بسم الله الرحمن الرحيم
البوصلة ...) رواية في حلقات )
عبدالغني خلف الله
الحلقة الأولي
كل الأشياء تتمرد علي ذاتها ..الصورة القديمة داخل الإطار..قوارير العطر الفارغة والذكريات ..لا شيء يبقي علي حاله .. ثمة تحولات خطيرة تزور تاريخ الإنسان وكما الوردة تبدو رائعة فجر كل يوم فإن لونها البنفسجي يتباعد عند الظهيرة .. لكن ما يدعوني علي الجزم بخطأ هذا الاعتقاد أن صورتك يا أمل لا تزال توجع هذا الجزء من قلبي مثل نتوءات من الحصى واللهب ..نعم هو ذا أسمها ..وقفت أمامي في ذلك الصباح الفاتر لأمنحها بطاقة هويه ..فقد كان يتحتم عليها أن تحصل علي هوية قبل أن تجلس لإمتحانات الدخول للجامعة ..نقبت في تاريخها وسألتها عن شجرة العائلة التي تفاقمت أرومتها عبر أجيال سحيقة لتهدي إليّ ذلك التوتر الهائل ..أمل الشيخ البغدادي عثمان..الشيخ البغدادي إ سم واحد ..هكذا كانت توضح لي بعض الأشياء التي تعتقد بأنها علي جانب من الأهمية وهي تحرك أصابعها وتمسد سطح حقيبة يدها ..وطغي الطابع الرسمي علي المقابلة … أسألها وتوضح لي بعض الجوانب المتعلقة بأسرتها ..لم يكن بوسعي أن أمنع نفسي من إصطناع الأسئلة والتظاهر بأن هنالك ضرورة لكل ذلك التدقيق وفي الواقع كنت وأنا أؤدي واجبي لا أملّ التطلع نحو سمرة لونها والتوغل في بحار عينيها ..كنت أسأل وهي توضح كتلميذة نجيبه ..ولكن ما لم تستطع أن توضحه لي ..هو ذلك الإرتباك الذي يزلزل كياني و هذا العرق الذيّ تكور تحت أجفاني وفوق أرنبة أنفي.. ولماذا هي رائعة لهذا الحد .؟ أحقاً هو إ سم واحد ؟..إذن نحن بحاجة لإسم رابع ..ما هو اسم جدك لأبيك ..؟ ترددت برهة واضطرب وجهها وجاش بإيماءات لا قبل لي بها ..تسمرت عيناي في عينيها لدرجة أنني نسيت أصل السؤال ..مكاوي ..الأمين مكاوي ..صوت الرجل الذي حضر معها وقد أسعفنا من التمادي أكثر في تهويمات لا تتناسب وأصل السؤال
..مكاااوي ..يااه..كدت أنسي إسم واحد من أهم أجدادي.. السيد مكاوي الأمين مكاوي ..كم أنا غبيه .. قالت ذلك وهي تضحك باتجاهه ..أنت إذن من أسرة الشيخ البغدادي المعروفه..؟ بالطبع ..بالطبع أنا منها ..
لم يكن الشاهد الذي حضر معها معنيآ بمجريات التحقق فقد كان يهاتف شخصآ ما بهاتفه النقال ..ولم أكن بحاجة لتوجيه أي أسئلة إليه.. وهكذا إنتهت المقابله..وطلبت منهما الإتصال لاحقآ لإستلام الهوية ولم يفتها أن تأخذ رقم هاتفي معها ..الشيء الذي ضاعف من إرتباكي فكتبت الرقمين الأول والثاني باللغة الإنجليزية وبقية الرقم بالعربي وأعادتهما عليّ بالإنجليزية ..
لم تكن أمل أول طالبة تمثل أمامي تطلب منحها هويه ولكنها علي أية حال لن تكون الأخيرة ..بيد أنها قد ذهبت إلي سبيلها ..نامت أصابعها في باطن كفي كعصافير صغيرة وأنا أودعهما وقوفآ..و باخت في الممر الضيق فرقعات حذائها كالضربات الموجعة في ظاهر الكف ..لقد ذهبت ..نعم ذهبت وكان لا بد أن تذهب ..مثل هذه الأحداث اليومية محتومة ومقدرة سلفآ ..أن تمضي إلي سبيلها وتبقي أنت حيث كنت ..نتيجة منطقية لا تقبل التأويل ..أن تبقي ولا تذهب إرهاص ضد طبيعة الأشياء.
*******
توجهت نحو مكتب الباشكاتب مامون لآخذ منه كشف التنقلات الذي صدر ذاك الصباح لأعرف كيف مضت الأمور بالنسبة لأبناء دفعتي ..أما بالنسبة لي فقد أخطرني جناب المقدم أزهري بأنني باق في موقعي ..وجدته منكبآ علي بعض الملفات وقد أدار شريطآ غنائيآ تنسرب منه كلمات حانيه.. هذا ما كنت أفتقده بالضبط ..دعوت نفسي علي كوب من الشاي وطلبت منه الملف ..قام من مقعده وهو يدندن بكلمات تلكم الأغنيه ..كان المغني يردد بإنفعال واضح ..(حبيب القلب بالدنيا ..يضيع فكيف ألقاه ) ..كل يبحث عن ليلاه ..إلا مامون ..دائمآ منشرح الصدر منفتح الأسارير..وقلّما تجده يشكو من شيء برغم السنوات الأربعين التي تثقل كاهله ..يرتدي القمصان المخططه ويصفف شعره كصبي يافع ..وعندما تسأله عن عمره الحقيقي يجيبك بأنه لا يزال في سن الثلاثين ..وعليك أن تصدقه فيما ذهب إليه لأن الملفات الرسمية تعطيه عبر شهادة تسنين مهترئة هذا الحق ..هذا الأربعيني الثلاثيني لا بد أنه قد إكتشف دون غيره سر هذا التألق الدائم ..إنها محبة الناس اللامتناهية له وذاك الصفاء الوريف الذي يتدثر به ..وهو لغز محير ..فلا أحد يعرف من أين أتي لهذه المدينة الصغيرة ..فهو لا يغادرها أبدآ ولا يطلب إجازه وإن طلبها فإنه يمضيها وحيدآ داخل منزله الكائن عند الطرف الغربي للبلده ..وعندما زرته لأول مرة أدهشتني بساطة الغرفه ورومانسيتها ..هنالك سرير واحد مصنوع من (النيكل ) ومنضدة عريضة تكومت فوقها مجموعة من الكتب والصحف القديمة وثمة شيء يشبه (ألبوم الصور ) قرب الوسادة الوحيدة سرعان ما دسه تحتها وأنا أتهيأ للجلوس ..إرتبك ارتباكآ مروّعآ عندما وجدني أمامه وأنا داخل الغرفة تمامآ فقد تعمدت إقتحامه بتلك الزيارة المفاجئه التي لم يكن مهيئآ لها ..نعم لا أحد يعلم عنه الكثير وكل ما يمكن الإستفادة من تلميحاته عندما تظلله لحظة حبور عارمه ضحكته المموسقة والتي غالبآ ما تتخللها عبارة ( أنا أخوك يا الكنينه ) ..فماذا يمكن أن تكون الكنينه هذه يا تري وفي أي مكان هي ؟ !..


رد مع اقتباس






المفضلات