تزكية النفس تعني باختصار تطهيرها من الشرك وما يتفرع عنه، وتحقيقها بالتوحيد وما يتفرع عنه، وتخلقها بأسماء الله الحسنى مع العبودية الكاملة لله , وكل ذلك من الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [ النور: 21 ] جاءت هذه الآية بعد قصة الإِفك وبعد الآيات التي نهت عن إِشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وبعد النهي عن اتباع خطوات الشيطان، وجاءت قبل قوله تعالى:
{وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [ النور: 22 ].
وذلك يؤكّد ما يلي:
1- أن موانع التزكية من القوة بحيث تستحيل معها التزكية لولا فضل الله، وهذا يقتضي شيئين: بذل جهد في التزكية، وسؤال الله إياها والاعتماد عليه فيها، وفي الحديث: {اللهم آتِ نفسي تقواها وزكَّها أنتَ خيرُ من زكَّاها أنت وليُّها ومولاها". [ أخرجه مسلم والنسائي].
2- أن من تزكية النفس العفو والصفح عمن أساء إلينا لأن الأمر جاء بمناسبة الحديث عن مسطح بن أثاثة الذي كان ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه والذي خاض في الإِفك فمنع عنه أبو بكر رفده فجاءت الآية واعظة، وفَاءَ أبو بكرٍ إلى سيرته، وما أرقاه من مقام! وما أعلى ما يراه بكلمة التزكية.
3- أن من تزكية النفس عدم اتباع خطوات الشيطان لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر، وإذن فالتزكية تعني تجنب الفحشاء والمنكر وتجنب خطوات الشيطان وأولى خطواته الحسد والكبر، فقد حسدَ آدم وتكبر عن السجود له.
4- عدم محبة إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وعدم السير في طريق ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.
5- إمساك اللسان عن الأعراض وترك المشاركة في كل ما يؤذيها إلا إذا توافرت شروط شهادة وتعيَّنتْ.
أمراض النفوس نوعان : نوع ينافي مقامات القلوب التي سنراها، فالرياء والشرك ينافيان التوحيد والعبودية، وحب الرئاسة والجاه وحب الدنيا ينافيان الزهد، ونوع ينافي التخلق بأسماء الله والإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فالغضب في غير محله ينافي الحلم ، وقد بدأنا بذكر أمراض القلوب والنفوس لأن جوانب من التخلية عند السائرين إلى الله تتقدم جوانب من التحلية ، وإنما قلنا: (جوانب) لأن تحلية القلب والجوارح بالتوحيد هي المقدمة لكل تخلية وتحلية .
وعلي الأنسان أن يتفطّن للمعاصي الظاهرة والباطنة كبيرها وصغيرها، فكثيراً ما تجر الطاعة إلى طاعة والمعصية إلى معصية، ومن أهم ما ينبغي أن ينتبه إليه المعاصي غير المحسّة، كمعاصي القلب واللسان، فكثيراً ما يكون الإِنسان حاسداً أو معجباً بنفسه أو متكبّراً وهو لا يشعر، كما أنّه كثيراً ما يقع في الغيبة والنميمة وهو غافل .
التوبة : اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مرتبة: علم، وحال، وفعل. فالعلم الأوّل والحال الثاني، والفعل الثالث. والأوّل موجب للثاني، والثاني موجب للثالث.
أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجاباً بين العبد وبين كل محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم، فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوّت، فيسمّى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندماً، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلق بالحال والماضي وبالاستقبال .... منقول


رد مع اقتباس

المفضلات