قناة ساهور .. الفوضى التي تكدر صفاء مديح المصطفى صلعم
نعم أكثرنا مع تعدد وسائط ووسائل النشر مقروءة .. مسموعة .. ومرئية، لكن أن يكون التعدد منفلتا وغير مقنن وغير قائم على أفكار واضحة وأهداف طموحة .. فذلك ما نرفضه ونعارضه بالصوت الواضح والمعلوم ، فالتفلُّت في إطلاق وسائل ووسائط الإعلام على علاتها نتاجه الفوضى العارمة وطوفان الغث ..
يجول في الخاطر كل ذلك مع متابعة ما تبثه قناة ساهور .. فواضح للعيان انتشار ظاهرة اتجاه المطربين الشباب زرافات زرافات الى أداء المدائح النبوية، ومما لفت نظري على سبيل المثال الأخ معتز صباحي .. وهو يؤدي مدائح على ألحان ومقامات خليجية وبطريقة تدعو للضيق والقرف .. فهو تارة يخنق بعض الحروف ويهصر بعضها الآخر تارة أخرى مما يجعله يبدو مثل مطحنة وعصارة في آن واحد .. والغريب الأغرب هو ارتداء هؤلاء الشباب ملابس غريبة عن ملابسنا السودانية وبألوان غريبة من شاكلة التي تجعل الكلب ينبح لمرآها .. منها الأسود والبني ومنها المشقق بألوان متنافرة كما يفعل فرفور الذي ترك الفرفرة حول الملاعب وبيوت الأفراح في العرضة والملازمين ليلج أخيراً سوق المادحين .. سبحان الذي يحي العظيم وهي رميم ,, حتى محمود عبد العزيز تم بعثه على عجل لإدراك السوق .. عشرات المطربين بدأ وكأنهم صحوا من سابع نومة ليجدوا أنفسهم أمام طابونة ساهور.
وإنه لشيء يدعو للعجب والتساؤل كيف فات على فنان مثقف وحصيف مثل عادل مسلم أن يبتعد عن ما هو غير مناسب له .. فليس كل صوت صالح للمديح .. و ليس كل لحن صالح للمديح..
يا جماعة اسمعوا المديح عند أولاد البرعي .. اسمعوه عند أولاد الشيخ أحمد الشايقي .. أولاد الماحي .. أولاد الشيخ أبوعزة .. أسمعوه عند المجاذيب ودراويش التقابة التي لا تنطفئ
المديح هيام وصفاء وبواح ونقاء .. وليس مجرد موضة وعرض أزياء ..
المديح قدرات صوتية وتحكم في المخارج وليس همهمات وعنعنات ..
المديح متواليات تتوالى في فضاءاتها قدرات المؤدي والشيال الأساسي والشيالين الآخرين .. وهي عملية صعبة لكن الله سبحانه وتعالى يسرها على هؤلاء المادحين البسطاء الذين صحوا من نومهم فجأة ليجدوا أن أيام عزهم قد ولت وأن فرص أكل عيشهم مهددة أمام كل هذا الكم الهائل من القوارض والزواحف والمتسلقة.. وأن العولمة قد أفرزت ضمن ما أفرزت مادحين كهربائيين عصريين يمدحون وهم يلوكون اللبان وينفخونه فقاعات فقاعات مثل فقاعات الصابون التي كنا نلعب بها في زماننا الرائع الذي ولى.. وأن العولمة لا تحترم مجالا فهي تكتسح كل أفق بأسمالها البوهيمية وشباشبها الغبشاء الغبراء .. فأصبح مع العولمة أن يشترط المادح الكهربائي قبل أن يؤدي وصلته المدحية سيجارة ماركة أبوحمار تخلي الليل أبيض من النهار..
إن إدارة قناة (ساهور) يجب أن تعالج ما قدمته من عرض تجريبي لتقييم يخضع العرض لمعايير شفافة من أجل استخلاص ناتج رئيس هو (هل ما تقدمه القناة بهذا الشكل العشوائي يخدم الهدف الأساسي وهو مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم) ، وهل (يمدح المصطفى كل إنسان بدون معايير معينة فنية أو أدبية أو أخلاقية ؟) ، وهل (يفي بأهداف القناة أن تتجه للنواحي الكمية لا النوعية في إنتاج أعمالها .( و )ماهي الأهداف من بث أعمال بكلمات سودانية وألحان ومقامات خليجية تكون نتيجتها خلق ذلك الكوم من النشاز القبيح مثل الذي يصدر من معتز صباحي ..(
إن مديح المصطفى صلى الله عليه وسلم يعتبر إرثاً عزيزاً على وجداننا كسودانيين محبين للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .. وليس هو سمكة قفزت إلينا مع جنون موجات العولمة حتى نتقبل تداوله بهذه الصيغ البهلوانية السيئة .. وهو يمثل جانبا هاما من ذائقتنا الشعبية وعمادا راسخا في ذاكرتنا الجمعية. وهو فن قائم بذاته يجب أن تنبري جهات مختصة للعناية به والذود عنه والتبصير بقيمته .. وليس كل فنان صالح لأداء المديح .. لقد فشل محمد وردي في تجربة المديح لأنه استدرج الى مستنقع الفهم بأن المديح مجرد فن شعبي بسيط وسهل .. بينما نجح فيه إسماعيل حسب الدائم لأنه يمتلك نواحي وجدانية صوفية عميقة تؤهله لذلك .. العلم الموسيقي ليس أصل في نجاح العمل المدحي بل هو فرع من الفروع التي يمكن أن ترتقي به وتساعد على تطوره (أنظر تجربة عقد الجلاد مثلا).. ولنتساءل لو قدر لزيدان إبراهيم أن يلج سوق المديح - فكيف سيكون أداؤه ؟وهل من الممكن لمحمد الأمين أن ينجح في فن المديح؟ وأظنني أتنبأ بالإجابة إذ أن هؤلاء أكثر وعيا ولا يمكن أن يتورطوا مثلما تورط وردي في تجربة فاشلة مع المديح ، وقد قلت هذا الكلام لمحمد وردي شخصيا وما أحمده له أنه تقبل رأيي .
إن السلطات الإعلامية والثقافية في السودان يجب أن تتنبه الى أنها ستكون المسئولة عن هذا المولد العجيب الغريب والزحام الخطير على آذان المستمع وعيون المشاهد بمعطيات إليكترونية لا ترقى الى عتبات العصر الذي نعيشه .. ولا ترقى الى عتبات ذوق أمة يُضرب بها المثلُ في ثقابة الثقافة وسعة الأفق وحذق التقييم والتبيُّن. مدثر حسن يس