هجوم الثورة المهدية على مقر جوردون
وكان للحكومة البريطانية دور في هذه الثورة وهو المعروف تاريخيا "بسياسة الإخلاء":فقد رأت الحكومة البريطانية أن الأمور تخرج من أيدي حكومة الخرطوم, فأرسلت حملة بريطانية كبيرة من مصر يقودها الكولونيل "هيكس" إلا الثوار استطاعوا من إبادة الحملة وقتل قائدها في نوفمبر1883م, عندئذ اتجهت بريطانيا سياسة إخلاء السودان من الحاميات المصرية منه, وعهدت بهذه المهمة إلي الجنرال "غوردن" الذي عينه الخديوي توفيق, فوصل إلي الخرطوم في الوقت الذي كان فيه المهديون يستعدون للزحف عليها, والحاصل أن غوردن ارتكب عدة أخطاء سياسية أدت إلي سقوط الخرطوم في أيدي المهديين أما هو فقد لقي مصرعه 1885م.
وسجل سقوط العاصمة بداية لسيطرة المهديين علي السودان إلا أن المهدي أن توفي في يونيو من نفس العام 1885م, ليدخل تاريخ المهدية مرحلة جديدة حاولت فيما بعد سنوات أربع من الصراع المرير, أن تتحول إلي ثورة تقييم دولة, لكن في واقع الأمر أن وفاة المهدي كان قد افقد الحركة روحها الدافعة والمؤثرة, في وقت كانت فيه تحولت إلي دولة كبيرة تحتاج إلي تنظيم كفء, وسلطة وعقلية رجل دولة, يعوضها عن فقدان زعيمها الروحي الذي ترتب علي وفاته فتور الحماسة الدينية.
اتسعت الدولة المهدية وضمت كل أقاليم السودان عدا بحر الغزال ومنطقة الاستواء وقد كانت هذه التطورات حدثت في عهد "عبد الله التعايشي" الذي كان ساعد المهدي الأيمن كما انه كان خليفته في أول وآخر حكومة أقامتها المهدية.
والثابت أن التعايشي الذي حكم دولة المهدية نحو ثلاثة عشر عاما (1885-1898م) قد ركز السلطة جميعا في يده, كما تدهورت الأوضاع الاقتصادية عندما اوجد نظاما ضريبيا أحدث سخطا عاما, فضلا عن استئثاره بالحكم والخلافة لابنه الأكبر خلافا لما كان قد قرره المهدي الذي كان قد سمي خلفاء أربعة كان التعايشي أولهم, كما أن الخليفة استبدل بقادة الجيش والحكام أقرباءه وأتباعه, كما ساءت علاقاته بالحبشة ودخل في حروب معها أحرز انتصارا كبده خسائر فادحة وتحطمت آماله في فتح مصر عندما أرسل إليها حملة أبيدت عند "توشكي" عام 1889م.
ولما بدأ عجز التعايشي عن إقامة دولة قوية مستقلة وقوية, أنتهي أمره بعجزه عن الاحتفاظ بأطراف الدولة فقد تكالبت عليها فرنسا وألمانيا وايطاليا, وكذلك الحبشة, مما أثار قلق بريطانيا التي كانت تريد أن تضم المناطق التي اقتطعتها الدول السابقة إلي إمبراطورتها الأفريقية, لذلك تبنت الحكومة البريطانية خطة لاسترجاع السودان وعهدت بهذه المهمة إلي "كتشنر" سردار الجيش المصري الذي تقدم إلي السودان علي رأٍس جيش قوي واستطاع أن يهزم المهديين عام1898م وفتح الطريق إلي عاصمتهم أم درمان, وعندما تمكن التعايشي من جمع صفوفه واتجه لمهاجمة أم درمان لقي حملة أخري استطاعت إنزال هزيمة نهائية به في نوفمبر 1899م, حيث لقي مصرعه ومعه أكثر أنصاره بهذه النهاية المأساوية قضي الإنجليز علي الدولة المهدية.
واستكمل الإنجليز خطتهم برفع علمهم بجانب العلم المصري فوق الخرطوم عند احتلالها ليعلنوا أن الفتح تم باسم الدولتين معا, وأعلن المعتمد السياسي البريطاني في مصر "كرومر" أن السودان سيحكم من جانب الدولتين, وان السردار البريطاني سيتولى الحكم نيابة عنهما.
منقول للفائدة
المفضلات