الحلقة الثامنة عشرة
عدت إلي النزل وأنا مثقل بقصة ذلك الجندي الإسباني الذي قتله نعوم وحمداً لله أن( شاهندة) لم تكن موجودة معنا لتسمع بأن زوجها قد جرب القتل من قبل ولا بد أن الشخص الذي قتل شقيقها في (سرنغار) يعاني هو الآخر .. أدخلت المفتاح في القفل ولكنه لا يفتح .. حاولت أكثر من مرة دون جدوي .. لا بد أن لصاً بالداخل .. هرعت إلي كريموف لأستنجد به وحين عدنا سمعنا همهمة بالداخل .. رجعنا خطوات إلي الوراء ومعاً حطمنا الباب لنفاجأ ب(شرودر وأنجلينا) وقد جلسا خائفين علي السرير وهما يتصببان عرقاً وثمة حبلان معقودان ومربوطان بسقف الغرفة .. وكان واضحاً بأنهما كانا علي وشك الانتحار .. نشط كريموف في إزالة الحبال وانخرطت أنجلينا في بكاء مر .. لماذا عدت يا أويس .. بربك لم عدت ؟ .. لقد كنا علي وشك اللحاق بأحبائنا لولا تدخلك الغبي .. ماذا لو تأخرت خمس دقائق فقط .. عملت علي تهدئتها وجلس شرودر صامتاً لا يحرك ساكناً .. ما الحكاية يا (شرودر) ولماذا تنتحران ؟ لم أكن أحسبكما جبانين بهذه الدرجة .. لقد انتحرت (أورليكا ماينهوف وبادر) داخل السجن ب ( شتوتقارد ) بعد فشل عملية مقديشو .. لقد ماتت (أورليكا الأنيقة المترفة والجميلة ) يا أويس .. ماتت .. هل تفهم ما يعنيه لنا موتها ؟ .. حتماً لن تفهم .. وكيف ستفهم .. لقد انتهينا يا أويس .. إنتهينا .. (أنجلينا) وهي تبكي بحرقة شديدة .. علي رسلكما يا أخوتي .. ما هذا التفكير الساذج والغبي .. سوف تدخلان النار يوم الحساب لو أنكما أقدمتما علي الانتحار .. اسمع يا (كريموف) .. انتظرني هنا ريثما اتصل بِ( أنّا ) وإياك أن تتفوه ولو بكلمة واحدة بما شاهدته الساعة ..هل فهمتني .. نعم سيدي لن أتفوه بكلمة واحدة .. ولم تتأخر علينا( أنستاسيا) كثيراً .. ما بكما ماذا حدث ؟ .. اسألي (شرودر وأنجلينا) .. كانا علي وشك الانتحار .. معقول هذا الذي يحدث أمامي ؟ وهذه الحبال .. هذا شيء مخيف .. أمرت (كريموف) بالانصراف وأمضينا الليل بطوله ونحن نعمل علي تهدئتهما وتبصيرهما بالجريمة المرّوعة التي كانا علي وشك ارتكابها بحق نفسيهما .. وشيئاً فشيئاً هدأت خواطرهما ودخلنا في نقاش جاد معهما ليسلما حيث أفصحت لهما (أنستاسيا) باعتناقها الإسلام .. وشرحنا لهما كيف أن حياتهما ستتغير وأنهما سيشعران براحة نفسية عميقة فيما لو اسلما .. وأخيراً وافق (شرودر) وطلبت ( أنجلينا) مزيداً من الوقت لتفكر بالأمر.
كان حفلاً لا يصدق.. تداعي له حشد كبير من الساسة ورجال الإعلام .. وزراء ورجال أعمال ومدير جامعة الصداقة وشخصيات متنفذة في الحزب نسمع بها فقط من خلال الراديو والتلفاز .. وأمام الفندق الفخم .. أخذتها والدتها بالأحضان وكذلك فعل والدها وصافحت الجميع فرداً .. فرداً وهم يغادرون وعندما جاء الدور علي والديها ليغادرا استوقفتهما لحظة لتقول ( اسمعي يا أمي الحنونة.. اسمع يا والدي الطيب ً.. أستطيع أن أضمن لكم سعادة هذا الفتي ما حييت .. أشهد الله وأشهدكما علي ذلك ..) .. نحن واثقون من ذلك يا ( أنّا ) وليباركك الرب .. والدتها وقد اختلطت في دواخلها مشاعر الفرح والحزن لتزويج ابنتها وفراقها في نفس الوقت .. لن يطول غيابي (ماما )وسأزوركما كلما سمحت الظروف بذلك .. إلي اللقاء .. إلي اللقاء .
وهكذا انتهي الحفل الذي حضره كل أصدقائي من طلبة الجامعة وقد ارتدي البعض أزياءهم القومية المميّزة وكان حاضراً أيضاً بعض موظفي السفارة السودانية بموسكو مع أسرهم وقد قرأت (أنستاسيا) وجوههم جيداً ولسان حالها يقول( يا إلهي!! هل تملك المرأة السودانية كل هذه الرقة والأنوثة والجمال وقد تخيلناها مغطاة بالغبار والأتربة في سعيها اليومي بين الغابة والمنزل تجمع الحطب وتقطف الثمار .. لا يا حبيبة أيامي .. هي أجمل مما تتصورين .. ولو كان قدري أن أرتاح في مراسيك لبعض الوقت وأمضي في حال سبيلي .. تأكدي بأنني سأجد حتما من يلملم أوجاعي وأحزاني لفقدك إن هو حصل ولا أدري لماذا أشعر في هذه اللحظات الحاسمة من حياتي بأنك أكبر من طموحاتي .. كل هذه الأناقة والجاذبية والروعة ملكي أنا وحدي .. أتمني ألاّ أكون في حلم .. وأن كل ما يحدث أمامي هو الحقيقة بعينها وأنك زوجتي علي سنة الله ورسوله .
لم استطع إخفاء أمر زواجي من أنستاسيا عن والدي وهو بدون شك سيتفهم دوافعي .. وهذا ما حدث بالضبط .. ولم أكن لأتوقع من أب تخرج من كلية الآداب جامعة الخرطوم وأمضي زمناً طويلاً يتلقي الدورات التدريبية بكل من لندن ولاهاي .. لم أتوقع سوي كلمات التشجيع والرضاء التي غمرني بها واتفقنا علي أن يظل الأمر سراً بيني وبينه فلا نطلع أمي التي تسوء صحتها باطراد وقد يزيد سماعها نبأ زواجي بأجنبية من تفاقم وضعها الصحي .. وهل هي مسلمة يا بني ؟! نعم يا أبي هي مسلمة ومن أصول شيشانية .. الحمد لله علي ذلك لقد أرحتني أراحك الله .. وكانت ( أنّا) بجانبي وأنا أهاتفه .. سلم عليها وتبادل معها عبارات التهاني والأماني بانجليزية باهرة .. الشيء الذي أسعدها أيما سعادة .. ولدي مغادرتنا الفندق بعد أسبوع واحد تصورت بأننا سنواصل تمضية شهر العسل في مكان آخر ..بيد أن أنسستاسيا أقنعتني بالعودة للجامعة وأن ثمّة مهام كثيرة بانتظارها في الحزب .. عدت وكان أول من التقاني من الزملاء الألماني شرودر .. قلت له حالك لا تعجبني يا شرودر .. لماذا أنت شاحب ومحبط هكذا ..؟ ..نعم أنا كذلك يا أويس .. فقد رحلت أنجلينا .. رحلت ؟!! .. إلي أين رحلت ؟ .. إلي فلسطين .. أنت تحيرني يا شرودر .. ما علاقة أنجلينا بفلسطين ؟ .. ومن ثم قص عليّ كيف أن أحد القادمين من الأراضي المحتلة ومن نابلس بالضفة الغربية بالتحديد قد سلمها رسالة من بسام يقول فيها بأنه أصيب بطلق ناري .. بينما كان يتظاهر بالقرب من طولكرم ومعه لفيف من الأجانب والإسرائيليين من أنصار حركة ( السلام الآن ) .. كانوا يطالبون بفك الحصار عن المدينة الفلسطينية المحاصرة في تظاهرة سلمية لا أكثر ولكن الجنود الإسرائيليون أمطروهم بوابل من الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع وعندما تشبثوا بمواقعهم رشقوهم بزخات من الذخيرة الحية فأصيب بسام إصابة بالغة يرقد بسببها بمستشفي نابلس .. وما أن قرأت أنجلينا الرسالة حتى توجهت بصورة دراماتيكية نحو مكاتب الخطوط الجوية الأردنية وطارت علي الرحلة المتوجهة إلي عمّان في مساء نفس اليوم .. لقد هجرتني بكل بساطة يا أويس بعد كل ما فعلته من أجلها .. ليس لي سواها وليس لها سواي بعد أن انقطعت صلاتنا بأسرتينا منذ سنوات ولا تنس أنها ابنة عمتي .. أنا تعيس جداً ومحبط يا أويس .. أنصحني يا صديقي كيف أتصرف حيال هذا الموقف الصعب .. الذنب ذنبك يا شرودر فأنت لم تقدر أنجلينا حق قدرها .. انشغلت عنها باهتماماتك السياسية الهدامة .. ولم تدرك كم تحبك ولعلك لم تقل في يوم من الأيام بأنك تحبها .. لقد كادت أن تنتحر بسببك عندما علمت بنبأ فشل عملية مقديشو لولا لطف الله .. أجل .. أجل .. أعلم كم أنا مقّصر تجاهها .. لقد كنت غبياً عندما تأكدت بأنها لي وليس لأحد سواي .. كم أنا ساذج وغبي .. لقد خسرتها لصالح هذا الفلسطيني الطائش بسام ..لا..لا تظلم بسام يا شرودر .. لقد استنجد بها وهو بين الحياة والموت .. ولا بد أنه قد صرح بحبه لها وهو يغادر .. كان عليك أن تكون إيجابياًً في مشاعرك نحوها .. ماذا كان عليّ أن أفعل أيها الحكيم الإفريقي ..؟ أنتم تروضون الأسود والنمور وجميع حيوانات الغابة فمن الطبيعي أن تكون لكم وسائلكم في ترويض المرأة .. لا ليس هذا بالضبط ما قصدته .. الأمر يا صديقي لا يحتاج إلي كثير عناء .. كان عليك إرسال بعض الإشارات في حضورها كأن تعلق علي قوامها المموسق وكتفها العاجي وطلتها الآسرة وابتسامتها المشرقة وضحكتها المختزلة مع شيء من الدهشة وأن تضع يديك فوق كتفها وأنتما تتجولان في الحدائق العامة وأن تبحر في عينيها الزرقاويين كسماء بلادي في صباحات ربيعيه .. أنت تتغزل في ابنة عمتي يا أويس .. لا بل أصفها لك لعلك تراها كما أراها وكما يراها كل الطلاب بجامعة الصداقة .. أنت محق يا أويس فأنا مقصّر تجاهها .. والآن دلني بربك ماذا أفعل ..؟ أفكر باللحاق بها ..لا ..لا .. أرجوك لا تفعل .. ستبدو رخيصاً وساذجاً ومغفلاً إن أنت ركضت خلفها .. إنها المرأة يا شرودر .. المرأة في كل زمان ومكان .. تنظر إليك من علي البعد وتتمناك ملاكا ومخلصّاً من الضياع والألم وما أن تظفر بك وتنتهي تلك الهالة من الغموض والقداسة حتى تقلب لك ظهر المِجن وتركلك جانباً.. أنت محق فعلاً ولكن هذا ما لا أراه في العلاقة بينك وبين أنستاسيا .. أنستاسيا ؟!!! ..( أنّا ) شيء آخر .. شيء مختلف جداً .
المفضلات