بابكرصورة من صور إنسان المدينة ، متسامح .. نقي .. بشوش .. بسيط سمته التواضع .. وفي .. غيور على المدينة ..كان يوم رفع فراش مأتمه صوره أخرى من صور مقابلة الوفاء بالوفاء .. فكان مهرجان لم يتخلف أحد كأنما مسيرة أعلنتها حكومة لإثبات قوتها..تحدث بعض من الحاضرين ولم يستطيع آخرون فكانت الدموع والبكاء هي أدوات التعبير وضاعت الكلمات في تلك اللحظات منهم خاصة أولئك ممن كان حاضراً مسيرة عبقريته وشاهداً على عصره .
قبل يومين من اعتلال القلب الذي امتلأ بحب بابكر للناس جميعاً ، التقيته بقامته الفارعة وأبنوسية لونه البهي وبسمته الوليفة التي تتسلسل قلبك بأريحية عجيبة ، كان حينها يؤدي فروض بداية اليوم فهو يعشق أن يطل عبدالله جندارة وأخوان له لا أذكر أسمائهم لهم أبواب مشرعة لبابكر ، يشرب القهوة عند هذا ويداعب ذاك ويصلح بين هذا وذاك ، إنه كالنسمة الصباحية يترقبه كل من في الفريق عله ينال ولو الجزء البسيط من وقته ، وقد أشهدني هذا الالتفاف الروحي حوله في أحد إجازاتي بالمدينة ، ولا يكتفي بذلك ، بل يستمر في جولتها لصباحية ، فعنده محطاته بالسوق وشاركته الوقوف أمام محطات أساسية فالفطور مع الهادي أبوعاقلة الصائغ ثم الانتقال إلى دكان ود الحاج الصائغ الذي لم أرى شخص يُحب بابكر أو ينطق اسمه بمثل هذه العذوبة كأنما بابكر أحد أركان تكوينه ، ولم يكن يوم بابكر على الإطلاق مكرر ليوم سابق فيما عدا تلك المحطات الأساسية ، فخري حامد استغرب أن وجده يوماً مع أقرباء له يعشقونه على نحو جنوني ،
محطات أخرى ميسره بدري ابوالقاسم ود مريوده مبارك عبدالرحيم الجاك ، دكان ود أبوجون وهو من الأعمدة الأساسية لبابكر حيث يتجمع الكل حباً في عكننة يوسف أبوجون وللتسامر..
في ذلك اليوم الصباحي إلتقيته بعد أن أكمل جولته في الفريق وكنت لم ألتقيه منذ قدومي للمدينة من قبل أسبوع لتواجده بالخرطوم ، كان النشاط يملأ أركان جسده ، أخبرني عن مزرعته التي أصبحت تأخذ الكثير من وقته ، ووعدني بأن نلتقي اما في السوق أو مساءً مع نورالدين عبدالمجيد ، ولم نلتق فقد كان مرتبطاً بدعوة ميسرة بدري فقد دعاهم للعشاء على شرف مباراة نهائي كاس العالم ، وتواجد عدد كبير جداً من الضيوف كأنما كانوا على موعد لوداع الجوهرة كما أشار لذلك مبارك عبدالرحيم..
في يوم وعده مع بدايات النكبة ، كان أن حمل بيديه شوالين أحدهما ممتلئ بالسمادوالآخر ببذرة أراد لها أن تكون شاهداً لآخر لحظات عنفوانه ،، من يداعبونه أشاروا له بأن يأخذ هذا الحمل على درداقة ، قال ساخراً : ( لسه بي عافيتي قايليني وصلت مراحلكم ) قالها ببسمته تلك التي لن تفارق أحبابه بالمدينة أبداً ،، أوصل غلته إلى المزرعة ، حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر تقريباً هاتف بابكر الرجل أنيق الدواخل أخو الأخوان إبراهيم النعيم وهو في حالة إرهاق ما عادي وبلغه بأنه تعبان شديد من قلبه ، ذلك القلب الذي حمل في داخله حب الملايين الذين مروا على بابكر في مسيرة حياته ، تم نقله إلى المستشفى ، قال لإبراهيم إنها النهاية ووصف له حجم الألم الذي داهم قلبه ، حاول إبراهيم مواساته والتخفيف عنه ، إلا أن الألم كان أقسى ، قال لإبراهيم : (أناعطشان أديني مويه عشان ماأموت وأنا في حالة عطش ) أوصى إبراهيم ببعض متعلقات ليخبربها بنت أخيه المرحوم عبده سانتو كما أشار إليه بأن يتصل بالفاضل شقيقه حتى يأتي لحضور لحظة انتقاله ، عندإصراره على شراب الماء وبعد استشارة الطبيب ، شرب بابكر جرعة الانتقال ودخل غيبوبته التي لم يفق منها ..
في ذلك اليوم بدأت السماء بالبكاء واستمر بكاءها وحزنها لثلاث ليالي حتى ووري الجثمان إلى مثواه الأخير ..
توافد الأصدقاء إلى المستشفى وإمتلأت بهم جنباتها ، علاء الدين ذلك الرجل الأهلاوي الذي يبادله بابكرحباً ، بدأ مذهولاً كأنما هناك إشارة له من ذلك القلب الذي أحبه بأنه لن يلتقيه ،،تجمع الكل ، وبدأت رحلة الإغماءة ، والكل بدأ الابتهال والرجاء ،، هناك حركة غير إرادية يسلكها كل من تواجد ،، الصمت كان هو الحقيقة القائمة المشاركة لحالة الانتقال التي أعلنها الشامخ العبقري الجوهرة ..عندما أرادوا نقله من العيادة الخارجية إلى عنبر العناية المركزة ، لم يتردد مدني ذلك الرجل المليان بآمال أن يفيق بابكر من غيبوبته ، من أن يقلع جلبابه ليغطي به بابكر من رزاز مطر الوداع .. إنها صورة من الود والوفاء النادر مارسه الكل بقدسية تجاه من يستحق وكان المشوار من العيادات الخارجية هو بداية مراسم التشييع ،، الكل لحظتها كان قلبه يتفطر ألماً يتمنى الكل لهذا الشامخ الصمود وتجاوز النكبة التي امتدت لحنايا الكل ..
بانفعال حاولت إدارة النادي الأهلي ممثلة في سكرتيرها ، بإعلان تسمية مدرسة الكرة بالنادي بمدرسة بابكر سانتو كتكريم له وتخليد لذكراه ،، وضحك كثير من المتواجدين حينها ،، فالكل كان يظن بأن تعدل لافتة النادي الأهلي ليسمى نادي بابكر سانتو ، فهو من جعل هذا النادي يتلألأ في الأعالي ،، وطبعاً نحن لن نفكر بمستوى انفعالي نتجاوز فيه الواقع بأي حال من الأحوال .. هناك اقتراحات تم تداولها أثناء العزاء من ضمنها مباراة بين الهلال والأهلي اقترحها رئيس نادي الهلال .. دورة رياضية باسمه .. هناك من أشار إلى تسمية شارع النادي الأهلي بشارع بابكر سانتو عن طريق مخاطبة الجهات الرسمية بالمدينة ..
من جانبي اقترح إنشاء رابطة في الوقتالحالي (رابطة أصدقاء الأسطورة بابكر سانتو ) يكون لها مقر بالنادي الأهلي وتستغل النوافذ الأسفيرية المفتوحة للمدينة ، من خلالها من الممكن دعم أسرته المكونة من أرملته وأبنائه بشكل مستمر ..
هذا ما كتبناه .. ومشت السنين ولم تتحرك المبادرة شبراَ كأن بابكر سانتو مثله مثل من إنتقل ولم يضع بصمات على تراب المدينة ..
في مثواك نقول لك إننا نأسف أننا لم نمنحك حقك .. فقد ضاعت ذكراك بين تفاصيل الحياة التي قتلت فينا الوفاء .. عذراً صاحب السيرة التي لن تتكرر ..


رد مع اقتباس


المفضلات