الشخصية العصا بية في الرواية العربية
(القسم الأول)
(مقدمة أولية)
التحليل النفسي ومشهد النقد العربي
.: أسعد فخـري
ما من شك أن مطلع الستينيات من القرن العشرين قد شكل أولى تطلعات المشهد النقدي العربي والذي ما انفك يجرب الكثير من المناهج النقدية الوافدة ، على الإنتاج الإبداعي العربي بمختلف مشاربه واتجاهاته .
وبالرغم من السيطرة الواضحة لمنهج الواقعية الاشتراكية النقدي على أغلب البحوث والدراسات آنذاك إلا أن ثمة مناهج نقدية أخرى تمكنت من تشكيل بنى وتصورات لها رؤيتها الخاصة وفق مفهومات نقدية بعيدة كل البعد عن الاعتقاد العقائدي والأيدلوجي والقومي . ناظرة إلى مناهجية مختلفة تذهب إلى تأكيد انسانية الفن والأدب قبل أي شيء آخر .
ومن أهم تلك المدارس والمناهج التي عنيت بتأكيد ذلك الحضور في المشهد النقدي كان منهج التحليل النفسي / Psycho – Analysis / للأدب والفن ، والذي جاءت بواكير اشتغاله متواضعة وخفيضة مؤثرة التنظير دون الانجاز ، استناداً إلى ( المدرسة الفرويدية ) ومرجعية معجمها الكلاسيكي غير آبهة للفتوحات التي أحدثها تلامذة فرويد فيما بعد , وذلك ما أ شاع انزياحاً هاماً وخلـخلة فـــي آليات / Mechanism / وطرق التفكير والتحليل لديها , والذي شكّل في أبعاده المتباينة انعطافة لها أهميتها البالغة في الشـكل النقدي الذي مكّن النظرة الأحاد ية إلى النصوص كذاكرة سيرية للمؤلف دون التفكر / Intellection / فيما وراء النص وصيرورة / Temporalism / تخليقه .
وبدا المشهد النقدي صورة ميكانيكية معادلها البحث عن المؤلف سيرياً داخل نصوصه أو البحث عن سيرة النص وأهدافه داخل مؤلفه.
لا شك أن موضوعة التحليل النفسي / Psycho – analysis / وشغلها على الأدب والفن عموماً قد أفرز أسماء هامة لها مكانتها الأدبية والريادية ومن أهمها :
( عباس محمود العقاد ويوسف مراد ثم عز الدين اسماعيل ومصطفى سويف وجورج طرابيشي . . . وآخرين )(1) .
والمسألة الأهم في ثبت تلك الأسماء كان العقاد الذي لم يتوان عن التصريح برأيه قائلاً: ( إن مدرسة التحليل النفسي هي أقرب المدارس إلى الرأي الذي ندين به في نقد الأدب ونقد التراجم ، ونقد الدعوات الفكرية جمعاء)(2).
مؤكداً إيمانه القاطع , ودون اخفاء لتحمسه الزائد في أ نه ( إذا لم يكن من بد من تفضيل إحدى مدارس النقد على سائر مدارسه الجامعة ، فمدرسة النقد البسيكلولوجي أو النفساني أحقها جميعاً بالتفضيل في رأي وفي ذوقي لأنها المدرسة التي نستغني بها عن غيرها ولا نفقد شيئاً من جوهر الفن أو الفنان المنقود )(3).
لكن بالرغم من السبق الذي حققه العقاد في تأكيد نجاعة الاشتغال على منهج التحليل النفسي إلا أنه ظل أميناً على رابطة العلاقة الميكانيكية بين المبدع وانتاجه ، ناظراً إليه من زاوية الانعكاس الذاتي أو ما يدعى ( باللاشعور الشخصي ) وكأن المبدع منتج لسياق سيرته الذاتية وفق سنن وضعها العقاد معتمداً على ثنائية ( الوعي واللاوعي ) كأدوات كاشفة عن الرابط الخفي بين الفنان وإنتاجه مؤثراً التمسك بالكشوفات الأولية للمدرسة الفرويدية دون تفكير, وذلك من خلال تطبيقاته التحليلنفسية على ( ابن الرومي وأبي نواس )(4). مستلهماً مأثرة ( التحليل النفسي والفن )(5) التي أبدى من خلالها ( فرويد ) كشوفات اللاوعي الذاتي وعلائق السلوكات النفسية التي تنظّم المنتج بالمنتج الإبداعي .
أما التجارب والبحوث النقدية التي أخذت بمنهج التحليل النفسي من جملة الأسماء التي ذكرنا سابقاً فقد كانت تجربتي ( عز الدين إسماعيل ومصطفى سويف ) من العلامات الهامة
والبارزة التي أتت بعد ريادة العقاد لهذا المنهج دون أن ننسى تجربة لافتة أ يضاً للباحث محـمد النويهي فـي كتـابه ( نفسـية أبي نوا س )(6).
لقد جاء الكتاب بمفاهيم ورؤى أكثر تطوراً من نظرة العقاد ( لأبي نواس ) حيث اشـــتملت على تحليل أكثر علمية ومحاكمة للنص الشعري بذاته لكنها لم تستطع أيضاً كما ( العقاد ) الإنفلات في مغالاتها بتعريب المعجم الفرويدي وملامــسة لا تذكر لمنهج التعويض / Restitution / عند ( ادلر(*)) وذلك من خلال التعرض لنص شعري بعينه .
لكن ما يتعلق بتجّربتي البا حثين ( عز الدين إسماعيل ومصطفى سويف ) فإننا ننظر إليهما كتجربتين فيهما الرصانة والفهم الموضوعي لأبعاد منهج التحليل النفسي وعلاقته بالأدب ، فقد أ سّسا بعداً علمياً جديداً وإضافة لافته على المشهد النقدي العربي، حيث طغى على بحوثهما الجانب التجريبي / Experimental / في الانجاز مقارنة مع السياق التنظيري الذي ذهبا فيه شوطاً كبيراً مما يؤكد رغبتهما في التأسيس لمنهج يؤكد العلاقة الحميمية بين التحليل النفسي والإبداع وفق معايير ومناظير مختلفة كل الاختلاف عما سبقهما آخذ ين بعين الاعتبا ربعضاً من التحولات التي أجراها تلامذة (فرويد)(**) على بنية المنهج النفسي الكلاسيكي والعوامل الخلافية التي أدت إلى تطويره .
لننظر في البداية إلى الملامح العامة لتجربة مصطفى سويف دون الدخول في المتاهة التجريبية التي أثارها كتابة ( الاسس النفسية للا بداع الفني )(7), والذي رسم من خلاله اتجاهاته المناهجية والمعايير التي تقيم وزناً مؤثّراً للعوامل الخارجية عبر تحديد الإطار المرجعي لقيمة الفنان ومنتوجه فهو يؤكد دون أدنى شك على أن ( مجموع العوامل التي تؤثر في اتجاهها وفي شدتها ، سواء أكانت هذه العوامل مشعوراً بها أم غير مشعور )(8).
وكأن ( سويف ) يقرر هنا نسف الجانب اللاشعوري / Unconscious / في العملية الإبداعية والإبقاء على سياق الحياة الاجتماعية ( كإطار ) وخبرة شعورية لازمة للفنان دون غيرها من العمليات الخافوية / Unconscious / الأخرى والتي لها دور هام في الإجراء الإبداعي وحركيته ، وكأن الفنان حسب ( سويف ) مجرد عالم مركب ومنظم من الخبرات الخارجية المكتسبة ( وأن مهمة الإطار كعامل نوعي في عبقرية الفنان أو الشاعر لا تتضح إلا بأن تضع هذا الإطار في بناء شخصية تعاني توتراً دائماً من ضغط الحاجة إلى النحن )(9).
وبذا يصبح ( النحن ) هدفاً بحد ذاته أمام ( أ نا ) الفنان ليتحول بعد ئذ إلى وسـيط يعكس خبرة ( أناه ) المُنظِّمة لعوالم ( النحن ) والخالية تماماً كما رآها ( سويف ) من الإحساس بآليات ( الأنا ) كذات تجاه الخبرة المكتسبة للإطار كونه المرجع الظاهري للعملية الإبداعية .
لا شك أن المعايير التجريبية التي اشتغل على استنتاجيتها ( ســــــويف ) وتوهم / Phantasy / مفهومة ( الإطار ) كمرجع تعود إليه العملية الإبداعية برمتها قد أسهم بشكل من الأشكال إلى فتح الأبواب التي تحاكي وتحاكم في الآن ذاته وتؤسس لمفهومية مناهجية تشاكل / Homology / أغرض ( اللاشعور الذاتي ) للفنان أو المبدع من الوجهة الإنسانية ذلك من جهة , ومن الأخرى فهي ستذهب أيضاً إلى إحكام إغلاق كل الأبواب المؤدية إلى طبقات اللاشعور باستثناء بوابة واحدة اختزلتها تجربة ( سويف ) النقدية ظنناً منه أن الإكتساب هو الشكل الأرقى لماهية السرد أو الإنفعال والذي سيؤدي حسب رأيه إلى اكتشاف ماهية مبعث الإبداع بمختلف أجناسه .
لذا فهو لم يخبئ جهداً في سياق بحوثه التنظيرية من تلميع وتسويق مفهومة ا حتلال ( النحن ) لخصوصية ( أ نا ) الفنان التي تمتاز بالفردية غير ملتفت إلى التراكم الهائل الذي يضج به اللاشعور في طبقاته الأولية والذي يشكل الدوافع الأولى لتخليق العملية الإبداعية .
أما تجربة ( عز الدين إسماعيل ) فهي في ظننا التجربة الأكثر عمقاً في تناول موضوعة منهج التحليل النفسي وعلاقته بالفن عموماً حيث أكد على مفاهيم جديدة ومختلفة كما جاء في كتابة المرسوم بـ ( التفسير النفسي للأدب )(10).
والذي احتوى على فصول عديدة من أهمــــــها ما يتعلق بمسألة ( العصاب ) / Neurosis / وعلاقته بالفنان من جهة, ومن الأخرى تضمينه للكثير من المعطيات الاشكالية في فهم العملية الإبداعية وتوصيفه أيضاً لإجرائية / operations / الأسئلة الكلية لقواعد اللعبة ( البسكولوجية ) وماهية ثوابتها الأساسية في عمليات الجهاز النفــــــسي / Appareille psychigue / ومتتالياته السـلوكية / Behaviourism / ناظراً إلى الكثير من المفاصل المؤسسة لعمـلية الإبداع ومرجعياته النفـسية كعملية تقوم علــــى ( رد الفعل الانعكاسي ) الذي يعيد للفنان العصابي / Neurotic / توازنه التكيفي عبر سـلوكات لاواعية / The, unconscious / يتمظهر فيها التمثيل (الكاريزمي ) لحالة الأنا الخارجة عن مألوف قوانين ( النحن) .
لكن قبل الدخول في عملية تفحص القيم والقوانين النفسية التي أ نتجها كتاب ( التفسير النفسي للأدب ) لا بد لنا من أن نميز بين متناقضتين في جملة الأسئلة الكبيرة التي طرحها (عز الدين إسماعيل ) والتي بقيت عائمة في إطار البحث عن أجوبة لها .
فهو يرى أن مشكلة الفنان وعلائقه بمفهومة ( العصاب ) كحالة سريرية / Clinical / ليست بالضرورة المعيار الأساسي في الدوافع الإبداعية وأنه ليس كما أكد ( ترلنج ) بأ نه ما دام الفنان عصابياً فان محتوى عمله عصابي كذلك )(11). بل ينظر إلى المسألة أي ( عز الدين إسماعيل ) على أنها اشكالية ولابد من الفصل بين سلوك الفنان ومنتجه مؤكداً علـــى أنه
( حتى عندما يكون الفنان عصابياً لا يكون لعصابه أي دخل في قدرته على الإبداع الفني لأنه حين يبدع يكون في حالة من الصحة واليقظة النفـــسية الواعية بكل ما في الواقع من حقيقته )(12).
من هنا نجد حقيقة الاختلاف مع ( ترلنج ) بالرغم من أ ن التصورين اللذين أبداهما كل مـن ( عز الدين إسماعيل وترلنج ) قابلين للحوار .
لكن المفارقة المدهشة التي ذهب إلى الظن بها ( عز الدين إسماعيل ) هي تصوره التحـليلي / Analysis / لماهية العلاقة القائمة بين ( ديستوفوسكي ) كمؤلف ، وشخصياته وفق الاشارية المرجعية لرواية ( الأخوة ـ كرامازوف ) والتي تؤكد سطحية التحليل وضعف دقة التصّور في استنتاج البعد البسكولوجي حين الاشتغال على الإنجاز الذي ظل يعاني
من الوهن وتباين المقاربة التنظيرية الانجازية دون أن ينفك عن الخلط ما بين قســمة
أ نوا ت المؤلف / Egos/ مؤكداً على أنه ( قد صار من الواضح الآن بعد أن تعرفنا على المكونات النفسية لأفراد أسرة كارامازوف كيف أن هذه الشخصيات كانت تجسيماً درامياً لجوانب نفس ( ديستوفوسكي ) وكيف أنها تعبيراً عن خبرته ومدركاته وموقفه من قضايا الإنسان )(13).
واللافت هنا أن أغلب أعمال ( ديستوفوسكي ) هي مقروء من التوتر / Tension / والقلق وهي شخصيات تحليلية لمناظير العقد النفسية وإن تصورها وفق النمط الإنجازي الذي ذهب إليه (عز الدين إسماعيل ) تصور يعاني من ضعف في الرؤية / Vision / الجوانية للنص ومن غياب للتأمل الذي يستند إلى معايير محددة أما المسألة التي اتضح من خلالها تعويم مفهومات التنظير وتقلبات الإنجاز وتغيراته هي رفض عزالدين إسماعيل لرؤية ترلنج في فهمه لعصابية الفنان وقبوله لها في الآن ذاته حين يقول :
( حتى حين يكون الفنان عصابياً )(14).
لكن الإشكالية الكبرى في مرجعية المعايير البسكولوجية عند ( عز الدين إسماعيل ) وعلاقة تلك المعايير بمنهج التحليل النفسي, تتمظهر بجلاء تام في فصل ( مشكلة الفنان ) من كتابه (التفسير النفسي للأدب) ذلك التناول الصادم في استنتاجاته وخلاصاته/ Summaries / حين يقول : (من كل ما مضى يتضح لنا أننا نستطيع من خلال الدراسات النفسية والتحليل النفسي أن نعرف الشيء الكثير عن الفنان وإن لم نتمكن من معرفة كل شيء ، وقد رأينا أنه يمتلك قدرة فائقة كانت تفسر قديماً في ضوء فكرة الإلهام ثم فسرت على أساس مرضي وكلا التفسيرين قد صار مرفوضاً في وقتنا الحاضر ، وهي تفسر حديثاً في أبحاث الذكاء والتوافق الاجتماعي)(15).
من هنا نجد أن الكثير من المعايير والقيم النقدية التي خلص إليها ( عز الدين إسماعيل ) قد عانت من تقلبات لافتة ، ففي الوقت الذي يعارض فيه كتابه ( التفسير النفسي للأدب ) عصابيـة الفنان حسـب ( ترلنج ) فانه يوافقها ويشتغل إ نجازاً عليها .
أما أن تتحول العملية برمتها إلى شكل من أشكال الذ كاء/ Intelligence / والتوافق الاجتماعي فهذا يدل بصورة جلية على تقلب وتبدل المعايير النقدية وانتقائيتها والغياب الواضح والصادم للمتتاليات المناهجية للتحليل النفسي عند ( عز الدين إسماعيل ) وكذلك هي نسف لمقومات ذلك المنهج وآليات مناجزته للنصوص الأدبية مؤكداً علـــى أن
( القصة النفسية التي تكتفي بذاتها والتي لا تحتاج إلى تفسير لا يمكن أن تدخل الميدان الادبي ولا يمكن النظر إليها بوصفها عملاً فنياً )(16).
وبذا يغد و النظر إلى مشــكلة الفنان والخلافــية /adjecto Contradictioin / القائمة على عصابـيته / Neuroticism / أو غيابها مسألة اشكالية أرهقت نتائج الإنجاز على حساب التنظير الذي يستمد منه الناقد قيمة النص الإبداعي وأدوات الكشف عما وراءه أما تجنيس القصة أو العمل الإبداعي ذو السياقات النفسية أو طرده إلى خارج أجناس الفن فتلك مسألة لا بد أن نتوقف قليلاً عند التناقض الذي وقع فيه ( عز الدين إسماعيل ) مجدداً وكما هي كل مرة ينزلق بسبب عدم تأمل انتقاله من معيار إلى آخر وغياب ثبات جهة التعامل مع النص الإبداعي .
ففي الوقت الذي يقرر فيه إخراج العمل الإبداعي ذو القيمة البسكولوجية من دائرة الأجناس الإبداعية يذهب شوطاً طويلاً في تحليل قصته (السراب) لنجيب محفوظ ويحدد القيمة التحليلــــــية / Analysis / لها قا ئلاً : ( ورغم ما هو معروف عن أنها قصة نفسية قبل أي شيء وأن التفسير النفسي لها يزيد عن فهمنا لها ويكشف لنا عما وراء ما تعرضه لنا من ظواهر )(17).
من هنا تتظهر المباينة والإرجاء والتقلب وغياب ثوابت معايير منهج التحليل النفسي ومناجزة النصوص عند (عز الدين إسماعيل ) الذي لو أخذنا بمعاييره لأخرجنا الكثير من الأعمال الإبداعية الخالدة من اللوح المحفوظ عارية من جلدها وجنسها إلى جنس وجلد آخرين تصعب فيه التسمية والانتماء .
لكن وبالرغم من الخــــــــلط الزائد وابتسار الآراء والشواهد وغياب التناغم / Syntonia / المنهجي في كتاب ( التفسير النفسي للأدب ) وكذلك ما عاناه من افتعال الكتل / Masses/ التنظيرية والحشو والمبالغة إلا أنه يظل لبنة لافتة وهامة في إطار المراجع الكلاسيكية التي اشتغلت على منهج التحليل النفسي والأدب في التطبيق المناجزة النــقدية العربية .
لاشك بأن فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين المنصرم فترة حاسمة وهامة في إطار تظهير منهج التحليل النفسي وعلاقته بالفن فقد ساهمت الكثير من الترجمات إلى العربية من مصادر مختلفةإلى إنضاج إ ستلها م ذ لك المنهج والأخذ كذلك بالكثير من الآراء والاجتهادات البسكولوجية التي ناجرت في تأكيد حضور ذلك المنهج من خلال من خلال البحوث الهامة التي اشتغلت عليه في المشهد النقدي العربي .
لكن القضية الأساسية التي جعلت من منهج التحليل النفسي / Psycho analysis / منهج له قيمة وحضور نقدي يمكن التعامل معهما ومناجرتهما على نصوص إبداعية عربية, فهي دون أدنى شك البحوث النقدية النفسـا نية /Psycho critic / للباحث والناقد العربي ( جورج طرابيشي )(18).
والذي كان مختلفاً وظل مختلفاً في رؤاه ومنحاه في التحليل والتأويل منتجاً لكم هائل من المؤلفات التي تنوعت بين الترجمات والبحوث مما جعله علامة هامة ومؤثرة في تظهير منهج التحليل النفسي عبر إقامته العلاقة العلمية التي لها مرجعيتها النظرية مع الفن والأدب معتمداً على تنوع الآراء والاجتهادات المعاصرة آخذاً بعين الاعتبار الأســـس الموضوعية / Objectivity / لبناء تلك العلاقة ودفعها نحو أفق من التجاذب المحقق لمعادل التنامي بين النص المبحوث نفسياً والبنية المناهجية للتحليل النفسي كأداة للكشف عن البنى العميقية للاواعية النص والأوجه المتعددة لمعاينة / Polysemous, meanings / غير المستقرة بالرغم من ميله الشديد إلى المعجم الفرويدي .
مدخل .....
تأملات أولية في التحليل النفسي للأدب والفن
لا مندوحة من التأكيد على أن الشرارة الأولى كانت للمعلم الأول ( سيموند فرويد ) وشغله الشهير على رواية ( كراديفيا جنسن ) في كتابه ( الهذيان والأحلام )(19). والذي أحلّ سياقاً جديداً أنضج من خلاله آلية / Mechanism / متعددة الأغراض والأهداف تسعى في اشتغالها على إشادة عمارة مليئة بالمتاهات والأسئلة التي تبحث في ماهية / Eidetic / الفن والأدب استناداً إلى منهج معقد وصارم يدعى التحليل النفسي .
لقد كان عام "1907" عام تحولات هامة في علم النفس والتحليل النفسي للأدب وذلك من خلال مقاربة نصوص أدبية بعينها واخضاعها لأدوات تلامس جوانية / Latent / تلك النصوص وعلائق مبعثها .
وذلك ما حقق ( للفرويدية ) فتحاً جديداً دعاها إلى الخروج من العيادة الــــسريرية / Clinical / إلى حفريات المخيلة البشرية وأحلامها والتي رأى فيها فرويد حقلاً خصباً لتأمل أكثر تجريباً وانفتاحاً وكذلك نقلة أكثر حدساً / Intuition / وتشوفاً مما كان قد أحدثه مؤلفه الشهير ( تفسير الأحلام )(20) .الصادر عام 1900 م والذي يعد بحق من الكلاسيكيات الفرويدية الهامة والمرجعية .
ولأهمية ( كراديفيا )(21) الرواية التي شكلت عبر اجرائية / Operationism / الاشتغال عليها مفتاحاً ذهبياً للفرويدية وحضوراً أولياً لإنشاء العلاقة الحميمة بين نظرية التحليل النفسي والفن والتي لم تكن أصلاً في أجندة ( فرويد ) وتطلعاته كمشروع للاحتكاك بالفن كطاقة غامضة / Ambiguity / يجوز عليه ما يجوز على غيره من العلوم الإنسانية .
لكن التأكيد اللافت الذي أبداه فرويد في الهذيان والأحلام ( بأن الكاتب الذي كرس نفسه منذ عام / 1893 / لدراسة تكون الاضطرابات النفسية لم يكن ليدور في خلده أبداً أن يبحث عن تأكيد لنتائجه لدى الروائيين والشعراء )(22).
من هنا نلمس المكانة العالية والسامية لتأكيد فرويد على أهمية دور الفن كمرجـــعية / Referential / للكثير من العلوم والكشوفات التي كرس نفسه من أجلها وبذا يكون(فرويد ) قد حقق قصب السبق في الاقتراب من النقطة العمياء التي حامت حولها الكثير من المعارف الانسانية دون ان تحقق إدهاشاً أو كشفاً في ملامسة حقيقتها التي مازالت محصنة بغامض أكثر من الغموض ومتاهة من الأسئلة التي لم تجد لها جواباً بعد, وذلك ما دعى ( فرويد ) للقول :
( إن الشعراء والروائيين حلفاء موثوقون وينبغي أن تثمن شهادتهم عاليا ، لأنهم يعرفون أشياء كثيرة ما بين السماء والأرض وليس بمقدور حكمتنا المدرسية أن تحلم بها ، أنهم أساتذتنا في معرفة النفس )(23).
لكن أشد الدوافع اشكالية / c Problemati / تلك التي جعلت ( فرويد ) يذهب شـوطاً تحليلياً في رواية ( كراديفيا ) هي كثافة الأحلام فيها إذ كان ينتقل من حلم إلى آخر, محاولاً جمع شتاتها ليؤكد حضور مفهومه الجديد عن تأويل الحلم في المخيلة البشرية وإسقاطاته المرضية التي يراها تحقيقاً لرغبة مكبوته لدى الحالم في الرواية كشخصية لها سلوكاتها النفسية وليس البتة كما هو الحال عند المؤلف كحالم يعبر عن حلمه .
أما المسألة التي حملت الكثير من المفارقات الهامة أن ( فرويد ) بعد اكتشافه باعثة اللاوعي في رواية ( كراديفيا ) من خلال سبر وتحليل منظومة الأحلام المتناوبة فيها غدا غير منفك عن إعادة دمج تلك الأحلام في النسيج الأساسي للنص ناظراً إليها كمعيار أساسي وهام يتم من خلاله تحديد أسس مبدأ تأويل الحلم استناداً إلى المصائر النفســــية للبــطل
/ Hero / والشخصيات المحيطة به مؤكداً بذلك ومن جديد على أهمية الشخصيات Perosnalities/ /النصية ، وأن ما تم اكتشافه في كراديفيا من أحلام ونكوصات / Regression / يعود إلى شخصيات النص وحيواتهم قائلاً : ( لا بد أن قراءنا دهشوا لرؤيتنا نعالج نور برها نولد وزويا بيرتغانغ في جميع ضروب التعبير عن حياتهما النفسية وعن أعمالهما وتصرفاتهما كما لو كانا شخصين حقيقيين ، وليسا مخلوقين من إبداع القاص )(24).
من هنا نلمس أهمية بالغة في النظر إلى ما قام به ( فرويد ) من تحليلات على النص الروائي مؤثراً عدم الإلماح أو الإشارة إلى الروائي ( جنسن ) وعلاقته الـــسيرية
/ Autobiography / بشخصيات ( كراديفيا ) معتبراً أن الروائي قد أدى رسائله الغامضة عبر تخيل مركب لشخصيات لبوسها الحلم وفاقاً لضروب من التعبير .
لكن وبعد سنوات من القبض على باعثين اللاوعي التي اكتشف معادلها ( فرويد ) فـي ( كراديفيا ) يقرر وبصورة صادمة وانقلابية ( أن التحليل النفسي يسعى إلى معرفة خلفية الانطباعات والذكريات الشخصية / Autobiography / التي استند إليها الكاتب لبناء عمله ، وهذا يعني أننا ننتقل من النص إلى السيرة الذاتية ومن الشخصية إلى الكاتب )(25).
لا شك أن تحول فرويد إلى تتبع مصائر الشخصيات في العمل الفني كمرجعية لاكتشاف لاوعي المؤلف في إطارها السيري قد أحدث انزياحاً كبيراً في منهج التحليل النفسي والأدب الذي سعى إليه فرويد منذ البداية ، وبدلاً من أن يكون للعمل الفني ( لاوعيه الخاص ) صار العمل الفني يخضع إلى معيار جديد يقوم على انقسام ( أنا الكاتب إلى أنوات / Egoism / جزئية فمختلف الأبطال يجسدون اتجاهات الحياة النفسية المختلفة للروائي )(26).
وبالرغم من أن منهج التحليل النفسي الوليد على يدي ( فرويد ) قد أعطى فرصة كبيرة للخروج من قوقعة العلم الذي نشأ أصلاً في حقل الأمراض الذهانية / Psychosis / والممارسة السريرية وكذلك التأثير البالغ الذي أحدثته الإنزياحات الكبرى عن المسار البدئي في ( كراديفيا ) قد أوقع انقلاباً هاماً في المشهد النقدي للأدب والفن واتجاهاته /Approaches / العالمية .
لقد كانت أولى المشاهد المثيرة واللافتة في السياق النقدي في أوربا وأمريكا أن إصدارات كثيرة كرست إنحراف مسار الفرويدية بعد ( كراديفيا ) ومن أهمها صدور كتاب فرويد نفسه ( التحليل النفسي للفن )(27). الذي ناجز فيه انحرافه عن المسار الذي وضع أسسه هو بتحليل شخصيّتي ( ليوناردو دافينشي وديستوفوسكي ) متتبعاً سيرتيهما الذاتية عبر تنقيب لافت أحدث خلخلة تجلت في الإفتتان السهل لمجاراة إنقلابيته ، حيث صدرت من بعده مؤلفات عديدة من أهمها :
( شارل مورون ـ التحليل النفسي لمالارميه وماري بونابرت عن ادغار آلن بو وكذلك فشل بودلير, للافورغ وتنظيرات سارة كوفمان عن طفولة الفن ثم شباب أندريه جيد لجان دولاي ، وهولدرلين ومسألة الأب لجان لابلانش)(28).
وكذلك الكثير من المؤلفات التي عنيت بتأكيد هذا الشأن الذي شكّل في ماهيته التحليلية الاتجاه المختلف أو المرحلة التي تم فيها تراجع ( المعلم الأول فرويد ) عن الأسس التي وضعها في ( كراديفيا ) فقد آثرت تلك المؤلفات الــــسابقة على تأكيد وضع اليد على البواعث اللاواعية لعملية الإبداع وتمتين الرا بط المقد س أيضاً بين فعل الإبداع ولاوعي المؤلف .
واللافت هنا أن فرويد وقبل أن يصدر كتابه ( التحليل النفسي للفن ). كان قد كتب مقالاً في مجلة ( ايماغو Imago ) الصادرة في فيينا والتي أسسها ( أتورانك ) وكان بعنوان (الخارق للطبيعة) (29) عام 1919 والذي أ بدا من خلاله كثيراً من الاستسهال في إ خضاع أي مشكل جمالي للتحليل النفسي معتدّاً بمقولته الشهيرة ( على التحليل النفسي أن يلقي بأسلحته أمام مشكلة الفنان الخالق )(30) واضعاً من خلال ذلك أ ســــساً لحدود الاشتغال على الأدب والفن محكماً إغلاق بوابة النفوذ إلى الغامــض / Ambiguity / في ما وراء النص ومؤكداً في الآن ذاته على أن سيرة النص او العمل الفني هي بالضرورة سيرة الفنان المكتسبة والذاكرية / Memory / .
تلك هي أهم المفاصل الأساسية لبواعث اللاوعي التي وضع أسسها ( فرويد ) والتي كانت المُشكّل والدافع / Motive / الحقيقي لتنظيرات تلميذه المهم ( كارل يونع )(***) من بعده .
مما لا شك فيه أن مشكلة الفنان الخالق / Textuality / تعد من المسائل الغامضة ، وأن التحليل النفسي وتطبيق مفهوماته على الأدب والفن إنما هي نضال مرير يدار ضد كشف الأقنعة التي تحجب المعنى الخفي والمتعدد / Pluralistic / ( للاوعي الجمعي )(31)
/ Collective unconscious / كقاع أوالي يحتوي على تاريخ الكبت / Repression / الإنساني ( ولأن ليس للمكبوت تاريخ ( اللاشعور خارج الزمن ) ؛ فإن الكبت هو الذي له تاريخ ، إنه تاريخ : تاريخ الإنسان من الطفولة إلى الرشد وتاريخ من . . . ما قبل التاريخ إلى التاريخ ؛ فإلى إنزياح مجموعة المباحث يضاف أيضاً إنزياح طرائقي : ينبغي الآن للتفسير أن يمر بتكوين أنماط من نوع جديد ، الأنماط التكوينية ومآ لها التنسيق بين تطورين، تطور الفرد وتطور النوع في كنف تاريخ أسا سي وحيد يمكننا أن نسميه تاريخ الرغبة والسلطة )(32), بالمعنى الحقيقي لتاريخ البشرية تاريخ النوع الذي يحمل في ( خافيته ) سلالات المخيال المغرق في القدم.
من هنا نلمس الأبعاد الجديدة التي سعى نحوها ( كارل يونغ )( المتمرد الأول على الأسس التي وضعها ( فرويد ) في التحليل النفسي للفن بعد ( غراديفيا ) لقد استطاع ( يونغ ) بحكمته وتأمله المتفكر أن يعيد النظر ( بباعثة اللاوعي ) الفرويدية ويصوغ تصحيحه الذي اشتهر به وكان نقطة خلاف كبرى مع معلمه ألا وهو ( اللاشعور الجمعي ) أو الخافية التي أعادت الاعتبار لمكانة الفن والسلوك الإنساني .
لذا فإننا ننظر إلى الخافية كمعيار / Norms / حســب الإصلاح اليونغي , على أنها اللازمة / Leitmotiv / كالظلال لسلوك النوع ومفازة فردانيته الخاصة , وكذلك هي التداول المرتقب لسلطة الرغبة وحرية الانتماء إلى الواحد المتعدد في سلالم التعبير عن مرغوب / Desire / آثر أن يبني مجده الغامض طويلاً في أعشاش ( الخافية ) إمتهمت بدورها الارثي تذكر الكلي المنسي عبر تجليات المخيال / Phantasy / البارع في الدهشة والإدهاش والغامض العصي لالية الخلق المبدع وسلالات تذكره .
وبذلك يكون ( يونغ ) قد أحدث الوقفة الهامة لخلخلة الثوابت الكلاسيكية ( للاشعور ) /unconscious / وأشاع تفكراً مختلفاً عن الفرويدية بما يخص مرجعية الإبداع الفني إذ أعاده عبر الخافية إلى نوعه الجمعي المتخيل واشراقته المتشوفة لنسيانها السري من قبل اكتسابها ومن بعده .
لكن دعونا نتسائل ما الخافية . . / Unconscious the/ :
حسب يونغ : ( تنطوي على إ رث يمدنا بمعرفة لا حدود لها حين تصير في الواعية )(33).
فهي الطريق الذي يؤدي إلى المملكة الجليلة مملكة الميراث الهائل والتي ( تحوي جميع أنماط الحياة والسلوك الموروثة عن الأسلاف ، حتى أن كل طفل بشري وهو في مرحلة ما قبل الوعي مجهز بنظام كامن / موجود بالقوة / من الوظائف النفسية المتكيفة )(34).
وعلى حد تعبير ( يونغ ) فإن الكامن / Potential / والموجود بالقوة ما هو إلا السلوك أو التعبير غير المكتسب والذي يعد أحد أهم الوظائف النفسية الموروثة بالطبيعة البشرية لذا فإن ( من أفداح الأخطاء أن ننظر إلى الخافية على أنها ناشئة من الواعية )(35).
أماالأنماط الأولية/Mechanism/لحضورها كجهازنفس/ Appareille,psychigue / موروث فلـها خصوصيها التي ( تد رك وتقصد وتحـد س وتشعر وتفكر تماماً مثلما يدرك العقل الواعي )(36).
وذلك يعود لمائزتها وخصوصيتها / Singularism / عن مختلف المفاعيل النفسية فهي ( ليست مركزة ولا مكثفة بل يطويها الظلام وهي واسعة جداً وتستطيع أن تجمع مخزوناً هائلاً من عوامل الوراثة المتراكمة التي خلفها الجيل إلى الجيل الذي يليه )(37).
وهي في هذا الإطار تخالف الواعية / Consiousness / إلى حد التباين في المائزة فــهي أي الواعية ( مكثفة ومركز لكنها زائلة وهي تتوجه نحو الحاضر المباشر والميادين المباشرة للانتباه )(38) .
وبذا تصبح أنماط الخافية أنماطاً ( جينية ) / Gen / لها تواتر طباع السلالات البشرية فهي تولد مع الإنسان وتحمل موروث خبرته الجمعية القابلة لمركمة المزيد وقت تعاملها مع الخبرة الفردية المباشرة التي لا تتجاوز حياتها بضعة عقود من السنوات .
ولكي نحدد بشكل أكثر دقة وموضوعية ماهية / Eidetic / الخافية وأبعادها ضمن الأجندة التحليلية للجهاز النفسي ( أمكننا القول أنها كائن بشري كلي يضم خصائص كلا الجنسين ، فوق الشباب والشيخوخة وفوق الولادة والموت وتحت إمرته خبرة بشرية عمرها مليون أو مليونان من السنين لذلك هو كائن شبه خالد )(39).
من هنا نلمس مفارقة الميراث الأزلي لميكانيزم الخافية أو اللاشعور الجمعي لنتعرف أكثر على طبائعها وسعة خصائصها كحمالة لفطنة الخلق / Creation / والتخليق ولأن ( الموجود الإنساني يحوزعلى كثير من الأشياء التي يكتسبها أبداً بنفسه ولكنه ورثها عن جدوده القدماء . إنه لا يولد لوحة بيضاء ولكنه يولد في حالة من اللاشعور فقط ويحمل الإنسان عند ولادته مخطط وجوده مخططه الأساسي لا مخطط طبيعته الفردية فحسب ، بل مخطط طبيعته الجمعية أيضاً )(40) .


رد مع اقتباس
أ صا بتني الدهشة للملا حظات التي أ بدتها بعض شخصيا تي ويبدو كأن قوة خفية كا نت تحرك القلم فا لشخصية تتصر ف وتقول شيئاً ما , وأني لأ تساءل كيف تأ تي لها بحق الشيطان أ ن تفكر في ذلك )(61 ).


المفضلات