لم يكن اختياري لهذا العنوان الا تعبيراً صادقاً وترجمة واقعية لقراءة شخصية و مستفيضة لواقع الانسانية في كوكب الارض ولما تمر به شعوب الارض من سلسلة متدرجة لاحداث متداعية أفرزت واقعاً "فوضوياً" بكل مقاييس العد والحساب والتحليل والاستنتاج ، ولم تكن واقعية التطور "اخلاقية" بمايكفي لسد رمق وحاجة الروح البشرية من عطش التوازن الذي فقدته في هذا العالم المترع بزخم التنوع .

حتى جاء العصر الذي اشتدت فيه حمى الوطيس وزاد العلم انسانه جهلاً بمفاتيح السعادة وفقد فيه طريقه لبلوغ اسباب الاستقرار الروحي والذهني ، فطغيان المادة والمدنية وثورة مابعد التكنلوجيا افقدته قدرته على التناغم مع نواميس الكون فلم تزده العلوم التطبيقية الا نبوغاً كيفياً وشكلية فذة انعدم في نظامها جوهراستقراء الاسرار وامتلاك القدرة على معرفة المفاتيح الكونية التي تؤدي الى بلوغ السلام الروحي مع النفس والعاطفة .

كان فيلسوف الاستقراء " سقراط " يرى ان الفضيلة تكمن في بلوغ العلم اقصى طاقاته بعيداً عن كل مايشغله ، لكن تلميذه افلاطون لم يشاركه الرأي في ماراه حينما ربط التطور العلمي بتطور البنيان العاطفي والروحي حينما يتسامى مع نبل الالهام والتبصر .

فهل غيرت التكنولوجيا الفذة الخريطة الانسانية في انسان هذا العصر ! بل وهل وفرت لانسان الارض حاجته المستمرة لمعرفة وادارك قواميس السعادة ، فمن من اهل الارض اصبح في عصر التقدم والتغير يملك في يديه القدرة على امتلاك سعادته التي يعيش بهدف بلوغها واداركها ، وهل نجح انسان التطور في رحلته البشرية المضنية الى الوصول الى افضل حالاته .

الفوضى الانسانية التي حلت بخارطة الانسان أثقلت كاهله بتزاحم الافكار وتضاد وازدواج المعايير واشتداد درجة الاحتداد في التنوع الفكري وانقلاب وتحول الروح الى طاقة سالبة تعتمد في توجهها الى اقتناص الفرص وحب الذات وجلدها مابين التارة والاخرى حتى طار عقلها وانفرط عقدها فلم تسلم من تضارب الاحوال وتفاقم الاوضاع ، فنشات نتاجاً لذلك أمراض الفكر واسقام العاطفة فاختلطت موازين الحياة ببعضها حتى ماعاد لها من ميزان يضبط قواها المتناحرة ويحكم فرط انزلاقها الى مستنقعات الذهول والحيرة والشك .

حتى المخرج الروحي الذي كان يوماً هو اسلم الطرق للتشبث بهدوء النفس تكالبت على مخارجه ومداخله فيروسات المطامع والمصالح وعلل الذات الثائرة على كل سليم في الفطرة فنجمت عن ممارسات "رجال الدين والروح في عصر انعدام التوازن " عزلةٌ لاارادية تجاه الركون الى سلام "التدين " وهدوء النفس في ناموس الكون الرباني ، وحينما انغلقت كل مخارج الكون في وجه الباحثين عن النجاة ، تحولت الخريطة الانسانية الى مسرح لصراع التنوعات فثارت الافكار المتمردة على القوانين الفطرية من شدة مااصابها من تخمة ، حتى اندلقت فاختلط سيئها بجيدها وغيرت وجه مفاهيم الحكمة في التباين لان اختلافها لم يستند الا على تسيد الانا وطغيان الفئوية والحزبية فضاعت الحكمة مابين مقاومة الأقليات وتعنت الاكثريات فساد الهرج والمرج في كون الانسان حتى لكاني بالارض تشكو وتئن من عنف الصراعات الانسانية الصامت منها والمعلن ، فالكل هنا قائد ولامقود والكل هنا متحدث ولامن يستمع .

حتى أهل النجاة من كون الصراعات ، الصامتين عن حزنٍ ، فقدوا معنى الحياة في ممارسة سكوتهم الابدي حينما لجأوا الى العيش بهدوء مع صمتهم فماعاد من يحسن توجيه الامور الى طبائعها الجيدة .

ان الفوضى الانسانية "الصامتة" التي فاقت معدلات التصور لم ولن تات الا بالخراب والوبال على بني البشر ، في كون لم يعد فيه طريق واضح ولم تعد فيه قوانين تحترم ولم يرى النور في جنباته بعد ان ساد ظلام الليل فيه حاجباً نور الحق الذي غطته سحائب مثقلة بالوهن والعجز والتلون باقنعة لاحدود لسطوتها وجبروتها في سبيل المصالح الفردية والشخصية ،،، ولاعزاء للمصلحة العامة ......