لم يدر بخلدي أن امتطي يوما ما طائرة خاصة كمكرمة أميرية تقلني برفقة أم العيال لأداء مناسك الحج السنة الماضية وهي أنيقة صغيرة الحجم أقلعت من الصالة الملكية بمطار الملك خالد الدولي صوب جدة سبحان الله كنت قبلها اسعى ما بين حملات الحج علني اوفق في اقتلاع تصريح الحج والذي عانيت في الحصول عليه ايما عناء وترددت على أكثر من حملة اتخير افضلها كيفما وبرفقتي ست الاسم بعد أن عقدنا معا اتفاق gentleman التزمت بموجبه بالسفر جوا بعد الحصول على تصريح الحملة ومن ثم اللحاق بالحملة هناك والمتأمل لهذه الحزم الأمنية الثلاثة من الشروط مغايرة لحزم الأمم المتحدة باعتبارها غير دولية و عقدت في الرياض وليست في أديس ابابا و ليست خنوع من على الإطلاق وحتى ابدو ديمقراطيا ويرضى عني العم سام سمها ما شئت ولكني أؤكد لكم بأنها ليست ترفا بقدر ما راعى قرارنا ظروف الحكومة الصحية ( اقصد أم العيال) فهي حجتها الأولى بعد خمس سنوات بالمملكة واستدراك لفشلنا في الحصول على حملة جوية مباشرة علما بأنني احتاط بحجز مسبق ضاع هو الأخير لظروف عملي الطارئة التي أجبرني على التواجد يومها لإنجازه مما دفع مخدمي صاحب السمو الملكي تعويضنا بالتحرك صباح الثامن من ذي الحجة بهذه الطائرة الأنيقة كما الكاشف رحلة بين طيات السحاب وان كانت ليست وحدنا هي وأنا بل ضمت بعض ضيوف الأمير شتان ما بين رحلة الكاشف و الفيتوري (قوافل يا سيدي قلوبنا إليك تحج كل عام
هياكل مثقلة بالوجد والهيام تسجد عند عتبات البيت والمقام
تقرئك السلام يا سيدي عليك أفضل السلام )
توهطت على مقعدا لطائرة الفخم الوثير وطاولات متناثرات تتمدد متقابلة في جلسة مهرجلة بمخرجات فندق خمسة نجوم تتسق و الأناقة الواضحة للضيوف الذين أ سترقت وجوهم وسحناتهم على حين غرة من أمرهم وباطمئنان لجانب حرمنا الفضلى فهي لن تحفل بي طالما أمامها ذلك البذخ والفخامة من الديكور والستائر وكؤوس الضيافة المترفة شانها شأن كل سيدة سودانية تحب العدة وتشاط غضبا كلما دفعتني رواشتي أو أحد صغاري (العصابة ) إلى كسر مجرد كباية عادية الصنع والسعر من أشيائها مع أننا معشر الرجال من يدفع أثمانها ومع ذلك تحسب من ضمن أشيائهن اولسنا كرجال نسلم بذلك الاعتقاد...مجرد تساؤل لا احتاج لإجابة عاجلة أو حلف بالطلاق لا عليكم ......فركاب الطائرة جنسيات مختلفة ولغات مثلها لا يشاركونا هذا الهدر السوداني ( النقه) فالرجال في زي الإحرام الأبيض والنساء عباءات سوداء ما أشبه الأمر بزي فريق الأهلي مدني الحبيب شوام وأمريكان وآسيويون وجنسيات لم أتبينها بيد أنني أتبين يقينا أن قاسما مشتركا عقيدة تجاوز السحنة والجنسية واللغة وجغرافيا المكان وطبوغرافيا الإنسان متوحدة المقصد البيت الحرام وسيد الأنام ولا ادري لما تسلل لي الفيتوري ثانية
يا سيدي تعلم أن كان لنا مجد وضيعناه بنيته أنت ، وهدمناه
واليوم ها نحن اجل يا سيدي نرفل في سقطتنا العظيمة
كأننا شواهد قديمة تعيش عمرها لكي تؤرخ الهزيمة.
وشتان ما بين هولاء و أهلي الطيبين وأنا استدعي منتصف السبيعنات وقتها كنت طفلا استدر عطف والدتي بكاء في السماح لي بمرافقتها و شقيقي الأكبر الذي سمح لنفسه وكعادته بدون استئذان بأن يدرج نفسه ضمن المودعين لحجاج الحي والتي تحسب وقتها فيما إحدى المناسبات الاجتماعية التي تتطلب المجاملة شانها شان الأفراح والأتراح والتخلف عنها عيب فادح فقيم المجاملة في مدني أمضى من أي شيء أخر فهي مفتاح المدينة وقبولها ورفضها وقد سألني أحد ما يوما عن جدوى تأخير المساهمة ليوم الرفع ( ثالث أيام المآتم ) و بعد أن ينفض السامر فأجبته مجتهدا وقتها بأنها ليست جهد مقل بقدر ما هي مشاركة الجميع بدءا ولربما التأخر لمقابلة المصاريف اللاحقة ما أعظم التفرد بتلقائية التمسك بقيم المجاملات والتي شكلت مجتمع متماسك ودود يصعب أن تستل هذه القيم من رحابه القيمي والأخلاقي ولعل محاولة أخونا عضو المنتدى الرائع الفارس البنفسجي وثلة من أبناء مدني في استنباتها في بيئات مختلفة كما فعل وان غشاها الذبول فمردة ليس لقيم مدني بقدر ما يعود للبيئة التي لا تتسق وهذه القيم .. نجحت أخيرا كطفل فيما استعملته من أدوات ومؤثرات مع الوالدة حفظها الله أثمرت مرافقتها و الحجاج للسكة حديد بالجوار ورؤية القطار أخيرا الذي شغل إعجابي المفرط لرؤيته عن كثب ومعولا على جراءة أخي أسامه عديم الاستئذان في التشعبط فيه بغتة وعلى غير هدي اندسست وسط الموكب الذي تحرك راجلا مخترقا أزقة حي الطملة وخور ود أبو شنب ومقابر ود ازرق وسط نباح الكلاب وزغاريد النساء والغناء على إيقاعات ( الشتم والدلوكة ) وتبرم الرجال من حمل الحقائب وكراتين الزوادة وصخب الوصايا والطلبات وهرج ومرج الصغار والكبار جميعهم يكسرون صمت الليل يتقدمهم رجلا يحمل رتينة يسير معتدا بنفسه وبخطى واثقة غير آبه بصيحات البعض بالتروي ريثما يلحقه الآخرون حسبه فقط دقه مواعيد القطار ورتينته تسبقه مضيئة تجاهد الظلام وفي غرارها الهزيمة استرجع أوجه أولئك الحجيج كبار السن والشلوخ التي ترتسم على وجوهم الكالحة الحبية بجوار القطار المتمدد بكبرياء استمده من شموخ هيئة السكة الحديد حينها ما بين ذلك القطار وهذه الطائرة المترفة وما تقله من وجوه نيرة متخمة تتجاذب أطراف حديث متحفظ وبصوت خفيض وقور عن الاسفار والاجازات وخدمات الغرف وخيارات الضيافة التي قالتها مضيفة حسناء للتو بتبسم وغنج لم أتبين مع امتعاض وتبرم أم العيال التي بالجوار وافقت على آخر ما سمعته بالإنجليزي منها بلا خيار فوجدت نفسي أقول لها would you please .. عزرا أيها الزمن الذي يبدد قيم المجاملات ويختزل مواكب أهلي الطيبين وزفات المودعين في دروبات الفريق و التسكع والانتظار ودق الونسة على أرصفة محطة القطار وعجل هذه النفاثة التي تشق عنان السماء و القادم مذهل .
إلتفت علي بت حسن كأنها أمخرت معي عباب السنين وملاءة الوراء بنقابها الذي لا يظهر سوى عينيها الفاحصتين وين ذهبت يا أبن عربي (ذلكم الصوفي المتجرد ) فأجبت بتلقائية لوما قال (إن المرأة معراج روحي من نوع خاص) لما حفلت به كاحتفائك بالإمام الغزالي قالتها حج ...يا حاج ...داهمني مرة ثالثة الفيتوري لبيك لا شريك لك لبيك لا شريك لك يا سيدي عليك أفضل السلام من امة مضاعة خاسرة البضاعة تقذفها حضارة الخراب والظلام إليك كل عام لعلها تجد الشفاعة لشمسها العمياء في الزحام منذ ردمنا البحر بالسدود وانتصبت بيننا وبينك الحدود متنا وداست فوقنا ماشية اليهود لا جمر في عظامنا ولا رماد لا ثلج لا سواد لا الكفر كله ولا العبادة الضعف والذلة عادة يا سيدي علمتنا الحب فتعلمنا تمرد الإرادة .
ابك لنا وادع لنا فالعصر في داخلنا جدار إن لم نهدمه فلن يغسلنا النهار
وفاصل ونواصل إنشاء الله
مرتضى يوسف العركي
الرياض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة طيبة كغيث أصاب أرضا طيبة فأنبتت كلأ وعشبا كثيرا


رد مع اقتباس



المفضلات