... انا ربوني بخيت والعينة الانتي بتكرهيهم بدون سبب ... عم بخيت هو الكان بيشاكلني لمن اغلط ... وخالتي العينة هي البتسالني اكلت ولا لا ... ولمن امرض بتقعد في راسي لغاية ما ابقى كويس ... عبد الستار هو البيذاكر لي دروسي وعبد الرزاق وحبيبة هم البيلعبوا معاي .. الناس الانتي بتكرهيهم ديل حسسوني بانهم اهلي اكتر منكم ... وهي دي التربية يالسرة ...
عندما صمت اخيرا كان صدره يرتفع وينخفض بسرعة تواكب دخول وخروج انفاسه المضطربة ... كان ينظر الى امه بتحد ويستمع الى نحيبها المتشنج دون ان يحس بالشفقة تجاهها ... ادار ظهره وخرج وقد تبدلت ملامحه ... بدا وكان العمر قد تقدم به عشر سنوات دفعة واحدة ...منذ ذلك اليوم نزع ابراهيم لقب الابوة عن حامد .. وبرغم الضغوط التي مورست عليه ... الا انه اصر على موقفه بعناد غريب ...
افرغ ابراهيم كل شحنات غضبه التي ولدتها ذكرياته المظلمة في جسد الغلام الغض .. وعندما خرج من غرفة منان كان يبدو كخرقة بالية ...ممزقة .... لا تصلح لشئ ...قاد سيارته ببطء وقطع الشوارع المظلمة بشرود وآلية فاصابته الدهشة عندما وجد نفسه امام المنزل الغارق في النور والضجيج .. كان الحفل قد شارف على نهايته وبدات مجموعات صغيرة من الضيوف تغادر المكان .. لم يكن في حال تسمح له بلقاء أي انسان .. لذلك ادخل سيارته في الممر الضيق خلف المنزل ... اطفأ المحرك وجلس ساكناً يتامل طرف لفافة التبغ المشتعل ودخانها المعلق كالاوهام فوق راسه ... طالت جلسته حتى احس بالخدر في عضلاته المتعبة ... اغلق ابواب سيارته وتسلل بهدوء عبر باب منزل زوجه عمه الثالثة ... اعترته قشعريرة باردة وهو يقطع المسافة التي تفصله عن البيت الكبير عندما حانت منه التفاتة الى النوافد الزجاجية راي نورا ضعيفا يتراقص خلف الستائر .. وخيل اليه انه يرى شبح امراة تقف بصمت وهي تنظر اليه ... عاوده خوف مبهم وتذكر كلمات السرة التي زرعتها داخل عقله في طفولته عن الموتي الذين يعودون كاشباح ويفضلون سكنى البيوت المهجورة لم يجرؤ على الالتفات مرة اخرى ليتاكد من وجود الشبح خلف الستارة .. بل اطلق لساقيه الريح .. عندما خرج الى الجانب الآخر اسند ظهره الى الباب وهو يجاهد لالتقاط انفاسه وتهدئة ضربات قلبه المتقافزة ... مسح الساحة امامه بنظراته ثم جرّ قدميه واتجه الى منزله في الركن البعيد وهو يشعر بوهن غريب بدا يزحف من اطرافه ويتصاعد الى راسه ... احس بجحافل من النمل تتمشى على جلده وهي تنشر دبيب اقدامها في اعصابه ... عندما فتح باب منزله فوجئ بوجود حبيبة جالسة في احد كراسي الصالة شبه المظلمة وقد خلعت حليها وثوبها الغالي .. وارتدت قميصا متحفظا يخفي معالم جسدها الممشوق ... تبادلا نظرة طويلة سربت اسرار كل منهما للآخر ... كانت نظراتها لائمة ومتألمة فلم يستطع مواجهتها بنظراته المذنبة الضائعة دخل غرفته واغلق الباب دونها تاركا اياها تعاني الوحدة والصمت واحساس مرير بالهجران...
-
الفصل الثاني عشر
طال وقوف نادية امام النافذة وهي تتامل الظلام والفراغ الممتد امامها من خلال فرجة الستارة المسدلة .. كانت جامدة كالتمثال .. لم تتحرك منذ خروج شقيقتها الا عندما لمحت شبح رجل يدخل متسللاً عبر الباب الخارجي .. جفلت وهي تتعرف على مشية ابراهيم فتراجعت خلفا ً بذعر .. كانت قد ارتدت ثيابها بينما ظل شعرها مبعثراً تتضارب خصلاته كالشلال خلف ظهرها .. خلفها جلس زاهر صامتاً يراقب دموعها المنهمرة بغزارة .. والرعدة التي تهز جسدها من وقت لآخر ... استغرقه تفكير عميق في الاحداث التي جرت منذ قليل .. احس بفرح خفي سعى جاهدا كي لا يظهر على تعابيره ... اعتبر ان انكشاف امر علاقته بنادية هدية من القدر سوف تضع الجميع امام الامر الواقع وتمهد لارتباطه الرسمي بالفتاة التي احبها منذ اول جدال دار بينهما ... غمرته امواج من الحنان وهو يستعيد ذكرى ذلك اللقاء الذي تم في الاسبوع الاول من سنته الجامعية الثانية ... كان يسير مسرعاً لملاقاة اصدقائه بعد ان تاخر عليهم وهو الذي اعتاد احترام المواعيد ... لم ينتبه للفتاة القادمة في الاتجاه المعاكس براس مطرق ومشغولة بالبحث داخل حقيبة يدها ... تسببت قوة التصادم في سقوط حقيبتها ودفاترها وأخلت بتوازنها مما جعله يسارع بامساكها قبل ان تصل الارض ... عندما فتح فمه ليعتذر وجد نفسه في مواجهة اجمل عينان رآهما في حياته وقد زادتهما لمعة الغضب اتساعا وروعة .. وأحس بانه يتوه داخلهما وغاصت كفه في ذراع بدت نعومتها واضحة حتى من خلف قماش البلوزة السميكة التي ترتديها ... بينما اصبحت يده الاخرى اسيرة بين كتفها وملمس شعرها الحريري الطويل المرفوع في شكل ذيل حصان اندفع من قوة الارتطام ليستقر على كتفها الايمن مغطياً جزء من عنقها الطويل وصدرها النافر ...
اخترقت خياشيمه رائحة انفاس حلوة بينما اغرقه عطرها الناعم في دوامة من الاحاسيس ...افاق منها اثر حركاتها العنيفة لتخليص نفسها من بين يديه واتاه الصوت المؤنب صارخاً ...
- انت عميـان ما بتشـوف ؟؟ ما تعاين قدامـك لمن تمشي !! ولا قايل روحك ماشي في زريبة ؟؟
اطلق سراحها وهو يتمتم بعبارات الاعتذار .. وانخفض ارضاً ليجمع دفاترها المبعثرة تحاصرهما نظرات المارة الفضولية .... ركعت بجانبه تلتقط الاغراض التي تناثرت من حقيبتها بحرج وهي تحاول اخفاء صباع احمر الشفاه الصغير وقارورة العطر عن اعين الناظرين ... كان اسرع منها في حركاته وخلال ثوان استطاع جمع اغراضها وعادت شنطتها الى ما كانت عليه ... اما هو فقد انقلب كيانه بطريقة لا يمكن ان يعود معها الى ما كان عليه ... وضع دفاترها بين يديها وقدم اعتذاره المسموع الاول بصوت عميق واثق ...
- انا آسف .. دي غلطتي ... معليش كنت مستعجل وما انتبهت لخطواتي ...
احرجها اعتذاره الصريح فهي ايضا كانت على عجلة من امرها ولاهية عن النظر امامها بالبحث داخل حقيبتها عن شئ لم تعد تذكره الآن ... اثر فيها سلوكه المهذب فرفعت راسها تتامله .. اصطدمت عيناها بجسد رياضي مشدود فارع الطول تكسوه بشرة داكنة السمرة ... طرفت عيناه الواسعتان في مواجهتها وبدت فيهما لمعة ذكاء حاد ... تحت انفه الافطس انفرجت شفتاه عن اسنان ناصعة البياض مرصوصة باتقان ... كانت تفوح منه رائحة كولونيا مالوفة ... تركزت نظراتها على عنقه في موقع الفجوة التي كانت تنبض بسرعة تماثل نبضات قلبها ... بدت اناقته ملفتة بقميصه الابيض المسطر بخطوط رمادية رفيعة والبنطلون الرمادي بقماشه الخشن ... عندما انحدرت نظراتها الى اسفل ابتسمت لا شعورياً لمراى حذاؤه الاسود اللامع وقد بدا كأنه خرج تواً من بين يدي صبي الورنيش الصغير الذي يجوب ممرات الجامعة .... عندما رفعت راسها مرة اخرى كانت ابتسامتها ما زالت معلقة بشفتيها .. فابتسم لها بدوره وقد وقع اسيراً لسحر اللحظة .. اومات له دون ان تنبث بحرف وانسحبت من امامه بعد ان اخذت قلبه معها ...
بمرور الايام تزايدت صدف لقاءتهما ...كانت تحييه بايماءتها الصامتة ويجاوبها بابتسامة عريضة ثم اصبح يخطط لرؤيتها .. استقصى عن مواعيد محاضراتها .. فترات الراحة .. والاماكن التي تفضل الجلوس فيها ... تعمد التواجد قبلها في مكانها المعتاد ... في البدء كانت تظهر عليها علامات الدهشة للمصادفات المتكررة ثم تاتي الايماءة الخجولة لتبشره بقبولها لوجوده ... كان قد اعتاد الجلوس في ركن معين في الكافتيريا يتيح له رؤيتها بمجرد دخولها لتلتقي عيناهما في عناق قصير يصبح زاده وانيسه حتى لحظة اللقاء التالي ... في احد الايام اتى ليجد آخرين قد احتلوا زاويته المفضلة فاحس بالحزن وبحث عن مكان آخر يمنحه راحة رؤيتها حتى وان غاب عناق النظرات ... باغتته فرحة طاغية وهو يراقبها عندما فوجئت بغيابه عن مكانه المعتاد ... راي التقطيبة التي علت ملامحها الجميلة ... لاحظ وجوم خطواتها وحيرة عينيها الباحثتين بلهفة حتى التقتا بعينيه ... لم تفته ابتسامة الراحة التي ارتسمت على ثغرها المغري ونزلت برداً وسلاماً على مشاعره الملتهبة ... فقد اكدت له انها تدرك وجوده وان غيابه يكدرها ... يومها ارتفعت آماله التي ولدت بسرية لحظة اصطدامه بها لقد احتلت افكاره وحواسه منذ ذلك اليوم باسلوب لم يختبره قبلاً ... ولم يحاول مقاومته برغم علمه استحالة أي علاقة بينهما .. لم تكن تنقصه الثقة بنفسه ...فهو يمتلك ذكاء حاد يكاد يصل الى درجة العبقرية مما جعله على راس المتفوقين طيلة مراحله الدراسية وكان مثار فخر لاسرته التي كانت فيما مضى تتمتع بالثراء الفاحش والسلطة والنفوذ ... ومع دوران عجلــة الحياة تلاشى الثراء واحتفظت الاسرة بمكانتها وهيبتها وسط القبيلة الكبيرة الممتدة في ارجاء واسعة من غرب البلاد ... شب ( زاهر ) وسط هذه الاسرة المتماسكة وتعلم منذ نعومة اظافره ان يفخر بارثه مما اكسبه اعتزازا بنفسه واصله صبغ كل تصرفاته لدرجة ان الكثيرين من اصدقاؤه كانوا ينعتونه بالعنصري المثقف .. كان يتلقى وصفهم بمزيج من الغضب والتعالي .. لذلك لم يحس بالدونية امام نادية التي اكتشف انها تنتمي لاسرة عريقة وثرية ... لكنه احس بالخوف من مشاعره الجارفة وامكانية عدم تجاوبها معه .. لذلك عندما راي اولى علامات القبول اندفع نحوها بعنف ولم يكن هناك شئ يستطيع صده ... تدريجيا انتقلت العلاقة من مرحلة الايماءة الصامتة والابتسامة المترددة الى مرحلة تبادل كلمات بسيطة ... ومن لقاء الصدفة الى اللقاء المخطط بدون اعتراف ...
مرت ستة اشهر على تاريخ معرفتهما المتباعدة عندما تجاسر على الجلوس بجانبها وتبادل الحديث الاول بينهما ... فبعد غيابها عن الجامعة لمدة ثلاثة ايام متواصلة .. كان قد شارف على الجنون .. واصبح شوقه اليها اكبر من قدرته على الاحتمال ... كلت قدماه وهو يدور في طرقات وممرات الجامعة بحثا عنها في كل الامكنة حتى تلك التي لم تعتد الجلوس فيها ... وصل به الامر الى دخول قاعة محاضراتها الممتلئة ومواجهة العيون الفضولية التي شهدت خيبة نظراته عندما لم يجدها .. تمسك بعزة نفسه وعصمه كبرياؤه من مطاردة صديقاتها ليسال عنها .. برغم انتباهه للغمزات المتطايرة بينهن كلما مررن به اثناء جلوسه في مكانه المعتاد حزيناً محدقاً تجاه المدخل مؤملاً دخولها في كل لحظة ..
في رابع ايام بؤسه دخل عبر ممر الكافتريا بخطوات متعبة وراس محني يتامل حبات الحصى الصغيرة وهي تتدحرج امام ضربات طرف حذائه ... ثم غزت انفه رائحة عطر ناعم اصبح دليله على وجودها خلال الفترة الماضية ... رفع راسه فوقعت عيناه عليها وهي تجلس بهدوء على طاولة قريبة منه وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة وفي نظراتها لهفة ... توقفت قدماه عن دحرجة الحصى واحس برعدة قوية تجتاح حواسه العطشى اليها ... وبدون ان يرفع نظراته عنها اتجه الى طاولتها .. سحب الكرسي المواجه لها وجلس ... سالها مباشرة ودون تحية ..
- كنتي وين الايام الفاتت ؟؟ .. ليه ما بتجي الجامعة ؟؟!! ...
اتاه الرد بصوت ملائكي ناعم وبحة مغرية جعلت خياله يتوه وراءها ...
- كنت عيانة ... عندي ملاريا ..
راودته رغبة قوية باحتضانها فاغمض عينيه للحظة حتى يستعيد السيطرة على عواطفه التي تهدد بالانفلات ... وعندما استطاع كبح الاحساس المجنون .. فلت زمام لسانه ..
- ما كنت قايل الملاريا بتخلي الناس حلوين كدة ..
احس بتفاهة كلماته وتمنى لو يستطيع استعادتها داخل حلقه ... لعن نفسه وتسرعه .. لكن لسانه واصل الثرثرة رافضا اوامر عقله بالصمت ..
- اشتقت ليك شديد .. الجامعة ما كان عندها طعم من غيرك ... خليتيني زي اليتيم .. حتى محاضراتي ما قدرت احضرها .. كنت اليوم كلو بافتش عليك واخاف لو دخلت محاضرة انتي تجي وما اشوفك ..
عندما استعاد قدرته على الصمت كان موقناً بانه قد صرح باكثر مما يود ... وربما جعلتها كلماته تهرب منه الى الابد ... ارعبه الاحتمال فرفع راسه ليرى ردة فعلها ... كانت ابتسامة مشرقة خجولة تزين ملامحها الرقيقة .. ولمحت نظراته الحادة المركزة رعشة اصابعها وهي تشبكها امامها .. كاد يقفز فرحاً عندما اجابت سيل كلماته المتدفق باربع كلمات فقط فتحت له بها باب الجنة ..
- انا كمان اشتقت ليك ...
بعد هذا اللقاء اطلقا العنان لمشاعرهما .. وحرصا على اخفائها امام مجتمع الجامعة ... لم يعلم بها الا المقربون من اصدقائه وصديقاتها ... كان يسبقها بسنة في نفس كليتها فاصبح لقاؤهما وسط المجموعة امرا طبيعيا .. ولم يعدما الوسيلة للحصول على بعض الخصوصية بمواعيد مرتبة خارج اسوار الجامعة او في المناطق المنعزلة داخلها ...
مرت سنة على علاقتهما وهما يحرصان على تفادي أي تواصل جسدي باستثناء تشابك الايدي كلما وجدا فرصة لذلك ...كان زاهر يخاف عليها ويحميها حتى من نفسه .. يحترمها لانها تجاوزت القشور التي تفصل بينهما ورات جوهره واحبته بدون قيود أو عقد ... قبل الاجازة السنوية التي تنتقل بعدها نادية الى سنتها الجامعية الثانية .. قررت مجموعة الاصدقاء اقامة حفل وداع وتم الاتفاق على رحلة الى احد الشواطئ .. مضى اليوم مسرعا في ما بين اللعب والضحك والتقاط الصور ... وقبل الموعد المحدد لعودتهم بساعة انسحب زاهر ونادية للقيام بجولة منفردة ... كانا يدركان صعوبة اللقاء خلال فترة الاجازة الطويلة ... ورمى شبح الفراق الوشيك ظلاله على خطواتهما المترافقة ... فتعانقت الانامل بقوة ولدت شرارات كهربائية وارسلت اشارات مجنونة الى حواسهما الجائعة لتواصل حسي اعمق .. كانت قبلتهما الاولى كانفجار العاب نارية في فضاء مظلم ... مبهرة ... مضيئة ... ساحرة ... عندما افترقا منها بانفاس لاهثة ... قرر زاهر بحسم ان نادية لن تكون الا له سوف يحارب من اجلها ... وفي الحب والحرب كل الاسلحة مشروعة ... كانت القبلة الثانية اعمق واطول .. واقوى استكانت بعدها بين ذراعيه وهو يهمس في اذنها ...
- نادية .. انا بحبك ... وعاوزك تكوني زوجتي ... ما حاسمح لاي شئ في الدنيا يبعدني عنك ... لا اهلك ولا اهلي .. لاجنس ولا لون ولا فقر ولا غنى .... انتي حقتي .. ملكي وانا حقك وملكك .. لكن ملكيتنا لبعض دي لازم تبقى رسمية باي شكل وفي اقرب وقت .. عندك الاجازة .. فكري في كلامي دة كويس ولمن نرجع الجامعة حيكون بينا كلام كتير ..
-
وظلا متماسكين حتى لحظة الوصول الى الجامعة .. خلال الاجازة كانت تاتيها رسائله عن طريق صديقاتها ... اصبحت زادها الذي يعينها على غيابه ... كان يصف ليها ايامه بالتفصيل حتى احست كانها تعيش معه في مدينته البعيدة ... وكانت ترد على رسائله باخرى اطول منها ... وهكذا مرت ايام فراقهما وكانهما لم يفترقا .
عندما التقيا بعد انتهاء الاجازة واصل زاهر حديثه الذي بداه في لقائهما الاخير وكانه لم ينقطع ... وكانت المرة الاولى التي يلمح فيها علامات الخوف والتردد على وجه نادية منذ بدء علاقتهما ..
- زاهر .. اهلي ما حيوافقوا اني اتزوج هسة وقبل ما اخلص الجامعة ... وبعدين انت زاتك لسة طالب .. والشئ دة ما حيكون مقبول عند ابوي ولا امي ...
كان يتاملها ويستوعب كلماتها المرتبكة ...ويفسرها بطريقته الخاصة ... بالطريقة التي لم تجروء هي على قولها حتى لا تجرح كبرياؤه وعزة نفسه ... احبها اكثر لمراعاتها له ... وفاجأها بما يدور في بالها ولم تفصح عنه ...
- نادية .. خلينا نكون واضحين مع بعض ... اهلك ما حيرفضوني عشان انا وانتي لسة طلبة ... اهلك حتى لو مشيت ليهم بعد ما اتخرج واشتغل ووضعي يبقى كويس برضو حيرفضوني .. وبدون ما يسالوا عن أهلي ولا اخلاقي ولا سلوكي ولا مدى التزامي ... حيرفضوني بالشكل بس ومن اول لحظة يشوفوني فيها ..
حاولت ان تنفي كلماته وتدافع عن اهلها ... لكنها لم تستطع وتولت دموعها الرد نيابة عنها ...
- نادية انتي قايلاني ما عارف او متوقع الشئ الممكن يحصل لمن اتقدم ليك ؟؟!! ... ابسط شئ انهم يطردوني من خشم باب البيت لانهم ممكن يشوفوني ما قدر مقامكم ولا من مستواكم .. على الاقل اعتقد انو دي طريقة تفكيرهم الانا فهمتها من البتحكيهو لي عنهم ...
تحولت دموعها الى نحيب خافت متشنج وهي تستوعب الصورة القاتمة التي رسمها زاهر بكلماته .. صورة كانت تعلم بوجودها لكنها تناستها وتعمدت تجاهلها طيلة الفترة الماضية وهي تامل بحدوث معجزة تمكنها من تجاوز كل الصعاب والارتباط بالرجل الذي احبته بكل ما تملك من مشاعر ...
- انا ما بقول ليك الكلام دة عشان الومك على شئ انا عارف انو ما بايدك ولا عشان انتقد اهلك لانو الاهل دة طبعهم ... وبالذات في مسالة الزواج دي ليهم وجهة نظر ثابتة وما مستعدين يتنازلوا عنها لاي سبب من الاسباب .. انتي عارفة انا هسة لو كلمت اهلي برغبتي في الارتباط بيك برضو ممكن يرفضوا ؟؟ ...
ابتسم بسماحة متفهماً نظرة الاستنكار والدهشة التي ارتسمت جراء كلماته الاخيرة ..
- زي ما بقول ليك يا نادية .. ممكن اهلي ببساطة يرفضوا ارتباطي بيك .. مش عشان انتي فيك شئ ولا كعبة لا سمح الله ... لكن لانهم هم وحسب فهمهم بيكونوا شايفنك ما مناسبة لي .. بيكونوا عاوزيني اتزوج واحدة من القبيلة ... واحدة تفهم عاداتهم وتقاليدهم .. تعرف تعمل اكلهم وترقص زيهم وتلبس زيهم وتقدر تعيش ظروفهم وتتعايش مع وضعهم .. انتي بالنسبة ليهم ممكن تكوني دخيلة جاية تشيل ولدهم وتسلخو من عالمهم...
تنفس بعمق وهو يرى الالم مرتسما على ملامحها ... مد يده تحت ذقنها ورفع راسها المطرق .. امرها برقة ..
- نادية ... عايني لي ...
انتأبه الندم على طلبه عندما رفعت اليه عينان كسيرتان وممتلئتان بالدموع ... آخر ما يرغب به ان يكون سببا لحزنها ... دموعها تعذبه وتشعره بالذنب ... لكن لا مناص من مناقشة مستقبل علاقتهما وبرغم ثقته في حبها .. لكنه لا يثق بالظروف التي قد تبعدها عنه في أي لحظة ... لذلك سوف يجازف بطرح افتراحه الصادم معتمداً على حبها في تفهم دوافعه .. والموافقة على طلبه ..
نادية .. انتي تصورك شنو للعلاقة البيني وبينك ؟؟ يعني عاوزاها تستمر وتمشي لقدام ولا عاوزاها حاجة مؤقتة وبعد ما نخلص الجامعة كل واحد يمشي في طريقه ؟؟ ...
اتاه ردها سريعا وغاضباً ...
- زاهر !! .. انت لغاية هسة ما عرفت انا ياتو نوع من البنات ؟؟ .. ولا بتفتكر انا من النوع البيملا فراغو بعلاقة مؤقتة ؟؟ .. طيب اذا فرضنا اني فعلا عاوزة اقضي وقت لغاية ما اخلص الجامعة .. ليه اخترتك انت بالذات ؟؟ ما كانت قدامي الخيارات واسعة خيارات مضمونة وما بتعمل لي أي مشكلة في المستقبل .. لازم تعرف انو الاحساس الربطني بيك كان اقوى مني ومن كل محاولاتي لصده ... وبعترف ليك اني فعلا قاومت مشاعري شديد .. حاربتها شهور وشهور لاني كنت عارفة كمية المشاكل الحتواجهني لو دخلت في علاقة معاك .. زاهر انت اول انسان يدخل حياتي واديهو كل الاحساس الجواي .. بحلم واتمنى انو علاقتنا دي تمشي لقدام .. ونتزوج اشيل عيالك واحبهم لانهم حتة منك .. باتمنى اعيش معاك كل العمر الجاي ... باتمنى اكبر معاك .. واعجز معاك ... و ..
اسكتتها غصة مفاجئة .. وجلس هو عاجزا عن تحمل حزنها او مواساتها .. امسك يدها المرتعشة احتواها داخل كفه العريض وضغطها بقوة حتى راى سحابة الم تعبر ملامحها فافلتها .. هجره تردده فقرر طرح اقتراحه .. وتحمل العواقب ..
- نادية .. ايه رايك نتزوج هسة ؟؟ نعمل عقد من غير ما أي زول يعرف ... انا بقيت ما قادر ابعد عنك .. ولا بتحمل فكرة انك تضيعي مني .. وواثق انك بتحسي بنفس احساسي .. انا كل ما يمر يوم خوفي بيكبر .. عاوز اضمن وجودك في حياتي للابد .. ودي الطريقة الوحيدة عشان مافي أي زول يقدر يفرقنا من بعض ... حتى لمن اهلك يعرفوا حنكون بقينا راجل ومرتو .. وما حيقدروا يفرقونا من بعض ..
اصبحت صورة مجسدة للفزع .. صمت كل ما فيها حتى تنفسها ... نسى زاهر مكان وجودهما وكل ما يحيط به ... امسك يديها بكلتا يديه ... غرز نظراته في عمق عينيها وبدا اصعب رحلة في حياته رحلة اقناعها بضرورة زواجهما ...استخدم كل اسلحته للضغط عليها ... كان يدرك سطوة حبه على قلبها .. ولم يحس بالندم وهو يستخدم هذه السطوة للتاثير على قرارها .. وظل يقنع نفسه بان كل شئ مباح في الحب والحرب وهو الان في حالة حرب ضد تقاليد بالية وافكار عنصرية متوارثة .. ويجب ان يربح حربه ليربح حبه ...
بعد اسبوع من النقاش المستمر استطاع ان يذيب خوفها من الفكرة .. وكان قرار الزواج العرفي للمحافظة على اكبر قدر من السرية .. فتم العقد بحضور اصدقائهما المقربين الذين يثقون بقدرتهم على كتمان الامر حملت نادية ورقتها كتهمة واخفتها في اقصى ركن من خزانة ملابسها ... بينما حمل هو ورقته كجائزة يانصيب اتته من غير توقع واخفاها من العيون خوف الحسد ... اعطتهما الاوراق المخباة رخصة لتجاوز الخطوط الحمراء التي كانت تحدد تواصلهما الحسي .. واصبح تشابك الايدي والقبلات المختلسة وقودا يلهب نار الرغبة التي تستعر تحت صدورهما حتى وصلا الى نقطة لم تعد تجدي معها محاولات التعقل .. تم اول لقاء بينهما كزوجين في منزل صديقتها التي غاب اهلها في رحلة قصيرة لاداء واجب اجتماعي في بلدتهم ... بدا اللقاء عاديا كاحدى الجلسات التي اعتادوا عليها هي وزاهر .. وصديقتها التي ارتبطت بصديق زاهر بنفس طريقتهما ... اعطتهم العزلة وامان الجدران المغلقة الشجاعة لمزيد من الحميمية ... وعندما انسحبت الصديقة مع زوجها الى احدى الغرف .. وجدت نادية نفسها غارقة في احضان زاهر وانفاسه الحارة تحرق جلدها ... كان يوما عصيبا على نادية التي اختلطت دموعها بمتعة غامضة تعدها بالكثير بعد انحسار الالم ... بينما احس زاهر بمشاعر لم يحلم يوما ان يصل اليها ... ففي اللحظة التي امتلكها فيها واحتضنته احشائها البكر .. راوده احساس بانه قد امتلك الكون كله بسماؤه وارضه وبحاره ونجومه وكل مخلوقاته ... في تلك اللحظة تضاعف حبه لها الاف المرات .. احس بالفرق بينها وبين أي امراة اخرى عاش معها نفس التجربة .. احس بانه لم يخلق الا لها .. وانها له وحده ...
-
في صبيحة اليوم التالي اجتاحته لوعة قاتلة عندما بحث عنها في كل الامكنة ولم يجدها .. دفعه قلقه لتجاوز كل تحذيراتها بعدم اتصاله بمنزلها مهما كانت الاسباب بعد ان اقتلع منها رقم الهاتف تحسبا للحظة مثل هذه .. لكن خانته شجاعته عندما اتاه صوت لا يعرفه فاغلق الخط وطلب من صديقة سرها ان تسال عنها ... لم يقتنع بكلمة مريضة التي ساقتها احدى اخواتها لتبرير غيابها وطافت براسه كل الاحتمالات المخيفة ... وتآكلته الافكار السوداء .. ليلتها لم يغمض له جفن واندهش حارس بوابة الجامعة من حضوره المبكر وعلامات الاجهاد تملا ملامحه ... قفز من جلسته عندما رآها تدخل في مواعيدها المعتادة .. كانت تبدو نضرة .. وسعيدة ... اشرقت ابتسامتها وبرقت نظراتها بضياء غامض عندما راته .. وبصمت متفق عليه اتجها الى ركنهما المنعزل في اطراف الجامعة ...
امسك يديها بلهفة .. وقبل باطنهما بحرارة اعادت لها ذكريات مرهقة .. سحبتهما برقة وهي تهمس..
- زاهر .. اقعد ساكت .. في ناس جايين ..
- نادية ؟؟ انتي عاوزة تجننيني ولا شنو ؟؟ ليه غبتي امبارح بدون ما تكلميني ؟؟ ليه ما اتصلتي ووريتني الحاصل عليك شنو ؟؟ ..
- والله ما كنت ناوية اغيب يا زاهر .. لكن صحيت الصباح جسمي كلو واجعني وما قدرت انزل من السرير .. قلت يمكن تكون الملاريا رجعت لي تاني وقررت ارتاح شوية واجي الجامعة بعد الضهر لاني عارفاك حتقلق .. لكن والله ما قدرت .. كنت تعبانة شديد ..
ابتسم لها باسلوب العارف وهو يخاطب الجاهل ...
- معليش يا نادية .. اول مرة دايما بتكون صعبة .. وانا اول امبارح تعبتك شديد .. ما تخافي المرات الجاية حتبقى اسهل ... خصوصا انك ما مطهرة .. تصدقي لمن لقيتك كدة فرحت شديد .. كنت عاوز اسالك من زمان لكن خجلت وقلت عيب اسالك سؤال زي دة ..
- امي كانت عاوزة تطهرنا لكن ابوي رفض ... زاهر .. انا ... انا ..
احتبست الكلمات في حلقها فخفضت نظراتها بخجل .. عندما رفعتها كانت مليئة بالقلق ... وتلعثمت كلماتها بينما كان هو ينظر الى تبدل ملامحها بحيرة .. اخيرا طرحت له مخاوفها همسا .. واجابها بصوت مطمئن ...
- ما تخافي يا نادية .. انا عامل حسابي كويس .. عارف انو مسالة الحبوب او أي مانع تاني صعبة عليك .. عشان كدة انا حكون حريص شديد .. وبرغم اني متلهف لليوم التشيل فيهو بطنك طفلي .. لكن حاصبر لغاية ما نتخرج وامورنا تستقر ويبقى زواجنا رسمي .
برغم مرور سنة كاملة على هذا الوعد ... برغم الاجهاد البدني والعاطفي الذي يصيبه في كل لقاء بينهما .. الا انه لم يخن ثقتها به قط .. وظل حريصاً على الوفاء بوعده لها ... حتى اليوم ... دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة .. انسته صرختها حرصه فاخلف وعده لنادية بلا وعي أو ارادة كان يود اخبارها بزلته ... لكن وضعها النفسي اربكه وجعله يلتزم الصمت وهو يدعو في سره ان يكون ما دخل جوفها غير كاف لتحقيق اكبر مخاوفها ... نهض من جلسته اليائسة وتقدم اليها .. وقف خلفها ولف ذراعيه حول جسدها المتخشب .. طبع قبلة طويلة في مقدمة راسها وحاول زرع الطمانينة في اعصابها المتوترة ..
- نادية .. انا عارف الوضع الانتي فيهو هسة ... حاسي بكل حاجة جواك .. حاسي بخوفك وقلقك وحزنك .. عارف الهم الركبك .. لكن انا عاوزك تكوني قوية وما تنهاري من هسة .. انا معاك .. انتي مرتي واحنا متزوجين شرعاً وقانوناً ... انا مستعد هسة اطلع لابوك في الخيمة واكلمه وننتهي من الموضوع دة .. خلاص الحصل حصل !! حيعملوا شنو يعني ؟؟ حيقولوا لي اطلقك ؟؟ لو يقتلوني ما باطلقك .. حتى لو انتي قلتي لي طلقني ما باطلقك لانو لحظتها حاكون عارف انو دي ما رغبتك الحقيقية وانك بتعملي كدة عشان ترضيهم ... لازم تعرفي اني متمسك بيك لغاية آخر نفس في عمري المهم انو انتي تتمسكي بي وما تضعفي قدامهم ...
استدارت داخل ذراعيه .. واجهته بنظرة طويلة ثم دفنت راسها في صدره واجهشت بالبكاء .. تركها تفرغ كل شحنات خوفها وقلقها وهو يربت على راسها ويهدهدها كطفلة صغيرة حتى سكنت انفعالاتها عندما توقفت اختلاجات جسدها سالها مرة اخرى بتصميم ..
- نادية .. اطلع لابوك هسة واكلمو ؟؟ ..
هزت راسها بعنف ..
- لا يا زاهر .. اوعك تفكر تعمل كدة ... ابوي ممكن يقتلك ويقتلني معاك ... انا ما عارفة اعمل شنو ... ياربي وريني بس اعمل شنو ..
داهمتها نوبة بكاء اخرى وقف امامها محبطاً وقد اغضبته قلة حيلته وعجزه في التخفيف عنها ..
- طيب لمتين يا نادية ؟؟ لمتين حنفضل نتدسى ونتضارى ؟؟ مش احتمال اختك هسة مشت طوالي لابوك وكلمتو ؟؟ مش احسن امشي واتكلم معاهو يمكن اقدر اقنعه ؟؟ ولا نقعد ننتظر البلا ؟؟ والله انا شايف قتلوك ولا جوك جوك ؟؟ ..
هزت نادية راسها بعناد ..
- يا زاهر لو مشيت لابوي هسة تاكد انك ما حتطلع من الخيمة على رجلينك .. اميرة انا عارفاها ما حتمشي تقول لابوي .. حاليا على الاقل لانها مصدومة .. لكن بالتاكيد لمن تفوق وتستوعب الحصل حتكلم امي .. وامي حتكلم ابوي .. عشان كدة انا لازم الحق اميرة قبل ما تتكلم .. لازم نكسب وقت عشان نعرف حنعمل شنو ...
بددت خوفه وقلقه من ضعفها عندما ارتمت بين ذراعيه وعانقته بقوة كانها تستمد منه الشجاعة لمواجهة ما ينتظرها .. تراجعت الى الخلف ونظرت اليه بطريقة اذابت قلبه ..
- زاهر ... مهما كان الشئ الحيحصل ... انا عاوزاك تتاكد من حاجة واحدة ... انا ابدا ما ندمانة على أي شئ حصل بيني وبينك .. بالعكس انا سعيدة لاني اتزوجتك حتى لو زواج عرفي ... ولو خيروني اني اعيش التجربة دي معاك او لا .. حاختار اني اعيشها معاك تاني وبكل تفاصيلها ...
اشعرته كلماتها بحزن غريب .. احس بها كانها تودعه .. ولمعت الدموع في عينيه..
- نادية ؟؟ طريقة كلامك خوفتني .. اوعي تكوني ناوية تنهي علاقتنا ... لو فكرتي كدة حتكوني حكمتي علي بالاعدام .. انا جاد جدا لمن اقول ليك انا ما باقدر اعيش من غيرك انا روحي معلقة بوجودك في حياتي .. ولو خليتيني بموت ...
قاطعت سيل كلماته بقبلة طويلة واطراف اناملها تمسح دموعه التي تراها للمرة الاولى .. عندما انفصلا بعد وقت طويل راى في ملامحها تعبير مصمم .. اكتسب صوتها قوة غير متوقعة وهي تدفعه نحو الباب ...
- امشي البيت يا زاهر .. ما تخاف .. انت اختياري وانا مصرة اتمسك بيك مهما يحصل امشي انت هسة وبكرة حتصل بيك اوريك الوضع شنو ...
اندهش من القوة المفاجئة التي تتكلم بها بعد لحظات الضعف التي اعترتها .. تاملها بفخر واعزاز .. استسلم ليدها وهي تقوده الى الخارج .. اطفات الانوار في طريقها .. خرجا الى الساحة شبه المظلمة ولفحتهما نسمة هواء باردة تنبئ بقرب حلول الشتاء .. تطاير شعرها حول وجهها فبدت بفستانها الزهري وتاج الورود بين يديها كانها ملاك هبط الى الارض ... طبع قبلة ناعمة في باطن كل كف واخرى على جبينها ثم استدار منصرفا بخطوات بطيئة مترددة ... تابعته بنظراتها حتى اختفى خلف الباب الخارجي كي تبدا هي رحلتها المتثاقلة صوب البيت الكبير ... كان الحفل في نهايته .. ارتفعت اصوات موسيقى راقصة بلا غناء .. تعالت الزغاريد واهتز الفضاء من دوي طلقات الرصاص .. عندما اصبحت في الجزء الآخر من المنزل واغلقت الباب الصغير خلفها .. راودها احساس طاغ بان الساعات التي انقضت لم تكن حقيقية .. كانت حلماً عاشته باستغراق ... بدت كل الاشياء ضبابية وبعيدة ... احست براسها يدور فتحاملت على نفسها حتى وصلت الى منزلهم .. اتجهت الى غرفتها وفتحت خزانة ملابسها .. اخرجت قطعة الورق الصغيرة البيضاء المطوية بحرص .. فتحتها على مهل وقراءتها للمرة المائة منذ ان وضعت توقيعها عليها .. حملتها واتجهت الى غرفة اميرة .. فتحت الباب لتجد شقيقتها متربعة في منتصف السرير وقد وضعت راسها في اعلى ركبتيها المضمومتين بين ذراعيها .. كان وجهها الجميل قد تلطخ بالوان المكياج المختلط بدموعها .. ذعرت نادية من تعبيرها الجامد وعيناها المتسعتان بلا حياة ... لم تتحرك اميرة من جلستها وهي تنظر الى نادية التي تقدمت نحوها بحذر .. فتحت الورقة ووضعتها امام العيون التي تحدق في الفراغ ... وانتظرت ..
-
الفصل الثالث عشر
وقف حامد بهيبته الطاغية وهو يودع الحضور بعد نهاية الحفل الصاخب ... كانت نظراته تدور بحثاً عن ابراهيم الذي اختفى منذ فترة طويلة .. احس بالضيق والغضب لتصرفات ابن اخيه اللامبالية .. وتذكر بغيظ الغمزات التي تبادلها اصدقاءه عند مروره بهم اثناء خروجه ... كان يدرك بان سلوك ابراهيم المشين لم يعد سرا مخفيا كما اراد له ان يكون ... لقد استمات طيلة السنوات الماضية في تغطيته حتى لا ينفضح ويصبح نقطة سوداء تلطخ سمعة العائلة ... لكن من الواضح ان ابراهيم لم يكن مهتما باخفاء افعاله .. بل وبدا له في بعض الاحيان كانه يتعمد المجاهرة بفواحشه نكاية فيه مثلما فعل حين تم القبض عليه في احد البيوت المشبوهة عندما كان في الثامنة عشرة من عمره .. يومها ايقظه رنين الهاتف بعد منتصف الليل ليخبره بوجود ابن اخيه في قسم الشرطة ويطلب حضوره .. قبل خروجه اجرى عدة مكالمات طلبا لدعم يحتاجه في هذا الموقف العصيب ... عندما وصل الى قسم الشرطة وجد ان ابراهيم قد اخرج من زنزانته ووضع في مكتب الضابط المناوب بعد مكالمة اتته من ضابط اعلى رتبة منه .. كما وجد المحامي بانتظاره امام البوابة فدفع الكفالة بسرعة وسحب ابراهيم المخمور من ذراعه ورماه داخل السيارة بعنف وترك للمحامي مهمة تسوية الاجراءات القانونية ... قاد بصمت وقد قرر ان المنزل هو المكان المناسب لمحاسبة هذا الولد الماجن الذي جلس ساكنا بعيون ناعسة وابتسامة شامتة معلقة بشفتيه ..كانت تفوح منه رائحة عرق كريه ..وعبأت انفاسه المخمورة فضاء السيارة الضيق حتى احس حامد بالاختناق ...
في ذلك اليوم كانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب ابراهيم .. عندما اصبحا داخل المنزل التفت الى ابن اخيه الذي بدا يتجه بخطوات مترنحة نحو غرفته وهو يدندن لحناً شائعاً .. كان غضبه قد وصل الى مداه فصرخ فيه ..
- انت يا حيوان انت .. اقيف قبلك .. ماشي وين ؟؟!! ...
التفت اليه ابراهيم وما زالت ابتسامته البغيضة معلقة على شفتيه ...
- ماشي انوم يا عم حامد .. عاوز شئ ؟؟ تأمر باي خدمة ؟؟ قول .. احنا تحت الطلب..
كانت حامد قد وصل الى اقصى حدود صبره ... هدر صوته وتغلغل في كل اركان البيت النائم .. اتت السرة تركض فزعاً ومن خلفها بلقيس وبدور والصغيرة بسمة التي اخافها الصوت وبدات تبكي بصوت عال زاد غضب حامد وجعله يلتفت الى السرة ..
- السرة .. سوقي بناتك وادخلي جوة .. ما عاوز اسمع صوت زول فيكم فاهمة ولا لا ؟؟
حاولت السرة الاحتجاج ومنع المواجهة الوشيكة بين زوجها وابنها .. لكن خطوات حامد المهددة بقبضتيه المضمومتين ونظراته النارية التي تراها لاول مرة منذ زواجهما اجبرتها على ابتلاع كلماتها وتراجعت بذعر وهي تسحب بناتها امامها حتى دخلت غرفتها ووقفت تختلس النظرات من خلف الباب الموارب .. تلقى ابراهيم صفعة قوية ادت الى سقوطه ارضاً بصوت طغت عليه شهقة السرة الجزعة .. وظل مستلقياً ارضاً وهو ينظر الى حامد بحقد وقد اتسعت ابتسامته ...
- بتضربني يا عم حامد ؟؟ بتضربني هسة بعد ما بقيت راجل ؟؟ تكون عاوز تادبني بعد العمر دة ؟؟ ولا يادوبك اتذكرت تربيني ؟؟ ههة .. انت ما شايف انك اتاخرت شوية في موضوع التربية والادب دة ؟؟ ولا يمكن تكون حتى ما عارف انا عمري بقى كم ؟؟ حتى لو بقيت ما عارف عادي ما في مشكلة .. ما انت طول عمرك ما بتعرف حاجة عني .. لكن بس عاوز اسالك بمناسبة انك يادوبك قررت تادبني وتربيني .. كنت وين لمن انا كنت صغير ومحتاج فعلا لزول يوجهني ويوريني الصح من الغلط ؟؟ كنت وين لمن شربت اول سيجارة واول كاس ؟؟ كنت وين لمن بديت اسقط في المدرسة واجيب الشهادات كلها كعك تعاين ليها بدون اهتمام وتديها لامي ؟؟ جاي هسة تعمل لي فيها المربي الفاضل ؟؟ سوري ليك يا عمو .. جيت متاخر خالص وبعد ما فات الاوان زي ما بتقول الاغنية ..
وبدا يدندن مرة اخرى بصوت مهزوز باغنية عن فوات الاوان ..احس حامد بالمرارة تملا جوفه وهو يقر بصحة كلمات ابراهيم التي جعلته متهما بعد ان كان جلاداً .. حاول ان يدافع عن نفسه بالعذر الوحيد الذي يعرفه ..
- كنت وين يا ولد يا قليل الادب ؟؟ كنت باشتغل واجيب قروش عشان انت تعيش في العز العايش فيهو دة ...
ضحك ابراهيم بهستريا وهو يضرب الارض بكفيه ..
- قروش ؟؟ قروش شنو يا عمي وعز شنو ؟؟ ومنو القال ليك انا كنت عاوز قروشك ولا محتاج ليها ؟؟ انا كنت محتاج ليك انت .. لرعايتك .. لاهتمامك .. لتوجيهك .. لابوتك الابيت تديني ليها .. وكنت كل ما اطالبك بحاجة من الحاجات دي تديني بدلها قروش وفي النهاية لمن فهمت اللعبة صاح بقيت اشيل قروشك واشتري بيها الحاجات دي من برة ... بقيت شاطر في التجارة بسببك وبراس المال حقك ... بقيت اشتري حب الناس واهتمامهم بقروشك .. بشتريهم زي ما باشتري (البنقو) و ( العرقي ) واي حاجة تانية انا عاوزها ... لكن معليش الحاجة الوحيدة القصرت فيها اني كان مفروض كل فترة كدة اعمل ليك كشف حساب عشان تعرف قروشك البتديني ليها بدل ابوتك وحبك بتمشي وين ...
ولدهشة حامد الشديدة بدات الدموع تجري من عيني ابراهيم ... فهو لم يره يبكي منذ ان كان في الحادية عشرة من عمره عندما التقاه مندفعا من غرفة السرة وهو يجهش ببكاء مرير .. وعندما حاول ايقافه ليساله عما به .. اجابه بكل برود ..
- عاوز تعرف مالي يا عم حامد ؟؟ ... اسال السرة وهي بتوريك ...
يومها فوجئ بكلمة ( عم حامد ) التي خرجت من بين شفتي ابراهيم وكانه يبصقها .. عندما دخل الى الغرفة وجد السرة تنوح ببكاء ذكره بحالتها عندما مات شقيقه وتركها تحمل طفله ... كانت ارضية الغرفة مغطاة بشظايا الزجاج المخلوط بحبيبات السكر .. ادرك ما حدث دون ان تخبره .. تاملها طويلا ثم تركها وخرج وهو يحس براحة تغمره بعد ان تحرر من عبء التظاهر بابوة فرضت عليه ولم يرغب فيها قط ... عزى ضميره بان ابراهيم كان لابد يعلم الحقيقة عاجلاً ام آجلاً ...
عندما تمكن ابراهيم من الوقوف على قدميه رفع يد حانقة ومسح بها دموع متجددة من وجه غابت عنه التعابير ... توجه نحو باب غرفته .. وقبل ان يطأها التفت ببطء الى حامد الذي جرفته ذكريات بعيدة ومتشابهة وخيل اليه انه فقد القدرة على تمييز الماضي من الحاضر ... وان اللحظة التي يعيشها ما هي الا تكرار للحظة اخرى عاشها سابقاً وبنفس تفاصيلها ... باستثناء كلمات ابراهيم الغاضبة ..
- شوف يا عم حامد .. من هسة باقول ليك .. عشان ما تخجل من العملتو واللسة حاعملوا لو أي زول لومك على تصرفاتي قول ليهم دة ما ولدي .. دة ولد اخوي وطلع كدة لانه ابوه مات من زمان وما لقى زول يربيهو ..
دخل غرفته وصفع الباب خلفه بعنف اهتزت له الجدران ... من يومها تفادى حامد اثارة أي نقاش مع ابراهيم .. اقتصر دوره في حياته على تزويده بالمال واخراجه من المآزق التي يورط نفسه فيها حتى عندما اتاه يخبره بقراره الزواج من حبيبة ابنة بخيت لم يستطع ردعه برغم غضب السرة العارم الذي زاده عنادا خصوصا عندما علم بزيارتها المحذرة لاهل البيت الصغير والتي اتت نتيجتها لصالحه بعد ان وافقت حبيبة على الزواج منه نكاية في السرة وتحديا لاهاناتها السافرة ...
كانت المرة الاولى التي يرى فيها حامد السرة بهذا الغضب ... كانت تزار كلبوة جريحة وتعلن رفضها القاطع لهذه الزيجة الملعونة .. استعانت بكبار رجال الاسرة وامتلا منزل ود العمدة بوفود تعود وتذهب في رحلات مكوكية لاقناع الابن العنيد بالتخلي عن الفكرة المجنونة ... كان كل ما زاد ضغطهم عليه .. ازداد هو تمسكا برايه واصرارا على اتمام الزيجة ... وعندما وصل الجميع الى طريق مغلق وعدمت السرة كل الحيل لاثنائه عن عزمه .. هددته بقطع ثديها ان هو فعلها ... وفوجئ الجميع برده البارد اللامبالي ...
- السرة ما تقولي كلام انتي ما قدرو ولا بتقدري تسويهو ... شوفي .. لو قعدتي من هنا لبكرة تقولي لي بقطع شطري ولا بقطع ايدي ما بيهمني .. حعرس حبيبة يعني حعرسها هو انتي لمن عرستي عم حامد بعد ابوي كنتي انتظرتيني عشان تشاوريني موافق ولا لا ؟؟؟
وقبل ان يخرج منهيا النقاش في الموضوع .. اضاف جملة غريبة ظلت معلقة في الجو فترة طويلة بعد رحيله ..
- وبعدين اقول ليكم كلام .. انتو مفروض تحمدوا ربكم وتبوسوا يدكم وش وضهر انها وافقت تعرسني .. لاني لو خليتها ومشيت عرست ليكم أي واحدة من الانتوا عاوزينهم ديل فضيحتكم حتبقى بجلاجل .. يعني عرسي لحبيبة سترة لاسم عيلتكم الخايفين عليها اكتر من خوفكم علي انا زاتي ...
عندما جلس معه حامد لاحقاً لمناقشة تفاصيل الزواج ساله ..
- ابراهيم .. ممكن اعرف انت ليه مصر على حبيبة ؟؟!! ليه عاوز تغضب امك عليك ؟؟ السرة كايسة مصلحتك وعاوزاك تناسب احسن بيت في البلد .. انت نسيت انت ولد منو واهلك منو ؟؟!! ولا يمكن ما قادر تتخيل عرسك دة حيجيب لينا كلام قدر شنو ؟؟
رد ابراهيم ببروده المعتاد ...
- اسمع يا عم حامد ... انا الناس ما بتهمني كتير واتعودت على كلامهم عني .. لكن لو انتوا عاوزين تتفادوا الكلام بالجد .. وتحافظوا على سمعتكم نضيفة .. يبقى توافقوا على حبيبة لانو أي واحدة تانية غيرها ما حتنفع ..
-
حاول حامد ان يكذب ظنونه التي صارت شبه يقين فساله ملحاً ومتظاهرا بعد فهم تلميحاته ..
- ليه ما حتنفع يا ابراهيم ؟؟ انت راجل ما ناقصك شئ .. وشايل اسم يخلي أي بت تتمنى ترتبط بيك سواء هنا ولا في البلد ..
قاطعه ابراهيم بحسم ...
- لكن انا عاوز حبيبة .. وقصة الحسب والنسب العاملة ليكم هوس دي انا ما بتهمني كتير انا عاوز انسانة اكون مرتاح معاها .. تكون عارفاني جوة وبرة وما اضطر قدامها البس قناع ولا اتظاهر بشئ ما فيني ... وحبيبة فيها الميزات دي كلها ... وزيادة عليها انها بتحبني من زمان ... مش بيقولوا الحب بيغفر العيوب وما بيشوف الا الجانب الكويس ؟؟
اصبح وجه حامد شاحبا من تلميحات ابن اخيه التي وصلت الى مرحلة التصريح ..
- حبيبة عارفة يا ابراهيم ؟؟ وموافقة ؟؟!! .. طيب ليه رفضتك من البداية ؟؟
- ايوة حبيبة عارفة يا عم حامد .. عارفة كل حاجة .. حتى الانتوا ما بتعرفوهو عني هي عارفاهو .. ورفضتني في البداية لانها ما بتحترمني ... ولانها انسانة معتزة بنفسها شديد .. واقول ليك حاجة ... لو كانت وافقت من اول مرة اتقدمت ليها فيها ما كنت اصريت عليها الاصرار دة كلو .. لانو وقتها كنت حاعرف انها وافقت علي واتغاضت عن حاجات كتيرة ما عاجباها فيني بس عشان انا عندي قروش وانتو اهلي ... لكن لمن رفضتني وبشدة ... انا احترمتها شديد .. وبقيت مصَر اني اتزوجها اكتر من الاول .. وحاسي انو زواجنا ممكن ينجح .. عارف ليه ؟؟ لانو كل واحد فينا بيكمل نقص التاني هي بتحبني لكن ما بتحترمني .. وانا باحترمها لكن ما بحبها .. وكدة كفوف الميزان حتتساوى بيننا ...
عندما تم تحديد مواعيد عقد القرآن .. حزمت السرة حقائبها واصطحبت بناتها الى القرية ... عادت مجبرة في مواعيد فتح المدارس وبضغط من حامد ... رفضت وجود حبيبة معها في نفس المنزل .. لكن حامد المهموم باخفاء تصرفات ابراهيم اصر على بقائهم داخل المنزل ... وخلال مدة قصيرة تم بناء منزل في ابعد اركان الحوش الفسيح ... انتقلت حبيبة الى بيتها وقد اعلنت السرة الحرب عليها فبادلتها حبيبة عداء بعداء .. وكرها بكره اشد منه .. حتى انجاب البنات لم يهدئ من حدة العلاقة بينهما .. وبرغم احتضان السرة لحفيداتها من ولدها الوحيد .. الا انها لم تغفر يوما لحبيبة زواجها من ابراهيم وما زالت تطلق زفرة غيظ وترفع صوتها بعبارتها الماثورة كلما احست بها على مرمى سمعها ...
- والله اللقتو " الفرخة " عمرها ما كانت تحلم بيهو ..
وبرغم تجاهل حبيبة وابراهيم لها .. وتحذيرات حامد من استخدام هذه العبارات المسيئة بحق زوجة ابنها .. الا انها لم ترعوي بل وكانت تستمتع برؤية اثر كلماتها الجارحة على ملامح المراة التي تحدتها وانتصرت عليها ...
كان تفكير حامد يتجول في الماضي ويعود الى الحاضر مع كل هزة تحية لضيوفه المغادرين .. احس بالارهاق وبرغبة جارفة في الانعزال عن كل ما يحيط به .. هذه الرغبة التي تعتريه كلما حضر عرساً .. الاعراس تثير فيه مشاعر متضاربة وتقلق ذكرياته التي حاول عبثاً ان ينساها عن زواج اتعسه .. وآخر وهبه فرحاً لا يوصف ... دارت نظراته بلهفة ليتاكد من مغادرة جميع ضيوفه ... خلا الصيوان الكبير الا من مجموعات من الشباب جلسوا في حلقات وهم يتبادلون التعليقات المرحة وتعلو ضحكاتهم بانسجام ... وحول الطاولات الخالية تجمع عدد من الصبية الصغار بوجوه كالحة معفرة وملابس ممزقة يحملون اكياس يفرغون فيها كل ما تقع عليه ايديهم من بقايا الاطباق ... القى نظرة اخيرة ثم اتجه بخطواته الرزينة الى داخل المنزل وهو يتوق للبقاء وحيداً واجترار ذكرياته النابضة بالحياة برغم مرور السنين وتعاقب الاحداث ... كان توقه للوحدة يقود خطواته نحو غرفته الملاصقة للديوان الذي عج بالاقرباء القادمين من القرية .. تناثرت الحقائب في جنباته الفسيحة وضاقت ارضيته بالمراتب التي وضعت بعشوائية استعدادا للنوم .. احس حامد بضيق مفاجئ لرؤية هذا الجمع الكبير لكنه وقف قليلاً مجاملاً ومحيياً ... سائلاً ومجيباً ... ثم استاذن بكياسة واتجه الى غرفته .. دخل واغلق الباب خلفه بالمفتاح واسند ظهره عليه ... احس بالهدؤ يتسلل الى اعصابه المشدودة .. لقد بنى هذه الغرفة بعد رحيل امونة المفاجئ الذي اغرقه في بئر عميق من الحزن والقنوط وجعله يزهد في كل ما حوله ومن حوله حتى زوجتيه وبناته واحفاده ... تم بناءها والحمام الملحق بها في زمن قياسي .. نقل اليها كل متعلقاته واصبحت عالمه الخاص المحرم دخوله على الجميع ... كانت غرفة فسيحة توزعت فيها قطع اثاث قليلة بذوق زاهد .. سرير عريض انعكس لونه البني الداكن على الجدران المطلية بلون بيج فاتح .. تقابله خزانة ملابس بواجهة مصمتة وخالية من الزخارف ... على جهة اليمين اختفى الحمام خلف الباب المغلق .. بينما احتلت نافذة زجاجية عريضة معظم مساحة الحائط الايسر .. ومن خلالها تسللت انوار الساحة الخارجية لتصنع ظلاً ممتداً من طقم الجلوس الصغير بلونه الشاحب وحتى منتصف ارضية الغرفة ...تهدلت اكتاف حامد بتعب وفقدت مشيته هيبتها المعتادة .. عندما يصبح وحيدا لا يحتاج الى التظاهر بالقوة او ادعاء الصلابة .. ففي غرفته المتقشفة يتحرر من كل اقنعته ... يتداعى ويترك لمشاعره حرية اختيار الاسلوب الذي تعبر به عن وجودها وتعلن عن ضعفه الانساني بلا قيود ...
رمى العصا على طـرف السريـر باهمـال .. وتبعتها العباءة ثم تخلص من بقية ملابسه واكتفى ( بالعراقي) و( السروال ) .. اتجه الى الطاولة الصغيرة الملاصقة لسريره واضاء الاباجورة المغطاة بالزجاج الملون فشع ضؤ خافت حالم جعل الغرفة الجامدة تمتلئ بالظلال الرومانسية .. ابتسم برضا كانت هذه الاضاءة المفضلة لامونة ... تنهد بحرقة وهو يتذكر المرأة الوحيدة التي احبها منذ طفولته وحتى الان ... برغم الثلاث عشرة سنة التي انقضت على وفاتها الا ان حبه لها ظل متقداً .. لم يستطع أي شئ ان يطغي على احساسه بها ... استلقى حامد على السرير وهو يتابع بنظره حركة الظلال المعكوسة على الحائط .. كان مدركاً سبب عداؤه المستعر مع احتفالات الزواج ... فهي تنكأ جراحه بكل قسوة وتغرقه في دوامة الذكريات المريرة ... تعيده الى تلك الايام عندما غيّر القدر حياته بصورة جذرية بموافقته الزواج من السرة تحت رجاء والحاح امونة .. لقد اعتاد ان يجتر هذه التفاصيل ويلوكها داخل عقله مرارا وتكرارا على مر السنوات الفائتة ...ففي تلك الليلة التي زارته فيها امونة في المستشفى وعقب خروجها .. ايقن بان دنياه التي يعرفها قد تغيرت الى الابد ... تلاشت كل احاسيسه وملأه خواء غريب زحف كنبتة شيطانية سامة تسلقت روحه واعتصرت قلبه وامتصت سعادته ... تقرر عقد قرآنه على السرة في الخميس الذي اعقب خروجه من المستشفى .. لم يهتم باي تفاصيل .. كان يقضي وقته اما مستلقيا في سريره بعيون مفتوحة خاصمها النوم .. او هائماً على وجهه في شاطئ منعزل يراقب جريان المياه وتصادمها .. اصبح يتجنب التواجد في أي مكان قد يلتقي فيه بامونة .. كانت عدم رؤيتها هي الضمان الوحيد لقدرته على مواصلة الحياة بدونها
قبل عقد القرآن بيوم كان قد اتخذ قراره بضرورة مغادرة القرية الى ابعد مكان يستطيع الوصول اليه اتجه الى الديوان فوجد ابيه برفقة عمه وهما يناقشان تفاصيل الزواج بينما جلس بله صامتاً يراقب الجميع بهدوؤه المعتاد .. عند دخوله ساد صمت ملئ بالهواجس .. بدده حامد بصوته المهتز المتحشرج ...
- ابوي .. بعد العقد انا ماشي العاصمة .. حاقعد هناك واقدم للجامعة ..
تبادل الجميع نظرات حائرة مرتبكة ... تنحنح العمدة ثم سال ولده دون ان ينظر اليه مباشرة في عينيه...
- ماشي العاصمة ؟؟!! وتقدم للجامعة ؟؟!! متين قررت الكلام دة ؟؟ طيب ومرتك ؟؟ حتسوقها معاك ولا الراي شنو ؟؟
رد حامد بصوت بارد لا حياة فيه ..
- انا من زمان كنت اتفقت مع امونة اننا بعد العرس حنمشي سوا نكمل قرايتنا هناك ...
امتقعت الوجوه وتصلبت الملامح عندما نطق حامد اسم امونة .. لكنه لم يهتم وواصل كلماته بنفس الصوت الميت ..
- انا غايتو حسافر بعد العقد طوالي .. السرة على كيفها .. لو عاوزة تقعد هنا أو تمشي معاي مع انو انا شايف لو قعدت هنا احسن ليها ... انا هناك ما حكون فاضي ليها وعاوز اسكن في الداخلية اريح لي ...
هب العم غاضباً وضرب بعصاه الارض ...
- دة كلام شنو دة يا حامد ؟؟ كيفن يعني تقول السرة على كيفها وبعدين تقول احسن ليها تقعد هنا ؟؟ المرة مكانها مع راجلها وين ما مشى .. السرة حتبقى مسئوليتك وانت راجلها .. ولا هي القصة عقد وخلاص وبعد داك تتملص منها ترميها هنا وتمشي هناك تسوى الدايرو ؟؟ اذا الموضوع كدة يبقى ما تعقد عليها وننتهي هنا .. بتي هسة ترجع معاي بيتي معززة مكرمة ..
رفع العمدة راسه بحدة عندما سمع العبارة الاخيرة ...
- تاني يا محمد احمد ؟؟ تاني بتقول كلامك الما عندو طعم دة ؟؟ ..
- يعني ياللمين يا اخوي انت ما شايف كلام ولدك الاعوج ؟؟ كيفن يقول عاوز يعقد ويمشي يخلي مرتو وراهو ؟؟ ..
كان حامد يقف متصلباً بملامح جامدة وعيون انطفا بريقها .. اصبح كالعود اليابس بعد ان فقد الكثير من وزنه خلال الفترة الماضية .. غارت عيناه في محجريهما وارتسمت حولهما دوائر سوداء .. نبت شعر لحيته بلا ترتيب واستطال شعر راسه بفوضى ... تراوحت كلمات العمدة بين الاشفاق والحزم وهو يحسم النقاس بصرامة ..
- حامد .. انا ما بمنعك تمشي تكمل تعليمك .. لكن ما في حاجة اسمها تخلي السرة وراك دي مرتك .. وانت ملزوم تسوقها معاك محل ما تمش .. ولو على مكان قعادكم هناك مافي مشكلة .. بديك حوش أبروف اصلو قاعد فاضي .. حاكتبو ليك باسمك عشان تكون قاعد في ملكك ... وكمان بديك العينة وعيالها عشان يخدموكم هناك لكن بخيت بخليهو معاي لاني محتاج ليهو في شغلي ...
رد حامد بسخرية ...
- انت يا ابوي ما بتتعب من تفريق الناس من بعض ؟؟ كيفن يعني تديني العينة وعيالها وتمسك بخيت عندك ؟؟ مش انت هسة الكنت بتقول المرة مكانها مع راجلها وين ما مشى ؟؟ انت بتناقض نفسك ؟؟ وبعدين انت عارف انا من زمان عندي راي في قصة امتلاك البشر دي .. يا عالم ديل ناس زيهم زينا .. ما شوالات بصل ولا صفايح فحم تبيعوها وتشتروها وتتهادوا بيها وتوزعوها كيمان زي ما عاوزين ..
اندهش الجميع من ثورته العارمة وقاطعه ابوه غاضباً ...
-
اسمع يا ولد .. ما تتفلسف وتعمل لي فيها مصلح اجتماعي .. دة نظام اتربينا عليهو من جدود جدودنا .. لقيناهو من ما قمنا وتبينا .. ديل ( هولنا ) لا مشينا سوق اشتريناهم ولا بنوديهم سوق نبيعهم .. بنعاملهم احسن معاملة .. لا بنهينهم ولا بنضربهم .. بياكلوا من اكلنا .. وبيشربوا من شرابنا ... عايشين معانا وراضيين بعيشتهم .. وهسة دي لو قلنا ليهم امشوا بيقولوا لا ما بنمش لانو ما عندهم غيرنا ... احنا عزوتهم وسندهم في الدنيا دي وهم مقتنعين بكدة ... وبخيت دة ( الليلنا ) من يوم ما اتولد لكن لو قال داير يمش ما كنت بمنعو .. الا هو قاعد معانا عشان هو داير ما عشان احنا ماسكينو .. وبعدين دة ما موضوعنا .. ما تتزاوغ من الكلام الاصلي وتدخل لي في حاجات فارغة احنا بنتكلم عنك وعن مرتك .. انا من بكرة برسل ناس تمشي الحوش وتفتح البيت وتنضفو .. بديك عربية جديدة وافتح ليك حساب في البنك وكل شهر حتلقى فيهو البيكفيك انت ومرتك وولدك وبالزيادة كمان..
انتفض جسد حامد عند سماعه كلمة " ولدك " .. احس بموجات من الحقد تعبر قلبه تجاه هذا الطفل الذي تسبب في تدمير حياته وتغيير قدره .. هز راسه محاولاً نفض الاحساس القبيح الذي تملكه تجاه الصغير البرئ فاعطت حركته انطباع الرفض لدى الجمع المتوتر .. فزمجر العمدة بغضب ...
- يا ولد اوعك تهز راسك ... من بكرة ابراهيم حيبقى ولدك .. لازم تقبل الوضع دة وتفهمو كويس .. وكمان عشان تبطل فلسفتك الفارغة دي بديك بخيت مع العينة .. مرتك بتكون تعبانة وما بتقدر تخدم البيت الكبير داك براها .. اصلاً في جزء في البيت انا بنيتو للغفير .. بوديهو مكان تاني وناس بخيت يقعدوا فيهو ...
رفع حامد كتفيه بحركة لا مبالية ...
- اعملوا الدايرين تعملو .. المهم انا الاسبوع الجاي ما عاوز اكون هنا ...
ادار لهم ظهره وغادر الغرفة تاركاً الجميع في حالة توجس مما قد يتمخض عنه موقفه الرافض ...
تم عقد القرآن بغياب حامد بعد ان اوكل لابيه مهمة تمثيله .. اقتصر المدعوين على اقرب الاقربين واعلن اتمام الزواج بخمس طلقات من مسدس العمدة تبعها صمت حزين .. لم تجروء أي امراة على اطلاق زغرودة .. انزوت السرة في غرفتها وهي تبكي بمرارة ويجاوبها طفلها بصرخات ملتاعة .. واصيبت بحالة هستريا عندما اصرت عليها والدتها ان تغير ملابس الحداد .. طغى على جو المنزل ظل كئيب وتبارى الحضور في المغادرة بعد انتهاء مراسم العقد مباشرة هربا من هذا الجو الخانق..
بعد يومين من زواجه حزم حامد امتعته وطلب من ابيه اخطار السرة بتجهيز نفسها وصغيرها لمغادرة القرية .. كان يتوق للفرار من المكان الذي شهد احلى لحظات عمره .. واتعسها ... لم يكن قد اعتاد الدرب بين القرية والعاصمة لذلك جلس ساهماً بجانب السائق الذي استأجره والده لايصاله .. في الخلف جلست السرة متلفحة بصمتها وحزنها وهي تحتضن صغيرها الباكي .. كان يتبعهم البوكس الذي يحمل بخيت والعينة وولديهما اضافة للامتعة ...
كان المنزل الذي منح له كرشوة من ضمن اشياء اخرى حتى يقبل الزيجة التي يرفضها يطل على النيل مباشرة ويفصله عنه شارع اسفلتي ضيق يحتل مساحة شاسعة تكفي لبناء عدة منازل اخرى بدا مهيباً بابوابه الحديدية الضخمة وسوره الحجري العالي .. كان حامد يفكر بانه في ظروف اخرى ومع شخص آخر كان ليطير فرحاً بعطايا والده .. لكنه الآن مسكون بالفراغ واللامبالاة .. سرعان ما استقر الجميع في المنزل الجديد الذي تم تجهيزه بكرم .. ترك حامد للسرة وطفلها غرفة النوم الكبيرة بسريرها العريض واختار غرفة صغيرة بالكاد تسع السريرين والخزانة .. لم يفكر ولو للحظة واحدة مشاركتها نفس المكان .. امر بخيت بفرز الامتعة .. وبدت الدهشة على ملامح العينة من اختيار الزوجين الحديثين غرف منفصلة وبعيدة عن بعضهما ...
بعد ان تم ترتيب كل شئ في مكانه .. حمل بخيت ابنه عبد الستار ذو التسعة أعوام بينما استقر عبد الرزاق الذي يصغر شقيقه باربعة اعوام بين ذراعي العينة .. اتجه الجميع الى البيت الصغير المبني بالطين في آخر الساحة .. وبعدها ساد المنزل سكون مميت ...
في الايام التي تلت وصولهم شغل حامد نفسه بالتقديم للجامعة وقيادة سيارته بلا هدى في الشوراع متفاديا التواجد في المنزل لاطول فترة ممكنة حتى لا يرى السرة بعيونها الدامعة وطفلها الباكي دوماً كانت هي ايضا تتجنبه وتحرص على عدم البقاء معه في مكان واحد .. لم يكن يجمعهما الا وجبة الغداء التي تنتهي بسرعة بعد ان يزدرد كل منهما بضع لقيمات على عجل حتى يتخلص من وجود الآخر باسرع ما يمكن .. واصبحت الجامعة رخصة حامد للبقاء خارج المنزل طيلة النهار وجزء من الليل .. وتقلصت اللحظات التي تجمعه بالسرة حتى كادت تنعدم .. تعمد الخروج مبكراً قبل استيقاظها والعودة متاخراً بعد نومها .. سخّر كل الطاقة المتبقية في عقله وروحه لتحصيل دروسه اهله ذكاؤه واجتهاده وحصوله على المراكز الاولى لاكتساب شهرة واسعة في محيطه .. كما اصبحت وسامته وغموضه وعزوفه عن مخالطة البنات عامل جذب قوي لزميلاته اللائي استهوتهن نظرة الحزن العميقة في عينيه الساحرتين .. وكلما تباعد زاد تنافسهن للفوز به دون ان يدرين بزواجه .. كان كتوماً ووضع خطاً واضحاً بين علاقة الصداقة التي تربطه بعدد قليل من زملائه وبين حياته الخاصة ... ولم يسمح لاي كان بعبور هذا الخط .. لم يدع احدهم يوماً لزيارته في بيته ولم يرتد ابداً خاتم زواج ...
كانت قد مرت خمسة اشهر منذ حضورهما عندما استقبلا اول زائر من القرية .. اتت والدة السرة لزيارة ابنتها وانفردت بها طويلاً ... عندما خرجت رمقته بنظرات نارية غاضبة لم يفهم سببها... كما لم يهتم بمعرفة اسباب معاملتها الجافة المتحفزة خلال الايام التي مكثتها في بيته .. بعد عودتها الى القرية بيومين اتت والدته يصحبها " بله " فاصابته الدهشة من هذا التواصل المكثف بعد فترة التباعد المتعمد التي عاشها وانقطع فيها عن عالمه القديم .. كان قد عاد متاخرا كعادته وهو يتوقع ان يجد البيت غارقا في الظلام .. فوجئ بالانوار المضاءة والاصوات الصادرة من غرفة الضيوف ... ساد صمت غريب عند ظهوره في عتبة الباب .. بحركة لا شعورية رفعت السرة ثوبها وغطت به شعرها الطويل الغزير .. كانت نظرات امه عاتبة .. مسامحة .. متفهمة .. بينما ابتسم له بله الذي حمل ابراهيم بين ذراعيه وهو يدغدغه حتى ارتفعت ضحكاته ..تامل حامد هذا المشهد الحميم بين شقيقه ومن يفترض انه ابنه وصفعه الادراك بانه لم يحمل هذا الطفل يوما بين ذراعيه ولم يلاعبه قط كما يفعل بله الان ... احس بالفزع الذي انعكس في نظراته وهي تلتقي بعيني السرة المليئتين بالحزن فأشاح عنها وعانق امه وشقيقه ثم جلس بينهم ليسود ارتباك محير جو الغرفة التي كانت تضج بالحياة قبل دخوله .. بعد لحظات انسحبت السرة بحجة وضع ابراهيم في سريره .. بعدها تعلل بله برغبته في استكشاف المكان لينسحب تاركا حامد وحيدا مع والدتهما التي ربتت على السرير بجانبها وطلبت منه الجلوس .. جلس ملتصقاً بها وهو يحس تجاهها بشوق جارف لم يكن يدرك مداه حتى رآها .. كانت تقص عليه اخبار القرية بالتفصيل وكان هو متلهفاً لاخبار شخص بعينه لكنه لم يجرؤ على سؤالها عن احوال امونة .. وهي لم تتبرع باعطائه أي معلومة عنها ... وبعد ساعة كاملة من الاخبار والقصص صمتت امه فهب واقفا وهو يخاطبها بحنو ...
- امي .. انتي شكلك تعبانة من السفر .. انا حخليك ترتاحي هسة وبكرة نواصل الونسة انا ما حامشي الجامعة عشان اقعد اتونس معاكم ...
كان يهم بالنهوض من مكانه بجانبها عندما امسكت بيده وطلبت منه البقاء .. كان صوتها المتعب خافتاً وخاطبته دون ان ترفع نظراتها اليه ...
- حامد ؟؟ متين حنشوف اخو ولا اخت لابراهيم ؟؟
وقع السؤال على راسه كالصاعقة .. تجمدت حركته حتى اصبح كالتمثال .. تعمق الصمت حتى بدا كيانا آخرا يجاورهما في الغرفة .. اختنقت انفاسه ونظر الى امه بصدمة .. عندما امتد سكونه .. رفعت امه راسها وترقرقت الدموع في عينيها ...
- يعني ما رديت علي يا حامد ؟؟ ما تسكت كدة .. سكوتك دة بيخوفني .. اتكلم .. قول أي حاجة ...
اتى رده في شكل سؤال حائر ...
- اخو ولا اخت لابراهيم ؟؟ كيف يعني ؟؟ ...
- زي باقي خلق الله يا ولدي .. انت السرة دي مش مرتك ؟؟ يعني لو كنت دخلت عليها من يوم ما عرستو .. مش كانت هسة بقت حامل ..
لحظتها فقط ادرك حامد سر النظرة النارية التي رمقته بها زوجة عمه لحظة خروجها من غرفة السرة واسلوبها الجاف في التعامل .. كما ادرك سر زيارة امه وشقيقه ... اصيب بالذعر من المعنى المبطن لكل ما يحدث فاتى رده خشنا ..
- ادخل عليها ؟؟ ادخل عليها كيف يا امي ؟؟ السرة دي مرت ابراهيم .. وانا عرستها بس عشان انتوا قلتوا عاوزين الولد يتربى معانا وما يجي راجل غريب يربي ولد اخوي ...
- حامد يا ولدي .. ابراهيم مات الله يرحمو ويغفر ليه .. والسرة ما بقت مرتو .. السرة هسة مرتك انت .. والعرس عرس يا ولدي .. ومادام عرستها يبقى لازم تاخد حقك وتديها حقها ...
- حق شنو يا امي ؟؟ انا ما عندي حق عندها ولاعاوز منها حاجة .. ولا يمكن هي اشتكت ليكم وقالت عاوزة حقها ؟؟ امي انا السرة دي بالنسبة لي زيها زي أي واحدة من اخواتي .. ما بحس نحوها باي شئ غير احساس الاخو باخته ... انتي بالذات يا امي اكتر واحدة عارفة انا رفضت العرس دة قدر شنو .. وعارفة كمان انا في النهاية وافقت ليه ... انا وافقت عشانك .. وعشان ما اكون سبب طلاقك بعد العمر دة كلو ...
تلبست حامد حالة من الانفعال العنيف واصبح صوته قاسياً .. لم يعبأ بالالم الذي انطبع على وجه امه وهو يذكرها بتضحيته من اجلها ...
- امي .. لازم كلكم تعرفوا انو دة اقصى شئ ممكن اسويه .. مافي زول فيكم يطالبني بازيد منو .. دخول على السرة ما داخل .. ولو هي اشتكت وطالبت بحاجة زي دي يبقى تشوف ليها راجل تاني غيري ...
قاطعته امه بغضب ..
-
إتأدب يا ولد وما تنسى انت بتتكلم مع منو .. السرة ما اشتكت ولا عمرها حتشتكي حاشاها المربية بت الاصول العيبة ما بتطلع منها .. احنا عرفنا لانو امها لمن جات تزورها سالتها ليه ما حملت لغاية هسة وانتو معرسين ليكم خمسة شهور .. واضطرت السرة تقول لامها انك لغاية هسة ما لمستها .. امها جاتني جارية وكانت عاوزاني اكلم العمدة .. اقنعتها بعد تعب انو تخلي الموضوع علي وانا بتكلم معاك من غير ما ابوك يتدخل ... حامد يا ولدي مافي حاجة اسمها زي اختك ... لا هي بت امك وابوك ولا رضعت معاك .. دي مرتك والبتسوي فيهو دة حرام وبيدخلك في حساب رب العالمين .. انت انسان صلاي وقراي .. يعني ما عارف انو الوضع دة حرام ؟؟ السرة مرتك وليها عليك حقوق حتى لو ما طالبت بيها .. وانت راجلها .. لازم تصونها وتحفظها .. السرة سمحة ونضيفة وعفيفة .. وانت ما حتلقى احسن منها .. لازم تتعود على حياتك وما تفكر تهرب منها .. يا حامد حرام عليك البنية المسكينة دي الدنيا ظلمتها وشالت منها راجلها وهي في عز فرحتها .. ما تظلمها انت كمان لانك بتعرف طعم الظلم ... هي ما ليها ذنب في الحصل دة وما تنسى انها اتجبرت عليك زي ما انت اتجبرت عليها .. الفرق بينكم انها قبلت بالامر الواقع وانت لا ... لازم تقبل الشئ دة وتبدا توعى لمرتك وولدك .. ابراهيم دة بقى ولدك .. ما عرف وما حيعرف ابو غيرك يا ولدي خاف الله فيهو وفي امو .. خاف الله في روحك ...
انهارت الام باكية وهي تغطي وجهها بطرف ثوبها .. احس حامد بالالم والذنب وهو يرى دموعها التى ملأت خدودها .. عاد وجلس بجانبها .. قبل راسها المختفي خلف الثوب .. لف ذراعه حول كتفيها وضع راسه على راسها وبكى ... بكى طويلاً .. واحس بغضبه يتسلل من داخله مع قطرات دموعه .. احس بحزنه يخرج حاراً مع زفراته ... لقد كشفت كلمات امه الصادقة الغطاء عن كل مشاعر الحقد والحزن والاحباط التي كانت مدفونة باعماقه منذ ان اجبره والده على الزواج بارملة اخيه .. بكى كما لم يبك من قبل في حياته ... بكى ضياع المراة التي احبها بجنون منذ طفولته .. بكى موت حلمه ومشاعره التي اصابها الجمود .. بكى حتى على السرة وصغيرها وعجزه عن منحهم الحب والاهتمام والرعاية ...
عندما دخل بلة الغرفة وجد امه وشقيقه متعانقين وتلفهما موجة من البكاء .. اقترب منهما واحتضنهما معا .. كان كثيرا ما يشعر بالغضب من نفسه لسلبيته وانصاعيه التام لارادة ابيه وجبروته .. موقعه الاوسط بين ابراهيم الكبير صاحب الحظوة والكلمة المسموعة .. وحامد الصغير المدلل جعله منذ الصغر في حالة صراع للحصول على مكان بينهما في قلب ابيه .. فكانت الطاعة العمياء المطلقة هي وسيلته للتقرب من الوالد القاسي والحصول على رضاه .. شب على هذا حتى تحولت الطاعة الى سلبية مفرطة تصبغ كل ردود افعاله تجاه ما يحدث حوله ...
في تلك الليلة اصيب حامد بارق سرق نومه وجعله يدور في الساحة الخارجية والافكار تتلاطم في راسه كانت كلمات امه عن ظلمه للسرة وصغيرها وحرمانية ما يفعل هي اكثرها ايلاماً .. لكن عقله يصر على ان السرة هي زوجة اخيه .. وانها ما زالت مقيمة على حب زوجها الراحل ولن ترضى عنه بديلا كما هو حاله مع امونة .. سخر من نفسه وسذاجة تفكيره لانه ظن ان باستطاعته العيش في هذا الوضع الى الابد .. السرة بالنسبة اليه زوجة اخيه وام طفله .. كيف يتوقعون منه ان يعاشر زوجة اخيه ؟؟ كما وانها لا تثير فيه أي رغبة جسدية .. لقد ماتت كل احساسيه منذ ان اجبر على ترك امونة .. حبيبته الصغيرة التي كانت نظراتها البريئة تشعل النار في حواسه ولمساتها تحيله الى بركان ... لقد حفظ نفسه لاجلها واخذ على نفسه عهداً ان تكون اول امراة في حياته كما سيكون هو الاول في حياتها ... كيف يطالبونه الان ان يخون العهد ويعطي لغيرها ما هو لها ؟؟!! ...
غادرت امه مع شقيقه بعد يومين من وصولهما .. لم يتناقشا في الموضوع مرة اخرى .. لكن نظراتها كانت تستعدي عليه ضميره في كل مرة تلتقي عيناهما .. عندما احتضنها مودعاً حاول ان يطمئنها .. فاحكمت قبضتها حوله وهي تدعو له بالرضا .. والهداية ...
ظل لمدة شهر كامل يناقش نفسه محاولاً اقناعها بفعل الصواب .. تدفعه كلمات امه ودموعها .. ونظرات الانكسار في عيني السرة .. بدا يغير عادته في الغياب .. تعمد ان ياتي قبل مواعيد نوم السرة التي كانت تختبئ خلف ثوبها ما ان تراه وتحرص على تغطية اجزاء جسدها كانه غريب عنها ... حاول ان يتجاذب معها اطراف الحديث الذي سرعان ما يتحول الى جمل متباعدة ومبتورة .. لم يكن هناك شئ مشترك يجمعهما .. على عكس امونة التي لم يمل يوما حديثها .. وكانت نقاشاتهما تنتهي لتبدا مرة اخرى .. وكانت لحظات الصمت نادرة بينهما ولا تحدث الا عندما تغلبه مشاعره اثر لمسة عفوية او متعمدة بينهما ....
في نهاية الشهر كان قد حزم امره على ضرورة تقبل حياته كما هي بعد ان اصبحت امونة حلماً بعيد المنال .. قرر ان ينقل علاقته بالسرة من الورق الى الواقع ... لم يكن يستطيع ان يفعلها وهو واع لذلك عمد الى تخدير حواسه حتى ينسى من هي ويتذكر فقط انها امراة ... وانها زوجته ..
كانت المرة الاولى التي يتذوق فيها طعم الخمر منذ انهياره الشهير على عتبة باب بائعة الخمور في القرية .. احتسى الخمر بشراهة كبيرة حتى احس بان عقله قد غادر جسده مصطحباً معه كل الاحاسيس المتصارعة .. بخطوات مترنحة غادر غرفته واتجه الى غرفتها .. فتح الباب الموارب بهدؤ مصطنع ليقع نظره مباشرة على صدر السرة العاري الملتصق بفم ابراهيم .. لقد اتى وهو مصمما على نسيان كل شئ عدا انها امراة وانها زوجته .. لكن رؤيتها وهي ترضع صغيرها اعادت اليه جزء من احساسه الاول .. تجاهله بعناد وتقدم ببطء يشي بنواياه .. واكدت السرة فهمها بنظرات حزينة .. ودللت على قبولها بحمل صغيرها النائم ووضعه في سريره الملاصق لها ثم جلست تنتظره باستسلام ..
كانت قد اكتسبت مزيدا من الوزن منذ حضورهما من القرية وبدا تكدس الشحم في ردفيها وخلفيتها واضحا خلف قميصها بقماشه الناعم الملتصق بثنيات جسدها محددا معالمه بوضوح .. اصبح وجهها اكثر استدارة وشلوخها اكثر عمقاً .. كانت قد خاصمت الطيب منذ وفاة شقيقه .. الا انها ما زالت جميلة ... لم تعتري حامد اية رغبة في الحصول عليها برغم كمية الخمر التي احتساها ومظهرها المستسلم المغري .. وظل واقفا يتاملها وهو يحفز تفكيره وخياله بانها امراة .. وانها زوجته .. ويحاول ان يقنع حواسه بانه رجل يتوق للقاء امراة تفض بكارته .. دفعه تفكيره خطوة الى الامام .. اقترب منها حتى اصبح امامها مباشرة واحس بالحرارة التي تنبعث من جسدها وصوت انفاسها المرتبكة التي فقدت انتظامها ... كان يهم بوضع يده على صدرها المتحرر من كل القيود عندما احس بحركة خفيفة على السرير خلفها ... رفع راسه بغيظ لان هناك شيئا يحاول مقاطعته بعد ان استجمع شجاعته وخطا الخطوة الاولى .. اصابه المنظر الذي يواجهه بذعر هائل جعله يتراجع خلفا بسرعة اسقطته على الارض تلاحقه نظرات السرة المندهشة بعد ان التفتت لترى سبب تصرفه فلم تجد غير الفراغ ... حاول حامد النهوض فاحس بساقيه كالهلام وهي تلتوي تحته .. كانت علامات الفزع تتزايد في ملامحه وهو ينظر الى نقطة محددة خلف السرة التي نهضت وتقدمت نحوه تحاول مساعدته على النهوض .. حجب جسدها ما وراءه فاستعاد قدرته على الحركة ..رفض يدها الممدودة لمساعدته ونهض بضعف .. هرول خارجاً لا يلوى على شئ تاركاً زوجته غارقة في بحر من الذل والحيرة ..
استيقظ صباحاً بصداع فتاك ورغبة في التقيؤ .. كانت ذكرياته عن ليلة امس مهزوزة .. تحامل على نفسه ودخل الحمام .. افرغ كل ما في جوفه ثم ترك الماء البارد يندفع الى راسه ليزيل بقايا الخمر .. فجاة عاودته ذكرى الرؤية التي افزعته الليلة الماضية فاعتراه حزن قاس جعله يجهش بالبكاء .. ظل واقفاً تحت سيل الماء فترة طويلة حتى انحسرت موجة البكاء ...خرج من غرفته متلهفاً لمغادرة المنزل فتعثرت قدماه بجسد ابراهيم الصغير الذي اصبح يتجول حبواً في مكان .. رفعه من الارض وحمله بتمنّع وهو يتامل ملامحه الجذلة وخيط اللعاب الذي يسيل من فمه بلا انقطاع و يبلل الصدرية الصغيرة الملتفة حول عنقه .. بادله الصغير نظرة تشع براءة ودهشة .. وضعه في حجر السرة متفاديا النظر الى عينيها الحائرتين تمتم بكلمات مبهمة ثم ولى الادبار خارجاً .. لم يعد باستطاعته مواجهتها بعد ما حدث الليلة الماضية..
-
مرت ثلاثة اشهر اخرى قبل ان ياتيه صوت والده عبر الهاتف حادا وصارما وهو يطلب منه الحضور الى القرية على وجه السرعة مصطحبا السرة وابراهيم .. لم يواجه صعوبة في تخمين سبب الاستدعاء العاجل .. لابد ان خبر هجرانه لزوجته قد وصل الى مسامع ابيه بعد ان فشلت محاولات امه المستميتة في ابقاء الامر طي الكتمان ..
قاد سيارته بذهن شارد .. لم يكن متخوفا من لقاء ابيه بقدر ما اصابه الوهن العاطفي من احتمال لقاء امونة .. كان يظن بانه قد تجاوز حزنه على فقدانها واصبح اكثر قوة وصلابة واكثر قدرة على رؤيتها لكن عودته القسرية كشفت الغطاء الوهمي الذي غلف به مشاعره .. وتدفقت ذكراها بداخله كالشلال واكتشف حامد ان التسعة اشهر الماضية لم تمكنه من النسيان .. بل عمقت اصغر التفاصيل وجعلتها اكبر حجما واكثر وضوحاً .. كان يستفيق من شروده على صوت السرة الخائف عندما تنبهه بانحراف السيارة او اقترابه من حافة الطريق ... عندما وصلا الى القرية كانت تسبح في بحر من الضؤ وشمس منتصف النهار تصلي كل الزوايا بوهج حار .. احس بغربة تغمره وهو يتامل الشوارع والبيوت .. كانه لم يعش فيها يوماً ... بالنسبة اليه .. القرية كانت امونة .. وعندما ضاعت امونة اصبحت مجرد مكان غريب موحش ...
كان الاستقبال حافلاً .. نحرت الذبائح وظل المنزل غاصاً بالضيوف حتى وقت متاخر من الليل .. بعد تفرق الحشود وجد حامد نفسه وحيدا في مواجهة ابيه ..جلسا بصمت متحفز وكل يطالع الآخر بنظرات متحدية .. اخيراً رفع العمدة صوته وساله ما كان يتوقعه ...
- حامد .. الكلام السمعتو دة صحي ؟؟
رد حامد بلامبالاة متعمدة ..
- ياتو كلام يا حاج ؟؟ ...
- يا ولد ما تعمل لي فيها رايح وما فاهم انا بسالك من شنو ...
تخلى حامد عن لامبالاته ورد باقتضاب وتحدي ..
- ايوة صح ...
ضرب العمدة الارض بعصاته واشتعلت ملامحه غضباً ...
- يا ولد انت ماك راجل ؟؟ كيف يعني مرتك تقعد معاك تسعة شهور بدون ما تلمسها ؟؟!! انت عاوز تفضحنا ؟؟ الناس تقول علينا شنو لو عرفت ....
قاطعه حامد بانفعال ...
- الناس .. الناس .. الناس .. كل حاجة تقول لي الناس .. جبرتني اخلي الانسانة الطول عمري بحبها عشان كلام الناس .. جبرتني اعرس السرة عشان كلام الناس .. هسة عاوز تتدخل في ادق خصوصياتي وبرضو بحجة كلام الناس ؟؟ اقول ليك كلام يا ابوي ؟؟ لو الناس سالوك ليه ولدك ما رقد مع مرتو لغاية هسة .. قول ليهم عشان هو ما راجل .. ما قدر .. حاول وما قدر ...
هب العمدة واقفاً وسدد صفعة قوية تجاه حامد الذي تراجع خلفاً وتفاداها ليتلقاها الفراغ .. تصاعد غضب حامد من محاولة ابيه ضربه وارتفع صوته بلهجة حاقدة مريرة ...
- شنو يا عمدة ؟؟ انت قايلني لسة ولد صغير تضربه عشان يسمع كلامك ؟؟!! ... خلاص انا كبرت على سمعان الكلام بالضرب .. ويكون في علمك .. لا انت ولا غيرك حتجبروني ارقد مع السرة .. لو عاجبكم كدة يمشي الحال .. ولو ما عاجبكم اهي عندكم امسكوها وبكرة تجيكم ورقتها ..
تهاوى العمدة على كرسيه مذهولاً من اسلوب ولده وبراكين الغضب المتفجرة من صوته وعينيه .. فهو لم يكن يتوقع ان ياتي يوم ويخاطبه احد اولاده بهذا التحدي السافر ... خرج حامد من الديوان ليجد بله واقفا خلف الباب وقد تجمد من الخوف والدهشة .. تخطاه وخرج مسرعاً ... قاد سيارته الى بقعته المفضلة امام النيل .. جلس ارضا واتكا بظهره على هيكل السيارة الحار .. تامل المياه الجارية بصوت ناعم وقد انعكس عليها ضوء القمر المكتمل فبدت وكان حبيبات من الفضة نثرت فوقها .. كان صوت انسياب المياه يتغلغل داخله ويهدئ روعه .. لطالما كان للنيل تاثير قوي عليه .. لطالما كان صديقه الحميم الذي يبثه شكواه ويرمي في جوفه همومه وحزنه ولوعته ... لم يخذله يوماً .. ولم يضق به يوماً...
عندما عاد اخيرا قرابة منتصف الليل وجد المنزل غارقا في السكون .. توجه الى غرفة الضيوف متفادياً المرور بغرفة ابيه او الغرفة التي خصصت له مع السرة ... دخلها وهو يحس بتعب يستوطنه روحا وجسدا ً .. فوجئ بوجود شبح يجلس ساكناً في الظلمة .. فاضاء النور ليجد والدته النائمة في جلوسها واضعة يدها على خدها .. احس نحوها بالشفقة وبرغبة قوية للارتماء في احضانها .. دخل بهدوء ففتحت عيناها على الفور .. هاله كم الحزن المرتسم على ملامحها الطيبة ... جلس بجانبها مطرقا .. وخاطبها همساً ....
- امي .. انتي الوحيدة البيهمني تعرف اني حاولت ... والله العظيم يا امي حاولت زي ما وعدتك ... لكن ما قدرت ... برغم اني اليوم داك شربت لمن عروقي بقت ملانة خمرة بدل الدم .. ضغطت على روحي واقنعتها انو السرة دي مرتي وانو الليلة لازم ادخل عليها ... وفعلا مشيت اوضتها وكنت خلاص حانهي الموضوع .. عارفة المنعني شنو ؟؟ منعني ابراهيم اخوي ..
تابع حامد كلامه دون ان يهتم لشهقة الهلع التي صدرت عن امه ...
- تعرفي يا امي لمن قربت شديد من السرة .. حسيت بحركة في طرف السرير التاني .. رفعت راسي اشوف شنو البيحرك السرير لقيت ابراهيم قاعد يعاين لي ووشه ملان زعل .. بحلف ليك يا امي اني شفت ابراهيم وعرفت من تعابير وشو انو ما راضي عن الشئ دة .. ومن اليوم داك ما فكرت تاني اقرب من السرة .. ما عارف يمكن يكون الشئ الشفتو مجرد خيال زول سكران .. او انعكاس لرفضي انا للموضوع دة .. لكن خلاص الدخل جواي دخل وما اظن يطلع تاني ... يا امي انا عارف اني ظالم السرة معاي .. لكن ما بيدي ... ما قادر .. ما عندي أي احساس ناحيتها .. اعمل شنو .. انتي قولي لي اعمل شنو ؟؟ ..
اتي الرد من العمدة الذي انتصب بجسده المهيب وسد باب الغرفة ...
- اعمل أي حاجة يا حامد بس ما تفضحنا ... احنا ما عندنا حاجة اسمها طلاق .. دي بت عمك .. لحمك ودمك وعرضك .. ودة ولد اخوك المات .. يعني ولدك ..
رقت لهجة العمدة وبدت اقرب للضراعة منها للامر ...
- حامد يا ولدي انت راجل وسيد الرجال ... والسرة مرا تمام وست النسوان ... انت بس خت الرحمن في قلبك واطرد منو الاوهام ... ابراهيم الله يرحمو مستحيل يكون زعلان منك لانك صنت مرتو وبتربي ولدو ... منو حيكون امين عليهم اكتر منك ؟؟ منو حيحافظ عليهم اكتر منك ؟؟ ... حامد يا ولدي لازم تدخل على مرتك ... الكلام دة اعوج منك .. وحرام عليك .. حسابك عند رب العالمين حيكون كبير على الانت بتسويهو دة .. انت بس خت الفكرة في راسك ومع مرور الايام حتلقاها بقت مقبولة .. المرة الاولى حتكون صعبة .. اعمل أي شئ عشان تمش وتفوتها .. المهم المرة الاولى تعدي وبعد داك ببقى الموضوع طبيعي ..
قضى عدة ايام في القرية هائماً في الطرقات ممنياً نفسه بلقاء صدقة يرى فيه امونة .. لم يجرؤ على الذهاب الى بيت خالته لالقاء التحية .. لم يكن يثق بنفسه ورد فعله لو رآها .. في النهاية قرر ان يجنب نفسه ويجنبها عذاب اللقاء ..لكنه كان يدعو في سره ان يرى طيفها او لمحة منها في احد الدروب .. عندما اصابه الياس وشعر بغربته تتعمق .. قرر ان اوان الرحيل قد حان ...
-
كان يجلس متململاً خلف المقود في انتظار خروج السرة وصغيرها .. وعندما فتح الباب بجانبه اخترقت خياشيمه روائح الدخان والصندلية .. التفت بدهشة ليكتشف ان السرة قد تحولت الى امراة اخرى غير تلك المخلوقة الباهتة التي اعتاد عليها طيلة الاشهر الماضية .. اختفى البياض الذي استوطن شعرها وبات لونه كجناح الغراب لامعاً وتفوح منه رائحة دهن ( الكركار ) .. اصبح وجهها لامعاً واذدادت عيناها اتساعا بفضل الكحل الاسود الذي سال تحت جفونها مضفيا على ملامحها غموضا آسراً .. بدت شلوخها اكثر عمقاً بينما توردت شفتاها واصبح لون الوشم ملفتاً ومغرياً ... عندما ادخلت ساقها بحرص ارتفع طرف ثوبها ليكشف عن جسد صبغ باللون البرتقالي الذي تضارب مع نقوش سوداء ارتفعت حتى منتصف الساق ... استقرت بجانبه وهي تحاول ايجاد وضع مريح لها ولصغيرها النائم في حضنها وارتفع رنين الحلى الذهبية في يديها الممتلئتين ... تفادت النظر اليه وهي تعي نظراته المندهشة من التبدل الذي حصل لهيئتها ... لقد ذكرته بايام زواجها الاولى لشقيقه كان مدركا لسر التحول واسبابه ... انهم يدفعونه لتقبل واقع زواجه .. يدفعونه ليغير موقفه ومشاعره تجاه السرة .. تنهد بتعب ورفع يده ملوحاً لمودعيهم وقد تعمق احساسه بالغربة ... والرفض ...
مر شهر منذ رجوعهما من القرية ظلت فيه السرة مواظبة على حرق جسدها بحطب الشاف والطلح يوميا .. تغيرت رائحة المنزل واصبح مغمورا بعبق بخور الصندل والدلكة والمحلبية والحنة ... وتغيرت معها ايضا نوعية ملابس السرة .. اختفت القمصان القطنية الواسعة والثياب الخشنة .. واصبح جسدها يتمايل مع همس الحرير والشيفون ... باتت تنتظره بالوجبات مهما طال غيابه مما جعله يشعر بالذنب ويعجل مواعيد عودته حتى لا يحمل نفسه وزر تركها جائعة ...
حاول كثيرا ان يجبر نفسه على دخول غرفتها ليلا مدركا بانها ستكون بانتظاره .. الباب الموارب والاضاءة الخافتة كانت اشارات واضحة ... كان يقطع نصف المسافة بين غرفتيهما ... ثم تداهمه ذكرى ابراهيم الجالس خلفها بوجه عابس .. فيتراجع .. ومع تكرار تراجعه تراجع ايضا اهتمام السرة بنفسها .. انحسرت الروائح المغرية واختفت القمصان الحريرية وعادت تكسو جسدها بثيابها الخشنة .. واظبت على انتظاره في مواعيد الوجبات .. لكن بنظرات كسيرة وملامح جامدة ...
لم يندهش هذه المرة عندما عاد ليلاً ليجد امه وزوجة عمه وشقيقه في المنزل .. كان يتوقع هذه الزيارة عاجلاً ام آجلاً ... اعتصمت السرة مع والدتها في غرفتها بينما جلس هو مع امه وشقيقه في غرفة الضيوف .. كانت المرة الاولى التي يبادر فيها بله بالحديث .. لحظتها فقط ادرك حامد بانه قد تجاوز كل الحدود .. وبان صبر الجميع قد فرغ بما فيهم شقيقه الصامت دوماً ...
- حامد يا اخوي .. هلاّ هلاّ على الجد .. والجد هلاّ هلاّ عليهو ... الوضع الانت عايش فيهو دة وضع ما طبيعي وغلط وحرام ... وتصرفاتك مخليانا داخليين في اضافرينا .. والبتسوي في بت عمك دة ما مرضي أي زول ... كلنا مدينا ليك حبل الصبر تقديرا لحالتك والظروف التم فيها العرس لكن يا حامد عشرة شهور ؟؟!! ...قريب السنة وانت هاجر المرة ؟؟ دة لا يرضي الله ولا رسوله .. ياخي السرة زاتها ما كانت عاوزة العرس دة لكن لمن لقت روحها قدام الامر الواقع بدت تتاقلم وعاوزة تعيش حياة طبيعية معاك ... حرام عليك يا حامد .. كسرت خاطرها وحسستها انها عبء تقيل على قلبك لمن جبرتها ترسل لامها وتقول عاوزة تتطلق ..
اهتز حامد عند سماع الكلمة الاخيرة ورددها بدهشة ..
- عاوزة تتطلق ؟؟!! .. السرة قالت عاوزة تتطلق ؟؟!! ...
- ايوة يا حامد السرة قالت عاوزة تتطلق لانها عاوزة تحفظ كرامتها الانت بتدوسها ليها كل يوم .. انت قايلها شنو ؟؟ حجر ؟؟ ما عندها احساس ؟؟ تعرف لو أي واحدة تانية غيرها كانت طلبت الطلاق من اول شهر .. لكن لانها بت ناس ومتربية سترت عليك وابت تشتكي الا بعد ما خلاص فاض بيها .. انا بس عاوز اعرف يا حامد انت عاوز شنو ؟؟!! حتعيش كدة لمتين ؟؟ انت خلاص ما بقيت صغير .. عمرك وصل تستعتاشر سنة .. كدة ورينا محتاج كم سنة تاني عشان تنسى الفات وتبدا تقبل حياتك ؟؟ ولا خلاص نبدا نناقش تفاصيل طلاقك من بت عمك ونشوف راجل تاني يربي ولد اخوك والله والله والله والحلف بالله ما خلى شئ .. انا لولا معرس اختها .. كنت عرست السرة وانا شاكر ربي على النعمة الاداني ليها ..
كانت الكلمات تنهال على حامد كطعنات السكين التي لا يملك دفعها .. احس بدموع العجز تملا عينيه وتسيل على خديه .. سكت بله مبهوتاً من دموع شقيقه الاصغر .. وهمسه الموجوع ..
- بله انا حاولت ... حاولت وما قدرت .. كل يوم في الشهر الفات دة بقعد في اوضتي واقول الليلة بمشي ليها .. اتحفز واعبي نفسي .. لكن اول ما اوصل نص المسافة بين الاوضتين بلقى كل حاجة جواي ماتت .. طوالي برجع لانو احسن مليون مرة اني ما ادخل خالص مما ادخل وانا بالحالة البكون عليها ..
ارتفع نحيب الام على ولدها وخرجت كلمتها متقطعة ..
- يبقى كلام مرت عمك صح .. انت معمول ليك عمل ... امونة وامها ربطوك عشان ما تدخل على السرة .. انا بالاول ابيت اصدق الكلام دة لمن جاتني وقالتوا لي وقلت مستحيل اختي تعمل كدة .. مستحيل تاذيك لانها بتحبك زي ولدها .. وهي عارفة انك ما خليت امونة الا غصبا عنك .. لكن هسة بعد الكلام القلتو دة انا بقيت متاكدة انهم ربطوك ..
هز حامد راسه بعنف رافضاً الفكرة ..
- امي ربط شنو ؟؟ دة كلام فاضي وخزعبلات ساكت ..
- لا ما كلام فاضي .. السحر مذكور في القرآن .. انا بكرة بدري راجعة البلد ومن دربي عديل لشيخ العبيد احكي ليهو الحصل واخلي يشوف ليك علاج .. وياريت لو انت زاتك تجي معاي عشان يشوفك ..
- امي انا امتحاناتي على الابواب وما عندي وقت للكلام الفارغ دة ...
غابت الام اسبوع وعادت بعده محملة باشياء شتى .. كانت تشرف بنفسها على خطوات العلاج كما اسمتها .. تطلق البخور في كل وقت تراه .. وتجبره على شرب سوائل كريهة المذاق .. لم يكن مقتنعاً بما يفعل وكان بداخله رفض قوي لكل ما يحدث لكنه خضع لضغوط امه ارضاء لها ولنظرة الترقب في عيني السرة الملئتين بالامل .. كان موقناً بان المشكلة تكمن بداخله هو وليس لاي مخلوق آخر يد فيها .. عدم رغبته بزوجته سببها حبه لامونة التي كان عقله الباطن يرفض وجود أي امراة اخرى في حياته غيرها .. العهد الذي قطعه لها بان تكون اول امراة تمتلك جسده كما امتلكت روحه وقلبه وعقله .. لم يكن يرغب بخيانتها مع اخرى حتى لو كانت زوجته ..
بانتهاء العلاج المزعوم وقبيل مغادرتها الى القرية انفردت به امه وسكبت في اذنه جملة من النصائح ختمتها بواحدة افزعته ..
- حامد يا ولدي انا حاسة بيك وعارفة الجواك .. لكن الشئ دة ما منو مفر ولازم تعملو السرة دي لحمك ودمك .. واجبك تحافظ عليها زي ما حافظت عليك الفترة الفاتت دي كلها ولو بقى صعب عليك تمشي ليها عشان هي السرة وكانت مرة ابراهيم اخوك (الله يرحمه) .. امشي ليها واتخيل انها امونة ...
هب واقفا ونظر اليها بعدم تصديق .. حاول ان يغادر الغرفة لكنها سدت الدرب بجسدها وامسكت بذراعه ...
- اتخلعت من كلامي ؟؟ مالو ما فيها حاجة لمن تتخيل انها المرة البتحبها وبتتمنى تكون معاها .. انت ما حتكون اول ولا آخر زول يعمل كدة ... دة ممكن يسهل عليك وعلى السرة حاجات كتيرة .. اقلها ما حيكون خيال المرحوم بينكم .. وصدقني يا حامد بس المرة الاولى الحتكون صعبة عليك .. لكن بعد كدة كل شئ حيبقى طبيعي وعادي ..
بعد مغادرة امه بيومين فكر ان يطبق نصيحتها .. اطلق لخياله العنان مع طيف حبيبته الغائبة حتى اصبح مشحوناً بطاقة لم يظن انه يملكها .. وفي تلك الليلة اصبحت السرة زوجة فعلية لحامد الذي امتلكها بعنفوان رجل محروم يمتزج للمرة الاولى مع امراة يعشقها ... في غمرة الانفعال الاول لم ينتبه للكمات المتقطعة التي كانت تخرج منهما بصعوبة ...في لحظة انفجاره وعندما كان يهتف باسم امونة سمع السرة تردد اسم ابراهيم ... مع مرور الايام اصبح الامر أكثر سهولة .. خصوصا عندما يرافقه خيال حبيبته ويحتل مكان زوجته في السرير ...
كان حامد مستلقياً بين النوم واليقظة .. اخرجته من غفوته صوت طرقات ملحة على الباب فافاق من عالم الاحلام والذكريات ورفع راسه المثقل بخدر النعاس ليسمع الطرقات تتوالى وتتقاطع مع صوت الاذان وصوت رجل ينادي من وراء الباب ..
- حاج حامد ... قوم الاذان اذن .. هوي يا ود العمدة قوم الصلاة ما تفوتك ...
نظر الى المنبه الصعير بجوار سريره ثم نهض وسارع بفتح الباب ليوقف سيل الطرقات .. واجه ميقظه بابتسامة عريضة ..
- خلاص يا ود سعد صحيت .. افرشوا البروش انا بدخل الحمام سريع والحقكم ..
أمّ حامد صفين من المصلين الذين تشابهت ملامحهم واختلفت اعمارهم .. ما ان انتهت الصلاة حتى امتلا المكان برائحة الشاي واللبن المقنن .. جلس عمار ارضا يعبئ الاكواب وتولى فتى صغير السن توزيعها مع الاطباق المليئة بالبسكويت والكعك ومربعات الفطير المرشوش بالسكر الناعم .. تعالت اصوات الرشفات وطقطقات الالسن استحسانا بطعم الشاي ...
رفع ود سعد عقيرته منشدا مقاطع دوبيت بصوته الرخيم .. ارتسمت ابتسامات الرضا على الوجوه وبدا كل يجود بما لديه من شعر وغناء .. غمر حامد احساس بالسعادة والرضا كان قد غادره منذ وقت طويل ...عبر النوافذ العريضة تسللت هبات نسيم باردة تبشر بشتاء قاس ... كانت محملة برائحة رطوبة البحر والسمك والبن المحمص ... بدا ضوء الفجر الباهت يشق الظلمة الحالكة وظهر في الافق لون حائر بين البنفسجي والفيروزي .. ارتفعت زقزقة عشرات العصافير التي تسكن السور الشجري في آخر الساحة لتطغي على كل ما عداها وبدا ان حركتها قد استفزت الازهار المنتشرة .. ففاحت رائحة زهور الفل والياسمين وامتزجت مع عبق زهور شجر النيم والبرتقال ...
شعت ابتسامة حامد وأضاءت وجهه الوسيم وارتفعت معها اصوات الدوبيت بين ود سعد وبقية الحضور كان صباحاً مثالياً لم يعشه منذ ما يقارب الثلاثة عشر عاماً
-
الفصل الرابع عشر
استيقظت نعمات على صوت الزغاريد فامسكت راسها بالم واحست كأن طبولاً تدق بداخله .. رفعت يدها تتحسسه بحرص فاصطدمت بالعرق الناتئ في اعلى جبينها وهو ينبض بشدة .. لقد باتت تعرف دلالة هذه الاشارة .. لابد وانها في غمرة انشغالها بالاستعداد لعرس رحمة سهت عن ابتلاع الحبوب التي توازن ضغط دمها .. فتحت درج الكمودينو الصغير بجانب سريرها تلمست بيدها حتى عثرت على صندوق الحبوب .. فضت احداها بيد مرتعشة ووضعتها تحت لسانها واستلقت وهي تتمنى ان يزول المها بسرعة .. ادارت راسها ببطء ونظرت بحسرة الى المساحة التي سكنها الفراغ منذ امد بعيد الا في حالات نادرة .. لقد هجر حامد فراشها منذ وفاة امونة ... وابنه ..
في الشهور التي تلت الوفاة احترمت حزنه على محبوبته ولوعته لموت الولد الذي كان ينتظره طيلة حياته .. لكن الشهور استطالت وتمددت حتى اصبحت عاماً كاملاً اعتزل فيه زوجها العالم وبنى غرفة بعيدة اصبحت كمحراب يمارس فيه شعائر حزنه ووحدته بعد ان حرّم دخولها على الجميع .. لم تكن تدرك سطوة حبه لهذه المرأة حتى رات كيف تغيرت احواله بعد زواجه بها .. هذا الزواج الذي زلزل كيانها واصابها بطعنة قاتلة في صميم كرامتها وانوثتها ..
كانت هادية قد اكملت شهرها الثالث وظنت نعمات ان عزوف حامد عنها يرجع لخيبة امله في الحصول على وريثه الذكر .. تفهمت حسرته خصوصا بعد ان وصل عدد بناته الى ثمانية بمولد ابنتها وبدرية ابنة السرة التي وضعتها بعدها بشهر .. بدات رحلاته الى القرية تتزايد حتى وصلت الى اربعة في شهر واحد .. دهشت لهذه الرغبة المفاجئة في التواصل مع المكان الذي ادركت بعد زواجهما بوقت قصير مدى بغضه له بعد ان اقتصر ذهابه هناك على الامور الملحة التي لا يستطيع تفاديها .. لقد اصطحبها في احدى الزيارات بعد انجابها لنادية .. وجدت استقبالاً باردا مغلفاً بتهذيب مجبر انباها برفض اسرته لوجودها .. هي الغريبة التي شاركت ابنتهم في زوجها .. وكانت المرة الاخيرة التي تزور فيها اهل زوجها .. لم يطلب منها مرافقته .. ولم تتطوع هي بالذهاب معه..
عندما اخبرها بنيته زيارة القرية للمرة الخامسة خلال مدة قصيرة .. سالته بحيرة ..
- في شنو يا حامد ؟؟ .. إن شاء الله مافي مشكلة هناك ؟؟ .. بقيت تمشي كتير في الفترة الاخيرة !!
كانت اول مرة ترى فيها علامات التردد في صوت زوجها وملامحه .. جلس على حافة السرير يتاملها وهي ترضع هادية المستكينة بين ذراعيها .. ثم نطق بآخر جملة توقعت ان تسمعها ..
- نعمات .. انا حعرس ..
تجمدت حركتها .. وخيل اليها ان الحليب تجمد ايضا في ثديها ولم يعد ينساب الى فم الصغيرة التي بدات تتململ وتحرك يديها باحتجاج ... ظنت بانها اخطات السمع او التبس عليها فهم الجملة التي نطقها .. فسالته بتضرع ..
- قلت شنو يا حامد ؟؟
يبدو ان اعادة الجملة اصبحت اكثر صعوبة لحامد الذي اطرق مسافة بدت لها كالابد .. ثم رفع راسه وجاوبها بالجملة التي تمنت لو اصابها الصمم قبل ان تسمعها ..
- انا حعرس امونة بت خالتي ..
كانت غارقة في ذهولها وهي تحاول ان تستجمع ذاكرتها المشتتة لتستحضر ما تعرفه عن هذا الاسم امونة ؟؟ ابنة خالته ؟؟ .. كانت علاقتها ضعيفة مع اهل زوجها منذ تلك الزيارة اليتيمة لذلك تاهت عنها الاسماء وصلة القرابة .. فجاة لمع في عقلها ذكرى حوار دار بينها وبين حامد منذ عام تقريبا عندما طلب منها ان ترافقه لتقديم واجب العزاء في زوج ابنة خالته الذي توفى في حادث نجت منه هي بمعجزة .. يومها رفضت ان ترافقه واخبرته باسبابها ..
- يا حامد اهلك ديل ما بدوروني .. انا ولدت مرتين وحصلت لي حاجات كتيرة .. مافي زول فيهم شال رجلو وجاني .. السرة لو قالت راسها واجعها ولا واحدة من بناتها طعنتها شوكة يجوا جاريين .. وما بيكلفوا نفسهم حتى يقطعوا الحوش ويزوروني ولا يشوفوا بناتك .. كيف عاوزني امشي ليهم .. انت ما مفروض ترضى لي المهانة وقلة القيمة والطريقة البيعاملوني بيها .. انا مرتك زيي زي السرة .. ولا يعني عشان انا الغريبة وهي بت عمك ؟؟ انا عمري في حياتي ما شفت عنصرية زي البتعاملوا بيها اهلك دي يا حامد ..
نظر اليها بغيظ وقد اغضبه ان تنتقد اسرته بهذه الصورة ..
- نعمات .. طلعي الاوهام دي من راسك .. اهلي انتي البعدتي عنهم وما كان عندك رغبة تتعاملي معاهم .. ما بتزوريهم ولا حتى علمتي بناتك يكونوا حنان معاهم ... واهو اناباقول ليك نمشي واجب عزا ابيتي تمشي ...
- حامد خليك حقاني .. انا لمن زرتهم الحصل شنو ؟؟ ما قدامك عاملوني زي الزفت وحسسوني كاني ضيف تقيل وما مرغوب فيهو ... وبعدين تعال .. اشمعنى بت خالتك دي العاوزني امشى اعزيها في راجلها ؟؟ ما ناس كتار ماتوا ليكم وعمرك ما قلت لي امشي معاي .. شنو البخليني امشي لدي بالذات ؟؟ ...
اذن هي بنت الخالة التي توفى زوجها !! .. احست نعمات بوهن غريب يخدر حواسها وبدات قبضتها التي تمسك بصغيرتها تتراخى حتى كادت تسقط من بين يديها .. قفز حامد وانتزعها منها ووضعها في منتصف السرير العريض وهي تصرخ خوفا من الحركة المفاجئة .. اصبح وجه نعمات شاحباً كالموتى وسالت دموعها وهي تنظر الى زوجها الجالس امامها محرجاً .. بحثت عن صوتها حتى وجدته .. وسالته ..
- يعني انت خلاص قررت وجاي تبلغني تحصيل حاصل ؟؟ عاوز تعرس فيني يا حامد ؟؟ ليه ؟؟ .. انا ناقصني شنو مشيت تكوس ليهو عند واحدة تانية ؟؟ قصرت معاك في شنو ؟؟ انت الناقصك شنو ؟؟ عشان ما جبت ليك الولد الانت بتحلم بيهو ؟؟ دة شئ ما بايدي .. دي ارادة ربنا .. هانت عليك عشرتي يا حامد ؟؟ خلاص استغنيت ؟؟
-
غلبتها موجة بكاء حادة اخرستها عن الكلام بينما ظل حامد يراقبها صامتاً حتى هدأت ..
- نعمات ... انتي على راسي من فوق .. مكانتك محفوظة ومافي أي شئ حيتغير في حياتك وزي ما كنت عادل بينك وبين السرة حكون عادل بينك وبين امونة .. وبعدين ما تختي في راسك اني عاوز اعرس عشان كايس الولد .. دي قسمة ربنا وانا راضي بيها ...
ظهرت علامات التردد مرة اخرى وصمت طويلاً كانه يبحث عن الكلمات المناسبة .. ثم واصل كلماته مطرقاً وهو يتفادى النظر الى عينيها الفزعتين الكسيرتين ...
- امونة دي بت خالتي .. يعني لحمي ودمي .. اتظلمت كتير في حياتها .. واتحملت كتير انا وهي اتربينا مع بعض .. يبقى انا اولى من أي زول تاني بتحمل مسئوليتها ..
- يعني شنو مسئوليتها ؟؟ اذا قصدك مسئولية مادية يبقى خلاص رسل ليها كل شهر البكفيها وكدة تكون اتحملت مسئوليتها وما في داعي تتزوجها .. انت بتغش على منو يا حامد عليّ انا ولا على روحك ؟؟ الموضوع ما مسئولية .. دة مجرد كلام انت بتقولو عشان تبرر بيهو الشئ الانت ناوي تعملو .. واضح انك عاوز تعرسها عشانها هي .. ولا شنو البيجبرك تعرس ليك واحدة عجوز وعاقر ما بتولد ؟؟
- انتي منو القال ليك انها عاقر ؟؟ ... بقيتي تعلمي بالغيب كمان ؟؟
- ما بعلم بالغيب ولا حاجة .. انا هسة اتذكرت كلامك قبال سنة لمن قلت لي راجلها مات بحادث في المانيا وانها عاشت معاهو عشرين سنة بدون عيال ؟؟ اتاريك من البداية كنت مهتم بيها شديد واول ما سمعت بموت الراجل جريت ليها ... شوف يا حامد انا ما راضية بقرارك .. ومن هسة باقول ليك يا انا ياهي .. ولو عرستها تطلقني ..
رمقها حامد بنظرة ساخرة اكدتها نبرة صوته ..
- غريبة يكون دة موقفك يا نعمات !! ما انتي عرستيني وانا معرس قبلك !! عموماً انا ما جيت اشاورك ولا اخد رايك .. انا جيت ابلغك احتراما للعشرة البينا .. وبقول ليك تاني انا باقي عليك يا بت الناس ومافي شئ حيتغير في حياتك ولا حياة بناتك .. ما تعاندي وتركبي راسك وتخربي بيتك بايدك .. لانك لو اصريتي على الطلاق ما بمسكك غصباً عنك .. ما انا البمسك مرا ما عاوزاني .. ولو على بناتي حيفضلوا بناتي وحالتزم بيهم لآخر يوم في عمري ...
يومها اصابتها اولى نوبات صداعها العنيف .. ولم تفلح كل المسكنات العادية في تهدئتها .. عندما فقدت السيطرة على احتمال الالم وارتفعت اناتها لتصبح صرخات احضر حامد الطبيب الذي اكتشف ان ضغط دمها قد ارتفع الى درجة تنذر بالخطر ... منذ ذلك اليوم لم تفارقها حبوبها .. ولم تفارقها الحسرة على زوجها الذي احبته بكل مشاعرها وتزوج عليها اخرى تكبرها سناً وتقل عنها جمالاً ..
تواصل بكاءها لمدة ثلاثة ايام متتالية ... وجف الحليب من ثدييها .. وبدات هادية التي رفضت الحليب الصناعي تتلوى جوعاً فحملتها نادية المرعوبة من حال امها وشقيقتها الى زوجة ابيها التي ارضعتها مع بدرية ثم اتت تحملها في اول زيارة الى بيت ضرتها منذ زواجها ...
اصيبت نعمات بدهشة حقيقية لهذه الزيارة الغير متوقعة .. واخافها التعبير الغريب المرتسم على وجه السرة .. لم تكون غاضبة او حزينة مثلها .. بدت عليها سيماء الهدوء .. وفي عينيها نظرة تشفي لم تحاول اخفائها .. جلست في مؤخرة السرير وهي تحمل هادية النائمة بين ذراعيها بوداعة .. سالتها بصوت مبحوح ...
- حسيتي بيها يا نعمات ؟؟!! ...
كانت تحاول استيعاب كلمات السرة ومعناها فردت عليها بآلية ...
- هي شنو الحسيت بيها يالسرة ؟؟!! ...
شعت نظرة التشفي وارتسمت ابتسامة رضى غامضة على شفتي السرة فنهضت ببطء من جلستها ووضعت هادية بين ذراعي امها الباكية ..
-
حسيتي بحرقة الراجل لمن يعرس فيك ؟؟ .. حسيتي بوجع الغدر لمن يجيك فجأة ؟؟ .. حسيتي بطعنة الغيرة بتقطع حشاك عشان راجلك مشى لواحدة تانية وخلاك ؟؟ ..
انتفضت نعمات وهي تستمع الى احاسيسها التي ظنتها مخفية تتبعثر في فضاء الغرفة بلسان شامت ..
- انتي جاية تشمتي فيني يالسرة ؟؟ ما هو حيعرس فيك انتي برضو !! يعني عاملة ما هاميك ؟؟
ردت السرة ببرود ..
- الطعنة الاولى بتوجع .. بعد داك ما بتحسي بالباقي لانو بتكون كل حاجة جواك خدرت .. انا حامد حرق حشاي لمن جابك فوقي .. لكن هسة عادي .. ما هاميني ..
احست نعمات بمطرقة ضخمة تضرب راسها بلا رحمة .. حاولت التماسك حتى لا تنهار امام عيني ضرتها المترصدتين وردت بقوة لا تملكها ..
- انا زاتي ما هاميني يالسرة .. واذا حامد ما بقى عليّ انا ما باقية عليهو .. واذا هو مستغني قيراط انا مستغنية اربعة وعشرين قيراط .. حشيل بناتي وارجع بيت ابوي .. انا ما زيك يالسرة .. انتي رضيتي وقعدتي .. انا ما ناوية اقعد .. وحاطلب الطلاق .. ولو عاوزة بكرة باعرس سيد سيدو ..
اطلقت السرة ضحكة مجلجلة جعلت هادية تتململ في نومها .. ثم اردفتها بكلمات نزلت عليها كماء النار ..
- ما تكابري ساكت وتغالطي روحك يا نعمات .. وما تقولي ما هاميك .. انتي عرس حامد واجعك ومحشحش كلاك ... صحي ممكن تتطلقي وتعرسي تاني .. لكن اعرفي حاجة واحدة .. عمرك ما حتلقي راجل زي ود العمدة .. لانو ما ليهو سيد غير ربو الخلقو ..
زاد صداع نعمات من كلمات السرة المؤلمة فصرخت فيها ..
- انتي لسة بتدافعي عنو بعد ما عرس فيك مرتين ؟؟!! انتي شنو ؟؟ ما عندك احساس ولا ما مستوعبة البيحصل دة ؟؟ ولا يمكن عشان العروس قريبتك ؟؟ انتو جد ناس غريبين وممكن تتعنصروا لبعض حتى في الحاجات الزي دي !! ..
- ايوة بدافع عنو يا نعمات .. حامد مهما عمل حيفضل ولد عمي .. وعم ولدي .. لحمي ودمي .. ابو بناتي .. ولو قايلة نفسك بتقدري تخليهو تبقي غلطانة ..لانو البتعرس حامد بتدمن وجوده في حياتها .. وما بتقدر تخليهو مهما حاولت .. ود العمدة ما بتخلى يا نعمات .. ولو قايلة نفسك ممكن تخيريهو بينك وبين امونة تبقي غلطانة ..
فجاة انخفض صوت السرة الجهوري حتى بات اقرب للهمس .. وتضاربت ملامحها بين الحزن والغضب ..
- لازم تعرفي انو حامد لو ختوا ليهو امونة في كفة والدنيا كلها في كفة تانية حيختارا هي لانو امونة دي حلمو المنتظروا عمرو كلو عشان يبقى حقيقة ... امونة دي روحو الضايعة منو .. امونة دي المرا الوحيدة الحباها حامد في حياتو كلها .. لا انا ولا انتي ولا بناتو ولا احفادو ولا أي مخلوق في الدنيا دي ممكن ياخد مكانها ..
احست نعمات بانفاسها تضيق في صدرها من جراء كلمات السرة الاخيرة .. جلست صامتة تتامل دموع ضرتها التي نافست دموعها .. كانت لحظة سلام نادرة بينهما توحدت فيها مشاعرهما للمرة الاولى والاخيرة .. وعندما خرجت السرة دون ان تضيف كلمة اخرى .. ادركت نعمات انها ستخوض معركة خاسرة ان هي اصرت على رفض زواج حامد بهذه المراة التي لم تكن تدري بتاثيرها على مشاعر الرجل الذي ظنت انها حبه الوحيد .. تاثير له سطوة وقوة لدرجة انه فرض وجوده على السرة فقبلته بلا نقاش واقرت به بلا مواربة ...
ارتفعت موجة الزغاريد مرة اخرى فاجفلت نعمات من الالم .. تحاملت على نفسها لتنهض من سريرها وهي تتساءل عن سر هدوء بناتها وعدم ظهورهن على عتبة غرفتها كما اعتدن كل صباح وقفت في منتصف الصالة الساكنة ودهشت عندما نظرت الى الساعة الكبيرة التي تواجه غرفتها لتجدها قد شارفت على منتصف النهار .. رفعت صوتها بقدر ما سمح به الم راسها ...
- نادية ... اميرة .. هادية .. يا بنات انتو وين ؟؟ قوموا الدنيا بقت ضهر ..
يبدو ان الجميع كان مستيقظاً وفي انتظار اشارة للخروج .. فتحت الابواب المغلقة تباعاً وظهرت من خلفها وجوه متعبة بعيون منتفخة وحزينة .. هلعت نعمات من منظرهن وسالت بقلق ..
- بسم الله !! في شنو يا بنات ؟؟ مالكم زي الجايين من بيت بكا ؟؟
تبادلت اميرة ونادية نظرات طويلة بينما وقفت هادية تراقب الجميع بصبر نافذ ..
- يا بنات اتكلموا .. في شنو ؟؟ ...
همت اميرة بالكلام فسبقتها نادية بسرعة ...
- مافي حاجة يا امي احنا بس تعبانين من سهر امبارح .. انتي مالك ؟؟ ليه شكلك تعبان كدة ؟؟
- انا لي يومين ناسية ابلع حبوبي وهسة حاسة راسي حينفجر من الصداع .. اميرة اجري اعملي لي كباية شاي سريع بس ما يكون تقيل .. اما انتو يا نادية وهادية فحسابكم معاي بعدين .. خلوني بس اروق عشان اعرف كنتوا وين امبارح ...
وجهت نادية نظرة محذرة الى اميرة التي اطرقت واتجهت الى المطبخ مسرعة .. جلست نعمات في اقرب كرسي اليها وهي تتامل ملامح نادية الخائفة وهادية المتحدية .. سحبت نفساً طويلاً حتى احست بحرقة في حلقها وهي تحاول جاهدة التخلص من احساس الشوق المفاجئ الذي اعتراها تجاه زوجها الغارق في حب امراة ميتة وناسيا زوجة حية تعاني هجره بصمت .. لطالما كانت الاعراس تثير فيها هذه الاحاسيس التي تحاول جاهدة نسيانها وسط زحمة الحياة فتاتي لحظات كهذه لتوقظ بداخلها جوع الانثى المتعطشة لحب رجلها .. احست بغبن يتلبسها .. انها حية .. ومليئة باشياء لا تقال .. اشياء تتآكلها من الداخل وتملا روحها بثقوب تسقط من خلالها مشاعرها ورغباتها واحلامها ...
توالت على الباب طرقات مرحة ثم فتح ليظهر وجه منال الفاتن تزينه ابتسامة عريضة تتراقص معها غمازتيها باغراء .. كانت اكثر شبهاً باميرة من بقية بناتها .. ومن يراهما معا يعتقد بانهما شقيقتان ..
- يا جماعة ازيكم .. انتو لسة نايمين ولا شنو ؟؟ بالغتوا لكن !! ... الضهر قرب ياذن وناس الصبحية بدوا يجوا .. يلا البسوا سريع وتعالوا ساعدوني .. حبوبة السرة تعبانة وما قادرة تقوم من السرير .. امي راسها ضارب وما عارفة تعمل شنو و قالت ليك تعالي ساعديها تلبس رحمة يا ماما نعمات ..
ابتسمت نعمات لتعبيرات منال الطريفة ..
- تعالي يا منال .. ادخلي اشربي معاي الشاي وانتظري خالاتك يلبسوا ويمشوا معاك ...
هزت منال راسها بمرح ...
- ادخل ؟؟ ادخل وين ؟؟ انا لو اتاخرت شوية امي حيجيها انهيار عصبي .. انا بس جيت استعجلكم .. عليكم الله ما تتاخروا الشغل كتير وانا ما قادرة اعمل حاجة براي ...
وسرعان ما اختفت كما ظهرت بعد ان تركت خلفها ابتسامة معلقة في شفتي نعمات ونادية وشبه انفراج في ملامح هادية المقطبة ..نظرت نعمات الى ابنتيها بغيظ ..
- انتوا واقفات زي التماثيل كدة مالكم ؟؟ .. يلا اتحركوا سريع .. البسوا وامشوا ساعدوا اختكم .. والليلة العاوزة كسر رقبتها ما القاها قاعدة قدامي في الصبحية .. سامعاني يا هادية ؟؟ وانتي يا نادية ؟؟ ..
انكسرت نظرة هادية المتحدية امام غضب والدتها فهزت كتفيها بلامبالاة واستدارت وهي تحشر جسدها الضخم في فتحة باب غرفتها وصفعته بعنف وراءها .. تنهدت نعمات بضيق وهي تفكر بصوت عال ...
- البت دي تعبتني شديد وما عارفة اعمل معاها شنو ؟؟ لا الكلام نفع .. ولا الضرب نفع
اتاها رد اميرة من خلف ظهرها قبل ان تستدير وتضع امامها صينية الشاي وصحن ملئ بالسندويتشات
- خليها يا امي .. هادية بتمر بسن حرج واي كلام معاها بيزيد عنادها .. بكرة تكبر وتعقل
ابتسمت نعمات لابنتها المفضلة وهي تخاطبها بحنو ..
- الله يكملك بعقلك يا اميرة .. انا ما عارفة اخواتك ديل ما طلعوا زيك ليه ؟؟ يلا سوقيهم وامشوا ساعدوا بلقيس على بال ما انا اجهز واجي لاحقاكم .. وختي لي بالك على اخواتك واوعى اجي ما القاهم .. بحاسبك انتي فاهمة ؟؟
-
الفصل الخامس عشر
المهيرة وعقد الجلاد النار يا عروسنا .عريسك غلبو الثبات ...المهيرة مهيرة السرور وانتي ملكة وحواليكي نور يا عروسنا ..عريسك غلبو الثبات ..
كان صوت الفنانة رخيماً ومتماشياً مع نقرات ( الدلوكة ) المشدودة .. رافقه تصفيق متحمس من مئات الايدي ومراقبة دقيقة من العيون التي تتابع حركات رحمة المحترفة وجسدها الممشوق اللدن وهي تتمايل مع الايقاعات بمهارة وخفة و تتفادى يدي عريسها المتحفز الذي يدور حولها بحرص خوفاً من وقوعها للمرة الثالثة بعد ان غافلته في مرتين سابقتين وانسلت من بين يديه لتسقط ارضاً وسط صيحات التشجيع من اهلها وصديقاتها وصيحات الاستهجان من اهله خصوصا عندما ترتفع اصوات الجانب المتشفي وهي تغيظ الجانب الاخر بصوت عال ....
- الغلبو منو يا ناس؟؟ ... الغلبو منو ؟؟
ويتعالى اسمه وسط الضحكات والغمزات ... لم يكن مهتما بهزيمته في هذه اللعبة المثيرة بقدر ما اهمه سقوط عروسه في الارض فهمس في اذنها عندما رفعها بعد سقطتها الثانية ..رحمة .. الله يخليك اعملي حسابك .. براحة ما تأذي روحك بالوقيع الكتير ...
اجابته بابتسامة سلبت عقله .. كان متلهفاً لانتهاء هذه الطقوس الطويلة كي ينفرد بعروسه التي اختارها بعقله وما لبث ان غرق في حبها حتى النخاع .. اعتبر نفسه محظوظاً بلقاء الصدفة الذي جمعه بها في احدى المناسبات العائلية .. كانت صلة القرابة بينهما بعيدة ومعقدة .. لكنها كافية لتقديم نفسه الى والدها وجدها المعروفين بتشددهما في اختيار ازواج فتيات العائلة الزائعة الصيت .. لم تكن اسرته تضاهي اسرة ود العمدة في الثراء والجاه .. لكنها تتمتع بسمعة طيبة ويتميز افرادها باهتمامهم بالتعليم .. تخرج محمود من كلية الهندسة بينما درس اثنان من اشقاؤه الطب واتجهت الابنة الوحيدة وسط الاولاد لدراسة القانون .. جعله خوفه من احتمال رفض ود العمدة يلجا الى وساطة جدوده واعمامه واخواله .. احس بفرحة تغمره عندما وافق حامد على الزيارة التي خرجوا منها تتبعهم زغرودة طويلة من السرة تعلن بها موافقة حامد على طلب محمود ... كانت كلماته قوية وتنضح بالفخر ..
- احنا بنشتري الرجال يا محمود .. انت ولد ما فيك كلام .. واهلك اعز الناس .. وبتنا انت اولى بيها من أي زول تاني ..سارع محمود بطلب عقد القرآن مستثمرا كلمات ود العمدة المشجعة .. وعندما بدا رحلة التجهيز للزواج كان يغرق بسرعة في حب رحمة بجمالها وخلقها وطيبتها .. حتى وصل مرحلة لم يعد يطيق فيها البقاء بعيداً عنها ... كان يراقب حركاتها بدقة فارتفعت درجة الاثارة بداخله الى حد لم يعد يستطيع احتماله .. وعندما همت بالسقوط سارع بامساكها واحتضن جسدها البض بين ذراعيه وهو يجاهد لالتقاط انفاسه المتهدجة التي غطت عليها صرخات الفرح من فريقه المنتشي باول فوز له .. كان على حافة الانفجار عندما اتاه الفرج باعلان انتهاء فاصل الرقص .. تنفس الصعداء وفر هاربا وهو يغطي نفسه بثوبه حتى حتى لا يلحظ احدهم الحالة المخجلة التي اصبح عليها ... دون ان تفوته غمزات بعض العيون الخبيثة التي انتبهت له ...كانت الاستراحة التي تبدل فيها رحمة ملابسها استعدادا لجولة اخرى فرصته كي يستعيد السيطرة على حواسه المضطربة .. فتنصل من الجميع وفر هاربا الى الغرفة التي خصصت له لتغيير ملابسه... في احدى الغرف جلست منال في مواجهة جاكلين بوجهها المتورد انفعالاً وهي تستمع الى كلماتها اللاهثة..
- ناصر جا برة يا منال ... عليك الله شوفي قلبي بيدق كيف حملت جاكلين يد صديقتها ووضعتها على صدرها ... كانت ضربات قلبها شبيهة بقفزات عصفور صغير نزق - تعرفي .. ربك رب الخير لمن اتصل ماحد غيري رفع التلفون ولا كانت تبقى مصيبة هسة انا ما عارفة اعمل شنو .. عاوزة اطلع اسلم عليهو لكن خايفة حد يشوفني .. دبريني يا منال اطلع ولا مافي داعي ؟؟ ..كانت موجات التعاطف تغزو عقل منال .. لقد مرت بهذا الموقف عشرات المرات اثناء علاقتها بجمال كانت تفهم احساس الرغبة في رؤية من تحب .. والخوف من عواقب اكتشاف الامر ..- انا ما قادرة افهم يا جاكلين انتي ليه داسة علاقتك بناصر ؟؟ .. ما تكلمي اهلك !! الولد جاد وعاوز يتقدم ليك .. انسان متعلم ووضعو المادي ممتاز اخلاقو حلوة واي بت بتتمناهو شنو المشكلة المخلياك ما عاوزة اهلك يعرفوا ؟؟!!
- ما انتي عارفة كل حاجة يا منال - عارفة شنو يا جاكو ؟؟!! ... عشان موضوع امو يعني ؟؟ انا ما شايفة فيها أي حاجة انو امو تكون حبشية .. مالها الحبشية ؟؟ انسانة محترمة ومافي زول يقدر يقول عليها كلمة ... كفاية الطريقة الربت بيها اولادها وخلتهم احسن ناس ... وحتى انتي بتقولي اخوانه واخواته كلهم شاطرين ومؤدبين ... وبعدين انتي براك شايفة بعيونك لمن يجي الجامعة عشان يشوفك بنات الاقباط بيعملوا شنو ... كلهم دايرين يموتوا عليهو ... ولو قال عاوز أي واحدة حتوافق طوالي ... خلي العٌقد بتاعتك دي وأقبضي الولد قبل ما يروح منك - منال .. انتي عارفة انا قصة امو دي ما هاماني كتير .... وما اظن ماما ولا حتى جمال وخالو حيرفضوا .. المشكلة كلها في اعمامي .. ديل لو عرفوا حيقلبوا الدنيا على راس ماما ويبدوا يعزفوا ليها اغنيتهم المفضلة .. انتي ما عرفتي تربي ... انتي خربتي اولاد اخونا .. هم اصلهم ما راضيين على حد فينا الا جانيت وقالوا هي الوحيدة الطلعت ليهم تنحنحت منال لتتخلص من الغصة التي سدت مجرى الهواء في حلقها عندما فكرت في جمال واقتراحه الذي طرحه بالامس .. احست بالاسى وهي تتذكر انها في تلك اللحظة لم تفكر في تاثير اقتراحه عليه وعلى اهله .. واهمها فقط ما يمكن ان يحدثه هروبها على عائلتها ... امتقع وجهها وتقطعت انفاسها بينما جاكلين تراقبها بحذر واشفاق .. لقد احست منذ فترة بان هناك شيئا غامضاً يدور بين صديقة عمرها وشقيقها .. تلك الشرارات المتطايرة بينهما كلما جمعهما مكان واحد ... النظرات الولهى التي يتبادلانها عندما يظنان انشغالها عن رؤيتهما ... اهتمام جمال الزائد بكل تفاصيل منال وحرصه عليها .. في البداية استبعدت الاحتمال لاستحالته ..وبمرور الايام زادت شكوكها لكنها لم تجرؤ على سؤال أي منهما لخوفها من سماع ما لا ترغبه ... أي علاقة بين منال وجمال تعني ان تخسر احدهما او كلاهما معاً .. اذا كانت هناك صعوبة في علاقتها بناصر .. فالاستحالة هي مصير أي علاقة بين منال وجمال واي ارتباط بينهما مهما كان نوعه سوف يؤدي الى عواقب وخيمة على الاسرتين ... ترددت في في اغتنام الفرصة وسؤال صديقتها ... ثم حسمت أمرها بالصمت وهي تدعو في سرها ان تكون مخطئة ...- اها يا منال ما قلتي لي اعمل شنو ؟؟ اطلع اسلم عليهو ولا مافي داعي ؟؟...اخرج السؤال الملِّح منال من افكارها القاتمة ..
-
امشي سلمّي عليهو سريع وتعالي ... انا لو ما كنت مشغولة مع امي كنت جيت معاك اطلعي بباب بيت الاشباح العلى الزقاق مافي زول بمشي بهناك .. بس ارجعي سريع قبل ما خالتي رجاء تسال عنك هبت جاكلين بفرح وغادرت الغرفة بخطوات عجولة تاركة منال غارقة في شرودها وتوهانها في الخارج كانت الضحكات والزغاريد تملا ارجاء المنزل الواسع مصحوبة بحركة دائبة ... في احد الاركان المنعزلة جلست نادية في مواجهة اميرة وقد اخفى الضجيج حولهما صوت النقاش الحاد الدائر بينهما
- عاوزاني اضاري عليك يا نادية ؟؟!! .... عاوزاني اسكت عن غلطك واجاريك فيهو كمان ؟! ما بتخجلي ؟؟ دي عملة تعمليها في بيت ابوك ؟؟ في اوضتو وفي سريرو ؟؟ لا حولا يا نادية !! من وين جاك قلب تعملي كدة ؟؟ كيف قدرتي تطعننينا كلنا بالشكل دة ؟؟ وعشان شنو ولا عشان منو ؟؟!! وبكل برود تقولي لي راجلي ومعرسة ليك سنة كمان !! واريتك عملتي عملتك دي عشان زول بيتساهل .. انتي عميانة ؟؟ .. ما شايفة شكلو ؟؟!! .. كيف قدرتي تدخلي في علاقة معاهو خليك تعرسيهو ؟؟!! .. اكيد غشاك اكيد عمل ليك حاجة لغت تفكيرك وعقلك ... اصلهم النوعية معروفين بتاعين سحر ..قاطعتها نادية بغضب ...
- لو سمحتي يا اميرة ما تتكلمي عن زاهر بالصورة دي .. انتي ما بتعرفيهو عشان تحكمي عليهو .. زاهر انسان كويس شديد ... محترم وحنون وشهم ..وبيحبني .. وانا عرستو عشان اقتنعت بيهو وحبيتو .. والخلاني اعرسو بالطريقة دي نوع كلامك الهسة دة .. اذا انتي يا فاهمة يا متعلمة بتفكري كدة !! امال امي وابوي وجدي وحبوبتي حيفكروا كيف ؟؟!! .. انتي هسة مشكلتك كلها شكلو شنو وهو من وين ؟؟!! ... يعني لو كان مننا ولونه فاتح وشعره ناعم ما كنتي حتحتجي على طريقة العرس ؟؟ كدة حددي لي انتي رافضة شنو بالضبط ... زاهر شخصياً ولا الطريقة الاتزوجنا بيها ؟؟!!
- رافضة الاتنين يا نادية .. والحاجة الوحيدة البقيت عارفاها انك انسانة ما مسئولة وما بتستحقي الثقة الادوها ليك .. ويكون في علمك انا حديك فرصة لغاية نهاية الاسبوع دة اذا انتي ما كلمتي امي براك انا حكلمها ... انتي ارتكبتي جريمة في حقنا كلنا .. وانا ما عندي استعداد اشاركك فيها ..
نهضت اميرة من جلستها وهي ترمق نادية بنظرة مليئة بالغضب والاحتقار .. اولتها ظهرها وغادرت..
كانت تناور بين الجموع وهي تبحث عن منال .. وصلت الى الساحة الخارجية الضاجة كمشاعرها في تلك اللحظة ... كانت تهم بالعودة الى الداخل عندما احست بيد قوية توضع على كتفها رافقها صوت عمار العميق ليزرع القشعريرة في جسدها ...
- اميرة .. اخيراً لقيتك .. انا من الصباح بافتش عليك .. انتي نسيتي وعدك لي امبارح ولا شنو ؟؟ ....
التفتت اليه وهي تحس بالارتباك الذي يعتريها كلما التقته ... كانت تفكر بطريقة تمكنها من التملص منه بلباقة .. فهي لم تكن في حالة نفسية او مزاجية تسمح لها بمناقشة أي موضوع ...
- اهلاً عمار .. معليش كنت مشغولة مع بلقيس ورحمة .. ممكن نأجّل كلامنا لوقت تاني لانو عندي حاجات كتيرة مفروض اعملها ...
انبأته رنة التوتر في صوتها بمحاولتها التهرب من لقائه .. لكنه لم يكن ليدعها تفلت منه هذه المرة .. فألح عليها ..
- ما حأخرك يا اميرة ... انا محتاج منك بس عشرة دقايق .. شايف الحتة الجنب بيت ابراهيم هادية شوية انا حاسبقك اخت كراسي وانتي تعالي وراي
اختار عمار زاوية بعيدة وشبه منزوية خلف شجرة النيم العجوز المنتصبة بكبرياء امام منزل ابراهيم كانت اميرة تتلفت بتوتر وهي تستمع لكلماته التي اتت صريحة ...
اميرة .. انا عاوز تقدم ليك .. رايك شنو ؟؟ ...
تجلت صدمتها من طلبه المباشر في التعابير المتصارعة على ملامحها ما بين الفرح والخوف ... وابتسامة تتسع وتضيق ... ولمعة في العيون تبرق وتخبو .. وهمس يندفع ويحجم .. كان يراقب انفعالاتها بفرح ...
- ما عارفة اقول ليك شنو يا عمار ... انت عارف الحزازات والمشاكل البين امي وخالتي السرة حتخلي الموضوع دة صعب شديد ... الاتنين ما حيقبلوا وحتحصل مشاكل كتيرة بينهم
اميرة ... مع احترامي ليك .. انا ما حعرس امك .. ولا انتي حتعرسي أمي او خالتي السرة .. الموضوع دة انا وانتي وعمي حامد بس .. ولو انتي وافقتي انا متاكد عمي حامد ما حيشتغل بكلام النسوان الفارغ دة .. انا عاوز رايك انتي ما رأي أي زول تاني يا بت الناس انا خاتي بالي ليك من زمان وكنت منتظر نادية تتزوج عشان ما يقعدوا يقولوا لي لازم الكبيرة قبل الصغيرة .. لكن خلاص ما قادر اصبر اكتر من كدة .. بقيتي ما بتطلعي من تفكيري .. شايلك معاي في كل حركاتي وسكناتي .. في البيت .. في الشغل .. في الشارع .. يا زولة انا بقيت بهضرب بيك عديل ... ولو على نادية إن شاء الله حيجيها صاحب رزقها ..
احست اميرة بغصة عندما سمعت جملته الاخيرة .. وغامت ملامحها الجميلة بضباب اسود وهي تتذكر احداث الليلة الماضية التي تشعرها بالغثيان ... واكتشافها المفجع بزواج شقيقتها السري .. لاحظ عمار جمودها .. وانتفض قلبه من الاحتمال الذي خطر بباله ..
- اميرة ؟؟ .. انتي في انسان تاني في حياتك ؟؟ .. مرتبطة بزول ؟؟ معليش والله انا ما اتشجعت وفاتحتك في الموضوع دة الا بعد ما حسيت انك بتبادليني جزء صغير من الاحساس الجواي .. وقلت مع الايام لمن تعرفي انا بريدك قدر شنو حتديني مشاعرك كلها .. لكن اذا ما بتحسي باي شئ تجاهي وانا كنت متوهم ساكت ومباري امنياتي كلميني وانا انسحب طوالي ..
لا.. لا يا عمار .. مافي زول غيرك ..
خرجت كلماتها باندفاع دون ان تملك السيطرة لايقافها .. واحست بعدها بخجل قاتل جعل الدماء تصعد الى وجهها وتزيده فتنة وجمالاً .. بينما احس عمار بفرحة طاغية جعلته يقفز من كرسيه كطفل صغير حصل على هدية غير متوقعة ... لفتت حركته بعض الانظار الفضولية فرمقتهما بدهشة جعلت اميرة تنكمش حرجاً وخوفاً خصوصاً عندما تقابلت عيناها مع عيني بدرية الغاضبتين فهبت على الفور من جلستها وهي تهمس لعمار ..
الليلة !! ... بدرية شافتنا قاعدين مع بعض .. هسة تجري تكلم امي السرة وتعمل لينا مشكلة ..
امسكها عمار من يدها واجلسها دون ان يعير بدرية التفاتاً .. سحبت اميرة يدها بسرعة .. لكن حركة اختها المتوترة انبأتها بانها قد رات ما يمكنها به ان تشعل نار الحرب .. امتقع وجهها وهربت منها الكلمات .. احس عمار بما يعتمل داخلها فحاول طمأنتها ..
- ما تخافي يا اميرة .. احنا ما بنعمل حاجة غلط .. انا في اقرب فرصة القاها حافتح الموضوع مع عمي حامد .. وإن شاء الله ربنا يسهلها .. انتي كل المطلوب منك لمن يسالك تقولي موافقة ..
ثم اضاف غامزاً وبلهجة حنونة تحمل الآف المعاني
-
يعني احتمال الشهر الجاي زي المواعيد دي تكوني مرتي ...
دخلت بدرية كالعاصفة الى غرفة السرة المكتظة بالضيوف ... كانت ترتعش من الغضب .. ومن عينيها تنطلق شرارات الغيظ والغيرة ... لم تابه برهط النساء المستغرق في حوارات صاخبة تتخللها الضحكات وقفت امام سرير والدتها المندهشة من هيئتها الغريبة .
امي ... شفتي عمار قاعد مع اميرة بت نعمات وطاقيين الونسة والضحك ...خيم على الغرفة صمت فضولي مترقب .. استدارت العيون وتركزت على السرة التي تحفزت من اتكاءتها الخاملة بعد ان استفزتها كلمات ابنتهاالهستيرية ...
- قاعد معاها وين ؟؟ وبيقول ليها شنو ؟؟!! ...
- ما سمعتهم يا امي .. لكن شكلها كان مبسوط وهو زاتو ما حاسي بالدنيا حواليهو ..
انتبهت السرة للعيون الفضولية التي تترقب ردة فعلها ... استعادت سيطرتها على نفسها وامرت بدرية بحزم
- خلاص اسكتي هسة وخلي الموضوع دة لبعدين .. امشي شوفي بلقيس محتاجة لشنو وساعديها ... يلا امشي ..
- لكن يا امي ...اسمعي الكلام يا بت وامشي هسة ...
خرجت بدرية بزمجرة عنيدة تتبعها التعليقات الهامسة .. واحست السرة بنذر الخطر تقترب من حلمها .. وبيد القدر تمتد لتلهو بابنتها كما لهت بها منذ زمن طويل ... لكنها لن تستسلم هذه المرة ... سوف تحارب من اجل ابنتها ... تلك الحرب المؤجلة التي لم تخضها لاجل نفسها في الماضي ..
في الزقاق الضيق الهادئ اتكأت جاكلين بدلال على سيارة ابراهيم وهي مستغرقة تماماً في الاستماع الى كلمات ناصر بصوته الهادئ وتأمل ملامحه المتناسقة ... كان مربوع القامة بلون قمحي نضر وعينان واسعتان شديدتا السواد تنبعث منهما لمعات ودودة .. تغطى جبينه العريض بلفائف من الشعر الاسود الناعم تدلت حتى اذنيه المرفوعتين الى الامام .. احست جاكلين بالافتنان وهي تتابع حركات اصابعه الطويلة الرشيقة باظافرها القصيرة المرتبة التي تشاركه التعبير بلغة تنافس الكلمات .. انساها استغراقها فيه حذرها فلم تنتبه للبص الصغير وهو يقف بمحاذاة الزقاق ونسختها الاخرى تنزل منه وهي تحتضن كتبها وتتوجه نحوها بخطوات متحفزة ..
جاكلين ؟؟!! ... انتي واقفة هنا بتسوي شنو ؟؟ وشنو الموقفك مع البني آدم دة ؟؟!! المفاجأة والخوف الجما جاكلين واصبحت كالتمثال وهي تواجه توامتها الغاضبة .. ساكتة مالك ؟؟ القطة اكلت لسانك ؟؟ ما تردي ...
عندما اجابها الصمت مرة اخرى قبضت على ذراع شقيقتها بيد قوية وجرتها ورائها ..
- قدامي على البيت .. خلي ماما وجمال وخالو الفاكين ليك الحبل على القارب يشوفوا انتي بتعملي شنو من وراهم ..
حاول ناصر صد هجوم جانيت على فتاته فسد الدرب بجسده
- لحظة يا جانيت .. خليني اشرح ليك ..
عندما التفتت اليه بعينان تقدحان شرراً .... بدت شديدة الاختلاف عن توأمها الى حد بعث فيه القشعريرة ..
انت تخرس خالص .. انا ما عندي معاك كلام .. وابعد عن سكتي احسن ليك ...ازاحته عن طريقها بضربة من كتفها وكانت خطواتها اقرب للهرولة وهي تشد وراءها شقيقتها العاجزة عن التصدي لها .. احست جاكلين بالاذلال من نظرات ناصر المندهشة فانتزعت ذراعها من يد جانيت بعنف وهي تصرخ فيها ..- جانيت .. اوقفي وبطلي البتسوي فيهو دة .. انا ما عيلة صغيرة تجريني وراكي .. ما ليكي دعوة بي ... عاوزة تكلمي ماما وخالو وجمال ؟؟ امشي كلميهم .. انا ما خايفة ولا عملت حاجة غلط .. مجرد اني واقفة باحترام بتكلم مع زميلي ما بيديك الحق في انك تعامليني وتعامليهو بالطريقة الوقحة دي ...- انا الطريقتي وقحة يا جاكلين ؟؟ يشهد ربنا ما حد وقح غيرك .. اصبري بس لغاية ما نصل البيت كان المشهد صاخباً في المنزل الصغير خصوصاً بعد ان استدعت جانيت كل افراد العائلة ..شفتي يا ماما ؟؟ شفتي بتك بتعمل في شنو ؟؟ امبارح لمن قلت ليك سبهليية وما مسئولة زعلتي ..- في شنو يا جانيت ؟؟ جايبانا على ملا وشنا وبتصرخي كدة ليه ؟؟ اختك عملت شنو ؟؟- ابدا يا ستي ... كل الموضوع اني نزلت من بص الكنيسة ولقيتا واقفة تتقصع مع الولد الحبشي الاسمو ناصر ..انتهرها جمال بعنف ..
اتادبي يا بت واتكلمي كويس ... شنو تتقصع دي ؟؟!! وبعدين لو قاصدة بالحبشي جمال ولد عمي إميل لازم تعرفي انو ابوه انسان محترم ومن نفس منطقة بابا .. وما معنى انو امو حبشية تقولي عليهو حبشي .. من متين الاولاد بينسبوهم لامهاتهم ؟؟ حبشي ولا قبطي !! .. دة ما مهم .. المهم شوفوا بتكم واقفة معاهو بتسوي شنو ..ساد الصمت بعد جملتها الموحية وتركزت الانظار على جاكلين التي اصبح وجهها بحمرة ثمرة الطماطم
ماما صدقيني انا ما عملت حاجة غلط .. وقفت معاهو في عز الضهر .. وفي مكان أي زول ممكن يشوفني فيهو .. وبعدين ناصر انسان محترم .. وبصراحة .. هو عاوز يتقدم لي ويخطبني ..اعتلى الوجوم جميع الوجوه .. ولم يكسره الا ضحكة جانيت الهازئة ..
يخطبك ؟؟!! شفتي يا ماما ؟؟ جالك كلامي ؟؟ .. بتك الشاطرة المؤدبة بتاعت كلية الطب عاوزة تفضحنا وتخلي سيرتنا لبانة وسط الاقباط .. والمسيح .. لو اعمامي سمعوا الكلام دة الا يضبحوك .. اصلاً هم من زمان قالوا انك اتدلعتي زيادة عن اللزوم وخلوك تعمل الانتي عاوزاهو من غير رقيب .. وآدي النتيجة .. عاوزة توسخي عيلتنا الطول عمرها نضيفة بواحد حبشي ..رفعت رجاء يدها وصفعت ابنتها بقوة دفعتها عدة خطوات الى الخلف ..
حسك عينك يا جانيت تجيبي سيرة اعمامك في البيت دة تاني .. واياك تلمحي انو انا ما ربيتكم كويس .. انا ضقت المر عشان اكبركّم واعلمكّم وابقيكم احسن ناس ... عشانكم نسيت نفسي ونسيت الدنيا كلها ... ابوكم مات وانا في عزّ شبابي .. وياما جوني عرسان كان ممكن اتجوز واعيش حياتي .. بس قلت لا .. اولادي اولى بي من أي حد تاني .. حتى خالكم خلى الوراه والقدامو وجا قعد معاي عشان اربيكم .. انا الطول عمري معززة في بيت اهلي بقيت ابيع البسطرمة والسجك واخيط الهدوم عشانكم .. عشان ما تحتاجو لحد .. ولا تحسوا انو في أي شئ ناقصكم .. اعمامك عندهم القروش زي التراب ... ما فكروا يوم يساعدوني بشئ .. حتى حق ابوكم في الميراث اكلوهو وما رضوا يدونا ليهو وبرضو سكت وما عملت معاهم مشاكل عشان خاطركم .. وانتي كل يوم والتاني جاية تهدديني بيهم !! اعمامك ما ليهم حكم على بيتي واولادي فاهمة ولا لا ؟؟!! ...
كانت جانيت تبكي بحرقة وهي تضع يدها مكان الصفعة واصبحت كتلة من الغضب المتحرك...
انتي بتضربيني انا يا ماما ؟؟!! ... بتضربيني بدل ما تضربي بتك الماشة على حل شعرها ؟؟!! وانا الكنت قايلاك خايفة على سمعة العيلة دي ... اتاري انتي ولا هاميك
هدر صوت الخال الذي ظل صامتاً طيلة فترة النقاش
اخرسي يا بت يا قليلة الادب ... تعرفي لو في واحدة ما اتربت كويس في العيلة دي تبقي انتي ... ولو سمعتك تاني بتعلي صوتك على امك ولا بتكلميها بالصورة دي انا مش حاضربك وبس .. انا حامسح بيك الارض ..
اصبح صوت جانيت هستيرياً وهي تصرخ
انتو كلكم واقفين ضدي ؟؟!! .. بس لازم تعرفوا انكم كلم غلط وانا صح ... وبكرة تندموا على البتعملوهو فيني ... اتهنّوا ببعض .. انا مخلية ليكم الجمل بما حمل وماشة عند اعمامي ..
وقبل ان يتمكن احد من ايقافها كانت قد التقطت حقيبة يدها وركضت خارجاً ... انهارت رجاء باكية فالتف حولها شقيقها وابنها .. بينما وقفت جاكلين وقد احست بعبء الذنب يثبت قدميها على الارض فلم تستطع حراكاً .. ادراكها بانها قد تسببت بهذه المشكلة في بيتهم الهادئ اشعرها بتعاسة عميقة عبرت عنها دموعهاالغزيرة .. عندما هدأت رجاء نهضت بتثاقل واتجهت الى غرفتها دون ان تنبس بكلمة .. تبعها شقيقها المشفق عليها .. بينما انسحب جمال الى غرفته وهو يرمق جاكلين بنظرات لائمة .. تركها وحيدة يملأها احساس بالعزلة والخوف ...
-
الفصل السادس عشر
وقفت بلقيس شاردة وهي تتابع بنظرات حزينة مؤخرة السيارة التي تبتعد بعد ان اقلت رحمة وزوجها احست بخواء يستوطنها وكآبة تملا روحها ... كانت المرة الاولى التي تبتعد عنها احدى ابنتيها ... بدأ التراب الناعم يتسرب من قبضة يدها المضمومة فاحكمت تماسك اصابعها حتى لا تسقط منه ذرة وتضيع خطوات ابنتها التي انحنت لا شعورياً تجمعها من الارض وهي تتذكر كم مرة تصرفت امها وجدتها بنفس الطريقة وهن يتحججن بان قبض تراب خطوات المسافر يعيده سريعا الى اهله .. وضعت حفنة التراب بحرص في طرف ثوبها وربطته باحكام .. مسحت دموعها وهي تحتضن منال التي كانت تنافسها في البكاء .. أتت نحنحة ود العمدة لتنبيه جمع النساء بانتهاء طقوس الوداع .. وقبل ن يطلق التنبيه الثاني كان الجميع قد سارع بالدخول الى المنزل ..
تجمع من تبقى من الرجال في المصطبة العالية امام الديوان وتصاعدت في الجو رائحة الشاي بالنعناع .. جلس حامد بهدوء وهو يراقب تقدم عمار نحوه .. ابتسم مرحباً به وافسح له مكاناً بجانبه كم تمنى لو رزق بولد يشبه وسرح خياله في طيف وليده الذي فضل اللحاق بامه عوضا عن البقاء معه ... برغم حزنه على موته المبكر لكنه حسده على تمسكه بالرحيل خلف امونة ... كان يود لو استطاع ا للحاق بهما .. فالحياة من بعدهما لا تستحق ان تعاش ... ربما لو عاش ابنه لكان شبيها بعمار ...
- عم حامد .. كنت عاوزك في موضوع كدة بس خايف الوقت يكون ما مناسب ...
- قول يا عمار ..كل الاوقات مناسبة ليك ..
- عم حامد .. انا بحس بيك زي ابوي بالضبط .. عشان كدة ما عاوز الف وادور وحقول العاوزو مباشرة .. انا يشرفني جداً وابقى اسعد انسان في الدنيا لو وافقت اكون راجل بتك ...
عبرت الدهشة ملامح حامد بسرعة واستقرت في العينين الواسعتين .. .. رفع يده وربت بها على كتف عمار .. اتسعت ابتسامته وهو يرى القلق والترقب يعتصره ويتجلى في حركات جسده المتوترة
- عاوز تعرس يا عمار ؟؟!! ... والله خيراً تفعل .. العرس بدري عصمة للراجل من حاجات كتيرة ... لكن انت ما شايف بدرية لسة صغيرة ؟؟!! ... ما بتقدر تصبر شوية لغاية ما تكمل الثانوي العالي على الاقل ؟؟!! ...
اكتسى وجه عمار بشحوب شديد .. ... تقطعت كلماته واتسعت عيناه المعلقتان بشفتي ود العمدة الذي استغرب رد فعله المذعور ...
- مالك يا عمار ؟؟ انت شايف انها بعيدة ولا شنو ؟؟!! .. ما تخاف الزمن بقى يجري سريع .. وكلها سنتين ولا تلاتة وبت خالتك تخلص قرايتها ونديك ليها ... اصلا هي ما بالحيل على الدراسة وما اظنها تقول عاوزة تقرا الجامعة .. حتى لو طلع في راسها دخول الجامعة تدرسها من بيتك ..
- عم حامد انا ما باتكلم عن بدرية .. انا عاوز اميرة ..
ساد صمت ثقيل بين الرجلين وتبادلا نظرات حافلة بالاسئلة .. اخيرا نطق حامد بصوت هامس ..
- اميرة بت نعمات ؟؟!! .. يعني ما بدرية بت خالتك ؟؟ !! ...
- اميرة بتك يا عم حامد ... انا عارف الموضوع دة حساس وممكن يخلق مشاكل كتيرة ومن ما فكرت فيهو انا متوقع الممكن يحصل لمن خالتي السرة وامي يعرفوا .. لكن انا اتكلت على الله وعليك .. لاني عارف لو انت وافقت ووقفت معاي مافي زول تاني بيقدر يقول كلمة ... بدرية صحي بت خالتي وما فيها كلام ... لكن يا عمي القلب وما يريد .. وانا عاوز اميرة من زمان بس كنت منتظر اقيف على رجليني في الشغل وابقي في وضع يخليني جدير بيك وبيها ..
غمرت حامد موجات من التعاطف بعد كلمات عمار الصريحة المخلصة .. اطرق تحت وطأة ذكريات زمن كان فيه مثله مليئا بالحب والاحلام ... يتوق للزواج بمن احبها ... اعترته مرارة عندما استعاد احساس اللحظة التي اضطر فيها للتخلي عن حلمه لاجل واجب فرض عليه ... احس كأن تاريخه يعيد نفسه مع عمار ... كان الفارق بينهما ان القدر وضعه في موقع المتحكم وصاحب القرار ... ابهجته فكرة مقدرته على رد الصفعة القديمة ... فرفع راسه بتصميم ..
- ابشر يا عمار .. اديتك اميرة .. ومافي قول بعد قولي ...
في تلك الليلة وبعد ان ودع حامد آخر ضيوفه .. تهيأ لخوض المعركة ومواجهة العواصف التي ستهب عليه من جهتين ... اتجه اولاً الى بيت نعمات .. احس بالغرابة وهو يطأ العتبة الامامية للمنزل .. محاولاً ان يتذكر آخر مرة زاره فيها ... هل مر شهر ؟؟ او ربما شهران !! كان في اعماقه موقناً بفداحة الظلم الذي يوقعه على نعمات ... زوجته المكابرة التي تخفي احاسيسها خلف قناع شفاف لم يعجز يوماً عن رؤية ما تحته .. كان يحس برغباتها بمجرد النظر الى عينيها .. ويشعر باحتياجها اليه من حركات جسدها ورائحته .. لكنه كان عاجزاً عن تلبية دعواتها السرية .. لقد فقد الرغبة في أي تواصل حميم مع نسائه منذ وفاة امونة .. حاول ان يجبر نفسه على ارضاء زوجتيه .. فاعفته السرة من واجبه تجاهها واعلنته صراحة عن عدم رغبتها في أي علاقة زوجية...
-
حامد .. انا عافياك لله والرسول من الشئ دة .. انا خلاص كبرت وما بقى فيني حيل ولا مزاج للحاجات دي .. العيال زاتهم كبروا .. وعيب بعد دة نرقد مع بعض في اوضة واحدة .. وفر طاقتك لنعمات .. هي لسة صغيرة ومحتاجة ... والله يقدرك تكفيها..
اربكته صراحتها الفجة .. وفي نفس الوقت رفعت عنه عبئاً ثقيلاً ... لكن نعمات ما زالت في قمة انوثتها واحتياجها الجسدي والمعنوي برغم اعتصامها بكبرياء عنيد يرفض ان يقر باحاسيسها ... لقد حاول منذ فترة ان يكافئ صبرها الطويل واحترامها لحزنه بعد وفاة امونة وطفله... ارتمى في احضانها كخرقة بالية جاهدت هي في رتق ثقوبها بكل ما تملكه من خبرة ومهارة .. تفننت في محاولتها لتحفيز مشاعره وجعله الرجل الذي عرفته منذ زمن طويل ... فوصلت الى نتيجة متواضعة لم ترض طموحها ... ولم تشبع جوعها الذي طال امده ... .. بعدها احس بالخجل وانسحب الى معتزله بعد ان تاكد بانه لم يعد يصلح لرفقة أي امراة ... اعتاد تفادي نظرات نعمات اللائمة .. واعتادت هي هجره لها ...
- خير يا حامد ؟؟ ... في شنو ؟؟!! ..
- إن شاء الله خير يا نعمات ... اميرة جاها عريس ..
- عريس ؟؟ لاميرة ؟؟ طيب ونادية ؟؟!! ما كنت تقول ليهم الكبيرة اول وبعدين الاصغر منها .. ودة منو دة العريس دة ؟؟ ولد منو واهلو منو ؟؟!! ...
كان سيل الاسئلة يندفع من فم نعمات بلا توقف وقد تضاربت مشاعرها بين الفرح والغيظ .. اسعدتها فكرة زواج احدى بناتها .. لكنها تمنت لو كانت نادية .. تبسم حامد بتفهم بينما احال الخجل اميرة الى تمثال ينبض قلبه في عنقه ..
- ما تخافي يا نعمات ... كل بت بجيها نصيبها .. ومافي معنى اني اوقف نصيب واحدة عشان التانية .. وبعدين نادية زاتها صغيرة وبكرة يجيها صاحب رزقها ...
صمت حامد مسافة وظهرت على وجهه علامات تردد اخافت نعمات .. لقد ذكرتها باليوم الذي اخبرها فيه بقرار زواجه من امونة ...وفي اللحظة التي همت فيها بالسؤال حسم حامد تردده ونطق بالكلمات التي كانت تتوجس منها ...
- العريس ولد ممتاز ... اصل وفصل واخلاق وادب ..يا ستي العريس عمار ..
احست نعمات بانفاسها تضيق .. وطال صمتها حتى شك حامد بانها قد سمعت كلماته ... وكان السكون الذي يسبق العاصفة .. انفجرت نعمات بعنف لم يتوقعه ..
- قلت شنو ؟؟ .. العريس منو ؟؟ عمار ؟؟ اوعى تقول لي عمار ولد محاسن !! .. عاوزني ادي بتي لولد اخت السرة ؟؟ والله الا اكون مجنونة عشان اوافق على حاجة زي دي .. بتي انا تعرس ولد اخت ضرتي ؟؟ ليه ؟؟ من قلة الرجال في الدنيا دي ؟؟ والله لو بقى آخر راجل .. واميرة تقعد طول عمرها ما تعرس ما اديها للناس ديل ؟؟ ياهو الفضل !! بتي انا تعرس ...
قاطعها حامد مزمجراً ...
- نعمات ؟؟ شنو ماسكاني بتي بتي ؟؟ انتي اميرة دي اشتريتيها من السوق ولا لقيتيها واقعة في الشارع ولا جبتيها براك من الهوا ؟؟ .. اميرة بتي قبل ما تكون بتك .. ولا انتي خلاص لغيتي ابوتي لبناتي ؟؟ ما تتكلمي فارغ وشوفي إنتي بتقولي في شنو .. وبعدين مالو عمار ؟؟ عيبيهو لي !! ولد ممتاز ومافي زول يقدر يقول كلمة عليه .. متدين ومحترم عصامي واخلاقو مافي زيها .. ولا عشان ولد اخت السرة يعني انتي مقومة الدنيا ومقعداها ؟؟!!
- ايوة يا حامد عشان ولد اخت السرة .. انا ما بارمي بتي في النار بيدي .. كفاية الانا شفتو من السرة واهل السرة من يوم ما عرستك .. كفاية الكراهية والحقد والعنصرية الاتعاملوا بيهم معاي ... أديهم بتي عشان يعملوا فيها نفس العملوا فيني ؟؟
خبط حامد الارض بعصاه بعنف دل على انفعاله الشديد ... وقفزت اميرة خوفاً من اولى بوادر غضب ابيها ..
- انا ما عاوز اسمع كلام فارغ يا نعمات.. انا كلمتك من زمان ..طلعي الاوهام دي من راسك اهلي لا بيكرهوك ولا عمرهم اتعاملوا معاك بعنصرية .. اهلي انتي البعدتي وعزلتي نفسك عنهم .. عشان كدة اعقلي وما تخلي الافكار الفي راسك دي تاثر على مصلحة بتك .. عمار انسان كويس وما حالقى احسن منو لاميرة ...
- منو القال ليك ما حتلقى احسن منو ؟؟ اولاد اهلي راقدين بالكوم ... وكلهم زي عمار واحسن منو كمان ... وقبل فترة فاتحوني بانهم عاوزين نادية واميرة .. لكن انا قلت ليهم عاوزين البنات يكملوا تعليمهم وبعداك نفكر في العرس .. والاسبوع الفات ولد بت خالتي اتصل مخصوص من كندا وقال لامو عاوز اميرة .. لمن كلمتني قلت ليها حفاتحك في الموضوع بعد ما تخلص من عرس رحمة .. اها داك برضو انسان متعلم وفيهو كل الصفات الكويسة .. وكمان اتكلم قبل عمار .. يعني هو ...
قطعها حامد بحدة ...
- نعمات .. قصَري كلامك وخليني اتفاهم مع بتي .. اميرة .. رأيك شنو في عمار ؟؟ موافقة عليهو ؟؟!! ...
رفعت اميرة وجهاً شاحباً وهي تنقل نظراتها الحيرى بين ابيها المشبع بالتحدي .. وامها التي تنتفض غضباً .. لم تستطع مواجهة اعينهم المركزة على شفتيها فخفضت بصرها وسالت دموعها بغزارة .. كانت تحاول حسم الصراع داخلها بين قلبها الذي يميل الى عمار وعقلها الخائف من النتائج ... لقد توقعت رفض امها ... لكنها لم تتوقعه بهذا العنف ..
- اميرة .. انا منتظر ردك .. اتكلمي .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟...
انتفضت من لهجته الغاضبة .. وقبل ن تنطق بكلمة ردت نعمات ...
- طبعاً ما عاوزاهو .. انت ما شايفها بتبكي ؟؟!! في واحدة عاوزة ليها زول بتبكي لمن يسالوها ؟؟
- اسكتي يا نعمات انا ما باسالك انتي .. ردي يا بت .. عاوزة عمار ولا لا ؟؟!! ...
- ما عارفة يا ابوي .. ما عارفة ...
هبت نعمات من كرسيها بعصبية تجلت بوضوح في العرق الذي قفز من جبينها وهو ينبض بجنون ..
- ما عارفة ؟؟!! .. يعني شنو ما عارفة يا اميرة ؟؟ انتي مفروض تقولي لا بدون تردد .. ولا نسيتي محاسن ام عمار دي بتكرهني قدر شنو ؟؟ نسيتي بتعاملني كيف ؟؟ حتعرسي ولدها كيف يعني ؟؟ انتي عاوزة تكرري غلطتي تاني ؟؟!! ..
التفت حامد الى نعمات بعينان تقدحان شرراً ... واصبح صوته هادرا كالرعد ..
- غلطتك ؟؟ انتي بتعتبري زواجك مني غلطة يا نعمات ؟؟ .. واكتشفتي الغلطة دي متين ؟؟ وما كلمتيني ليه عشان اصلحها ليك ؟؟
انكمشت نعمات من زلة لسانها التي فضحت ما يدور باعماقها منذ زمن طويل ... احست بالدوار يكتنفها وغامت عيناها بالدموع .. ارتمت على الكرسي بعد ان ضاعت منها الكلمات .. تجاهلها حامد والتفت الى اميرة الباكية ..
-
انا بسألك للمرة الاخيرة يا بت .. عاوزة ولا ما عاوزة ؟؟ ...
تنقلت عينا اميرة بحيرة بين والديها وخرجت كلماتها خافتة ..
- ابوي انا ما عاوزة تحصل مشكلة بينك وبين امي بسبب الموضوع دة ... اذا وجود عمار حيخلق مشكلة انا ما عاوزاهو ..
داهمتها موجة من البكاء العنيف فادرات ظهرها وركضت تجاه غرفتها واغلقت الباب خلفها بقوة ارتجت لها الجدران ... احس حامد كأن الزمن قد عاد به الى الوراء بصورة رتيبة ... تحولت اميرة الى امونة عندما زارته في المستشفى وهي ترجوه ان يتزوج السرة حتى يتفادى المشاكل مع ابيه وتضار امه بسبب الخلاف .... تذكر انه اذعن وقتها وخالف قلبه واستسلم لسطوة والده ... لكن ليس هذه المرة لن يستسلم .. سوف ينتصر لامونة ... سوف ينتصر لاميرة التي كانت حيرتها دليلا واضحا على تعلقها بعمار ورغبتها في الارتباط به ... لن يدعها تضحي كما فعلت امونة بحبهما .. سوف يؤازرها سوف يهزم القدر هذه المرة ... خرج صوته بارداً مفعما بالتحدي والعناد ..
- شوفي يا نعمات .. انا اديت كلمة لعمار وما برجع منها .. والعاوز يكسر كلمتي بمسحو من حياتي لا يعرفني ولا اعرفو ليوم القيامة ...
اتجه الى الخارج بخطوات واسعة تاركاً اهل بيته كل يصارع احاسيسه الخاصة ... واتجه مباشرة الى البيت الكبير وقد تحفزت مشاعره بعد المواجهة مع نعمات وقرر ان يحسم كل الامور في تلك الليلة ...
قوبل دخوله بنفس الدهشة التي اثارها في البيت الآخر ... هبت بلقيس من جلستها ما ان راته ...
- ابوي !! ... اهلاً اهلاً ... ادخل ما معانا زول غريب ...
كانت بدرية تجلس عند قدمي امها بعد ان رفعتهما على حجرها ويداها تمسدهما بحنان ... حاولت السرة ان تجلس لكنه امرها بهدؤ ..
- خليك مرتاحة يالسرة .. ما تقومي من رقدتك .. مالك شكلك تعبان كدة ؟؟ ..
اصرت السرة على تغيير وضعها فانزلت قدميها المنتفختين ارضاً وجلست بصعوبة بأنفاس متحشرجة يقطعها سعال عميق ...
- مافي حاجة يا ود العمدة .. دة بس تعب العرس .. يومين راحة وببقى كويسة ...
- حاولي خففي السجاير شوية .. صدرك ما بقى يتحمل ...
كان ممتعضاً من فكرة تدخينها ... لكنه لم يتدخل لايقافها ... كانت في البداية تدخن على استحياء في جلسات القهوة التي تجمعها بجاراتها يومي الاحد والاربعاء وتتخللها طقوس رمي الودع واللعب بأوهام ( الظار ) التي ادعّت السرة تلبسه لها ... كان يحس بالذنب تجاهها بسبب تقصيره واهماله لها فلم يحاول منعها من ممارسة الاشياء التي تسري عنها وتنسيها غيابه طالما ظلت في طي الكتمان ... بعد عودتها من غضبتها الشهيرة في القرية والتي اعقبت زواجه بنعمات .. اصبحت تدخن بشراهة ولم تعد تحرص على كتمان تدخينها .. احس انها تعلن رفضها لزواجه بهذه الطريقة ... فسكت على مضض حتى لا يثير حفيظتها مجدداً .. بمرور الايام اصبح هو من ياتي لها بالسجائر حتى لا تضطر الى ارسال احد لابتياعها .. واصبحت لفافة التبغ بيد السرة شئ عادي لا يثير دهشة واستغراب أي من معارفها ..
- اقعد يا حامد مالك واقف ؟؟ ..
كان في صوتها تساؤل اغضبه وذكره بتقصيره .. قرر ان ينهي ما اتى لاجله بسرعة ويرحل .. لم يعد يتحمل احساس الذنب الذي يتآكله كلما التقى باحدى زوجتيه ..
- انا جيت اكلمك يالسرة .. عمار ولد محاسن جاني قال عاوز اميرة وانا اديتو ...
ندت شهقة مشتركة من السرة وبدرية بينما الجمت المفاجاة بلقيس وشحب وجهها لعلمها برغبات شقيقتها وامنيات امها ... كانت بدرية اول من كسر حاجز الصمت بصوت باك ...
- شفتي يا امي ؟؟ مش قلت ليك ؟؟
خرج صوت السرة قويا غاضبا ومتناقضاً مع شكلها المتعب ...
- عمار قال عاوز اميرة بت نعمات ؟؟!! ... ولد اختي يخلي بتي ويمشي لبت ضرتي ؟؟ والله لو انطبق السما على الارض ما يحصل ..
قاطعها حامد بصوت بارد حازم ...
- عمار عاوز اميرة بتي يالسرة .. ولا انتي نسيتي انها بتي واخت بدرية ؟؟!! ..
- الخوخة التشق حلقها وحلق نعمات معاها .. صحي البت شبه امها .. مش كفاية امها خطافة الرجال دي شالتك مني ومن بناتك ؟؟ كمان تجي هي تخطف ولد اختي من بتي ؟؟ والله الا في احلامهم .. والا كان ياخدو بلا اهلو زي ما امها قلعتك قلعة الضرس من أهلك .. وكان محاسن اختي وافقت ومشت معاهو الا اقاطعها قطاعة الموت والحياة ...
كان رزاز البصاق يتطاير من فم السرة في جميع الاتجاهات ... وارتفع نحيب بدرية ليطغي على كل ما عداه ...
- اسكتي انتي وهي .. ما عاوز اسمع صوت واحدة فيكم .. شنو يالسرة !! انا بقيت طرطور في البيت دة ولا شنو ؟؟!! ما شايفاني راجل قدامك وعاوزة تكسري كلمتي ؟؟!! حرّم .. وعلى الطلاق بالتلاتة .. منك انتي ونعمات .. لو واحدة فيكم فتحت خشمها بكلمة زيادة في الموضوع دة .. الا اكسر العكاز دة في راسها .. انتو قايلني جاي اشاوركم ولا شنو ؟؟!! انا جاي اديكم خبر بس ... انا خلاص اديت كلمة لعمار .. وما كنت ناوي استعجل ... لكن عشان قلة الادب السويتنها دي .. العقد حيكون الخميس الجاي والمرا فيكن تفتح خشمها .. وتنتظر الراجيها ... بلا مسخرة فارغة بتاعت نسوان ...
ادار ظهره وخرج تاركاً الغرفة تسبح في بحر من الحزن والغضب .. اتجه خارجاً يملأه احساس غامض بالرضا .. عندما لامس الهواء ملامحه المتصلبة انفرجت اساريره وظهرت شبه ابتسامة على شفتيه .. كانت اللهفة تسوق خطواته نحو المنزل الصغير في آخر الساحة والذي شهد اسعد أوقات حياته مع امونة ... لقد اعتاد ان يزوره من فترة لاخرى .. يستنشق رائحة ذاكراها العابقة في الفضاء والجدران .. ويبثها لوعته لفراقها .. اليوم سوف يزف اليها خبر انتصاره على القدر الذي يحاول ان يفرق بين قلبين غضين ... سوف يخبرها بانه قد ثأر لها ... وله ....
-
الفصل السابع عشر
كان الصباح غائماً بفعل ذرات التراب العالقة في الجو والتي تدعمها الرياح بحفنات اخرى تكتسحها من الارض وترتفع بها الى اعلى في دوامات صغيرة متتابعة .. احست رجاء بلسعة برد تخترق ملابسها فاحكمت جاكيت الصوف الاسود حول جسدها وهي تسرع الخطى نحو مدخل الكنيسة العريض .. كان الهدؤ يسود المبنى في هذا الوقت المبكر .. احست بالانقباض وهي تسمع طرقعات كعب حذائها على الارضية الاسمنتية الجافة ... ما ان فتحت الباب الداخلي حتى داهمتها رائحة البخور ودفئه .. وملاتها سكينة المكان براحة كانت تحتاج اليها ...اغلقت الباب خلفها ووقفت تنظر بخشوع الى تمثال المسيح المعلق بالحجم الطبيعي في نهاية القاعة الكبيرة ... رسمت علامة الصليب بيدها على صدرها .. اعادت وشاح الدانتيل الاسود الذي انحسر عن راسها الى مكانه وبدات تخطو في الممر الضيق الذي يفصل بين صفوف الكنبات الخشبية المتراصة طولياً بلونها البني الداكن .. كانت تحس بالتعب واعترتها رغبة بالجلوس .. فاختارت طرف كنبة في مقدمة الصفوف وجلست .. رفعت وجهها الشاحب في مواجهة حزم الضوء المتسللة عبر النوافذ الكبيرة التي تغطي جنبات المبنى القديم وهي تتأمل باعجاب لا يفتر دقة الرسوم الملونة على زجاج النوافذ والتي طغت عليها الوان السماء والبحر وحمرة الشفق عند المغيب .. ذكرتها دقات ساعة بعيدة ما اتت من اجله فنهضت بتثاقل واتجهت الى نهاية القاعة .. انحرفت الى اليمين ووقفت امام طاولة عالية وضعت فيها كمية من الشموع تحت صورة مضيئة لمريم العذراء .. شبكت كفيها بقوة امام صدرها ورفعت نظراتها المتضرعة الى التمثال في صلاة صامتة ثم حملت احدى الشمعات واشعلتها ووضعتها على الحامل وهي تجفف بالمنديل الابيض الصغير دمعة حارة انحدرت على
تحاملت على نفسها واتجهت خلف المذبح الى باب مقوس صغير يؤدي الى باحة واسعة تمركزت في وسطها نافورة جافة واحاطت بها اشجار الجوافة والمانجو والنيم ... قادتها خطواتها الى مكاتب الادارة ودقات قلبها تنافس تصارع انفاسها وهي تتوقع رؤية ابنتها التي غادرت المنزل منذ اسبوع ولجات الى بيت عمها الكبير الذي اخبرهم في مكالمة هاتفية مقتضبة ان ابنة اخيه ستظل عنده وامرهم بتجهيز ملابسها واغراضها وتسليمها للرسول الذي سيرسله .. عندما طالبته رجاء الباكية بان يدعها تكلم ابنتها رفض واغلق الهاتف في وجهها بفظاظة جعلتها طريحة الفراش منذ ذلك الوقت .. اخيراً توقفت امام باب خشبي ثقيل طرقته بنعومة ودلفت الى الداخل وهي تبتسم للمراة الاكبر سناً التي احتل مكتبها الضخم ربع مساحة الحيز الصغير .. كانت تبدو ضئيلة بنحافتها الملحوظة وشعرها الفضي المشدود الى الخلف مظهراً ملامح الوجه المتغضن .. ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة حانية وخرج صوتها عالياً بنبرة حادة وهي تحيي زائرتها ...
- رجاء ؟؟!! اهلاً وسهلاً .. ازيك يا وحشة ... وينك ؟؟ من زمان ما شفناك ؟؟!! ..
اندفعت رجاء نحوها وقبلت خديها بحرارة ...
- اهلاً يا ايزيس .. كيفك وكيف اولادك ؟؟ ...عارفة اني متلومة معاك .. لكن يشهد ربنا كل ما انوي اجيك تحصل حاجة واتلخم فيها .. براك عارفة مشاغل الدنيا المخليانا حتى روحنا ما لاقينها .. قسيس نجيب موجود ؟؟ فاضي ولا مشغول ؟؟!! ...
رمقتها ايزيس بنظرة فضولية مستفسرة ..
- موجود بس معاهو واحد من الشمامسة الصغار .. اقعدي اشربي معاي القهوة على بال ما يخلص على الاقل تحكي لي اخبارك واخبار اولادك .. انتي اخوك دة ما ناوي يتجوز ولا شنو ؟؟ هو فاكر روحو لسة صغير .. الفي عمرو اولادهم بقوا طولهم .. انا عندي ليهو عروس ممتازة وكنت ناوية اجيك مخصوص عشان اكلمك في الموضوع دة بت ما بتتفوت يا رجاء .. ادب وتعليم واخلاق ومن عيلة ملتزمة ومرتاحة ..
- والله ياريت .. ايدي على كتفك يا ايزيس .. انا بتمنى انو يعرس ويستقر ويجيب عيال تصدقي انا حاسة بالذنب لانو نسى روحو بسبب مسئوليتي انا وعيالي .. والمسيح يا ايزيس ما بيمر يوم الا واتكلم معاهو في موضوع العرس .. رشحت ليهو بنات اشكال والوان وهو عامل لي ودن من طين والتانية من عجين ..
- خلاص يا رجاء خلي الموضوع دة عليّ .. انا ياما عرست لاولاد وبنات من جماعتنا شوفي الاحد الجاي لازم تجيبيهو معاك الكنيسة يحضر القداس .. وما تجيبي ليهو أي سيرة .. خليني انا اتصرف بطريقتي واعرفهم على بعض .. متاكدة انها حتعجبو .. البت حلوة وبتعجب أي حد .. الا صحي عاوزة اسالك ... ليه جانيت خلت كنيستنا ؟؟ انا بالاول ما صدقت وقلت مستحيل بت رجاء ترتد بالصورة دي .. لكن لمن خلت الشغل هنا وعرفت انها اشتغلت هناك اتاكدت انو الكلام صح ... ليه كدة يا رجاء ؟؟ الحصل شنو ؟؟!! ...
كانت رجاء تستمع الى الكلمات المندفعة من فم ايزيس بقلب واجف ...لقد تحققت اسوأ مخاوفها .. انسلاخ ابنتها من الكنيسة التي تعمدّت فيها وانضمامها الى كنيسة اشقاء زوجها جعلها توقن بانها قد فقدتها الى الابد .. اندفعت دموعها بغزارة وارتمت على الكرسي بعد ان احست بقدميها تلتويان تحت حمل جسدها ... خرجت ايزيس من وراء مكتبها بانزعاج وجلست في الكرسي الملاصق لرجاء .. امسكت يدها بتعاطف وخاطبتها بلهجة امومية حنونة ...
- بسم الصليب ... مالك يا رجاء ؟؟ .. والله لو عارفة سؤالي بيعمل فيك كدة ما كنت سالتك ..لكن انتي عارفة انا طول عمري باعتبرك زي اختي الصغيرة واولادك زي اولادي اهدي وكلميني الحاصل شنو ؟؟ !! ...
قبل ان ترد رجاء فتح الباب خلف مكتب ايزيس وعلى عتبته ظهر فتى يافع بملابس الشمامسة الفضفاضة .. ومن خلفه قسيس نجيب بثوبه الاسود والصليب الفضي الكبير المتدلي من عنقه .. ملات الابتسامة وجهه الصبوح وهو يرحب برجاء ثم تبعتها تقطيبة حيرة لمراى الدموع على خديها ربت على كتف الفتى وامره بالانصراف ثم تقدم نحو رجاء التي انحنت وقبلت يده باحترام .. قادها بصمت تجاه باب مكتبه .. وقبل ان يتواريا خلفه التفت الى ايزيس وامرها بحزم ..
- ما تخلي أي حد يدخل علينا ...
-
استقر خلف مكتبه القديم وجلست رجاء في مواجهته .. تاملها بصمت العارف وبنظرات مشفقة .. انه يحترم هذه المرأة التي صارعت الحياة من اجل ابنائها .. ورفضت اكتر من زوج رشحه لها برغم شبابها وجمالها .. وكان جوابها ثابتاً لا يتغير ..
- انا بعد ابو اولادي ما عاوزة حد تاني .. بتكفيني ريحتو فيهم .. ربنا يقدرني اربيهم واعلمهم وهم بعدين يشيلوني ..
بذل المستحيل لاقناعها .. لكنها اصرت على موقفها بعناد وتصميم لم تلينه الايام ولا الظروف ..
- كنت متوقع جيتك يا رجاء ولمن اتاخرتي نويت أمر عليك في البيت الليلة ولا بكرة .. الحصل شنو ؟؟ جانيت مالها ؟؟
- كنت جاياك قبل كم يوم يا ابونا .. بس العملتو جانيت هدّ حيلي ورقدت رقدة ما قمت منها الا الليلة وعلى طول جيتك ..هي صحي خلت الكنيسة هنا ومشت كنيسة اعمامها ؟؟ ليه خليتها تعمل كدة ؟؟ انت مش عارف الناس ديل وطريقة تفكيرهم واسلوبهم الغلط ؟؟ ديل متعصبين وعنيفين وبتاعين مشاكل وحياخدوا بتي في سكتهم .. ليه كدة يا ربي ؟؟ يعني انا اربي واكبر واعلم وهم يجوا ياخدوها على الجاهز ويحرقوا قلبي عليها ؟؟ ليه ما منعتها ؟؟ ليه خليتها تمشي معاهم ؟؟ انا كنت مطمنة على وجودها هنا معاك ومع ايزيس وعارفاكم بتاخدوا بالكم منها .. وقلت كلها كم يوم وتهدا وترجع البيت .. وانا الليلة جيت مخصوص عشان ارضيها واسوقها معاي البيت .. لكن هسة خلاص .. بتي ضاعت يا ابونا ... انا عاوزة بتي ترجع لي .. جيبوا لي بتي ..
انفجرت رجاء في نحيب ينضح بالالم .. فهب قسيس نجيب من مكانه وجلس قبالتها ... امسك يديها المرتعشتين وبدا يكلمها بصوت مطمئن وبلهجة ابوية حانية ..
- شوفي يا رجاء .. انا ما حقلل ليك من خطورة مشي جانيت عند اعمامها ... كلنا عارفين طريقتهم الغلط في التعامل وبنرفض اسلوبهم ومعالجتهم للامور .. لكن كمان الانتي بتعملي فيهو دة ما بيجيب نتيجة .. لازم نفكر بهدوء كيف نرجعها .. هي في الاصل سابت البيت ليه .. زعلتوها في شنو ؟؟ احكي لي عشان اعرف احل المسألة ...
شعرت رجاء بتردد طفيف في ترديد اتهامات ابنتها .. ثم قررت ان تخبره كل شئ فهو الوحيد القادر على مساعدتها .. اخبرته عن تشدد ابنتها والمواجهات الدائمة بينها وبين شقيقيها .. حتى الحدث الاخير الذي فجر المشكلة التي التي هجرت على اثرها المنزل .. كان يستمع اليها بانتباه شديد دون ان يقاطع حديثها المتهدج حتى افرغت كل مخاوفها بين يديه .. اعتدل في جلسته وبدت علامات الجدية على محياه ..
- يا ريت لو كنتي جيتيني من بدري يا رجاء .. على الاقل كنت اتكلمت معاها ولحقتها قبل ما الافكار الغريبة ددي تسيطر عليها .. يمكن انا متفق معاها في حاجات زي عدم التزام جمال بالكنيسة برغم انو ولد شاطر واخلاقو ممتازة .. لكن فعلا ما بيجي هنا الا نادراً .. ما بيحضر قداس الاحد بانتظام وما بيشارك في أي نشاط ... لكن انا عذرتو عشان ظروف دراسته ومتاكد انو بعد ما يخلص الجامعة حيجي ويبقى عضو فعال في نشاط الكنيسة ... لكن جاكلين ملتزمة وبتشارك في كل شئ .. هي صحي شوية مهرجلة ومرات بتغيب .. لكن عموما من بناتنا الكويسات الانا باعتمد عليهم في أي نشاط .. جانيت بالتاكيد متاثرة باعمامها شديد .. عشان كدة بقت متطرفة في افكارها وتصرفاتها وشايفة الناس كلها غلط .. لكن ما تخافي ... انا حوصي عليها هناك وحخلي حد ياخد بالو منها ..وكمان ححاول الاقيها واتكلم معاها يمكن اقدر اقنعها ترجع هنا وترجع البيت كمان ...
- ياريت يا ابونا .. ياريت تكلمها وتقنعها .. انا ما قادرة اقعد في البيت من غيرها وحاسة انو حتة من قلبي اتقطعت ...
- ما تشيلي هم يا رجاء ... ارجعي بيتك وخلي بالك من صحتك .. انا حاهتم بالموضوع
رافقها حتى الباب وظل يراقبها وهي تودع ايزيس بحرارة وتغادر بخطوات متعبة .. التفت الى المراة النحيلة وخاطبها بصوت شارد مهموم ..
- تعرفي يا ايزيس .. رجاء عندها حق في خوفها على بتها ... انا سمعت كلام كدة انو اعمامها بدوا يشجعوها تطلع حملات تبشير في الحتت لبعيدة .. وانتي عارفة حملات التبشير ممكن تتعرض لشنو ودي بت صغيرة وما عندها خبرة .. ومرات الحماس مع عدم الخبرة بيبقى خطر ...
تتمت ايزيس بصوت خافت ..
- يا يسوع .. دي كانت بتقى مصيبة لو الكلام دة طلع صح .. ولو رجاء عرفت حتقع من طولها ..
- انا ما كلمتها .. وانتي كمان ما تجيبي ليها سيرة الموضوع دة خالص لغاية ما انا اتاكد واحاول اتكلم مع البت واقنعها ترجع .... برغم اني عارف كمية المشاكل الممكن ادخل فيها مع الجماعة ديل لو فكرت اقلعها منهم ... هم خاتين قانون انو البيدخل معاهم ما يطلع منهم تاني الا على ظهره ...
دخل مكتبه واغلق بابه تاركاً ايزيس في حالة خوف وقلق ...