قصة البرلوم الجزء الثالث والأخير
بعد أن ألقى صاحبنا قصيدته العصماء وأنزل من كاهله حمله الثقيل أصبحت الكرة في ملعب محبوبته الحسناء .
و قد كان لصاحبنا هذا وقع خاص بين الجميع فقد كان شاباً وسيماً جذاباً , يأسرك بحديثه عند الجلــوس معــــه , و على الرغم من انه قليل الكلام ولكنه كان ساخراً وله فلسفته الخاصة بالحياة , يعرف ماذا يقول وماذا يريد أن يقول , كما كان متميزاً في الجانب الأكاديمي , كل هذه الصفات مجتمعة جعلت منه شخصية تجعل كل من تعرف عليه من الجنسين يرتبط به أكثر لشفافيته وحسن معاملته , وقد مكنه ذلك من خلق شعبية كبيرة خاصة من الجنس اللطيف , وكم من فتاة أبدت إعجابها بطريقة أو بأخرى , ولكنه لم يكن يرى غير محبوبته التي ملكــت فكره وقلبه , وكان ينظر إليهن نظرة زمالة وصداقة وأخوة بحيث لا يتعدى الأمر هذه الحدود .
ورغم أنه جمعت بينه وبين عشيقته الكثير من المناسبات سواء في القاعة أو الكافتيريا أو المكتبة أو جلسات المناقشة والمراجعة , إلا أن صحابنا لم يحاول أن يوطد علاقته معها لماذا ؟ فهو نفسه لا يدري ! حيث كان كثير التهرب منها .
أما صديقنا العزيزة فكانت تتمتع بوقع خاص بين زملاؤها وزميلاتها لاتسامها بالرقة والابتسامة التي لا تفارق ثغرها , هذا بالإضافة إلى جمالها الذي لا يختلف فيه اثنان , وكان الجمــيع يلتفون حولها كأنها خلية نحــل , والكل يحــــاول التقرب منها ماعدا صحبنا , وكان ذلك يشعل الغيظ فيها – بلاشك عندما تشعر المرأة عموماً بأن شخصاً يتجاهلها فهذا يشعرها بالضيق والضجر تجاهه _ فكانت تنظر له بعين تختلف من نظرته إليها فكانت ترى في التكبر والافتراء وعندما تشطاط غيظاً عند تهربه منها في واحدة من المواقف الكثيرة تنظر له بعين التخلف , فلذلك عندما قال لـها قصــــيدته العصماء هذه أصيبت بالدهشة من قوله , وأخذت تعيد شريط ذاكرتها عن كل المواقف التي مرت بهمـــا , ففهمت منها أنه كان يفعل ذلك بسبب إعجابه بها وحبه الشديد لها - فقالت في داخل نفســـها حب خشن – وهنا دار التســـاؤل في نفسها فإذا كان يحبها كل هذا الحب كما قال لماذا لم يتقرب إليها للتعرف عليها أكثر قبل أن يضـــع نفســـه في هذا الموقف ؟ لماذا لم يحاول أن يعرف هي مرتبطة أم لا على الأقل ؟ كم وكم وكم سؤال دار برأسها ولم تستطع أن تجد له إجابة . ثم بدأت تسأل نفسها لماذا كانت هي تحاول التقرب إليه , لماذا كان تغتاظ عندما تجد منه التجاهل وعــــدم المبالاة ؟ هل هي تميل أليه بدافع أنه لم يهتم بها وتريد أن تلفت انتباهه لمجرد إرضاء غرورها ؟ أم أنها تحبه وهي لا تدري ؟ وقد أرقها هذا الأمر كثيراً وظلت طــــوال الليل تفكـــر في هذا الموضـــوع , وحــاولت كثيراً أن تنساه وتخلد إلى النوم ولكن هيهات .. فكلما حاولت أن تغمض عينها تأتيها صـــورته حتى غلـــبها النعاس بعد الفجـر فاســــتيقظت في وقـت متأخر ولم تســـطع الذهاب إلى الكلية في ذلك اليوم .
وبالعودة إلى صاحبنا فنجد أنه جاء اليوم الثاني ويحمل كما يقولون قلبه على أكفه في انتظار قدره , وكان يترقـــب باب القاعة الداخل والخارج ولكن دون أن يظهر لها أثر , فأخذ الشيطان يلعب بعبه , هل ما قاله أغضبها فأثرت عــــدم المجيء حتى لا تقابله ؟ هل هذا رفضاً صريحاً لطلبه ؟ وهل وهل وهل .. وظل على هذا الحال حتى اليوم التالي .
وفي اليوم التالي جاءت صديقتنا وقد تبين لها بما لا يدع مجالاً للشك أنها وقعت في حبه ولكنها آثرت أن تتأكـــــد من ذلك أولاً قبل البوح به , وتظاهرت بأن الأمر كأن لم يكن , فقابلت صاحبنا الذي كان يقـــف على باب القاعة يسترق النظر للداخلين والخارجين عسى أن يجد بغيته , فسلمت عليه وقد تعمدت أن تكــــــون معه عادية كأن شيء لم يحـــدث , إلا أنها وجدت نفسها تسترق النظر إليه كلما سنحت لها الفرصة , وحاولت كثيراً أن إلا تنظر باتجاهه ولكن دون جــــدوى .. ويتم ذلك دون أن يراها . واستمر الحال هكذا مما أصابها بالشرود وعدم التركيز في المحاضرات , فلذلك قررت في داخــــل نفسها بأن هذه العلاقة يجب أن تنتهي بأي شكل من الأشكال بعد أن وصـــلت إلى قناعه بأن مثل هذه العلاقات ذات أمد قصير وسرعان ما ستنتهي , وسوف تترك أثراً نفســــياً ســـــيئاً للطرفين , وقررت أن تواجهه لإنهاء هذا الأمر الذي أصـــبح هاجساً بالنسبة لها .
وجاءت في اليوم الثاني وبعد نهاية المحاضرة انتظرته خارج القاعة , فسلمت عليه وقالت له ممكن نفطر مع بعض- طبعا في هذه اللحظة كانت رجلا صـــاحبنا لا تقوى على حمله - وذهبا في اتجــاه الكافتيريا وكان يســـود بينهما في تلك اللحظات صمت رهيب , فكل منهما يتسأل ماذا يقول وماذا سيقول له الطرف الأخر :
وعندما جلسا كان صحابنا متلهفاً فبادر بسؤالها : إن شاء الله خير .
ولكن صديقتنا تمالكت نفسها وقالت : نفطر أولاً ثم بعد ذلك نتناقش في موضوعنا
وهنا شعر صحابنا بالخجل فهب من مقعدة وأحضر السندويشــات والحــاجة الباردة , وكان يأكل ولا يدري في تلك اللحظة ماذا يأكل , وبعد الانتهاء من تناول الطعام , قامت صديقتنا وأحضرت كأسين شاي .. وكان هذا البرود الرهيب من جانبها قد أفقد صاحبنا رباطة جأشه فبدأ في الارتباك وأندلق بعض الشاي على ملابسة . فضحكت صديقنا ممـا زاد ذلك من ارتباكه .. ثم بدأت قولها : أنت لازم تعرف أننا نحن في البداية وفي النهاية أخوان وأصدقاء قبل كل شيء .
فرد صاحبنا : بالتأكيد .. بالتأكيد .
فقالت : وعشان كده جد أنت أي واحدة بتتمنى ترتبط بيك , وأنا بعد كلامك معي في الأســــــــــبوع الماضي جد فكرت في الموضوع كثير وسألت نفسي سؤال ممكن أنت تسألوا لنفسك بعد ما أنتهي .. هو نهــــــــاية علاقتنا دي حتكون شنو ؟ هل مجرد علاقة و تنتهي بنهاية الجامعة ولا تستمر وتثمر بزواج ؟ وهل إذا استمرت حتقدر تبني نفسك عشان تبني بيت وتكون أسرة ؟ طبعاً أكيد أنك ما فكرت في الحاجة دي وعواطفك غلبت عليك ؟
فقاطعها صاحبنا وهو يتلعثم ويتصبب عرقاٌ : أنا .. أنا بالجد . وكان كلامه متقطعاً .
فقاطعته وقالت : والله عشان ما أطول عليك أنا جيت الليلة عشان نصل لي حل لهذه العلاقة ونهايتها , ولــكن بعد الشفتو منك ده أتأكدت من أنك صادق في حبك لي وبشكرك كثير على ذلك وأن ما بقول شعر زيك لكن بتسعفني في هذه اللحظة أبيات لنزار قباني بيقول فيها :
كلماتنـا فـي الحـب تقتل حبـنـا *** إن الحـروف تمـوت حـيـن تقـــال
الـحـب لـيـس روايـــة شـرقـــيـةً *** بخـتـامـهـا يــتـــزوج الأبــطـــال
لـكـنـه الإبــحــار دون سـفـيـنـةً *** وشعـورنـا أن الـوصــول مـحــال
هو أن تظلّ على الأصابع رعشة *** وعلى الشفاه المطبقات ســــؤال
و هـذه الأزمـات تسحــقنـا معــاً *** فنمـوت نـحـن ، وتـزهـر الآمـــال
هـو هـذه الـكـف الـتـي تغتالـنـا *** ونـقـبّـل الـكــف الـتــي تـغـتـال
ودون ان يشعر صاحبنا صاح بأعلى صوته ينصر دينك .. مما جعل كل من في المكان ينظر له .. فضحكا وتبادلا نظرات الحب الذي ربط بينهما .. والآن تزوجا ولديهما طفلين .
المفضلات