*** لوري حنتوب ***
بقلم النور محمد يوسف
12/6/2014
في النصف الثاني من القرن الماضي ، في مدرسة حنتوب الثانوية- في داخلية الزبير ، اقرب الداخليات في حنتوب إلى المشرع (قبل انشاء كبري حنتوب) ، جاءتني زهجة كدا وقلت لاخي عثمان جلد وهو ورانا بسنة لكننا مع بعضنا في غرفة الرؤساء بحكم انه سيكون الرئيس الاول للداخلية خلفا لي العام القادم وغير ذلك فهو صديق عزيز...قلت له ايه رأيك ياعثمان نمشي مدني للسنما الدور الثاني؟ هذا اقتراح مجانين ....طبعا الكبري لم يكن موجودا ...والسينما ياااالله تلحق الدور الاول وأنت جائي من حنتوب فكيف نطمع في الدور الثاني... وبعدين ممنوع الخروج من المدرسة ، والدور الثاني معناها ينتهي بعد عشرة مساء والبنطون آخر دور ليهو هو التاسعة والنصف وبعد ذلك يتوقف لا يتحرك الا في صباح الغد فكيف نمشي؟

المهم أخي عثمان راجل حربي جدا واظن انه كان زهجان أكثر مني فوافقني على الفكرة ومتأكدين اننا سنبيت برة في جنينة المديرية لان الوقت سيكون متأخرا والبنطون والرفاص ستكون وردياتهما قد انتهت ...نبيت في النجيلة وفي الصباح نعود للمدرسة قبل الطابور .... وفعلا لبسنا الرث من الثياب من اجل التمويه حتى لا يشك احد في اننا ذاهبين إلى مدني ....

انا كان عندي بنطلون قديم زيتي مشروط ومخيطو بخيط ابيض....لبسته وعلى طول ذهبنا إلى مدني في الليل ولم يكن ذلك اليوم خميسا أو جمعة ....فكل خروج من حنتوب ممنوع ممنوع وهذا كرت احمر .... عبرنا بالمشرع إلى مدني على البنطون ودخلنا السينما الدور الثاني وكان الفلم ايطاليا.... وقد كان رائعا يستحق المجازفة ....انتهت السينما ... تقريبا العاشرة والنصف مساءا.....وخرجنا لمصيرنا المجهول .... قلنا نمشي المشرع نحاول نبيت قريب من البنطون أو نبيت في البنطون نفسه بدلا من نجيلة المديرية ... وصلنا المشرع .... ولقينا البنطون وااااقف ...... مافيش أي حركة ....خلاص الناس نائمة استعدادا ليوم غد..... دخلنا وحاولنا الحصول على مكان واسع للمبيت ..... لم نجد مكانا واسعا .....كان هناك لوري طوييييل ....واقف في صدر البنطون احتل كل المكان .... اللوري دا جايبينو الان ليه ....مااايخلوه لبكرة ...بس عشان يملأ المكان ؟؟؟....

تكملة لوري حنتوب (الجزء الثاني)

كان ليلا دامسا....الدنيا امام عيوننا كلها ظلام ....لا حركة ولا حتى مجرد همس .... وهذا اللوري ملأ كل المكان ... سنحاول ايجاد مكان لنا بجانب اللوري داخل البنطون نبيت فيه حتى الصباح ....يا لها من زهجة قوية أوصلتنا إلى هذه الحالة ... سنجد طريقة ننام بها .... فدخلنا إلى أعمق في البنطون في الفراغ الذي تركه هذا اللوري في اطراف البنطون من الداخل ... كئيبا جدا كان المنظر ... ظلام شديد وهدوء مخيف ....لا توجد أي اضاءة ....الحمد لله لن يرانا أحد فيوشي بنا إلى ادارة المدرسة وتكون هي النهاية بالنسبة لكلينا .... رغم ذلك بدا الجو مقلقا بالنسبة الينا ....فقد كنا نشم رائحة الموت ... نعم نشم رائحة الحنوط تنبعث من داخل اللوري .... الدنيا ظلام لا نكاد نرى شيئا ولكن الرائحة بدت تزداد قوة كلما تقدمنا إلى مقدمة اللوري داخل البنطون ... ما هذا ... هنالك شخص يرقد داخل اللوري .... نعم يا عثمان هناك شخص بالداخل ....دققنا النظر ...هناك سرير كبير عليه شخص ممدد ملفوف بثوب ابيض ....هذه جنازة ... نعم هذا اللوري يحمل جنازة ....كيف لنا أن ننوم هنا في هذا الظلام مع جنازة ...دي زهجة شنو دي وموديانا وين ؟؟؟ جنازة في الليل دا ؟ ونحن معاها برانا؟ دا يوم شنو دا ؟ .... مهلا مهلا هناك ولد حي يجلس في اللوري عند راس الجنازة ....براهو قاعد مع الجنازة .... فأعدنا النظر بقوة ودقة نتمعن ذلك الولد الذي يجلس عند راس الجنازة .... هذا زميلنا موسى أحمد عبدالله ...ذلك الشاب الانيق في الصف الأول في داخليتنا .... نعم هو موسى ....ماذا اتى بموسى هنا .... سالناه باستغراب هل انت موسى؟ قال بصوت خافت نعم انا موسى وهذا ابي توفي هذا المساء في مستشفى مدنى ....وانا ذاهب به إلى قريتنا شرق النيل كي ندفنه هناك .... احسن الله عزاءك ...انها فاجعة كبيرة ....الله يرحم اباك ..... ومن معك الآن ؟ لا احد ، انا وحدي...لأن أبي كان في صحة لا باس بها حتى قبل وقت قليل ولم يكن هناك خوف عليه ولكن تدهورت بعد ذلك حالته فجأة وفارق الحياة .....يااااااه ....ما اقسى هذه الدنيا ؟؟؟ موسى ذلك الشاب الانيق الخلوق المهذب الآن وحده هنا مع جثة والده ولا احد معه الا الله ....فسالنا رغم مصابه...ماذا جاء بكم الآن إلى هنا وتاخرتم حتى هذا الوقت يالنور وعثمان؟ ....كنا زهجانين وقلنا ندخل السينما الدور الثاني...وبعد أن انتهت السينما جينا هنا وعارفين البنطون مش ح يتحرك الا بكرة فقلنا ننام هنا حتى بكرة .... البنطون سيتحرك بعد شوية لان الجثة لا يمكن أن تنتظر حتى الغد .... وفعلا بعد شوية نشوف ليك سواق البنطون جابوه في الليل داك ومعاه الكمسنجي ودوروا البنطون وتحرك بنا نحو حنتوب وكانت تقريبا الساعة قبل منتصف الليل بقليل .....

صرنا ثلاثتنا داخل اللوري حول الجثمان ...انا من ثالثة وعثمان من ثانية وموسى من اولى ...وثلاثتنا من داخلية الزبير ...جلسنا الثلاثة حول الجثمان.... في هذه الاثناء كان كل تفكيري كيف لنا أن نتصرف ... هذا ولد صغير ووالده امامه جثمان مسجىً ولا أحد معه هل نتركه يذهب إلى قريته عمارة البنا القريبة من رفاعة لوحده في هذا الليل مع جثمان ابيه ام نذهب معه؟ طيب لو مشينا معه فاكيد امرنا ح ينكشف والادارة ستعرف اننا ذهبنا السينما وفي هذا عقوبة كبيرة، عقوبة الخروج من المدرسة بلا اذن في غير خميس أو عطلة.. ومن الفاعل؟ رئيس الداخلية الحالي والرئيس المنتخب للسنة القادمة....والله مشكلة ...وعقوبتها الرفد ... وبعدين نحن ما لابسين كويس عشان نمشي لبلدة كضيوف ولاول مرة ونحن مبهدلين ....انا بالذات كان بنطلوني زيتي ومفتوق مخيط بخيط ابيض ظاااااهر... ح يقولوا شنو علينا ...ديل اصحاب موسى وهاذان رؤساء داخليته شوفوهم مبهدلين كيف...وبعدين ما معانا أي فلوس سوى حق البنطون ح نرجع من هناك كيف ...هل سنشحت منهم حق الرجعة .... فكل القرائن تقول أن علينا ألا نذهب مع الجثمان ... وبعدين عمارة البنا دي تقع وين ومتين ح نصلها ولو وصلناها كيف ح نرجع ومتين ح نرجع وبـ "كم" ومن وين... طيب لو ما مشينا معاه ....لا لا هذه فضيحة اكبر ....وين الشهامة وين المروءة ....يلا ...بلا مدرسة بلا جامعة ....نقيف مع اخينا ولن نتركه وحده وما هو مكتوب سيحصل .... نحن سنذهب معك يا موسى لن نتركك وحدك ...سنذهب معك والكاتبو الله يكون....لا يا جماعة هذه مجازفة منكما وانا يكفيني شعوركما هذا وثقوا انني لن انهار فهذه سنة الله ....كلام كبير جدا ...هذا الطالب في اولى ولا اعتقد انه قد بلغ سن الرشد انذاك ويقول هذا الكلام بهذه القوة والثبات ... سنذهب معك ...لن نتركك....

"سنواصل في الجزء الثالث"

الجزء الثالث - لوري حنتوب
خلاص عقدنا العزم ...سنذهب مع موسى إلى عمارة البنا .... وتوقف البنطون في مشرع حنتوب ...طلبت من السائق أن يمر بنا إلى الداخلية حتى نخبرهم باننا سنذهب مع موسى ولكن السائق رفض بحجة أن هذا الجثمان لا يتحمل أي تاخير فمن هنا والى العمارة ...طيب ياااخي انتظرنا هنا نمشي نحن جريا ونخبر أي واحد نلقاهو في الشارع ...برضو رفض خوفا من حدوث أي تاخير ...فبسرعة نزلت واسرعت لواحدة من القهاوي في المشرع كان نورها مضيئا مما يدل على أن اصحابها ما ناموا ...سلمت عليهم وشرحت لهم الحال كله ...وتعاطفوا جدا معنا وقالوا لنا اذهبوا ونحن الآن سنذهب إلى الداخلية ونخبرهم بأن النور محمد يوسف وعثمان سافروا مع الجثمان...قلت لهم هناك اسالوا عن عبدالرحمن المبارك عثمان (دكتور الآن في كسلا وهو من نايل الحبيبة ) أو الحافظ عبدالرحمن عبدالله (يحمل دكتوراة الآن في امريكا وهو من البرياب) لا تخبر واحدا غيرهما ...لانهما يخافان علينا أكثر من خوفهما على انفسهما ...وسيصل الخبر إلى الإدارة بشكل مريح بالنسبة لنا ...فقد كان الاستاذ المسئول عن الزبير هو استاذي العزيز عكود...والاستاذ المقيم استاذي العزيز ياسين الامين ... وأطمأنيت جدا فهؤلاء الناس من المشرع سيذهبون بالخبر الآن إلى الداخلية بالتاكيد فالموقف لا يحتمل اي تكاسل ...
وتوكلنا على الله وتحرك بنا اللوري ....سرعة جنونية ....لا شيء في الطريق الا القطط والكلاب الضالة وشققنا الارض نطويها بصوت اللوري بكوز حنين كان مناسبا لحالة الحزن التي نعيشها ...ظلام في ظلام لا يشق لجته الا شعاع النور من لورينا بقوة في احشائه فيحيله قنالا ضوئيا طويلا بين طودي سواد .... لا نلوي يمينا ولا شمالا ....خط مستقيم بوتيرة ثابتة ...وبعد أكثر من ساعة ونصف من عراك مع الدقداق والحفر ...دخلنا العمارة .... هذه القرية المدينة ...كانت هادئة تغط في نوم عميق ....لا تعرف ماذا كان القدر مخبئا لها .... تعرف احساسهم بالامن في نومهم خارج الغرف بلا اسوار ولا اسلاك شائكة ... ما إن نصل إلى بيت أو حي حتى ينهض الناس مذعورين من هذا القادم في هجعة الليل ... الكل يعرف انها مصيبة ....فيهرعون إلى داخل غرفهم جريا من هذا الذي لا يمهل في سرعته ليتجهزوا باثواب الخروج....وأخيرا وقف اللوري في بيت اهل موسى ... وتجمع كل اهل العمارة ...وبدا الصياح والعويل ....بكينا مثلهم طويلا فقد كان منظرا حزينا حزينا وحزينا ....والساعة الآن تقريبا الثانية صباحا .... لا بد من ستر المرحوم الآن يا جماعة الخير ....المرحوم متوفي من وقت صلاة العصر ....

عثمان ياااااخوي نحن ما لينا قعاد تب مع الناس هنا....لازم نمشي مع الحفارين ....هناك في الحفِر ما في زول بجيب لينا خبر لا يشوفوا هدومنا دي ولا يعرفوا بنطلوني المفتوق دا ....نمشي الحفر بس .... فرح عثمان للفكرة ..وبدينا نتطلع في الناس ...وين الماشين للحفر عشان نمشي معهم ...واخيرا لقيناهم ...مجهزين بوكسي ....وشايلين معاول الحفر ....على طووووول توووفك معاهم ..... وين وين ؟ ماشين وين ؟ ....شوفوا يا جماعة دا مشوار نحن بديناهو ولازم نتمو .... وما عاوزين أي كلام في الحتة دي ....موسى اخونا ونفديهو بدمنا ... بس يا جماعة انتو تعبانين ....خليكم مع موسى على الاقل يتصبَّر شوية معكم.... لا يا جماعة موسى دا ابدا ما تخافوا عليه ....دا ارجل من كل الرجال ....خلونا يا جماعة معكم نحن اولاد مزارعية بنعرف الكوريق والعزمة والطورية ....يلا ...على الاقل نتعرف بيكم أكثر ....وسار بنا البوكس مسرعا أيضا حتى وصلنا المقابر ...وبدينا الحفر .....
(نواصل)

لوري حنتوب - الجزء الاخير ....
بدانا حفر قبر المرحوم .... وبدا الشباب يتسابقون على المشاركة ووجدنا فرصة وسط ذلك التدافع فرصة الدخول إلى القبر وبهمة حفرنا ونسينا وقتها كل تلك الافكار التي كانت تساورنا من حيث الملابس وما قد يحدث لنا من عقوبة وكيفية الرجعة فقد كان الموقف سودانيا وايمانيا مائة في المائة بكل ما يحمله السوداني في مثل هذه المواقف من خصال... تعفرنا تغبرنا ولكنه كان اجمل غبار واجمل بصمة على وجوهننا ...تلك الارض (المقبرة) التي تحمل أطهارا يودعهم الناس بمثل ما ودعوا به والد موسى يرحمه الله ...والله لو كان بامكانهم احياؤه لفعلوا ...ولكن سنة الله في خلقه فإنا لله وإنا إليه راجعون ....

انتهى حفر القبر واصبح القبر جاهزا...وبعد قليل جاء اهلنا يحملون الجثمان ...وقبرناه إلى مثواه الاخير...يرحمه الله وكل موتى المسلمين ....وعدنا إلى العمارة ...اقترب موعد أذان الفجر ... وجلسنا جميعنا في الصالون ...وجاء الناس يسلمون علينا ويشكروننا وبصوت عال على الذي قمنا به ...وكنا نردد لهم أن هذا واجبنا ولو أن كل زملاء موسى من الطلاب عرفوا بهذا المصاب لجاءوا كلهم معنا ... ولله حكمة في خلقه فقد كان مجيئنا فعلا شاغلا لاخينا موسى وتلطيفا له في مصابه ...فرأيناه يرتب لمبيتنا وأول ما قام به أن يأخذ ملابسنا كي تغسل... ورفضنا بشدة ولكننا تحت اصرارهم استلمنا الغيار منهم واعطيناهم ملابسنا ... ورفضوا بان يتركوننا ننام في الصالون بل أفردوا لنا بيتا كان جميلا ومرتبا ...وبعد قليل صلينا الفجر ... وسرعان ما تقاطر الناس من كل العمارة يحملون الشاي والزلابية من بيوتهم بشتى الانواع والاشكال وكل واحد يصر بأن نشرب من براده ...لم اذق احلى من زلابيتهم ولا الذ من شاهيهم فنحن نتناولها ونشربه ونذوق فيهما طعم الطيبة وطعم الكرم وطعم النية الصافية والصادقة ...أحببناهم واحبونا فكنا نرى ذلك في عيونهم وفي كلماتهم وفي تعابيرهم وفي سلامهم علينا ... خاصة بعد أن عرفوا بقصتنا من اخي موسى والزهجة التي اخرجتنا من الداخلية إلى مدني في ذلك الليل ... والملابس التي لبسناها كنوع من التمويه حتى لا يعرفوا اننا ذاهبين إلى مدني ...وكانوا يعرفون اننا يجب أن نرجع المدرسة اليوم وفي اول بص إلى مدني ...

ودَّعانهم وهم يبكون وبكينا معهم كما لو اننا عشنا معهم أكثر من سنوات .... غادرنا العمارة تلك البلدة الطيبة وأهلها الكرم والضيافة والكلمة الطيبة ودماثة الاخلاق ...ركبنا البص راجعين إلى حنتوب ... لم نخبر احدا باننا لا نملك حق المواصلات ...ولكن هذا الهاجس لم يمنعنا في استكشاف الطريق الذي قطعناه البارحة في الظلام فمررنا على قرى وعلى دنيا كبيرة حية باناس من بلدي يقهرون كل الارض والوديان ويغالبونها في كسب القوت .... اقتربنا من حنتوب ...فبدا الكمساري يجمع في الحساب من الركاب ... ومن هناك نرى واحدا من الركاب من اهلنا من العمارة يشير الينا وكانه يقول للكمساري وهذا حق الشابين الجالسين هناك .... فيرفض الكمساري أن ياخذ شيئا وذلك الشاب يلح عليه وهذا يرفض ... فبعد الحاح شديد يخبره الكمساري أن حق هذين الشابين تم دفعه هناك في العمارة قبل أن يتحرك البص من العمارة .... يااااه ما اكرمكم اهلي بعمارة البنا ...والله انتم فعلا اهل اصول واهل عرض ...وكل الكرم انتم وكل الشهامة انتم...وصلنا الآن فنزلنا من البص وودعنا من كان معنا وذهبنا ...وفجاة يلحق بنا الكمساري... تعالوا تعالوا انتو ماشين وين ؟ الفطور !!!! انا ادوني حق مشواركم وكمان معاه الفطور ...والله يا تفطروا يا تشيلوه .... ما اكرمكم اهلي ....والله أن اللسان ليعجز عن شكركم وتأبى هذه اللغة بكبرها وعظمتها أن تعبر عن امتناننا لكم واعجابنا بكم ... وصلنا الداخلية وكانت الساعة تقريبا التاسعة والنصف أو العاشرة صباحا ... والطلاب خرجوا من السفرة بعد تناول الافطار .... نحن لا مجال لدينا للقمة واحدة ... لقد حملنا من العمارة في بطوننا ما يكفينا لبقية هذا اليوم ....يجب أن نغير ملابسنا ونلحق ببقية دروس اليوم وننتظر العقوبة .... لم نجد احدا بالداخلية كي نساله ...هل عرفوا بفعلتنا هذه أم لا ... فاذا عرفوا هل تحددت العقوبة ..... لا احد .... انتظرنا قليلا ولم يات احد ... ماذا حدث اين هؤلاء الناس ؟ اين زملاؤنا .... ذهبنا إلى السفرة وهي قريبة منا وهناك سألنا أحد الطباخين... ماذا حدث فداخلية الزبير فاضية ما فيها أي شخص... والله الجماعة ديل عندهم زميلهم توفي والده اليوم وكلهم غادروا إلى العمارة من الصباح ...تقريبا ثلاث بصات وشالوا معهم سكر وحليب ورغيف وفول وزيت ...يعني حق الفُراش ومشوا العمارة..... ومشى معهم عدد كبير من الاساتذة ورافقهم واحد من الطباخين .... يااااااه ما اجملك ايها السودان ما اكرمك ....والله أن شعبك لعظيم وما ليهو شبيه ....والحمد لله انا سوداني
هذا المجتمع يظل يكرِّم مثل هذه المواقف حتى في الثكنات العسكرية .... وفعلا تلقينا من زملائنا ومن اساتذتنا ما يفوق التكريم ...وظلت عمارة البنا مثلا دقيقا في حياتنا لترتيب الاقدار وكل شيء بقدر ....
وبعد سنتين التحق بنا موسى في جامعة الخرطوم وسكن معنا في نفس الداخلية في الجامعة ... له التحية ولاهلنا في العمارة هذا المجتمع المعلم كل التحية وكل التقدير .
"انتهى"