جلس ابو حوة في الصالة امام باب محل علي بياع الدقيق لم يستطيع ان يغادر المحل لانه شلته الدهشة . بعد ان كان يتلقى الصدقه حفنة من الهلالات والعملات المعدنية من افضل المتصدقين .. ها هو الان امام رزمة من الاموال لم يلمس مثلها في حياته بل لم يلمس ورقه منها الا نادرا .. عندما ياخذ الفكة المتراكمة لديه ويستبدلها بعملة ورقيه في موقف المواصلات العامه ... وهذا كان المشوار الوحيد الذي يدعه يخرج من صالته على مدى كل اسبوع او اكثر ... اذا هذه الرزمة لو اراد ان يجمع مثلها من المعادن فهو حتما سيحتاج لعربة لحملها ...لكن هذا هو ليس الهم الان انما الهم هو ما الذي يمكن ان يفعله بهذا المبلغ .. شعر ابو حوة بانه حدث عنده فصام في الشخصية ,, بل تربع على راسه شخصان مختلفان احدهما يقترح والثاني ينتقد ويستبعد الفكره بمنطق مقنع ودات الافكار كالتالي .
- لماذا لا يشتري بيتا ويعيش مثل خلق الله
-اكيد ميلغ كهذا لن يصل للدرجة التي يشتري بها بيت الا بعيدا وفي السكن العشوائي غالبا .. ويصبح المشكلة في المواصلات وحتى يصل محل عمله ضاع نصف اليوم ... اما بيت في الاماكن القريبة اكيد سيحتاج الى اضعاف هذا المبلغ ، صحيح ان المبلغ كبير ولكن عليه هو فقط لانه قاسه بما يقاسي منه يوميا ... اما عند مثل هؤلاء اكيد يكفي لمصاريف وجبة واحدة فقط .
-طيب لماذا لا يشتري ملابس جديدة ويذهب الى المسجد ويستحمم ويغير من خلقته التي تراكمت عليها الاوساخ بالسنين ويعطي الطفيليلات التي تعيش عليه وتتقاسم معه الحياة اجازة مفتوحة بدون راتب مره واحده في حياتها.
-لكن اذا نظف نفسه وغير هيئته فقد مهنته لان الناس اعتادوا الا ياتوا صدقاتهم لمن هم انظف منهم .. وكم مره لاحظ لبعض الشحاذين النظاف كيف يصفعون بعبارات مثل ( يا خي ما تروح تشتغل .. هسع انت لو فرشت طماطم ما كان احسن ليك ... تلاقي عنده فلوس اكثر منا ويشحذنا روح يا خي ... حقيقة الاستحوا ماتوا ) اذا فكرة الحمام والملابس النظيفة مستبعده خالص ما دام فيها فقدان وظيفة اذا عيشي يا طفيليات في سلام سوف لن ياتيك الحمام .
-طيب لماذا لا يذهب ويدخل افخم مطعم ويشتري اشهى الاكلات التي طالما سمع بها واشتم رائحتها وهو يمر قرب هذه المطاعم .. اذا لماذا لا يروح مره مرتين وينهل من هذا النعيم وجبات تسنده دهرا من الزمن .
- هذه الفكره مستبعده لان اصحاب وعاملي هذه المطاعم لن يسمحوا له بالدخول طالما هيئته بهذه الصورة الوسخة والقبيحة .
-لماذا لا يبدا حياة تجارية بحيث يشتري ملابس جاهزة او ادوات كهربائية ويفرشها في البرنده مثل باقي الناس الذين يراهم ويبيع ويشتري بدلا من حياة الشحذه المذله هذه..
- هذه ابعد فكره واحمق الفكرات.. لانه ليس لديه ادنى فكرة عن الشئ الذي يبيعه الفراشون من اين يشتروه ولمن يبيعوه وما هو .. مثلا الادوات الكهربائية هو حتى لو عرف مكان شراؤها هو لا يعرف فيما تستخدم ولم يشاهدها قط وهو قضى معظم حياته في صالات السوق. اما الاحذية والملابس .. حتى لو عرف مكان مورديها .. هذه البضائع ستشكل عبئا اضافيا عليه لانها تحتاج لحراسه ... غير انها ستطمع فيه زوار الليل من امثال ابو دومه .. هؤلاء اللصوص والذين طالما شاهدهم في انصاف الليالي اما يكسرون في محل ما او يضربون رجل حتى الموت .. وهو تكتم عليهم بل في بعض الاحيان يدعي النوم حتى لايعرض حياته للخطر ... اذا عملية التجارة حد الله بينه وبينها مع امثال هؤلاء.
-لم يبقى سوى الفكره الاخيرة والتي قدمها له الرجل المتصدق . وهو ان يحتفظ بالمال وياخذ اجازة من الشحذه فتره طويلة ويصرف على نفسه من هذا المبلغ ...
- هذه الفكرة مستبعدة ايضا لانه لو ترك المكان الذي يشحذ فيه ربما اتى احد الشحاذين من مكان اخر واحتل منه الدائره الجغرافية التي يشحذ فيها .. اما اذا ظل جالسا في نفس المكان دون ان يلف لفته المعهودة سيلفت اليه الانظار وسيعرف الناس انه له مبلغ كبير من المال .. وربما تسرب الخبر الى زوار الليل وعرض حياته للخطر ... اذا فكرة الاحتفاظ بالمال ايضا فكرة سيئة بل خطرة على حياته ... ولكن كيف لو احتفظ بالمبلغ في البنك كما يفعل سائر الناس عادة .. فكرة البنك اشبه بفكرة الاكل في المطعم الفخم لان اصحاب البنك لن يسمحوا له بالدخول ... ربما سمحوا له في المره الاولى عندما يشاهدوا المال .. ولكن المره الثانية لن يسمحوا له لانه لن يكن معه مال ,اذا سيصادر البنك المبلغ ويتنكر له بعد ذلك ...
جلس ابو حوة وزفر زفرة طويلة اعقبتها اهات ولم يهتدي ولم يجد امامه سوى مخرج واحد وقام بتنفيذه فورا .. وقف ابوحوة واخذ المبلغ وسحب منه ورقه واحدة من فئة الاف جنيه وتحت دهشة علي وضيفه وضع باقي المبلغ في الطاولة امامهم وخرج وهو يكرر نداؤه المعهود
كرررررررررررامه لله
***************************
عاقل ولا ما عاقل
المفضلات