36
كانت نوال الكاشف ترتعش كصغير تفتك به حمي مجهولة وهي تستنزل اللعنات علي نفسها ودموعها تجري انهارا غير عابئة بما رسمته الدموع علي وجهها من أخاديد ، كانت المروحة الوحيدة في مكتب المأمور تدور ، عاصم ساكنا كجثة، قبعة المأمور منتصبة حيث تركها قبل خروجه مفسحا المجال لندي ونوال وعاصم ، كانت ندى تبكي بدموع لاتري وتتنقل ببصرها بين نوال الكاشف التي لم ترها قط بذلك الضعف وذلك الانفعال وعاصم الذي يبدو في بدلة السجن كأنه يستقبل ضيفا في بيته عصر يوم حافل، مرهقا شاحبا،قالت له نوال كل شئ ،ماتعرفه وما تظنه وما أخفته من قبل فيما عدا مشاعرها نحوه،لم يقل عاصم شئيا في البدء، ساد صمت قصير بدا دهرا، حتي أن الجندي الواقف أمام باب الغرفة لم يستطع مغالبة فضوله فادار وجهه الي داخل الغرفة كأنه يريد التأكد من كون الغرفة لاتزال مأهولة بالبشر ، ثم أشاح بوجهه بسرعة عنهم.مسحت نوال وجهها بمنديل صغير دون ان ترفع رأسها و أبتلعت ريقها بصعوبة ولاذت بالصمت.
وفجأة هدر صوت عاصم قويا علي غير المتوقع وعلي غير المألوف:
طول عمري كنت غارقا في الجب، وحدي أصرخ بأعلي صوتي، ولا أحد يسمعني،كنت طفلا في الخامسة حين شاهدتها
عارية ...مكبلة...والسوط يهوي علي ظهرها العاري....ترتفع اليد حتي تكاد تخرق السقف، ثم تهوي علي ظهرها العاري،وجهها مرعوبا وهي تصرخ وتشير علينا بالابتعاد، كنا صغارا، نبكي،فليس لدينا سبيل آخر للاحتجاج، وكان كل ما يهمها الا نراها....... هو...لم يكن يهتم...انحشرت بين ظهرها وسوطه دون وعي ...بات صراخها أكبر....وكان وقعه حارقا وموجعا فعلا صراخي.......
ارتفع صوت عاصم وصار صوت طفل يصرخ باكيا :
كان برقدا زي الشفع قدامنا ويقول ليها ارفعي ايدينك...أرفعي ايدينك...و يجلدا....زي الشفع في ايدينا وفي ضهرا...
وانفجر في البكاء بصورة هستيرية وصوته يعلو:
علقني في النيمة عريان زي ما خلقني الله
يوم كامل
ودقاني بالسوط لما الدم
كب..........في النيمة...
وعلى ....على أخوي
دقاهو لمن غمر.... دقاهو لمن مات يا نوال.....على يقع ويقوم وهو يدق...انا أقع وأقوم وهو يدق.....
وأنفجرعاصم في نوبة هستيرية شاملة كبركان في قمة فورته يلقي بكل شئ امامه أرضا ويصرخ كخروف مذبوح....نهضت ندي مذعورة تبتغي باب الغرفة الصغيرة،واحتمت نوال بالمكتب الفاصل بينهما وأمتلأت الغرفة الصغيرة بالجنود في لحظة،أحاطوا به كما يحيط المصارعون بثور هائج في حلبة مصارعة اسبانية وهو يزداد هياجا وصوته يعلو كأنه يخاطب شخصا ماثلا أمام ناظريه أو يؤدي مشهدا حفظه عن ظهر قلب علي خشبة مسرح:
تكشح الشاي في وشها؟
انت ما بتخاف الله؟
تشغلا زي الحمار
وترسلا السوق
تخليها تقرع الواطةوانت قاعد
وتجلدا زي الحصان؟
تدق الشافع بالشبط
في وشو؟
تدق على لامن يموت؟ المرة الاولي
حصلوا حاج المنصور
ياحاج المنصورسكتا ليه؟ ياناس
سكتوا ليه؟
يا اخ انا ما انسان؟
تضربني لمن اطرش ؟ اضاني هدي قاعدة صورة ما بتسمع
تضربني كف؟
ياولد اقرأ....كف. ... دا غلط...كف...
اقيف...كف.... أقعد..كف ...كف... كف.
خفت صوت عاصم رويدا و هو يدور كالمروحة مرددا كلمة واحدة بايقاع مخيف بدا عاليا كطبل: كف...كف ...كف ..كف. ثم سكت فجأة وتهاوي بين أيدي الجنود فافسحوا له مكاناوسطهم وأسندوه وأرقدوه علي ظهره فسكنت حركته، بقيت عيناه شاخصتان نحو المروحة التي تدور كأعواد مشنقةوبات وجهه طفوليا رخوا يكسوه سلام عجيب،ثم سكنت حركته تماما بغتة فشهقت نوال.نظر اليها طبيب السجن وتمتم: لاتقلقي اضطررنا الي اعطائه حقنة مهدئة ستجعله ينام بضع ساعات متصلة فقد تعرض لازمة عصبية حادة جدا....سيكون بخير.أعادت نوال النظر الي عاصم فوجدته غارقا في ثبات عميق.