تعقيب علي ندوة "أضواء علي مشروع الجزيرة، دكتور سليمان محمد احمد
التطورات و المتغيرات و قانون 2005م"(1-2)
كل أسباب التدهور في مشروع الجزيرة لها علاقة وطيدة بالسياسات الحكومية والأداء الإداري!
بناءاً علي قانون 2005م سيتحول المزارعون إلي أجراء و ليس شركاء ، وهذه ردة ما بعدها ردة!
مشروع الجزيرة أسس لعلاقة الاقتصاد السوداني بالسوق الرأسمالي العالمي
يعتبر ، و دون شك، البحث الذي قدمه دكتور سلمان محمد احمد سلمان حول مشروع الجزيرة من البحوث القلائل، هذا إن لم يكن أميزها، التي تناولت قضايا ذلك المشروع بعلمية و بعمق. استند فيه ليس فقط إلى حقائق تاريخية و إنما استدعى فيه و بشكل سلس القدر الكبير من ارث المعالجات ، التي تصدت لقضايا هذا المشروع. و هو استدعاء لا يخالجني شك في أن كثيرا من القراء و المهتمين بأمر المشروع قد يكون و لأول مرة أتيحت لهم، من خلاله، فرصة الاطلاع علي فحوى جهد اللجان و الفرق المختلفة التي حاولت معالجة إشكالات المشروع و عبر تاريخه المديد. و ذلك بالقطع أمر لابد من تثمينه لأنه يساعد المرء علي الاختلاف أو الاتفاق علي بينة و بمعرفة، إن كان مع الباحث سلمان أو مع غيره من الباحثين و المهتمين. و ذلك أيضا في جوهره سيقلل من فرص الهرج السياسي و الابتزاز و ادعاء الإحاطة الكلية بقضايا المشروع. هذا كله من جانب ، أما من الجانب الآخر فهناك حقيقة لابد لي من تكرارها و هي إن ما قال به الباحث، خاصة حول مشروع الجزيرة، لا يمكن المرور عليه عابراً إذ لابد من الوقوف عنده إن كان من جهة الاتفاق معه أو الاختلاف لأنه ، أي د. سلمان، يقف واحداً من الرواد المعروفين علي مستوى العالم الذين ارتبطت جهودهم بموضوع البحث في مسألة المياه، و تلك واحدة من القضايا الأساسية التي يدور حولها ليس فقط الجدل في مشروع الجزيرة و إنما يُعوّل عليها في حسم الصراع بين وجهات النظر و الرؤى المتعلقة بمستقبل المشروع.
هناك اتفاق عام بين كل الناس علي الأهمية التي اكتسبها و لا يزال يكتسبها مشروع الجزيرة بالنسبة للدور المرجو منه في مستقبل السودان و في توفير أمنه الغذائي أو ما سيلعبه علي المستوى الإقليمي و العالمي، إلا إن الخلاف كان دائماً متعلقا بالسياسات التي يتم تبنيها في مواجهة المشاكل التي يعانيها المشروع و التي أصبحت تتفاقم و تزداد خاصة في العقود الأخيرة. نجح د. سلمان في تقصي تلك المشاكل و تلمسها حيث أجملها في تسعة بنود. هناك ملاحظتان لابد منهما في هذا المقام، الأولي هي إشارته المهمة إلي دخول المشروع فيما يعرف بالحلقة الجهنمية و التي تبدأ بالري الضعيف و منه يأتي تدني الإنتاج و الذي ينعكس في المداخيل المنخفضة و الذي بدوره يؤدي إلي حالة عدم الرضا بين المزارعين، هذا بالإضافة إلي ضعف استرداد تكاليف الري و الذي يؤدي إلي ضعف الصيانة و التشغيل و الذي يؤدي تلقائياً إلي ضعف الري ، و هكذا تكتمل الحلقة و تبتدئ من جديد. و هنا يمكننا إن نقول إن الضحية الأساس الذي تطحنه تروس هذه الحلقة الشريرة و بشكل مباشر هو المزارع!!!. أما الملاحظة الثانية وهي انه و قد تكون من المرات النادرة جداً إن يتم فحص أسباب تدهور المشروع و بشكلٍ موضوعي دون اللجوء و بتحامل إلي حشر المزارع حشراً كأحد أسباب التدهور كما درج البعض علي ذلك، إن كان لأسباب سياسية معلومة أو لمصالح أخرى مبطنة، و الأغرب من ذلك أن بعضاً من قيادات اتحاد المزارعين نفسه، أحياناً، يذهب في ذلك الاتجاه . علي أية حال،هذه ملاحظة لها أهميتها أيضا حينما نأتي إلي موضوع اختلاف وجهات النظر حول مستقبل المشروع.
فإذا ما استثنينا من أسباب تدهور المشروع ازدياد أسعار المحروقات عالمياً و تأثيرها في زيادة أسعار المدخلات الزراعية و كذلك زيادة الإنتاج من القطن في آسيا الوسطى و الصين و الهند و تدني أسعاره عالمياً، فإننا نجد أن كل أسباب التدهور المتبقية لها علاقة وطيدة بالسياسات الحكومية كالتمويل و التسويق و غيره، و كذلك لها علاقة بالأداء الإداري لولاة أمر الإدارة في المشروع!!!. هذا التوضيح مهم جداً هو الآخر خاصةً حينما نأتي إلى المعالجات التي طرحتها الحكومة من خلال قانون 2005م الذي لم يكن موفقاً في أهم أجزائه.
أرى أن تاريخ مشروع الجزيرة ينقسم إلي مرحلتين قبل صدور قانون 2005م، و الذي دشن المرحلة الثالثة في تاريخ هذا المشروع. المرحلة الأولى امتدت من تاريخ تأسيس شركة السودان للزراعة التجريبية و التي أقامت مشروع الزيداب في عام 1904م و من ثمّ تحولت إلي الشركة السودانية الزراعية بعد أن تخلى عن رئاستها مؤسسها الأمريكي "لي هنت" لتنشئ مشروع الجزيرة، و ذلك حتى نهاية عقدها في العام 1950م. أما المرحلة الثانية فتمتد من عام 1950م و حتى صدور قانون 2005م و المصادقة عليه في ذلك العام، و حيث مثل صدوره بداية تدشين المرحلة التاريخية الثالثة لمشروع الجزيرة. يستند هذا التقسيم علي الشكل الذي اتخذته و تتخذه "علاقة الشراكة" بين الأطراف المعنية بالمشروع. و لا أقول "علاقات الإنتاج" بينهم ، لان استخدام مفهوم "علاقات الإنتاج" كما هو سائد لوصف "علاقة الشراكة" لا يكون دقيقاً من الناحية المفهومية لعلم الاقتصاد. فلو حاولنا أن نعالج المسألة من خلال مفهوم "علاقات الإنتاج" كما هو معرفٌ اقتصاديا ،فإن كل أطراف المشروع، بمنْ فيهم المزارعون، قد تقف علي جانب واحد في مقابلة العمال الزراعيين و في مقابلة منْ لا يملكون حواشات أو أرضا في مشروع الجزيرة، علي الجانب الآخر. و لكن علي أية حال صارت "علاقات الإنتاج" تعني في أدب الكتابة عن مشروع الجزيرة وفيما تعني "علاقة الشراكة".هذا التوضيح نحا نفس المنحى الذي ذهب إليه د. سلمان من ناحية المفهومية القانونية و الاقتصادية في معالجته للمعضلة التي برزت عند بداية المشروع في تحديد اسم للزراع، حيث ان ما كان مطروحاً هو هل هم "شركاء" ، "عمال زراعيون" ام "مستأجرون"؟. و قد استقر الرأي علي استخدام "مستأجرين" وذلك لقرب انطباق ما هو سائد في العلاقة علي مفهوم "مستأجرين".
منذ قيام المشروع و حتى عام 1950م كان هناك وجود حقيقي للقطاع الخاص و بمعنى الكلمة، حيث كانت علاقة الشراكة تقضي بتوزيع الأرباح ـ كما أورد د. سلمان أيضا ـ بأن يكون نصيب الحكومة 40% ، المزارعون 40% و شركة السودان الزراعية 20%. إن شركة السودان الزراعية لم تكن تمثل قطاعاً خاصاً عادياً و إنما "عابراً للقارات"!!!. إن الشركة الأصلية ، شركة السودان للزراعة التجريبية، قبل ان تتحول الي شركة السودان الزراعية ، كانت تضم سبع عشرة مستثمراً. ثمانية منهم يقيمون في لندن ببريطانيا، ستة منهم من نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، اثنان من ايرلندا و واحدٌ من باريس بفرنسا.و من بين هؤلاء السبع عشرة مستثمر لم يكن هناك غير بريطاني واحد وهو السيد "ليونيل فيليبس"، و لم يكن يملك غير 5000 سهم من جملة أسهم الشركة البالغة 80000 سهماً. و كان اكبر عدد من الأسهم هو 19000 سهم و يمتلكه الأمريكي "لي هنت" المؤسس الفعلي للشركة، و الذي ظلّ يتجول بين القارات المختلفة وقتاً طويلاً لإقناع المستثمرين بجدوى الاستثمار في السودان!!!. إننا سنعرف و بتأكيد قاطع أن "لي هنت" لم يكن مستثمراً هاوياً يتحرك في الظلام و إنما فعل ما فعله علي ضوء معرفة مسنودة بتحقق واقعٍ جديدٍ كان أن بدأ يتمخض في السودان تاريخذاك. كتب "جون ج. لانق" قنصل الولايات المتحدة الأمريكية في القاهرة إلي "ديفيد ج.هيل" مساعد وزير الخارجية الأمريكي في 13 أغسطس 1902م، قائلاً ،"تسعى حكومة السودان بشدة إلى تطوير الموارد الزراعية في البلاد علي أسس أكثر ليبرالية لتشجيع رأس المال و الهجرة. لقد أصبح السفر إلى المدن الواقعة علي النيلين الأزرق و الأبيض أكثر ملاءمةً إذ يمكن لأي مسافر أن يترحل، في الشتاء القادم، بشكل آمن و مريح ليس فقط بين الخرطوم و أمدرمان ، و إنما إلي فشودة و إلى ما بعدها "، و إلي إن يقول ، " هناك احتياجٌ للأدوات و الآليات الزراعية....عليكم القدوم باكراً لتأمين موقعٍ راسخ في أسواق البلاد". يمكننا القول بأنه علي ضوء ذلك ، و من هنا تأصل قدوم جزءٍ من ذلك القطاع الخاص المتعدد الجنسيات الذي أسس لمشروع الجزيرة، و بالتالي أسس لعلاقة الاقتصاد السوداني بالسوق الرأسمالي العالمي .
هذه الخلفية تأتي ضرورة ذكرها من محاولتنا التأكيد لحقيقة إن مشروع الجزيرة لم ينشأ اعتباطا أو نتاج الصدفة، هذا من جهة أما من الجهة الثانية، فان معالجة قضاياه ، و مهما كان حجمها، لابد من وجود مرجعية لها، علي الأقل ، لأجل إتاحة مقارنة معقولة و مفيدة. و في هذا الصدد نشير إلى أن شركة السودان للزراعة التجريبية حينما كانت تدير مشروع الزيداب كانت تستأجر المزارعين و ذلك بواقع أجرة تساوي ثمان سنتات لليوم الواحد ( الدولار يساوي مائة سنت). ولكنها قبل الانتقال إلي مشروع الجزيرة اعتمدت نظاماً للشراكة بديلاً للأجرة و ذلك لنفعه و لجدواه الاقتصادية. و قد تمّ تطوير تلك الشراكة إلي النسب التي أُشير إليها من قبل و التي تمّ ، كذلك، التمسك بها حتى العام 1950م وقت انتهاء عقد شركة السودان الزراعية حيث تمّت إعادة توزيعها من جديد و بنسب مختلفة. و هو توزيعٌ اقتضته التطورات التي حدثت في المشروع و هي تطورات ايجابية انعكست في حقيقة ان المزارع في مشروع الجزيرة قد أصبح شريكاً أصيلاً بإنتاجه و ليس بعطف الحكومة. و كذلك كان من الاستجابات المتقدمة للتطورات الايجابية أن خُلِقت بنود جديدة للصرف علي الخدمات الاجتماعية، المجالس المحلية و الحساب الاحتياطي. لابد من النظر لهذه المتغيرات داخل "علاقة الشراكة" بانها كانت خطوات متقدمة جداً وبكل المقاييس حيث إنها جاءت مستوعبة للتطورات الاقتصادية و الاجتماعية التي بدأت بالفعل تنتظم المجتمع الإنساني في مشروع الجزيرة. فحينما نقارن ذلك بالنتائج الكارثية المتوقعة الحدوث وفق ما هو مخطط له الآن من بيعٍ للمشروع بناءاً علي قانون 2005م ، و الذي سيتحول بفضله المزارعون إلي أجراء و ليس شركاء ، فإنه لا يسعنا إلا أن نقول إن في ذلك ردة ما بعدها ردة!!!،(سنأتي الي ذلك حين العرض للقانون).
نقل بى ضبانتو يالعقاد شكرا لك
المفضلات