كان هاني متفائلا جدا ايام دراسته للجامعة حيث درس علم الأجتماع وكان من المتميزين فيه ، شجعه علي هذا التميز حبه للناس وخدمتهم ، ظن هاني انه سيتعين بوزارة الرعاية الأجتماعية فور تخرجه و لكنه صدم فالمحسوبية حالت دون تحقيق ذلك الحلم.
لم يركن او يستسلم هاني للعطاله، فضل ان يعمل في مجاله حتي ولو لم يدفع له اجر وحتي لا ينسي ما تعلمه في الجامعة، بكل الحماس قرر ان يقوم بجولة ميدانية يزور خلالها عدد من القري ليتفقد خلال جولته الأحوال المعيشية للأطفال والعجزة ويجري دراسة حول هذا الموضوع.
حزم متاعه و توجه الي اقرب موقف مواصلات متجها ناحية الصعيد حيث حدد ثلاثة قري لأجراء الدراسة، كان متفائلا بأن دراسته ستكون ذات فائدة عظيمة و يمكن ان تساعد في حلحلة الكثير من المشكلات.
ركب حافلة نوع (نيسان) لم تكن الحافلة قد امتلئت ، اخرج دفتره و شرع في الكتابة ايذانا ببداية الرحلة لم يكن يريد ان يترك شاردة ولا واردة الا ويسجلها ، ربع ساعة فقط واقبل شخصا معه ( تيسين اقرنين ) شرع في حملهما الي داخل الحافلة ، بدت الدهشة في عيني هاني حين بدي الأمر عاديا لدي بقية الركاب الذين يشاهدون منظر دخول التيسين بأم اعينهم.
ظن هاني ان الرجل يريد ان يترك التيسين لبرهة وجيزة حتي يقضي امرا ثم يعود لأخذ تيوسه وينطلق لكن الأمر تغير حين اتت امرأة بمجموعة من الدجاج الفيومي ودخلت بها الي البص ، بينما الأمر كذلك اقبل صاحب التيوس حاملا معه بعض الحبال الخاصة بتجليد العناقريب، ادخلها تحت الكرسي الذي جلس عليه ثم جر التيسين وضماهما الي صدره بكل حنية مفسحا المجال لشخص يريد ان يمر الي مقعده.
ايقن هاني انه سيسافر برفقة تلك الحيوانات الأليفة ، اكتفي فقط بتسجيل ملاحظة .
ما ان انطلقت الحافلة وتغير اتجاه الريح حتي شم هاني رائحة غير محببه ، اخرج منديله المطرز ووضعه علي انفه لكن لم يفده ذلك التصرف فالرائحة كانت اقوي من سقف توقعاته.
كانت هي المرة الأولي التي يشم فيها هاني رائحة تيس صريحة وواضحة لم يكن يتخيلها بهذا السوء .
ادخل السائق شريطا غنائيا لفنان يستعمل آلة (المنتدلين) كان الشريط سيئا لدرجة الأزعاج هذا بالأضافة الي ان الوقت لم يكن مناسبا لسماع تلك الأغاني الهابطه ، بدأ ت التيوس بأصدار اصواتها المميزة بينما كان الدجاج هادئا نوعا ما .
اشعل السائق سيجارة (برنجي ) الشئ الذي زاد الحال سوءا .. تحدث هاني لنفسه قائلا ( لن تثنيني تلك المضاعفات عن المواصلة).
ظهرا وصلت الحافلة الي مستقرها ، علم ما تبقي من الركاب ان هاني يقصد ديارهم ،رحبوا به ترحابا شديدا ودعوه الي منازلهم استجاب هاني لأحدهم ونزل معه بالبيت ، دخل الي حوش الرجال ووضع متاعه في ديوان كبير اعد خصيصا من اجل راحة واستجمام الضيوف .
كان بالبيت عدد من الأطفال يتناولون وجبة الغداء مع جدهم ، لاحظ هاني ان الجد يصب بعض الماء من ابريق مصنوع من مادة (التوتيا) علي يده اليسري لتتوزع علي صحن به (كسرة بملاح) ومن ثم بدأ في عجنها لهم بكل حنية!!!
لم يتمالك هاني نفسه وتوجه للجد و باغته بسؤال هل تدخل بهذا الأبريق الي الحمام ، قال الجد نعم !! كيف اذن تصب من هذا الماء المتسخ في طعام الأطفال وبيدك اليسري ، قال الجد انت داير تعلمنا كيف ناكل ولا شنو؟
بكي هاني لما شاهد ... واوقف الدراسه عند هذا الحد موقنا ان الطفولة في وطنه ضائعة ..كسيرة .. كسيحة وان الأمر اسوأ مما كان يتصور.


رد مع اقتباس


المفضلات