أعلامٌ ورجال من ودمدني
ألأمير محمد عبد الرحمن نقد اللة
بقلم / عمر سعيد النـور
جمعتنا نحن نخبة من أبناء مدينة ودمدني مناسبة سعيدة في هذا الشهر المبارك بمنزل أخ كريم وصديق عزيز من أبناء ودمدني ، وكان بحق لقاءاً جميلا ورائعاً وممتعاً، وضمن ما تطرق إليه الحديث في ذلك اللقاء الجميل سيرة بعض أعلام المدينـة ، وعندما جاء دور الأمير محمـد عبد الرحمن نقد الله ، ما ذكروه إلاَّ بخير .. فكنت تسمع منهم عبارات مثل :\"رجل محترم / أمير اسم على مسمى / يجبرك على احترامه / كان عند زيارته لنا لا أستطيع أن أكلمه وأنا جالس ، بحركة لا إرادية تجدني وقد وقفت وأنا أحادثه/ رغم انتماءه السياسي كان يحظى باحترام وتقدير كل أهل المدينة / كان مواصلاً ،ويهتم بتفقد أحوال الناس والسؤال عنهم ..الخ \" ، هذه التعليقات التي قدمت جانباً منها صدرت من أشخاص يسكنون أحياء مختلف بمدينة ودمدني ، وبالطبع لهم اتجاهاتهم السياسية المختلفة أيضاً ،(وما كلهم أولاد أنصار) ،ولكنهم جميعاً أجمعوا على هذا الرجل النادر.
هذا الرجل الخلوق كان علماً وواجهة تتقاصر دونها المناكب والأعناق ،ومع ذلك كان ـ رحمه الله ـ يبتعد عن الأضواء وما تجر إليه من ذكر المفاخر والمظاهر الزائفة ولم أذكر أنه فخر بنسب أو حسب أو مطاولة من هذا القبيل ، وان كان في المنبر والناصية من الشرف والسؤدد ، وشهادتي هذه أذكر فيها ما عرفت به الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله وما وعيت وحفظته عن سيرته العطرة ،وأقول فيه كما قال الشاعر :
المجد مجد الخالدين ورثتـــــه
وهززت أحلى طلعه الحانـي فطاب
نعم الوقود وقود عمرك كله
شـــرف وعلم لا يهيــن ولا يهاب
لا لم تمت كل الروائع حية
والمؤمنـــون لهم حكايـات عجاب
ولد الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله بمدينة ودمدني وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة البندر الأولية ثم أنتقل بعدها للدراسة بالمعهد العلمي بام درمان ، وبعد إكماله الدراسة بالمعهد سافر للقاهرة برفقة المرحوم حسين شريف الصحفي الشهير والعضو البارز بحزب الأمة وهناك التحق بالأزهر الشريف ، وبعد تخرجه عاد للسودان ليدير أعمال والده ، ثم كانت له أعماله الخاصة حيث أنشاء مشروعاً زراعياً كبيراً بســنار ( ود هاشم جنوب ).
ولئن كان في تاريخ هذه المدينة المتفردة أمثلة ساطعة عديدة فإن الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله كان ـ رحمه الله ـ من أبرز وأنصع تلك الأمثلة وأعظمها نفعاً للناس ، تراه فترى فيه الوقار والسكينة والهدوء والتواضع الجم ، والأمير نقد الله ينتمي لأسرة حازت المجد بجميع أطرافه ، فوالده حاج عبد الرحمن نقد الله زعيم الأنصار بود مدني ، كان يحظى باحترام وتقدير كل أهل المدينـة ، وكان ـ رحمه الله ـ رجلاً وقوراً ، يتمتع بشخصية قوية وله مكانته الكبيرة ، ويعمل له ألف حساب ،(ورغم أن هناك حكومة ومسـئولين وشرطة ...)،إلاَّ أنه بين الأنصــار فـ ( ..الكلمة كلمته والشورة شورته)،لا يعقد أمر يخص الدناقلة والأنصار إلاَّ بعد أخذ رأيه ، ويتم تنفيذه بالحرف ، من ذلك مسائل الزواج وغيرها ، ... ففي الزواج مثلاً يرى أنه ( ينتهي بانتهاء العقد وإشهار الزواج ) ، وكان يحذر من الطبل والزمر ، وفي هذا الخصوص تحضرني قصة طريفة عن زواج أحد أبناء الدناقلة ، فبعد ذهاب حاج عبد الرحمن لمنزله فور الفراغ من إجراءات العقد ، وانصراف الكبار من الأهل والعشيرة .. أولاد الحلال أحضروا فناناً لإحياء ليلة العرس ، واستطاعوا إقناع العريس وأهله بعد جهدٍ جهيد وبعد مفاوضات وحديث من نوع : ( يا زول أفرح وخلينا نفرح معاك .. دي ليله في العمر .. وإذا ما فرحت هسع حتفرح متين .. وحاج عبد الرحمن في سابع نومه الآن ) ، ومازالوا يحاورونه ويجادلونه ويُلحون عليه حتى ظفروا منه بالموافقة في نهاية المطاف .. وكان لهم ما أرادوا .
وعلى الرغم من أن العريس تعامل مع الموضوع بمنتهى الحيطة والحذر ، فهو من جانب ظل يؤخر موعد بداية الحفل حتى أنتصف الليل ، ومن جانب آخرٍ جعله في أضيق نطاق ممكن( أقفل الباب وجعل الحفل قاصراً فقط على أقرب الأقربين ) ، وعلى الرغم من أن الناس في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون مكبرات الصوت والساون سيستم ، إلاَّ أن صوت الغناء وصل لأسماع حاج عبد الرحمن وهو يغط في نومه فهب منزعجاً وأخذ عصاه وخرج من منزله يتتبع الصوت إلى أن وصل لمكان الحفل ، فطرق الباب طرقاً عنيفاً ، فعلم من بالداخل أن ذلك هو حاج عبد الرحمن بشحمه ولحمه .. والذين حضروا تلك الواقعة ذكروا بأن المكان في لحظات قد خلأ تماماً من الناس ، وكان أول المختفين عريس الهناء ، فدخل حاج عبد الرحمن المنزل والشرر يتطاير من عينيه ، وهو يســأل بتركيز عن العريس(أمانه ما وقع راجل)،وبحث عنه بنفسه في كل ركن من أركان المنزل إلى أن عثر عليه متخفياً تحت أحدى الأسرة !! فنال المسكين علقة ساخنة من الشيخ جزاء سماعه لنصيحة أهل السوء فانقلبت ليلة عرسه لكرب بدلاً من فرح .وفي زماننا هذا إذا مد الرجل يده لابن أخيه تتصدى له زوجة الأخ كالكلب المسعور محتجةً ( زمن !! ).
ومما أذكره أيضا أن الأنصار يتجمعون من مختلف أحياء المدينة للصلاة في العيدين ( الفطر والأضحى ) وذلك بالساحة الواقعة أمام منزل حاج عبد الرحمن ـ حتى أيام الحكم العسكري ـ وأستمر ذلك حتى بعد وفاته والى يومنا هذا .
والذي خلد أثر هذا الرجل العظيم أن الله جلت قدرته قد جعل الخير والنفع والصلاح من بعده في أبنائه وأحفاده البررة الذين حملوا الرسالة من بعده ورفعوا الراية وساروا على درب والدهم صاحب التاريخ الناصع والسيرة العطرة . ويعتبر الأمير محمـد عبد الرحمن نقد الله هو الابن الأكبر للحاج عبد الرحمن نقد الله يليـه ( إبراهيم ) ، وكان تاجراً بام درمان ثم ( الأمير عبد الله نقد الله ) القيادي السابق بحزب الأمة ووزير الداخليـة الأسـبق ، ثم ابنه الأصغر المرحوم ( أحمد نقد الله )، رجل الأعمال وصاحب المشاريع الزراعية بجنوب النيل الأزرق ـ رحمهم الله أجمعين ـ ... أما حفيده من ابنه عبد الله فهو الأمير نقد الله المناضل الجسور والقيادي البارز بحزب الأمة ، ووزير الشئون الدينية والأوقاف الأسبق متعه الله بالصحة والعافية. أما الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله فله من الأبناء (صلاح، وكمال ،والصادق ،ومصطفى ، وعبد الرحمن ، والهادي ، وعبد السلام ).
والأمير محمد عبد الرحمن نقد الله ـ عليه الرحمة ـ استطاع أن يملأ وعن جدارة الفراغ الذي نجم عن وفاة والده ، فصار من بعده أميراً بل زعيماً للأنصار وكبيراً للدناقلة يزور الصغير والكبير دون استثناء وبكل تواضع وأريحيه ، يتفقد أحوالهم وأوضاعهم ، وكان على اتصال دائم معهم يقطع المسافات من أجلهم ، وما رأت ـ عيناي مثل هذا الرجل ـ رحمه الله تعالى ـ في دماثة خلقه ولين جانبه وتودده للناس مع غناء عنهم .
إن في حسن الخلق نيل محبة الله ومغفرة الذنوب ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : \" أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً \". فكان ـ عليه الرحمه ـ كثير الحسنات ، وعاش حياته عزيزاً كريماً يعطي ولا يأخذ وأذكر تماماً ونحن صبية صغاراً كنا نرى لوري الأمير المحمل بجوالات الذرة وهو يقوم بتوزيع حمولته على الأهل والأنصار ، بل والجيران كذلك دون تمييز ، ويتكرر هذا المشهد كل عام في موسم الحصاد ، كما أنه ـ رحمه الله ـ يتصف بالتواضع وحب الناس ورغبة شديدة في قضاء حاجات الآخرين وحل مشاكلهم والتوسط لدى من يملك اتخاذ القرار لمساعدة شخص ما أو قضاء حاجة محتاج ، لا يبخل بجاهه ، ولا يتبرم بالرغم من كثرة ما يطلب منه ، خاصة إذا كان لمساعدة إنسانا محتاجاً لخدمة معينة ، ومما يحكى عنه أنه في أحدى المرات كان يجلس أمام متجر ( الطيب نقـد ) بالسوق الكبير ، يتجاذب أطراف الحديث مع بعض الأشخاص ، فإذا بشخص يركب دراجه بالجانب الآخر من الشارع ، يلقى بالتحية على الأمير بالاسم ، ثم يترجل عن دراجته ويقف مكانه!!، الحاضرون ذكروا بأن الأمير بحث في جيبه بسرعة فلم يجد نقوداً ، فاستدان من الطيب نقد مبلغ خمسة جنيهات ، دسها في جيبه ثم ذهب إلى حيث كان يقف الرجل فسلمه المبلغ(بصوره خفيه)وعاد إدراجه ، حدث كل ذلك وسط دهشة الحضور وذلك لسببين:(أن المبلغ وقتها كان ضخماً ، والثانية أن الأمير هو الذي ذهب للرجل في مكان وقوفه بالطرف الآخر من الشارع)..وهكذا كان دائماً كريماً جواداً ، وهو يفعل ذلك عن قناعه بأن ما ينفق سيكون له رصيد خير عند الله مبارك فيه بإذنه ، وليس سراً حديث الناس عنه ولسان حالهم يردد قول الشاعر زهير :
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولم لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتقي الله ســـائله
ويسجل التاريخ في أنصع أسفاره لهذا الرجل المتفرد صاحب السجل الحافل بالمواقف الإنسـانية البهية، كيف أنه استطاع بالحكمة وبُعد النظر أن يحفظ للأنصار وحدتهم وتماسكهم في أحلك الظروف ، وأصعب المواقف ، والكبار من أهل المدينة يذكرون تماماً تلك الأحداث المؤسفة التي أعقبت انقسام الأنصار بين مؤيدٍ للصادق المهدي ، ومؤيدٍ لعمه الهادي ، حيث أقتحم أنصار الهادي المهدي دار حزب الأمة بشارع النيل بجوار البلدية وهم يهللون ويكبرون ويرددون الهتافات المنددة بالطرف الآخر وتصفهم \"بالكفرة الفجرة ؟!! \" ، واحتلوا بالفعل الجزء الجنوبي من المبني !! ، فتصدى لهم نجل الأمير( الصادق ) مستنكرا فعلتهم هذه ، فتعرض للأسف للاعتداء من بعض المتحمسين ، الأمر الذي أدى لتدخل آخرين لنصرة إبن الأمير بقيادة بابكر حاج يوسف أبو الروس وآخرين ، وكادت أن تحدث كارثة يروح من جرائها العشرات .. وانتهت تلك الأحداث المؤسفة باعتقال تلك الجماعة المقتحمة للدار ، باعتبار أن المبنى كان أصلاً مسجلاً بالملك الحر باسم السيد الصادق المهدي ، وفور سماع الأمير للخبر حضر على عجل ، وقابل مدير مركز الشرطة ، ثم أرسل في طلب ابنه ( الصادق ) ليقدم تنازلاً عن البلاغ ، وبعد ما تم له ما أراد ، لم يغادر مركز الشرطة إلاَّ بعد أن اطمأن على إطلاق سراح الجميع وهم كُثر ، ولم يكتفي بذلك بل طلب من ابنه مُسامحة المعتدي وأن يُقبل رأسه!! ( كان أكبر منه سناً ) ، هذا التصرف العقلاني من هذا الشيخ الحكيم كان له وقع السحر في نفوس تلك الجماعة ، فسرعان ما تصافى الجميع وعادت المياه لمجاريها ، ونتيجة لذلك لم تأخذ العلاقة بين أنصار الصادق وأنصار عمه الهادي بمدينة ودمدني تلك الصورة الحادة التي كان عليها الحال في بعض المناطق الأخرى .
جانب آخر حرص عليه هذا الرجل الحكيم ، وهو علاقته الحميمة بكل ألوان الطيف بالمدينة ، وأصدق مثال على ذلك اللقاء اليومي الذي يجمعه بالعديد منهم ، عند المكتبة الوطنية بعمارة الدمياطي ، حيث يهيئ لهم صاحب المكتبة المرحوم عيسي عبد الله المكان بالكراسي مع \" قهوة \" جورج الحلواني الشهيرة، فيجتمع في هذا المكان كوكبة من الشخصيات الهامة بالمدينة نذكر منهم أحمد دهب المحامي والأستاذ عمر محمد عبد الله وعزت أبو العلاء ودكتور عبد الرحيم أبو عيسي ، وينتظر الأمير بهذا المكان حتى وقت وصول البص السريع ( بص الخواجة ) وهو يحمل الصحف والمجلات فيتناول طائفة منها ويغادر ، وهناك لقاء آخر بمتجر شقيقه ( أحمد ) \" نقد الله بازار \" ، إذ بمجرد وصول الأمير يتجمع في لحظات كل جيران المرحوم أحمد نقد الله ، فَيكوِّنون شبه ملتقى أو ندوة يومية ، نذكر منهم حسن هاشم وأحمد دهب وحامد البوشي ودكتور يوسف الحضري إلى جانب نائب مدير بنك باركليز ومحمد علي حسونه ـ رحمهم الله أجمعين ـ ، حيث يستمر اللقاء حتى موعد أذان الظهر .
غاية ما هناك أن الحديث عن مناقب هذا الرجل ومآثره التي لا تحصى عددا ومكاناً لهي من أصعب الأمور ، فنحن مهما تحدثنا عنه فلن نستطيع أن نوفيه حقه ، ونقول لأبنائه وأقرباءه أن يفرحوا بسجاياه الكريمة ، وفعاله الحميدة ، وأن يرجوا له من ربه خيراً .
توفي الأمير / محمد عبد الرحمن نقد الله في عام ( 1973م ) رحمه الله رحمة البررة الأتقياء ، وتغمده بواسع رحمته ونسأله تعالى أن ينزل على قبره الأنس والغفران ، وأن يثبته بالقول الثابت ، اللهم أرحمه ونقه من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم أسكنه فسيح جناتك ، وأجعله من الفائزين يوم الدين يأرب العالمين كما نسأله أن يجمعنا به ووالدينا بالجنات ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .
عمر سعيد النــور
رئيس جمعية أبناء ودمدني الخيرية
الرياض
موقع ودمدنى

