(خميرة سودنة!!)
بعد كبري حنتوب واصلنا شمالاً و في آخر محطة (الكاملين) قبيل الخرطوم اعترضنا شبان يشدون حبلاً على دفتي الطريق ليوقفوا المارة..
حسبناهم من جماعة أمن الطرق أو قبانة. ولم يبق للشمس سوى مقدار الرمح حتى تجب من مغربها و يحين إفطار الستوت. تبين لنا أنهم
قطاع طرق.لكن من صنف شريف و بمزاياً نادرة, فهم يتوددون لكل من استوقفوه أن يدلف و يتفضل بكل هدوء, و من يعارضهم يوشك أن يثير
حفائظهم حتى لم يتركوه ولو دعا الأمر لاستخدام العنف. كنت مطاوعاً و لم أشأ أن أخرجهم عن أطوارهم؛ خاصة أن العطش و الإعياء قد نال منا.
ثم لا أفشي سراً إن قلت إن شيئاً من اللهفة وضيق ذات العين و قع في نفسي الأمارة بالسوء فقلت: لماذا يعني الإصرار على استيقاف جميع من هب
و دب! ثم من أين لهؤلاء بطعام يكفي كل هذه الخلق؟.لم نتلبث بتلك الحالة إلا قليلاً،قبل أن ترخي الشمس رموشها و يسدل الليل عليها أجفانه
فتخرج علينا الكاملين بكاملها و عن بكرة أبيها.. أعماها شايل المكسر ..بشيبها و شبابها و رجالها و نسوتها وصباياها، أتوناجميهم حفاةً بخيرات
و صنوف الطعام و الصواني المدنكلة سدت عين القمر. ولقد خاب ظني وخسأت عيني, إذ أكلنا و شبعنا حتى تترعنا و أكل الحضور كلهم أجمعين
و جعلالمارة يتعاقبون أفواجاً ثم جاء دور الأغنام و الكلاب لترتع وترعى من فضلهم؛ إلى أن انفض سامرنا و ذهبنا جميعاً, و لكن دون أن يذهب
من زاد أحبابنا (الكاملين) إلا بمقدار ما يأخذه المخيط بسّم حياطه حين يغمس في خضم المحيط..
ربنا يخلف عليهم بالبركة ويزيدهم من فضله آميـــــــــــــــــــــن....و تاني جاييك راجع
(بي الدرب القبيل جاي شاق الدوكة و مارق فوق المقطاع تجاه ربوع سنجة يا السيق الفيات)