[39]
قالت لي خالتي جميلة حين كبرت ذات صفاء:
كان يجلدها حتي يدميها ، ثم يجوعها حتي تكاد تشرف علي الهلاك، ويقف عند رأسها كقائد جيش مجنون بالخطب الحماسية يلهب بها رؤوس جنوده، كان يخطب عن الجنةوالنار والاشرار خطبا يبكي و هو يلقيها كأن شخصا آخرا يخرج من داخله ويرتسم، يبكي كطفل ويرتل القرآن بصوت عذب حتي تكأد تسلم بأنك تتوهم اشياء قبيحة حوله وانه ملاك هبط من السماء، لكن ذلك لايدوم طويلا، فجأة يكف عن القراءة ويخاطب مجهولا يراه وحده مهددا متوعدا بويل وثبور ان هو لم يخرج منها، يصرخ باعلي صوته وهو يهوي بالسوط علي ظهرها: أخرج منها ...أخرج منها يا ملعون...
تتوجع هي تحت وقع السياط وتصرخ بصوت مشروخ باك :اخرج مني يا ملعون...أخرج مني....
كانت تصدق هواجسه المجنونة و كنت في اوقات كثيرة أشاطره الرأي بان امال يسكنها عفريت لايريد مبارحتها،حتي كان ذلك اليوم...كانت الشمس في كبد السماء...الحقول مخضرة باعواد الذرة والعصافير كثيرة لم تفلح الخيالات الموزعة في وسط المزارع في اخافتها،كانت امال سعيدة مطمئنة تضفر برشا من السعف وتنشد مادحة، كنت أمشط شعرها الطويل وهي جالسة كطفلة عند ركبتي، كانت تلك لحظات باتت نادرة منذ تزوجت امال ، لحظات مستحيلة طالما كان هو بالجوار، كان في الحقل ، حين اجفلت امك بغتة وهبت واقفة لم تكن صرخة علي قد انطلقت وشقت الفضاء الي حيث كنا، كان شئيا ما قد أهتز بداخلها فسبقت هبتها الصرخة، في لمح البصر أنطلقنا راكضتين صوب الصوت، أنفتح المشهد أمامنا بغتة،...كان لون السماء احمرا...وجه علي المنتفخ احمرا مفزوعا وهو يركض كفأر يتبعه قط شرس، كان القط ابيه، كانت اليد ترتفع وتهوي والعروق نافرة ...الشكل انسان والوجه شيطان....علي يركض وانت تقذف حجارة يائسة صوب ابيك ....ثم كان صوت الارتطام عاليا....كشجرة سقطت في البحر، اصطدم الرأس الصغير بجذع ضخم أعترض سبيله وهو يركض باقصي سرعته، دار الجسد الصغير ثم هوي صاحبه علي وجهه وانكفأ ، كان الدم متناثرا فوق أوراق الشجر ، وكانت صرخة أمك تعانق ابواب السماء....ثم ساد صمت.....صمت شامل....
صرخت في وجهها: لا يا خالتي....كان صوتي اكبر من صوت ارتطامه بالشجرة....قفزت كشيطان صغير من مكاني، تعلقت بثوب ابي الابيض الملوث ببقع حمراء صغيرة، هززته بقوة وصرخت حتي راح صوتي:ياعلي..يا علي.... وكان أبي بين يدي كجثة هامدة، صامتا لايجييب.
المفضلات