النتائج 1 إلى 20 من 20

الموضوع: البوصلة ( رواية في حلقات )

     
  1. #1
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    البوصلة ( رواية في حلقات )

    بسم الله الرحمن الرحيم
    البوصلة ...) رواية في حلقات )
    عبدالغني خلف الله
    الحلقة الأولي
    كل الأشياء تتمرد علي ذاتها ..الصورة القديمة داخل الإطار..قوارير العطر الفارغة والذكريات ..لا شيء يبقي علي حاله .. ثمة تحولات خطيرة تزور تاريخ الإنسان وكما الوردة تبدو رائعة فجر كل يوم فإن لونها البنفسجي يتباعد عند الظهيرة .. لكن ما يدعوني علي الجزم بخطأ هذا الاعتقاد أن صورتك يا أمل لا تزال توجع هذا الجزء من قلبي مثل نتوءات من الحصى واللهب ..نعم هو ذا أسمها ..وقفت أمامي في ذلك الصباح الفاتر لأمنحها بطاقة هويه ..فقد كان يتحتم عليها أن تحصل علي هوية قبل أن تجلس لإمتحانات الدخول للجامعة ..نقبت في تاريخها وسألتها عن شجرة العائلة التي تفاقمت أرومتها عبر أجيال سحيقة لتهدي إليّ ذلك التوتر الهائل ..أمل الشيخ البغدادي عثمان..الشيخ البغدادي إ سم واحد ..هكذا كانت توضح لي بعض الأشياء التي تعتقد بأنها علي جانب من الأهمية وهي تحرك أصابعها وتمسد سطح حقيبة يدها ..وطغي الطابع الرسمي علي المقابلة … أسألها وتوضح لي بعض الجوانب المتعلقة بأسرتها ..لم يكن بوسعي أن أمنع نفسي من إصطناع الأسئلة والتظاهر بأن هنالك ضرورة لكل ذلك التدقيق وفي الواقع كنت وأنا أؤدي واجبي لا أملّ التطلع نحو سمرة لونها والتوغل في بحار عينيها ..كنت أسأل وهي توضح كتلميذة نجيبه ..ولكن ما لم تستطع أن توضحه لي ..هو ذلك الإرتباك الذي يزلزل كياني و هذا العرق الذيّ تكور تحت أجفاني وفوق أرنبة أنفي.. ولماذا هي رائعة لهذا الحد .؟ أحقاً هو إ سم واحد ؟..إذن نحن بحاجة لإسم رابع ..ما هو اسم جدك لأبيك ..؟ ترددت برهة واضطرب وجهها وجاش بإيماءات لا قبل لي بها ..تسمرت عيناي في عينيها لدرجة أنني نسيت أصل السؤال ..مكاوي ..الأمين مكاوي ..صوت الرجل الذي حضر معها وقد أسعفنا من التمادي أكثر في تهويمات لا تتناسب وأصل السؤال
    ..مكاااوي ..يااه..كدت أنسي إسم واحد من أهم أجدادي.. السيد مكاوي الأمين مكاوي ..كم أنا غبيه .. قالت ذلك وهي تضحك باتجاهه ..أنت إذن من أسرة الشيخ البغدادي المعروفه..؟ بالطبع ..بالطبع أنا منها ..
    لم يكن الشاهد الذي حضر معها معنيآ بمجريات التحقق فقد كان يهاتف شخصآ ما بهاتفه النقال ..ولم أكن بحاجة لتوجيه أي أسئلة إليه.. وهكذا إنتهت المقابله..وطلبت منهما الإتصال لاحقآ لإستلام الهوية ولم يفتها أن تأخذ رقم هاتفي معها ..الشيء الذي ضاعف من إرتباكي فكتبت الرقمين الأول والثاني باللغة الإنجليزية وبقية الرقم بالعربي وأعادتهما عليّ بالإنجليزية ..
    لم تكن أمل أول طالبة تمثل أمامي تطلب منحها هويه ولكنها علي أية حال لن تكون الأخيرة ..بيد أنها قد ذهبت إلي سبيلها ..نامت أصابعها في باطن كفي كعصافير صغيرة وأنا أودعهما وقوفآ..و باخت في الممر الضيق فرقعات حذائها كالضربات الموجعة في ظاهر الكف ..لقد ذهبت ..نعم ذهبت وكان لا بد أن تذهب ..مثل هذه الأحداث اليومية محتومة ومقدرة سلفآ ..أن تمضي إلي سبيلها وتبقي أنت حيث كنت ..نتيجة منطقية لا تقبل التأويل ..أن تبقي ولا تذهب إرهاص ضد طبيعة الأشياء.
    *******
    توجهت نحو مكتب الباشكاتب مامون لآخذ منه كشف التنقلات الذي صدر ذاك الصباح لأعرف كيف مضت الأمور بالنسبة لأبناء دفعتي ..أما بالنسبة لي فقد أخطرني جناب المقدم أزهري بأنني باق في موقعي ..وجدته منكبآ علي بعض الملفات وقد أدار شريطآ غنائيآ تنسرب منه كلمات حانيه.. هذا ما كنت أفتقده بالضبط ..دعوت نفسي علي كوب من الشاي وطلبت منه الملف ..قام من مقعده وهو يدندن بكلمات تلكم الأغنيه ..كان المغني يردد بإنفعال واضح ..(حبيب القلب بالدنيا ..يضيع فكيف ألقاه ) ..كل يبحث عن ليلاه ..إلا مامون ..دائمآ منشرح الصدر منفتح الأسارير..وقلّما تجده يشكو من شيء برغم السنوات الأربعين التي تثقل كاهله ..يرتدي القمصان المخططه ويصفف شعره كصبي يافع ..وعندما تسأله عن عمره الحقيقي يجيبك بأنه لا يزال في سن الثلاثين ..وعليك أن تصدقه فيما ذهب إليه لأن الملفات الرسمية تعطيه عبر شهادة تسنين مهترئة هذا الحق ..هذا الأربعيني الثلاثيني لا بد أنه قد إكتشف دون غيره سر هذا التألق الدائم ..إنها محبة الناس اللامتناهية له وذاك الصفاء الوريف الذي يتدثر به ..وهو لغز محير ..فلا أحد يعرف من أين أتي لهذه المدينة الصغيرة ..فهو لا يغادرها أبدآ ولا يطلب إجازه وإن طلبها فإنه يمضيها وحيدآ داخل منزله الكائن عند الطرف الغربي للبلده ..وعندما زرته لأول مرة أدهشتني بساطة الغرفه ورومانسيتها ..هنالك سرير واحد مصنوع من (النيكل ) ومنضدة عريضة تكومت فوقها مجموعة من الكتب والصحف القديمة وثمة شيء يشبه (ألبوم الصور ) قرب الوسادة الوحيدة سرعان ما دسه تحتها وأنا أتهيأ للجلوس ..إرتبك ارتباكآ مروّعآ عندما وجدني أمامه وأنا داخل الغرفة تمامآ فقد تعمدت إقتحامه بتلك الزيارة المفاجئه التي لم يكن مهيئآ لها ..نعم لا أحد يعلم عنه الكثير وكل ما يمكن الإستفادة من تلميحاته عندما تظلله لحظة حبور عارمه ضحكته المموسقة والتي غالبآ ما تتخللها عبارة ( أنا أخوك يا الكنينه ) ..فماذا يمكن أن تكون الكنينه هذه يا تري وفي أي مكان هي ؟ !..

  2.  
  3. #2
    عضو ماسي

    Array الصورة الرمزية الملكة اسماء ( ام محمد )
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    مُدن الحروف
    المشاركات
    9,731

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالغني خلف الله مشاهدة المشاركة



    أن صورتك يا أمل لا تزال توجع هذا الجزء من قلبي مثل نتوءات من الحصى واللهب

    نامت أصابعها في باطن كفي كعصافير صغيرة وأنا أودعهما وقوفآ..

    و باخت في الممر الضيق فرقعات حذائها كالضربات الموجعة في ظاهر الكف ..


    .


    سامحك الله استاذي .. أنا لنا بهذا من قبل ..

    توقفت لحظات وانا افتش بين سطور مفردتك بسيطة السرد غنية المحتوى عن ( لحظة ارتقاء ) ووجدتني اصعد معك لافق ارحب حيث ابهرتني بانتقاء التشبيهات
    وجدتك مثل ذلك الرسام الذي يضيف الظلال لجانب لايعرف غيره انه لايواجه ضوء شمس قراءة عامة القراء انما يلمحه من يجيد دراسة تفاصيل الصورة وقراءة ماخلف السطور ..

    وجدتني كتلميذة تتعلم منك اين تدس الدهشة للقراء ... برافو أستاذي أجدت ادهاشي واجبرتني على التصفيق لمفردتك الراقية


    قصة يبدو انها تحمل الكثير من الحقيقة وذلك يتضح في اختيار الوصف و رسم الصورة ببسيط العبارة وهذه جزئية لاتتضح الا في الكتابات التلقائية الحقيقية

    قصة تعبر عن واقع احداث ترتسم بوضوح لقارئها .. فكأني بتلك الامل تعبر من امامي الان وحضورها الطاغي يجبر الجميع على الانصات لصوت الدهشة ...





    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالغني خلف الله مشاهدة المشاركة

    البوصلة ...) رواية في حلقات )

    عبارة ( أنا أخوك يا الكنينه ) ..فماذا يمكن أن تكون الكنينه هذه يا تري وفي أي مكان هي ؟ !..

    استاذي اسمح لي ان اختار مقعدا في مقدمة المكان لاكون حضورا واعرف من هي الكنينة ؟

    ودي واحترامي لحرفك استاذي

  4.  
  5. #3
    وسام التميز الثقافي

    Array الصورة الرمزية مصطفى هاتريك
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    2,423


    أستاذي

    أنا لم أدهش مثلهم فمنذ قرائتي الاولى لك (( وجهة واحدة )) علمت أن

    أن كتابتك لها وجهة واحد هي الامتاع اللامتناهي باجادة السرد و الوصف

    و الغوص في تحليل الشخوص ....

    همسة

    سأنتظر ريثما أرى هل هنالك مزيد شبه بين مامون

    و مصطفى سعيد

    منو الزيك ولد وإستالد الأولاد
    منو الزيك بجيبم ديمة عشرة أنداد
    منو الزيك ببز الدنيا موية وزاد
    منو الزيك ضروع وزروع ونيل مداد
    منو الزيك بطانة وغـابة دون حداد
    منو الزيك سهول وادي وجبال أوتاد
    منو الزيك أصل موروث من الأجداد
    منو الزيك جراتق دم قُــدام وجداد
    قشي الدمعـة يا بت الرجال ما بحكموك أولاد
  6.  
  7. #4
    مشرف القسم الثقافي

    Array الصورة الرمزية ياسر عمر الامين
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدنى
    المشاركات
    2,635

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى هاتريك مشاهدة المشاركة

    أستاذي

    أنا لم أدهش مثلهم فمنذ قرائتي الاولى لك (( وجهة واحدة )) علمت أن

    أن كتابتك لها وجهة واحد هي الامتاع اللامتناهي باجادة السرد و الوصف

    و الغوص في تحليل الشخوص ....

    همسة

    سأنتظر ريثما أرى هل هنالك مزيد شبه بين مامون

    و مصطفى سعيد

    وهذا ما احبه دائما فى تعليقاتك صديقى هاتريك...وهو الغوص فى خبايا النصوص وسبر اغوارها وهذا ما يجب أن ينتظم عليه القسم الثقافى...فنحن القراء العاديون نمر على النصوص بظاهرها وتأخذنا متعة القراءة أكثر من الغوص قى متونها لاستباط راى نقدى قد يستفيد منه الكاتب...لك ياصديقى ولكاتبنا واديبنا الكبير عبدالغنى الشكر والتقدير...

    التعديل الأخير تم بواسطة ياسر عمر الامين ; 25-08-2014 الساعة 11:14 AM
    يا وحى الهامنا وموضع احترامنا يا مدنى الجميله ليك مليون سلامنا.
  8.  
  9. #5
    وسام التميز الثقافي

    Array
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    الدولة
    أم درمان / الثورة
    المشاركات
    528

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الملكة اسماء ( ام محمد ) مشاهدة المشاركة
    سامحك الله استاذي .. أنا لنا بهذا من قبل ..

    توقفت لحظات وانا افتش بين سطور مفردتك بسيطة السرد غنية المحتوى عن ( لحظة ارتقاء ) ووجدتني اصعد معك لافق ارحب حيث ابهرتني بانتقاء التشبيهات
    وجدتك مثل ذلك الرسام الذي يضيف الظلال لجانب لايعرف غيره انه لايواجه ضوء شمس قراءة عامة القراء انما يلمحه من يجيد دراسة تفاصيل الصورة وقراءة ماخلف السطور ..

    وجدتني كتلميذة تتعلم منك اين تدس الدهشة للقراء ... برافو أستاذي أجدت ادهاشي واجبرتني على التصفيق لمفردتك الراقية


    قصة يبدو انها تحمل الكثير من الحقيقة وذلك يتضح في اختيار الوصف و رسم الصورة ببسيط العبارة وهذه جزئية لاتتضح الا في الكتابات التلقائية الحقيقية

    قصة تعبر عن واقع احداث ترتسم بوضوح لقارئها .. فكأني بتلك الامل تعبر من امامي الان وحضورها الطاغي يجبر الجميع على الانصات لصوت الدهشة ...








    استاذي اسمح لي ان اختار مقعدا في مقدمة المكان لاكون حضورا واعرف من هي الكنينة ؟

    ودي واحترامي لحرفك استاذي


    أم محمد ( الملكة ) حرفاً وحضور

    كأنك تكتبين ماوراء الحرف بإيصال المعني منه
    هو حدسي وقراءتي وكنتِ مرآة الدواخل ,,,,
    يمتعك ربي بالصحة والعافية ويحفظ ليك محمد

    أستاذي / عبدالغني كرم الله

    صاحب المفردة الجمال أنيق الحضور أسأل ربي
    له الشفاء العاجل شفاء لايغادر سغماً وأجر وعافية
    قابلته في منتديات كثر وكان بتلكم الأريحية ونغم الحرف
    الذي يصلك وأنت تقرأ أخبار الصباح بصلك وأنت في كل المواقع
    يحبس أنفاس الدهشة في تصوير الخاتمة وينفخ روح الشخوص
    بقصة تنتظر قصة أخري لا ينتابك فيها ملل ..
    إنه أستاذي عبدالغني ...
    كن بخير عند وصول حرفي ..

    مشلعيب :

    الملكة كم يعجبني حرفك عندما يقرأ الأشياء

    مخرج :

    نداؤك صديقي هو إلهام روحي ؟؟
    كنت في الموقع ممهور بنفس الزمان
    أرقد عافية .

    التعديل الأخير تم بواسطة أبا إيثار ; 26-08-2014 الساعة 09:31 AM
  10.  
  11. #6
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    أعزائي الملكة وهاتريك وياسر وأبا ياسر ..إحساس عارم بالسعادة يغمرني وأنا أحتضن كلماتكم ..محبتي لكم بلا حدود ولأبا إيثار أقول ..أنا عبد الغني خلف الله الربيع ولعلك تشير إلي الكاتب المرهف عبد الغني كرم الله .وسعدت بوجودكم معي والآن هيا للحلقة الثانية ولعلك يا ياسر تتولي التنسيق :

    الحلقة الثانية

    طلبني جناب المقدم في مكتبه وقدمني لرجل تبدو عليه سيماء الأهميه وكانا قد إنخرطا في ضحك متواصل قبل دخولي إليهما ..وقف الرجل وبقايا قهقهاته لا تزال عالقة بشاربه الكث ..الوجيه إسماعيل..رجل أعمال كبير وصديق عزيز وهو من أبناء هذه المدينه نشأ وترعرع فيها ثم أخذته المقادير إلي الخرطوم ولندن وفرانكفورت وأعادته ثانية مباشرة إلي هنا ..وهو ينوي الإستقرار وبناء حفنة من المصانع ..( حفنة من المصانع.؟) طارق يحدث نفسه وقد سرح بعيدآ ببصره حيث والده الذي يعمل في (خراطة العناقريب) ..يظل منكفئاً
    طوال اليوم وهو يعالج الأخشاب المستعصية ولكن ليس علي والده الأوسطي كمبال ..إذ لا تستطيع أعتاها الصمود بين يديه الذهبيتين لدقائق معدودات ..بيد أنه قد علمنا وربانا أحسن تربيه.. زوّج (البنيات) ، وأشقائي علي وعمار تخرجا من طب الخرطوم وموسي مهندس كهربائي ..ولم يستمع طارق لبقية تفاصيل تاريخ الوجيه إسماعيل وعندما عاد لهما وجد المقدم أزهري قد وصل إلي نقطة ..والسيد إسماعيل من أسرة عريقه وكبيره.. نصفها إستقر في الخرطوم والنصف الآخر تشبث بالأرض هنا ..وفي تلك اللحظه دخل( المراسله) وهمس في أذنه بان شخصآ ما يطلبه في التلفون ..بالإذن سيادتك أرد علي التلفون .كادت السماعة تسقط من يدي ..طارق يواصل السرد ..عندما غمرني صوتها الرقيق وكأنه نفحة من الفردوس ..
    - عفوآ لإزعاجك جناب النقيب طارق ..نسيت أن أسألك عن موعد إستلام الجنسيه ..
    - لن يكون بوسعك يا آنسه أمل ذلك علي الأقل قبل خمسة أيام..
    - كم ..كم ..كم ..!؟ ..(صرخت بصوت فيه شيء من الرفض والعتاب والتتابع) ..كنت قد توقعت أن يكون لديّ عندك خاطر تحرص عليه ولكن يبدو ..
    - أبدآ ..أبدآ وحياتك يا..
    - أسمع .. أنا حأقفل( الموبايل )لأنو مرتضي رجع للعربيه ..وهكذا انقطع الإتصال بيننا..فوقفت لبضعة دقائق مسمّراً في مكاني لا أكاد أعي شيئآ .
    • *******
    • إنه (بصله ..بصله الأرعن كالعاده يا جنابو ..وماذا فعل هذا المصيبه هذه المره ؟..مشاجره وتسبيب الأذي ..وهو أيضآ مصاب بجرح غائر في جبهته ..وماذا حدث بالضبط ..هنا تدخل فيصل صديق (بصله ) ورفيقه الذي يتبعه كظله ..لو سمحت جنابو ندخل المكتب عشان أحكي ليك القصه ..طيب تعال ..حرروا له أورنيك (8) وأرسلوه مع حرس للمستشفي ..ومن ثمّ دخلنا لمكتبي ..كنا نجلس عند طرف السوق نتجاذب أطراف الحديث عندما مرت من أمامنا إحدي الفتيات الجميلات .. والكلام هنا لفيصل ..وحقيقة يا جنابو كانت حلوه بدرجة ممتاز ..وبعدين ..و(الناريه) إنطلقت في صاحبك بصله وإنت عارفو زول (كبكابه ) وبعدين ..قام يا سيدي يتغزل في ..أها وبعدين ..لسوء حظ بصله البت ضيفه جات لعرس ناس الطيب ود الجيلي ..وكان بيناتنا أخوها ..وصل مع العريس من المتمه ..ما نحري ولا ندري إلا والضيف هجم ليك علي بصله من دون مقدمات وخنقوا خنقه لامن زبّد وكرفسوا ليك علي الحيطه قرب يكسر ليه را سو ..يستاهل والله يستاهل هكذا إذن يا بصله صرت (دون جوان ) علي ( آخر الزمن )..ومع ذلك له ألف حق ..من منا لا يأسره الجمال ..بيد أننا نعبر عن إعجابنا به بطريقة لا تخلو من التهذيب والضغط علي المشاعر ..لو أننا نترك مشاعرنا علي سجيتها تعترف بما يجول في خواطرها دون حواجز ..لو أننا نطرح جانبآ ذلك السلوك المتمدين ونقول لمن نحب ..كل ما نريد .. بيد أننا نتلفع بقيود مثل الوضع الإجتماعي وطبيعة العمل ..والجمال يغزونا في عقر دارنا في الأماكن العامه وفي كل مكان ..يأخذ بتلابيبنا ويضغط علينا بلا هواده ..ولا نلقى سوي السلوك الحضاري والوعي العام وبضعة قشور كالثقافه والفكر ..وعندما يجن الليل وتسهدنا أطياف الجميلات نبحث عن تلك الترهات لتحمينا فلا نعثر لها علي أثر ..لو كنت مثل (بصله الأرعن ) جوّال بين الناس والأسواق والبيوت يقول لمن يحب بعفويته المحببه ( أنا بريدك يا فلان أو يا فلانه وأنا مكجنك يا فلان أو يا فلانه ) وعندما يسألوه لماذا يا (بصله ) لا يتردد في التصريح برأيه ..يقول لمن يعشق ..لأنك لذيذه وفنانه ولمن يكره لأنك حوامه وقطيمه ..قلبه علي طرف لسانه ولعل هذا ما جعله ضيفاً دائماً علي الحرا سه وذاك كان سبب العلاقه الوطيدة التي ربطتني به ..وكلما أواجه بقضية غامضة أو تختلط علي الأشياء أرسل في طلبه وما هي إلا ساعات وتكون كل المعلومات أمامي .
    • *******
    • ..أمل مكاوي ..أمل مكاووووي ..أيتها الصادحة بأحزاني، المسافرة في عروقي ..من أين جئت ولماذا ؟..وأنت لا تشبهين تضاريس هذه المدينة الصغيرة حيث الليل والنهار والملل ..الصباح والمساء واللاشيء ..أنت لا تشبهين هذا الحر القائظ ولا الغبار ..أمل مكاوي.. لا لا هذا كثير عليّ ..هذه النعومة والإشراق وتلك الهينمات علي الخدين قريبآ من العينين لعلك لم تنامي جيدآ ليلة البارحه ..لا لا هذا كثير عليّ ..و(بعدين ..بعدين يا طارق ) ..إثبت يا رجل وكن رابض الجأش قوي الجانب ولا تضعف ..إن كانت قد أعجبتك تقدم للبيت الكبير واطلب يدها ..وهناك ربما تسنح لك رؤية الشيخ عثمان المكاوي ..شيخ في الثمانين من العمر ومنذ عشرين عامآ لم يره أحد .. يقولون أنه بكامل صحته كثور ..متوقد الذهن كحدأه ..ولسبب لا يعلمه أحد اعتزل الناس ، والمحظوظ من يسمع صوته عبر الهاتف ..كل ما بوسعك عمله وأنت تشتري من مملكته التي تغطي كل شيء هنا أو تبيع أن تتعامل مع محاميه وإبنه الأكبر الشيخ البغدادي والد (أمل ) ..وهكذا يا أملي.. أسوار عاليه وأجواء غامضه تفصل بيننا ..إذن علي أن أطرح هذه ( البطانية اللعينة جانبآ وأنام ..وهل نمت ؟ لا أظن ذلك ..وفجأة يمزق السكون الكثيف جرس الهاتف ..لعله (النوبتجي) يزف إليّ نبأ ورود بلاغ هام.. فالساعة تقريبآ الثانية صباحاً ..وجاء صوتها ناعساً وهامساً ..
    • أظنني أيقظتك من النوم ..لا أدري فقد خطر لي ..
    - أمل ..معقول .. أظنني قفزت أو اصطدمت بالمنضدة ..بكل شيء أمامي وصرت أتخبط في الظلام باتجاه مفتاح النور ..سقطت أشياء صغيرة وأخري كبيره مثل كوب اللبن وسطل الماء ..وسادت روحي والغرفة علي السواء فوضي عارمة ..التهدم والتشتت ورعود وبروق عبرت المدي وأطاحت بسقف الغرفة ووجدت نفسي مثل جزع شجرة عملاقة تمردت علي جذورها وحلقت في سماء الأبد أو ربما هي أضواء النيون المستوحشة فوق جدار البهو الخارجي وقد وشحتها سحابة عريضة من الجنادب ..أم أنها الإغماءة والسفر في عيون المستحيل ..أمل مكاوي.. ؟مستحيل..مس ..تا ..حيل ..
    - خطر لي أن أسمع صوتك في هذه الساعة المتأخره ..مجنونه ..مش؟
    - لا طبعآ .. أبدآ ..أبدآ ..أنا سعيد بسماع صوتك ..
    - حتي وأنا أقطع عليك نومه عملاقه فيما أظن ..
    - حتي وأنت ..وهربت الكلمات من فمي ولم أعد قادرآ علي إتمام جملة واحدة ..أمل تكلمني ..بيد أنها لم تقل أي شيء حتي الآن ..هل أصرخ في وجهها وأقول لها أنا ..ماذا؟يا أمل ..ماذا أقول يا ..؟وبعد وقت ليس بالقصير استعدت ذاكرتي وعلمت من أنا ومع من أتكلم.
    • وثرثرنا قليلاً في مواضيع عامه وكأن كل واحد منا يضن علي صاحبه بلحظة صدق فيرتاح ..فماذا لو صرخت بأعلي صوتي في وجه هذه الصبية وقلت لها ..ماذا بوسعي أن أقول لها ..بربك قل لي ....وعندما وضعت السماعه ..ساد الغرفة صمت مريب لم ينتشلني منه سوي صوت آذان الفجر .
    • *******

    التعديل الأخير تم بواسطة ياسر عمر الامين ; 26-08-2014 الساعة 08:34 AM
  12.  
  13. #7
    وسام التميز الثقافي

    Array
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    الدولة
    أم درمان / الثورة
    المشاركات
    528

    أستاذي الجليل / عبدالغني خلف الله ,,,

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالغني خلف الله مشاهدة المشاركة
    أعزائي الملكة وهاتريك وياسر وأبا ياسر ..إحساس عارم بالسعادة يغمرني وأنا أحتضن كلماتكم ..محبتي لكم بلا حدود ولأبا إيثار أقول ..أنا عبد الغني خلف الله الربيع ولعلك تشير إلي الكاتب المرهف عبد الغني كرم الله .وسعدت بوجودكم معي والآن هيا للحلقة الثانية ولعلك يا ياسر تتولي التنسيق :


    • *******


    أستاذي الجميل : عبدالغني

    العتب علي النظر أستاذي ولك العتبي حتي ترضي

    تجدني حضور دوماً يهمني الحرف وكان حرفك عنوان التواجد .

    لِم كلّما أوغلت في عينيك يقتلني الظمأ
  14.  
  15. #8
    رحمة الله عليه Array الصورة الرمزية mahagoub
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    الدولة
    ودمدنى
    المشاركات
    11,330

    عبدالغنى كعادتك
    تشدو وتطربنا

  16.  
  17. #9
    رحمة الله عليه Array الصورة الرمزية mahagoub
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    الدولة
    ودمدنى
    المشاركات
    11,330

    عبدالغنى كعادتك
    تشدو وتطربنا

  18.  
  19. #10
    عضو فضي
    Array الصورة الرمزية ود الجعلي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    Khartoum, Sudan, Sudan
    المشاركات
    1,180

    عبد الغني

    من القراء الدائمون لهذه الكتابات اردت ان اسجل حضورا" ودمت بكل خير

    يمكننا الإقلال من الكلام والإكثار من العمل اليومي البسيط



    يا محمد احمد همتك صوتك امانة في ذمتك

    ما تخلي سادن قمتك

    يا يابا ياسمح السلوك

    اوعا السماسره يضللوك

    صوتك وصوت ولدك واخوك

    ربحن مخزن في البنوك
  20.  
  21. #11
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    أحبتي محجوب وود الجعلي ..كم يسعدني وجودكم هنا ..دمتما بألف خير

  22.  
  23. #12
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    الحلقة الثالثة
    • إستدعاني المقدم أزهري وأخبرني بأننا مدعوون لشرب قدح من القهوة مع الوجيه إسماعيل بمنزله بالحي الغربي من المدينه..وأمام البوابة الفخمه تلقفنا ببشاشة لا تصدق ..وقد لاحظت وأنا أتوغل في السراديب وكأن المنزل قد كان مهجورآ لبعض الوقت بالرغم من سيماء الأناقة التي تبدو علي المباني وقد غطت النباتات المتسلقة المكان وطغت علي بعض الشجيرات الصغيرة وآكام الورد ..وكان ثمة عمال يروحون ويغدون في حركة نشطة ..منهم من يعيد طلاء الجدران ومنهم من يراجع توصيلات الكهرباء ..وقد جثمت في باحة المنزل صناديق كبيرة يبدو أنها تحوي الأثاثات ..أثاثات جديدة . .ومن بين هذا الركام أطل علينا وجه رائع لفتاة وقورة ..أنيقة ..مترفة ..وواثقة من نفسها وهي تدفع أمامها خادمة صغيرة وقد أشارت عليها بوضع القهوة في ركن غير بعيد من المكان الذي كنا نقف بالقرب منه..
    • السلام عليكم ..قالت وهي تفرد يدها وإبتسامة ودودة تضيء وجهها ..
    • إبنتنا الدكتوره ندي ..واحدة من الطيور العائده التي ستنضم قريبآ لمستشفي البلد كطبيبة نساء وولاده ..وسوف تلحق بنا في طائرة الثلاثاء والدتها مني وإبني هشام المتخرج حديثآ من كلية الهندسه ..
    • سلمت وأنصرفت وقد لاحظت أن المقدم أزهري إضطرب إضطرابآ شديدآ لدرجة أن(الكاب ) ومفاتيح العربة قد سقطوا من يده ..وكان يود رد التحية بأحسن منها غير أنه فشل في إخفاء دهشته من حجم الوسامة التي شكلت الدكتوره ندي ..كانت من النوع الذيّ يعطيك الإحساس بأنك تعرفه منذ أمد بعيد ..وأنه صديق حميم أخذته منك سنين طويلة من الغياب وحين تلتقيه من جديد تخاف منه وتفترض بينك وبين نفسك أن أشياء وحواجز قد قامت بينكما وأن ثمة أناساً آخرين قد صادروا منك تلك الحميمية التي بنتها دواخلك بدأب وإخلاص شديدين وأن التفاصيل الحلوة والدقيقة حصيلة تلك الأيام قد ذهبت أدراج الرياح وقد تشعر ببعض الشجاعة إذ يرتفع (ترمومتر) العواطف لديك بتأثير اللقاء المفاجيء غير المتوقع إلي مائة درجة أو تزيد وتكتشف أنه لدي الطرف الآخر قد تجمد في مكانه أو دون ذلك بكثير ..فتأسف للصورة القديمة بحيويتها الماضية وقد سقطت من علي جدار الذاكرة وتهشمت ..وتتمني لو أنك لم تلتقيه أصلآ حتي يبقي ذلك الوميض الرائع في الذاكرة يذكرك بصديقك الغائب منذ ذاك الحين ..وكانت الدكتورة ندي مفرطة في بشاشتها للدرجة التي تجعلك تتمني لو أنك تغمض عينيك وتجدها وقد ذابت في ثناياك ..بيد أنها سلمت كهطول المطر وغادرت كلألاء البرق ..وما بين إطلالتها وانسحابها طاشت في عقل كل منا تراجيديا من الألم والأمل ..ولم يضع الوجيه إسماعيل وقتآ وهو يصحبنا نحو منضدة القهوة ..فحكي لنا تاريخ حياته وحياة أسرته بتفاصيل دقيقة وممله وبينما نحن نعود لمخفر الشرطة رسخت في أعماقي ما قاله عن ماضي والده (كان الوالد رحمه الله يعمل مديرآ لأعمال مكاوي عثمان المكاوي الجد .)
    • *******
    • غادرت أمل إلي الخرطوم لحضور مناسبة عرس إبنة عمها ملاذ ..فغادرتنا المدينة إذ غادرت ..وعجبت كيف استطاعت صبية صغيرة كأمل أن تختصر المكان والمجال وقوانين الجغرافيا ..فبعد أن كانت مدينتنا الوادعة في وجودها خضراء متالقة ..فسيحة وكثيرة الثراء ..باذخة الأناقة .. تحولت فجأة بمجرد قراءتي للوريقة التي بعثت بها إليّ مع الخادمة إلي مدينة بلا طعم ..تكلست في سمائها تلك الأنسام الرقيقة وصمتت في زواياها الموسيقي ..لماذا يا أمل ؟..لماذا أنا من دون بقية الخلق من يتحمل أوجاعك ونزواتك ..تسافرين وتغيبين كما تشائين ..تأخذينني في أحاديث طويلة لا تنتهي ..ليوم أو يومين وأظل مصلوبآ لأسبوع كامل والصوت الدافيء لا يجيء لا يجيء ..فلا أملك سوي أن أتمزق ولا أجد سبيلآ للنسيان ..كما تشائين يا أمل كما تشائين .
    • وكما للسعادة وجوهآ لا تخطؤها العين كذلك التعاسة ..فقد سألني المقدم أزهري ما بك يا طارق ..وسألني الوجيه إسماعيل ..مابك يا رجل وسألتني الدكتورة ندي ..هل تشعر بشيء ..؟ كذلك سألني الحلاق والخباز والمضمون والطاهية ..فهل أقول لهم أن صبية لا تعرف حتي اليوم كيف تمشط شعرها فتدع خصلاتها للريح يفعل بها ما يشاء وأنها تضحك بصوت يماثل رقرقة الماء في الهضاب البعيدة وأنها فوضوية وساحرة ولا تذاكر دروسها كما ينبغي.. قد أورثتني الأسقام والأمراض ..بأن سافرت لحضور حفل زفاف ولعلها الآن في أوج سعادتها ولم تدرك رأسها الصغيرة بأن في سفرها عذابي ..هل أقول لهم وأزيد ..أم أكتفي بأن أحدث كل واحد منهم بأسباب لا تمت للحقيقة بصله ..كأن أقول لهذا إنها الملاريا اللعينة والحمي ..نعم الحمي التي تصهرني دون هوادة أم أغمغم كتلميذ راسب في كل المواد ..أو أتذرع بالإرهاق البسيط ؟ ربما من الأفضل لي أن أكتفي بهمهمات تبعثرها شفاه يابسة ثم ألوذ بالصمت ..أمل مكااااوي ..سامحك الله .
    • *******

  24.  
  25. #13
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    الحلقة الرابعة
    • -ماذا حدث يا فيصل ؟ حدثني بدون لف أو دوران ..
    - بصراحه بصراحه يا جنابو ..الحصل أنو مفتش التعاون وصل أول أمبارح ..ودعا ناس الحي الغربي في النادي عشان يكوّنو ليهم جمعيه تعاونيه شنو كده أغراض ..
    - متعددة الأغراض ..وبعدين حصل شنو ..
    - أها الناس إتلملمت الأعمي شايل المكسر ..قام مفتش التعاون خطب فيهم وإتكلم عن فوائد التعاون والتعاون كويس ..
    - وبعدين يا فيصل خش طوالي في الموضوع..
    - ما تصبر شويه يا جنابو ..قام يا سيدي اللمنتي ليك المفتش قال لينا لو في زول عندو سؤال يتفضل ..قامت سميره الأميره سميره الخطيره ..سميره الرايقه المهذبه ست البنات ..س
    - يا فيصل بطل الثرثره ووريني الحصل شنو أو إتفضل أطلع بره ..
    - لكن سميره ما ختت كلام ..المفتش إتلخم ..نان ما قمره عديل وعلي التوب الأخضر.. الخلوق دي كلها سكتت التقول صبت فيها مطره ..
    - لا إله إلا الله ..
    - محمد رسول الله ..خلاصة الكلام ..أنا كنت قاعد قريب من صف النسوان ..قدامي تلاته أولاد أغراب ..سمعت واحد فيهم قال لزملاتو ..الوقت مناسب لتنفيذ التعليمات ..وقام من محلو خطف المكرفون من سميره وقال ناس التعاون حراميه أكلو قروش الطاحونه ..وقام دفر سميره لغاية ما إترتحت ..والعكاكيز إشتغلت ..وشي بالكراسي ..والنور قطع والإجتماع إتفرتق ..
    - التعليمات !!؟ ..تعليمات منو ؟
    • نامت المدينة وفي ذاكرتها دوّي ما حدث لمفتش التعاون وهي لا تكاد تفهم شيئاً ..وكانت الشرطة أكثر حيرة من غيرها ..فبعد أن سيطرت علي الموقف ونقلت المصابين للمستشفي بحثت عن الرجال الثلاثه الذين تسببوا في الشغب ولم تعثر لهم علي أثر ..وظلت كلمة(تعليمات ) ترن في أذن طارق يقلبها في ذهنه وهو يتقلب علي فراشه ..
    • تري من تكون سميرة هذه التي يلقبونها هنا بالأميره ..إنها رئيسة شعبة اللغة الإنجليزية بمدرسة البنات ..عاشت طفولتها بالخرطوم حتي الجامعه وكانت لا تأتي إلي هنا إلا في العطلات فقط لزيارة بقية العائله ..تحس وأنت تراها لأول مره إحساسآ غريبآ هو مزيج من الدهشة والإنبهار والإعجاب المدمر وتتمني لو أنها تمت لك بصلة ما حتي تجدها أمامك كل يوم ..مطلقه من مليونير خرطومي تعرفت عليه من خلال شقيقته الطالبة في كلية الآداب بتلك الجامعة العريقه ..وكانت هي قد تم إعتمادها في ذاك العام كمعيدة بالجامعة في مادة اللغة الإنجليزيه ..كانت تحاضر في الشعر الإنجليزي وكانت لها رؤيتها الخاصة بها حول الشعر والشعراء ..إنها تعتقد فيما سمعت .. بأن الشاعر والقصيدة يتآمران علي المتلقي ويوقعانه في مصيدة المشاعر الغامضة والمشوشه وأن المتلقي يعايش القصيدة بإحساس صادق بينما الشاعر ليس سوي صانع للأكاذيب الجميله ..الشاعر من وجهة نظرها هو مهندس القصيدة والمتلقي هو الساكن الجديد للقصيده ، يسكنها وتسكنه ..وسرعان ما ذاعت شهرتها في الجامعة ..وكانت أينما ذهبت يتحلق حولها الطلبة والطالبات ..وهي مدافعة قوية عن حقوق المرأة وتحفظ عن ظهر قلب كل النصوص المتعلقة بذلك إن كان علي صعيد المعاهدات الدولية أو كان علي صعيد القوانين المحليه وهي تؤمن بأن المرأة السودانية ضحية لمجتمع ساهم بشكل أساسي في جعلها متواضعة وخجولة ولا تعرف كيف تعبر عن نفسها واحتياجاتها النفسية والعاطفية ولا تمارس الرياضة فيؤثر ذلك علي بنيتها الجسمانية والجماليه فهي لذلك تطالب بساحات وميادين خاصه بالمرأة فقط بعدد ما يتوافر للرجال .. وهي تعتقد أن الرجل في كل الأحوال مغرور وأناني ..وعندما تزوجت شقيق تلميذتها الثري الأنيق إعتقدت خطأ أن مظهره الخارجي يعكس إنسانآ متفردآ في فهمه للحياة..بيد أنها إكتشفت بعد شهر واحد من زواجهما بأنه ليس سوي دعّي أجوف ..فطلبت منه الطلاق فلم يتردد في تطليقها بعد أن إكتشف هو أيضآ بأن هذه المرأة أكبر فيلسوفة في القرن العشرين وهو لا يطلب سوي زوجة تطيعه في كل شيء ، تصنع له الطعام وتغسل له جواربه وتعيد أزرار قمصانه إلي موقعها كل صباح ومن ثمّ تنتظره آخر النهار وقد أعادت ترتيب المنزل وأطلقت شيئآ من البخور ..بعد أن تكون قد جهزت وجبة الغداء ..إنه لا يريد زوجة تنكب ليل نهار فوق الكتب وتدفن نفسها في ثنايا المراجع وتقول له وهي منهمكة في القراءة ..الأكل جاهز في الثلاجه ..helpyourself))..لذلك طلقها بمجرد أن طلبت منه ذلك ..فما كان منها إلا أن حزمت حقائبها وغادرت الخرطوم نهائيآ لتعيش في هذه المدينة كمعلمة لللغة الإنجليزية وقد وهبت نفسها ووقتها لقضايا المواطنين هنا ..لذلك لم يكن مستغربآ أن تحظي بمحبة وتقدير الجميع ..ولكن ..تعليمات من ؟ النقيب طارق وقد عاد من تأملاته في شخصية سميره وبدأ يفكر من جديد حول حادثة مفتش التعاون ..أحيانا يصرفه عن التفكير فيما حدث خيال أمل ..يوشوشه بكلام لذيذ ..كلام يتمني أن يسمعه منها ..بيد أنها تبخل عليه بمثل هذا الذي يريد ويبدو أن الهدوء الذي يميز تلك المدينة يخفي في إهابه الكثير من الأحداث الصغيرة والمفاجآت فقد قطع عليه تأملاته شيخ وقور ليبلغه هو شخصيآ بلاغآ جنائيآ لا يستطيع إيداعه مكتب البلاغات ..رحب به طارق وأجلسه قريبآ منه وطلب منه أن يقص عليه الحكايه ..تردد الرجل برهة وبعد مقدمات طويله دخل إلي لب القضيه ..قال له : عدت إلي منزلي بعد صلاة الفجر وفوق عتبة الدار وجدت كومة من الملابس منسية هناك.. أخذتها إلي الداخل وقد خمنت أن شخصآ ما قد جلس فوق الدرج ليلتقط أنفاسه ونسيّ حاجياته وهو يغادر وقبل أن أتوغل تمامآ داخل منزلي شعرت أن ثمة شيء يتحرك من بين ثنايا الملابس .. ناولتها لزوجتي وعكفنا سويآ علي إستجلاء الموضوع ، وفوجئنا بطفل حديث الولادة وقد أصابه البرد والعطش والوهن وكأنه يحاول أن يصرخ فلا يغادر صوته فمه ..دهشنا من شدة المفاجأة التي كان وقعها علينا عظيمآ وأسرعت زوجتي لتأتي بشيء من الحليب تجرعه الطفل بتلهف ينم عن مدي ما يكابده من ظمأ وجوع ..وشيئآ فشيئآ عادت الدماء لوجهه من جديد ونام بين ذراعي زوجتي في اطمئنان وسعادة لا تخطؤها العين ..زوجتي المحرومة من أبنائها المبعثرين في أوروبا والخليج بذرت بين حنايا الطفل كلما اختزنته من حنان طوال سنين عديدة ووسدته صدرها وضلوعها وكأنها أمه الحقيقية وعندما قلت لها سأذهب لأبلغ الشرطه بما حدث بكت بكاءآ مرآ ورجتني ألاّ أفعل ولكن مسؤوليتي تحتم عليّ أن أفعل ..أمرت السائق بتجهيز العربة والكلام هنا لطارق وتوجهت مع ذلك الرجل نحو منزله وكانت أكثر من مفاجأة بإنتظارنا ..إذ تلقتنا الزوجة لدي الباب والفرح يلون وجهها الطيب ..قالت لنا : لقد رضع الطفل ..حضرت فتاة تبحث عن عمل وعندما طلبت منها أن ترضعه لي وافقت وسرعان ما التقم الطفل حلمة ثديها وراح يرضع بدأب شديد ..كانت الزوجة سعيدة بما أنجزت وطلبت مني أن أدع الطفل وشأنه فالخادمة الجديدة سترضعه لها ..دعه لنا يا جناب الضابط يؤنس وحشتنا بعد أن سافر الأولاد في بلاد الله الواسعه ..طمأنتها بأنني لن آخذه منها وطلبت من تلك الصبية أن تتبعني ، وفي غرفة مجاوره سألتها بحزم وإيجاز شديدين ..هل أنت أمه ..في البداية فوجئت بسؤالي بيد أنها سرعان ما استعادت هدوءها من جديد ..لكنها صمتت ولم تنبس ببنت شفه ..أعدت عليها السؤال بشيء من الخشونة والتهديد فجاوبتني دموعها التي انهمرت بغزاره ..من فعل بك هذا ؟ تماسكت قليلآ وهمست في حياء شديد ..إنه إبن السيد .. السيد الذي أعمل عنده …أي سيد ؟ ..(صمت)..أنت إذن لا تريدين الإفصاح عنه ؟ ..لن أتكلم مهما فعلتم بي .. هل علم أحد من أهلك بالأمر ؟ لا ..لا أحد يعلم ..أين منزلكم ؟ ..إنه خارج المدينه ..وتعلم أسرتي أنني أعمل مع السيد في البيت الكبير ..ومن ثمّ عدت من جديد للرجل وزوجته وأخبرتهما أنه بإمكانهما الإحتفاظ بالطفل دون خوف ..وكانت فرحة الزوجة عظيمة ..وأخذت معي الزوج ليوقع لي علي بعض الأوراق ريثما يعود لمنزله من جديد

  26.  
  27. #14
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    الحلقة الخامسة
    عدت إلي منزلي وكنت بصدد القيام صبيحة الغد بمامورية هامه لذلك قررت أن آوي إلي فراشي مبكرآ تلكم الليله ..بيد أنني لم أنم ..حاولت بكل ما أملك من خدع وأساليب أستدرج بها النوم بلا فائده وعوضآ عن ذلك فاجأتني ذكريات قديمة ..منها ما أعادني إلي طفولتي ومنها ما أعادني إلي أيام كلية البوليس ومحطات في حياتي هنا وهناك عن بدايات أحزاني وهزائمي وحبيباتي ..حبيباتي ..؟! (أين حبيبات عينيك ..؟..كنت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق ) ..هل تذكر عاتكه ؟ إلتقيتها في القطار السريع المتوجه نحو الخرطوم ..كان كل شيء يضج بالزعيق والغبار إلا عيناها ……كانتا كبحيرتين ساكنتين .. تناولت منها حقيبة يدها وساعدتها علي صعود القطار وأفسحت لها مجالآ حيث كنت تجلس والآخرون .. يا للرقة والحياء والوسامة .. والدها كان يعمل بالجزيره وكانت في طريقها لقضاء بعض الوقت مع جدتها بأمدرمان ..كنت تسأل وهي تجاوب بما يشبه الهمس .. أها ..آآها وعندما طلبت منها أن تعطيك عنوانها إعتذرت في تواضع جم وقالت إنها تفضل أن تأخذ هي عنواني ..قلت لها وأنا أضعها داخل عربة أجره .. سأنتظر خطابآ منك يا عاتكه .. وبعد بضعة أيام حمل لي البريد رسالة منها تتكون من بضعة أسطر .. أنا مخطوبه وأحب خطيبي وأتمني لك السعادة في مقبل أيامك .. آه يا ولد .. دائمآ تواجه بالرفض وإلا كيف يكون الرفض إذن ..( أين حبيبات عينيك .؟ كنت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق ) ..هل تذكر أنسام ..كانت تكتب الشعر والشعر يكتبها.. فما أعجب من قصيدة تكتب قصيدة ومن شعر يكتب شعرآ ..قالت لك خطيبي يعذبني .. وأنت ألا تعذبينني ..؟ قالت لك نسيني خطيبي الغائب منذ ثلاث سنوات ..فهو لا يكلف نفسه مشقة الكتابة إليّ ..وأنت ألم تنس أن ..ماذا ..؟ لا يا ولد ..يكفيك أنك عشت عصر أنسام وأن عينيك إكتحلتا بذلك السحر الآسر .. بيد أن الخطيب الغائب عاد فجأة وبسرعة غير مسبوقة تمت مراسم العرس وكأن العريس قد إكتشف عندما عاد أي جوهرة يمتلك ..لذلك أخذها وغادرا البلاد علي جناح السرعة ..يكفيك يا هذا أنك إلتقيت ذات يوم أنسام وسبحت في بحار عينيها بالساعات الطوال ..(أين حبيبات عينيك ..؟ كنت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق )..هل تذكر شروق تلك البرجوازية الصغيره ..قال لك صديقك والذي هو في الواقع إبن عمها ..مجنون من يتقدم لخطبة شروق .. من أين له تلبية طلباتها التي لا تنتهي ..فإذا كان والدها الميسور الحال ينفق بلا حدود علي وحيدته ..فماذا يفعل ضابط محدود الدخل مثلك .. ولكنك أحببتها بجنون ..وقد أعطتك أسرتها الضوء الأخضر ..فهيا تقدم يا ولد ..وكنت سأتقدم لولا وريقة صغيرة تركتها لي فوق مقعد عربتي تقول لي فيها إنها علي وشك الإرتباط بمن تحب وهي تخشي إن أنا تقدمت لطلب يدها أن تقبلني أسرتها.. أما هي فسوف ترفض بكل تأكيد .. ساعتها ستسوء الأجواء بينها ووالدها الذي تحبه من أعماقها ولن تسمح لأي كائن كان أن يكدر صفو العلاقة بينهما .. هكذا إذن.. رفض وتهديد .. وكثيرآ ما تواجه بالرفض يا ولد ..( أين حبيبات عينيك ..؟ كنت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق ..) ..هل تذكر سلافه ساحرة الوجنات ..ولبني الخائنة ..المخادعة وسكيني بعيونها الجديده ..( بل أين حبيبات عينيك ؟ كنت زمانآ ترقش وجدانهن بالكلام المنمق .)
    • *******
    • وبينما أنا بين اليقظة والنوم ..رن جرس الهاتف ..تري من يكون المتحدث في هذه الساعة المتأخرة من الليل وأمل بالخرطوم ..هل تكون هي وقد إتصلت من الخرطوم ..رفعت السماعة وفي تثاقل واضح ..
    - ألو ..منو معاي ..
    - أنّي تكونو تدرككم أمل ..
    - أمل ..!!معقول ؟ ضاربه من وين ..؟
    - من بيتنا طبعآ ..
    - وصلت متين ؟
    - اليوم فقط ..
    • وتبادلا كثيرآ من الهمسات والمشاعر التي ظلت سجينة صدريهما ..قال لها إنه في مشكله حقيقيه ..إذ أنه لا يكاد يتوقف عن التفكير فيها وقالت له إنها قطعت زيارتها للخرطوم ..حتي تكون قريبة منه ..
    • الخرطوم يا طارقكانت بالنسبه لي عباره عن سجن كبير ..ناس العرس تشبثوا بحضرتنا ولوّحو بسيره بالطياره من الخرطوم للقاهره ..وبحفلات فيها شرحبيل وود الأمين ومجذوب أونسه ..لكن ده كلو ما دخل لي في راسي ..
    - معقول تسيبي ده كلو ..؟
    • وسكن الليل وناما، غير أنهما واصلا تجوالهما في الأحلام والتنهدات ..أحيانآ تجرفهما الحكايا الطريفة فينخرطان في ضحك هو أقرب للهستيريا وأحيانآ يلوذان بالصمت الرهيب ..وعندما قررا إنهاء المكالمه ..طلب منها طارق أن تضع سماعة الهاتف أولآ ..وأصّرت هي علي أن يضع هو السماعه أولآ ..قال لها طارق إنه لا يريد أن يرتكب جرمآ كهذا ..وبما أنها هي التي بدأت المكالمة عليها أن تنهيها ..وأن يكون هذا هو ديدنهما في المرات القادمه ..إحتجت أمل بحجة أن هذا الشرط لا يجب أن يسري بأثر رجعي ..وأخذت منهما هذه القضية حيزآ كبيرآ من الوقت ..وأخيرآ طلبت منه أن يردد ..( واحد ..إتنين ..تلاته ) ومن ثمّ يضعان السماعه في توقيت واحد .
    • *******

    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالغني خلف الله ; 02-09-2014 الساعة 12:31 AM
  28.  
  29. #15
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    الحلقة السادسة
    • طلب مني المقدم أزهري أن أنضم إليه لنذهب إلي المطار لنكون في إستقبال أسرة الوجيه إسماعيل ..وعند مفترق الطريق المؤدي إلي المطار تقابلنا مع الوجيه إسماعيل وكانت تركب معه إبنته الدكتوره ندي وعلي ظهر العربه لمحت بصله الأرعن وفيصل ..هكذا هما بصله وفيصل ..بإمكانهما القفز فوق أي عربة متحركة دون أن يسألا حتي إلي أين ..فليس وراءهما شيء يفعلانه سوي التجوال ونقل الأخبار وإطلاق التعليقات المرحة علي جميع مواطني المدينه بلا استثناء والحق يقال ..لا يدخران وسعآ في بذل طاقتهما البدنية والذهنية في مساعدة كل من يطلب المساعده وهما يشكلان حضورآ كثيفآ في دار الرياضة الصغيرة ومن ثمّ يعطيان المكان نكهة خاصة فيها المرح وأحيانآ يثيران التوتر فيطردهما الحكم إلي خارج الملعب ويوقع عليهما الإتحاد عقوبة الحرمان من حضور المباريات ولكنه يعود وبعد حين فيرفع عنهما العقوبه عندما يكتشف أن الدار بدونهما ساكنه .. ممله ..عديمة الحيويه ..وهما من ينصب (الصيوان ) ويجهز المكان في مناسبات الأفراح والأتراح و في نفير البناء و قيادة الهتاف والزعيق والتصفيق عندما يزور المدينة مسئول كبير ..أين يقيمان ؟ ..ليس لهما مكان محدد ..فكل منازل البلد مفتوحة وجاهزة لإستقبالهم ولا تتورع الصبايا في الظهور أمامهما بدون ثوب ..فالكل يسلم بهما كأمر واقع مثل الربوة المطلة علي المدينه وشجرة الحراز العملاقة وسط السوق ..لذلك رحب بهما الوجيه إسماعيل عندما هما بالركوب في ظهر العربه فلا أقل من مساعدتهم له في تحميل الحقائب وإنزالها وإعادة ترتيب المنزل بالصورة التي تنال رضاء المدام وقد يعلم الوجيه إسماعيل قبل غيره كم هي ساخره وحاده عندما يتعلق الأمر بنظافة المنزل وترتيبه ..لذلك بذلت الدكتوره ندي مع الخادمه أقصي ما يستطيعان من جهد لإعطاء المنزل الضخم لمسة من الجمال والأناقه ..نثرتا المزهريات هنا وهناك ونضختا شيئآ من عطر الورد والبخور في بهو المنزل وغرفه الكثيره .
    • ترجل الجميع أمام بوابة الجناح المخصص لإستقبال القادمين بالمطار المتواضع وظلت أنظار المستقبلين تقرأ الأفق الغربي بحثآ عن أثر للطائره ..وكان بصله أول من نبه لنقطة الضوء الصغيرة التي بدأت في الظهور ..وهو يتقافز في فرح طفولي عارم ..
    • تأخرت المدام في النزول إنتظارآ لتدافع المسافرين الذين أرهقتهم المواعيد المؤجله لأكثر من مره مما أضّطرهم للمبيت في مطار الخرطوم ..وأخيرآ أطلت مني وهي تتشامخ كأميره ..وكانت بحق الأكثر أناقة ووسامة من بين جميع القادمات في تلك الرحله ومن خلفها ظهر المهندس هشام وهو يلوح لوالده وشقيقته الدكتوره ندي بأشواق وحب ..وكانت الدكتوره ندي قد حضرت وهي لمّا تزال ترتدي (الروب ) الأبيض الشيء الذي يرجح إحتمال أن يكون الوجيه إسماعيل قد إصطحبها معه من المستشفي مباشرة ..وقد كان طارق يتابع من طرف خفي الإرتباك والتوتر اللذين يسيطران علي المقدم أزهري وقد وجد نفسه وهو يقف علي بعد خطوات من الدكتوره ندي تغمره لمسة رقيقة من عطرها المنساب مع الهواء الطلق في الفناء الواسع أمام المدرج ..
    • أخذ المهندس هاشم والده بالأحضان وهو يتمتم ( إزيك يا عم ..كيفك ؟) ..إن لأبناء الذوات هؤلاء عجائب لا يفهمها النقيب طارق ..فالأب ينادي إبنته بال(ماما ) والولد يقول لأبيه يا عمي والزوجه تنادي الزوج ب (يا بابا )..اين (يمّا) ..و(يابا ) ..إنهما أكثر حميمية وواقعيه ..أما المدام فقد إكتفت بتحية مستقبليها بإيماءة صغيرة وأفردت يدها للوجيه إسماعيل تسلم عليه و كانت تمسك بيدها الأخري فيما يبدو لوحة عملاقة داخل إطار فخم تجسد صورة أسد ولبوة وهما يتعاركان مع بقرة وحشية تناضل بشراسة من أجل البقاء ..وكاد بصله أن يسقطها أرضآ وهو يسارع بحملها عنها فانتهرته بصوت عال أطار صوابه ..كانت تبدو رائعه وجميله مع قدر كبير من الأنفة والكبرياء ولا يدري المقدم أزهري لماذا تذكر في تلك اللحظة بطلة الرواية المعروفه ( المرأة أصلها أفعي ).
    • *******

  30.  
  31. #16
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    الحلقة السابعة
    • ذهبت إلي منزل الباشكاتب أعوده إذ تغيب عن العمل بضعة أيام وأنا أشعر تجاهه بنوع من المسئوليه ..فلا أحد يهتم به في عزلته تلك ..وجدته في حالة يرثي لها من التعب والأعياء وبدأ لي وكأنه شيخ في السبعين من العمر ..قلت له مداعبآ ( أنا أخوك يا الكنينه ) ..ولم أكن أدري أن مزاحي معه سيحوله إلي تلك الحاله المفاجئه من الإرتعاش والهذيان بمجرد نطقي لذاك الاسم ..( عمي لا ..يابا الرشيد ..سهام لا ..سهام ..) ومن ثمّ راح فيما يشبه الإغماءة القصيره ..فكرت في نقله للمستشفي بيد أنه أفاق بعد ثوان وعاد طبيعيآ ..( جنابو ..أهلآ وسهلآ ) ..كفاره يا بشكوت أفندي ..ما نمشي المستشفي أحسن ..لا لا ..أنا كويس ..كويس والله العظيم ..وشنو الحكايه ؟ يابا الرشيد وسهام ..إنتفض في ذعر لا تخطئه العين ..معقول وأنا صاحبك ..ما توريني الحاصل شنو ..إنت منو وجيت من وين يا مامون ؟ أرجوك تصارحني بكل حاجه وأعدك بالمحافظه علي أسرارك مهما كانت ..رانت علينا لحظة صمت قاتله و ..في الحقيقه أنا كذبت عليكم فيما يتعلق بشخصيتي وإسمي وحاجات كتيره يا جنابو ..خمستاشر سنه وأنا أحمل إسمآ غير إسمي وأعيش واقعآ مهنيآ لا صلة لي به وكل ما حولي مزور وزائف مع سبق الإصرار والترصد وعلاقتي مقطوعة تمامآ مع أسرتي ..الوالد والوالده وأخواتي وأخواني وكل ناس حلتنا بعد ما زوّرت إسمي ووظيفتي وكل شيء يخصني ..أصابني نوع من الذهول وانعقد لساني من المفاجأه ..يعني إنت ما ..أيوه ..إسمي الحقيقي كمال وأنا خريج بيطره من إحدي الجامعات المصرية وبعد التخرج تقدمت لخطبة إبنة عمي سهام ..لكن عمي فضل تزويجها لإبن شقيقه لأمه وأبيه ورفضني لأن والدي شقيقه لأبيه فقط ..ولأشياء ومشاكل قديمة صاحبت زواج جدي من والدة أبي كزوجة ثانية ضد رغبة أسرته وبالطبع والدته الزوجه الأولي ..هذه المواويل المتكرره منذ روميو وجوليت غيرت مجري حياتي وأحالتني إلي متشرد كما تري بنفسك ..لكن سهام شيء آخر ..سهام حياتي ..عمري ..طفولتي وذكرياتي ..نشأنا وترعرنا في ( حوش ) واحد ..كنا لا نفترق أبدآ ..نذهب إلي النهر ونسبح كصديقين حميمين ونستلقي فوق رمال الشاطيء نتواثق ونتعاهد علي ألاّ يتخلي أحدنا عن الآخر عندما نكبر ,,كنا نلعب ( عروس وعروسه ) تزفنا جموع الأطفال في سننا بالزغاريد والطبول الصغيرة إلي منزل عباره عن دائرة كبيرة تحت سقف الصخور الناتئة عند الشاطي وعندما تسألها شقيقاتها الكبار وعماتها وخالاتها ..من هو عريسك يا سهام ؟ تتواري خجلآ وتهمس لهن ..كماال..كمال ؟! كانت حين تفاجؤنا العاصفة أو الأمطار تندس بين حنايا ضلوعي ووقتها كان إحساسآ غامضآ يعتريني لا أدرك له كنهآ سوي أنني أضم إلّي كنزآ ثمينآ إسمه سهام وأنه يخصني وحدي وكنا نتبادل الدفء الأخوي والهمسات والوشوشات ونضحك ..نضحك مما يثير غيرة رصفائنا من الأطفال الصغار ..فنشأت ثنائيات هنا وهناك ..كنت تجد هاجر والفاتح ..فتحيه و سليمان ..فاطمه والطيب..وكنا نحن من أوجد ذلك التقليد ومن ثمّ أصبحت كل واحدة من أولئك الآنسات الصغيرات دائرة محرمة علي من تنتمي إليه ولعل ذلك كان واحداً من أسباب الشجار اليومي لا سيما عندما يحضر طفل جديد إلي دنيانا لا يعلم بأن ثمة إرتباطات قد توطدت ..وهكذا ضاعت سهام وإلي الأبد ..كان هاجسي وأنا في الثانوي وطموحي وأنا في الغربة طالبآ بكلية البيطره ..يعني إنت إسمك كمال وليس ..؟! نعم يا جنابو إسمي كمال الحاج عمر وأنا من ..( تردد وحيره ) ..من وين يا كمال ؟ ,,وخرجت من عنده وأنا لا أكاد أصدق ماسمعت ..وقد أخبرني أنه وفي ليلة زفاف سهام المغلوبة علي أمرها ..إنسل خارجآ تحت جنح الظلام وغادر القرية بعد أن ترك رسالة قصيرة لوالده ووالدته تقول ( أعفوا عني ولا تكلفوا نفسكم عناء البحث عني وسأعود بإذن الله العلي القدير ) . . خمستاشر سنه يا كمال ..معقول ده يحصل ؟ وكان عليّ أن أتصرف بسرعه وهذا ما فعلته بالضبط .
    • *******

  32.  
  33. #17
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    الحلقة الثامنة
    • طارت الكنينه بأجنحة الريح في ذلك الصباح المشرق إثر تلقيها نبأ العثور علي مكان الدكتور كمال أو الباشكاتب المزّور مامون ..وصارت تدق أبواب سكان القرية الواحد تلو الآخر ( يا خالتي آمنه ..دكتور كمال لقوه ..دكتور كمال عايش ..يا ناس.. أخوي كمال عايش ..هوي يا الحبان ..كمال أخوي عايش ) ..وكان صراخها يختلط بالبكاء والهياج ..وكنت تجد من بنات الأسره من تخرج لملاقاتها خارج المنزل حتي دون أن تضع شيئآ من الثياب عليها تأخذها بالأحضان وتبادلها البكاء والنحيب .. لعلها دموع الفرح سالت مدرارآ علي تلك الوجوه المتعبة وجوه ناس (الحله) وجوه العمات والخالات ..أما والده الحاج الرشيد فقد إلتزم الصمت التام وقد إبتلع مشاعره المتفجرة وشعر أنه سيبكي لو فتح فمه بكلمة واحده ..لذلك كان يكتفي بمصافحة المهنئين وهو يرتجف من شدة التأثر دون أن ينبث ببنت شفه ..وكانت ردة فعل والدته أقصوصة سارت بها الركبان ..فقد إعتزلت الحلو والمر منذ رحيل كمال ..وتمددت الأمراض فوقها تنهش بقايا جسدها النحيل وظلت حبيسة غرفتها وسريرها خمسة أعوام كاملة ..بعد أن يئست تمامآ من عودة كمال ..ولكن ما أن وصلها الخبر حتي نهضت تحجل إلي فناء الدار بل وإلي الشارع وهي تبكي وتولول ( جيبوا لي ولدي ..جيبوا لي ضناي ) ..وطرق الخبر مسامع إبنة عمه سهام ..فأغمي عليها وعكفت شقيقاتها يضعن شيئآ من العطر وبعض الماء بين عينيها وعلي رأسها ..بيد أنها همدت تمامآ ..ولولا ذلك الأنين الخافت الذي ينبعث من بين ثنايا شفتيها وترديدها لإسم كمال لاعتقد الجميع أنها فارقت الحياه ..لقد رضخت سهام لمشيئة والدها وتزوجت من إبن عمها ولكنها عادت وأحالت حياته إلي جحيم لا يطاق ..فطلقها بالثلاثه ولم يمض شهر واحد علي زواجهما ..ولو أن كمال كان قد صبر قليلآ ..لكانت من نصيبه .
    • نحرت الذبائح واستعادت سهام وعيها وتماثلت للشفاء من هول المفاجأة التي كادت أن تقضي عليها ..وتساءل الناس عن تلكم المدينة البعيدة التي إستقر بها كمال وقد أسعدهم نبأ وقوعها علي خارطة السكه حديد ..وشرع الحاج الرشيد في تجهيز نفسه للسفر وقد قرر أن يصطحب معه الكنينة لعلمه التام بمدي الحب الذي كان يكنه لها كمال وهي طفلة لم تتعد الخامسة حين تركهم وغادر البلده ..آه يا كمال لو تعلم مقدار الحب الذي يكنه لك أهلك لما فكرت في الرحيل بعيدآ عنهم والإنزواء في ذلك الركن القصي من الكون ..خمسة عشرة عامآ يا دكتور وأنت تعيش بشخصيتين ..خمسة عشرة عامآ وأنت تعايش الغربة وتتعاطي الحزن والإنكسار ..أي إنسان أنت يا كمال ..ألهذا الحد غالية عندك سهام ..وهل يعني فقد إمرأة نهاية الكون يا رجل ..لا لا يا عزيزي كمال ..لست وحدك من فجعته الأيام بفقده إمرأه ..ولكنهم صمدوا كرجال أقوياء لا تهزهم الأحداث ..ضمدوا جراحاتهم وواصلوا رحلة البحث عن أخريات ..ولكن سهام شيء آخر يا جنابو طارق ..سهام هي حياتي ..روحي وثمرة فؤادي ..فماذا تبقي لديّ بعد أن أخذوها مني ..ووالدك وأمك والكنينه ..أليس لهم مكان في ضميرك ياكمال ..؟!!
    • *******

  34.  
  35. #18
    عضو فضي
    Array الصورة الرمزية ود الجعلي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    Khartoum, Sudan, Sudan
    المشاركات
    1,180

    غنيٌ وثريٌ هذا الترتيب والحبكة و تفاصيل التفاصيل انها حرفة وليست مجرد هواية

    رائع جدا

    يمكننا الإقلال من الكلام والإكثار من العمل اليومي البسيط



    يا محمد احمد همتك صوتك امانة في ذمتك

    ما تخلي سادن قمتك

    يا يابا ياسمح السلوك

    اوعا السماسره يضللوك

    صوتك وصوت ولدك واخوك

    ربحن مخزن في البنوك
  36.  
  37. #19
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    أشكرك من كل قلبي عزيزي ود الجعلي علي هذا الحضور الأنيق ومعاً ندلف لعوالم الكنينه وأخواتها :
    الحلقة التاسعة
    • حضرت إليّ بمكتبي الأستاذه سميره لإستكمال بعض الإجراءات فيما يتعلق بحادثة الإعتداء التي تعرضت لها لدي إجتماع التعاون ..وكانت آثار جرح صغير لا تزال بادية للعيان فوق وجنتها اليمني ..قلت لها مداعبآ لو كنت في مكانك لطلبت من الجاني جرحآ صغيرآ علي الجانب الأيسر من وجهك ..لقد أضاف لك ذلك الجرح الصغير جمالآ لا مثيل له وكأن من قام به إخصائي جراحة تجميل وليس مجرمآ ..ضحكت من أعماقها وقالت لي أنت تبالغ يا طارق ..وهذه ليست المرة الأولي التي أسمع منك فيها مثل هذا الإطراء ..هل تحبني أم ماذا ؟..ما الذي يجعلك تغتنم كل شاردة وواردة بتذكيري بأني جميلة وأنيقه ..لقد بدأت أشك في أنك ربما لاحظت أنني أذبل وأتهدم بفعل الزمن والظروف وتحاول منحي بعض المعنويات ..لكن لا يهمك ..فسوف يبقي ذلك الجرح وسامآ أعتز به كمدافع حقيقي عن الناس الغلابة والمحرومين ..ولا أظنك لا تعلم حتي اليوم المحرض علي إفشال الجمعية العمومية للتعاون .. ألا تقولون أن الدافع للجريمة حين يكتشف تكون ملابسات القضية قد بانت ..ها .. من هو صاحب المصلحة الحقيقية في عدم قيام كناتين تعاون بهذه المدينه ؟ولماذا يفتح شخص واحد ثلاثين بقالة في شتي أنحاء المدينة وجميعها تحمل إسم البغدادي ..مرات واحة البغدادي أو مركز أغذية البغدادي ..أليس هذا هو الإحتكار بعينه ..هل تذكر أحداث الشغب التي وقعت الشهر الماضي عندما إختفي الكبريت فجأة وصار الباعة الصغار يبيعونك عودآ واحدآ أو إثنين من أعواد الثقاب بخمسين جنيهآ .. لماذا في كل شهر تختفي سلعة واحدة دون سواها ..هذه الأيام مثلآ لا يوجد معجون أسنان بالبلد ..لماذا ؟ ..قلت لها مهلآ يا أستاذه هل ستتحول معلمة اللغة الإنجليزية الساحره إلي محقق ..عدنا للغزل يا طارق أنت تربكني حقآ والكل يعلم قصتك الجديده مع الأميرة الصغيره صاحبة الحسب والنسب وتعلقك بها ..إن بصله قد أخبر الناس والأشجار وربما الحجاره بأن إحدي بنات البغدادي قد حضرت إليك بالمكتب بصحبة شقيقها وأنك عطلت دولاب العمل لحين مغادرتهما ..لم أكن مهيأ لمثل هذه الملاحظة لذلك تلعثمت لدرجة الغباء ولاحظت هي ذلك أيضآ ..ليس صحيحآ يا سميره ليس صحيحآ ولو أنها حضرت كأي مواطنة لإستخراج شهادة جنسيه ..ولقد قمت بما يمليه عليّ الواجب و..هل هي جميلة كما يشاع ..؟ نعم بكل تأكيد .. بل هي فاتنة حقآ ..وأنا إذ أصارحك بهذا أضعك في مكانة أسمي منها .. أنت صديقتي الوحيدة في هذه المدينة يا سميره ومعك لا أحتاج للتكلف والكذب والنفاق ..إنك كصديقة حميمة أجمل وأغلي لأن الصداقة تعني أن تعطي ولا تأخذ بينما الحب هو في الواقع أخذ وعطاء ..إنه علاقة تقوم علي المصلحة المتبادلة إن كان علي صعيد الجسد أو الروح ..هي غريزة تتطلب الإشباع المستمر أما الصداقة فشيء آخر لأنها إشباع روحي ..قالت لي أنت علي حق .. ولكن حالة الجوع الروحي أو ما يعرف ..بال(spritiual hunger)..تكون أحيانآ أقسي من الجوع الغريزي ..عمومآ أنا أعتز بصداقتك وستكون منذ اليوم مستودع أسراري ومتكأ جراحاتي ..لقد كنت أتوسم فيك هذا قبل اليوم ولكنني كنت خائفة من أن تكون كالآخرين لا ينظر لأي إمرأة قادمه ..جاهلة أو عالمة إلا من خلال صدرها وشفتيها وربما سمانة قدمها ..ضحكت وأنا استمع إلي هذا التعبير لأول مره ..هل هنالك يا أستاذه شيء إسمه سمانة القدم .. اين هو أرجوك ..أظن الغرائز المتاصلة فيكم معشر بنو آدم قد عاودتك ..وضحكنا ونحن نقف لإنهاء تلك اللحيظات الرائعات ..أستاذه سميره ..يا كنزي الأوحد .. متي ألقاك ؟!

  38.  
  39. #20
    عضو مميز
    Array
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    400

    الحلقة العاشره
    • نادرآ ما تمر الساعات الأولي من صباح كل يوم بالنسبة لأي ضابط شرطة بصورة هادئة ومريحه ..إذ أن الصباح يعني بالنسبة لنا إفتضاح أمور وأمور تتم تحت جنح الظلام والليل في المدينة هو ميدان تنازع الأمور الشريرة والضمائر الحيه ..وغالبآ ما يهيء الليل للغرائز وروح التآمر والعدوانية المناخ الصالح لتتحول النوايا إلي واقع ..لذلك تحدث جرائم القتل في الليل وتقع جرائم السرقات والسلب والنهب والإغتصاب ليلآ ..ثم يشرق الصباح فتفصح الأشياء عن نفسها في سفور مريع ..وقد أسعدني في ذلك الصباح البعيد خلو يومية الحوادث من بلاغات ذات بال ..لذلك أوصيت علي فنجان من القهوة وأنا أرفع التمام لجناب المقدم أزهري بمعنويات عاليه ..وفجأة يدخل عليّ شاب في الثلاثينيات من العمر وبصحبته فتاة قالت لي عيناها أنت تعرفني ولا ريب ومن ثمّ سلما وجلسا في تأدب واضح ..إبتدر الشاب حديثه بإعتذار وحياء ينم عن طيب محتد وثقافة عالية ..عرج علي الوظيفة العامة ومردودها الضعيف وعلي طبيعة عمل الشرطة ومسؤولياتها الجسيمة وأوضح لي أنه قد عاد من المهجر قبل أيام ليجد إبنة شقيقته وهي تعيش مشكلة كبيرة تم التعامل معها بواسطتي أنا شخصيآ بحسن نية بأكثر مما ينبغي وأضاف فيما يشبه الإعتذار بانه وقبل أن يقابلني قد كوّن فكرة سيئة للغاية عني من خلال المعالجة التي تمت وإغفالها لجوانب قانونية وإنسانية وإجتماعية ذات آثار خطيرة علي المدي البعيد ..إلا أنه وبعد رؤيته لي تغيرت تلك النظرة وتحولت إلي تقدير عميق ..ودخلنا في التفاصيل ليعيدني إلي قصة الصبية التي حملت سفاحآ وتركت الطفل أمام منزل ذلك الرجل الذي وجده بعد عودته من صلاة الفجر ..ولم تشأ أن تفصح عن الفاعل واكتفت بالقول بانه إبن السيد الكبير ..وكانت وجهة نظري في معالجة القضيه هو مراعاة الستر للضحية طالما توافرت لها ظروف رعاية طفلها في كنف تلك الأسرة الكريمة ..بيد أن هذا الشاب نظر إلي الموضوع من زاوية إعادة الإعتبار لتلك الصبيه التي غرر بها وبواسطة مخدمها بما ينافي العرف والدين ..وقد إنعقد لساني من هول المفاجأة عندما أخبرني أن الجاني هو شقيق أمل الذي كان قد حضر معها لإتمام إجراءات طلب الهويه ..إنه مرتضي صاحب الهاتف النقال ..حفيد الشيخ عثمان المكاوي ..واقترحت عليهما إعطائي فرصة التحدث إليه قبل فتح البلاغ رسميآ في مواجهته لنتعرف علي رده وما يمكن أن تؤول إليه القضية ويبدو أن المفاجآت لن تتوقف في ذلك الصباح إذ إقتحمت علينا المكتب وبدون سابق إنذار الرائعة أمل ومعها شقيقها الأصغر أسامه ..وقد فوجيء كل من بداخل المكتب بطريقته الخاصه ..كانت اللحظة بالنسبة لي مترعة بالفرحة والإرتياح لرؤيتها وكانت بالنسبة لأمل وتلك الصبيه لحظة عناق وسلام بالأحضان ..كانت أمل سعيدة ومتوهجة وظلت تردد ( وين إنت يا آسيا ..معقول تمشي وتسيبيني بدون حتي تودعيني أو علي الأقل تلمحي لي بأنك حتسيبي الشغل ..ده كلام يا آسيا ؟!) ..ثم وفي تراجع واضح إعتذرت بعد أن لاحظت التوتر الذّي يسيطر علي الجميع (يا جماعه أنا آسفه إذا قطعت عليكم حاجه كدا وّلا كده ) ومن ثمّ همت بالإنصراف هنا تدخل قريب آسيا ليقول لها :لا بالعكس إنت جيتي في الوقت المناسب ومن حقك تعرفي ما كنا نحن بصدده ..بدت حائرة وقلقة وفي ذهنها الإختفاء المفاجيء لآسيا من منزلهم لا سيما وقد كان مناط بها الإعتناء بامل دون سواها تغسل لها ملابسها وتنظف لها غرفتها وتصحبها في مشاويرها لدي زيارة صديقاتها ..غير أنني رفضت وبحزم إقحامها في الموضوع وطلبت من السائق توصيلها إلا أنها أخبرتني بأن أسامه هو من أحضرها بعربته الخاصه وهو من سيعيدها.

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
by boussaid