صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 26 إلى 50 من 90

الموضوع: الكهوف السحرية ( كيف بت كاتبا)/ سيرة/ صلاح الدين سر الختم على

     
  1. #26
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    بورتسودان الدموع والغمام أو(البكاء في البدء سرا وفي الختام علنا)/ ملامح من السيرة
    لم يكن القدوم الي مدينة بورتسودان اختيارا، كان شيئا صنعته الصدفة والظروف والأقدار،وكنت كارها لذلك الانتقال من الخرطوم التى ولجتها بعد سنوات من الطواف في الأطراف،قادما من دارفور بعد ستة سنوات قضيتها هناك، لم يدم وجودى بالخرطوم طويلا حين فوجئت ذات ظهيرة حارقة في شهر مايو 2006 بخبر نقلي الي بورتسودان، أسودت الدنيا في وجهى وشعرت بغضب كبير وغبن حتى اننى فكرت في الاستقالة من العمل وشرعت في ذلك فقوبل طلبى بالرفض وكان ذلك من حسن حظى،جئت الي بورتسودان كمن ألقي به في جوف السجن ،وكنت طوال الطريق أفكر في السيناريوهات المحتملة ولم يكن من بينها أبدا ما جري وتحقق في أرض الواقع ، جئتها بدموع صامتة وخرجت منها بعد أربع سنوات بدموع علنية صادقة، بكيت من القدوم اليها سرا ، فابكتنى عليها علناًعند الرحيل القسرى عنها، بحساب السنين هى اربع سنوات ، وبحساب الحياة والخوة والصداقة والجمال البشري في تلك الأرواح التى عشت بين اصحابها هى حياة كاملة، حياة لايريد من يعشها ان تأتى لها نهاية أبدا، كان أول من التقيته عند قدومى الي المدينة شاب رائع عميق صار فيما بعد صديقي وعرفت فيه صورة رائعة لما هو عليه انسان هذه المدينة ذلكم هو الشاب مأمون عبد الله مسعود طلق المحيا دائم الابتسام لبق الحديث ودود وكريم تشعر للوهلة الأولى في حضرته انك عرفته طوال عمرك، كنت بالفعل قد سمعت عنه قبل مجيئى الي بورتسودان من صديق مشترك أوصاه خيرا بى وأوصانى بدخول المدينة من بوابته ، فاكتشفت لاحقا انه أحد بوابات المدينة بالفعل، كان آخر عهدى ببورتسودان عام 1990 حين جئتها وقتها محاميا قادما من ودمدنى مع موكلين كان لديهم قضية ببورتسودان وجئت وقتها بالطائرة واقمت بفندق في قلب المدينة يومان ثم عدت بالطائرة وليس بذاكرتى من المدينة التى كانت تعج بالذباب والحر الا منظر الماء حين يبلل الجسد بحبات الملح فتندم علي الاستحمام، كانت المدينة في ذلك الزمان مدينة قاحلة لاعلاقة لها ببوتسودان الراهنة الانيقة الجميلة، لذلك كنت متوجسا حين جئتها بعد ستة عشر عاما من الغياب، لكنها كانت مدينة أخري خلعت أسمالها البالية وتأنقت وتألقت كأنها عروس تتهيأ لليلة العمر النفيسة، ثمة شئ من تلك باق في أطراف المدينة ولكن مظاهر كثيرة أختفت وتلاشت.....وحين تهادت السيارة التى يقودها زميلي واخى الاكبر مولانا محمد النذير محمد المبارك من المطار الي قلب المدينة كنت أتلفت يمنة ويسرة باحثا عن الوجه القديم ، فاذا بى المح عمرانا جديدا، شوارع أنيقة نظيفة ، حين بلغت السيارة ناديا الهلال وحي العرب المتجاوران فقط وجدت ملمحا من تلك التى اعرف، حين بلغت السينما بعد نادى حى العرب كدت اطلب من السائق التوقف كى اذهب الي سوق الطبالي حيث اشتريت في تلك المرة الأولي فردة سواكنية انيقة للخطيبة آنذاك وهى زوجتى العزيزة، لمحت الأكشاك الصغيرة بضجيجها المحبب فكاد قلبي يقع بين أقدامى
    ذاك مكان أليف محبب للنفس ولعل من أقسي وأفظع قرارات الوالي الهمام ايلا هو ذلك القرار الذى حكم علي سوق الطبالي الفريد بالموت فيما بعد، ذلك سوق كان يمثل معلما وملمحا محببا لكل أهل الشرق وكل من يزور بورتسودان، كان زمانا جميلا
    وكان سوق الطبالي قبلة الفقراء ومزار السواح من داخل البلاد وخارجها
    كان غلافا أنيقا لمدينة كانت راسفة في فقرها في زمن ما...... المهم قاومت نفسي وواصلت حتى بلغت الميز الذى تم اعدامه هو الآخر لاحقا بواسطة جهات رأت في بيع بوابة من بوابات التاريخ انجازا ومكسبا ، في حين كان ذلك الميز الصغير قبالة الجامع الكبير في بورتسودان رئة من رئات التاريخ تتنفس تاريخا وتحكى تعاقب الاجيال من القضاة عليه، كان معلما من معالم القضائية في بورتسودان أغلي بكثير من النقود التى بيع بها في مقاييس عشاق الأمكنة مثلى وعنه سوف أكتب ، عن غرفه الخانقة وعن الحصي في حوشه وعن شجرته العريقة وعن قططه المخيفة وعن اشياء كثيرة أخري، في ذلك المكان كان أول سقف أويت اليه في بورتسودان....
    كان لافتا للنظر ذلك الحصي مدبب الأطراف الذي يغطى حوش الميز كله ويجعل المشي حافيا أو بسفنجة عذابا لايطاق ولم اعرف حتى مبارحتى للميز وبورتسودان كلها السر في اختيار فرش الحوش بهذا الحصي القاسي الذي فيه ملامح من جبال البحر الأحمر الكبيرة،كان الميز يتكون من جزئيين : جزء صغير له باب صغير مطل علي مدرسة بورتسودان الثانوية المجاورة للميز وهذا الجزء يتكون من غرفة واحدة واسعة امامها فناء صغير وحمام خارجى تابع لها ، وفي هذه الغرفة كانت اقامتى بصحبة مولانا محمد ابراهيم احمد حسين الشهير بحجو قاضي الاستئناف الذى جاء منقولا في ذات توقيت نقلي ، في تلك الغرفة ومع ذلك الرجل البحر الواسع المعرفة الساخر الزاهد و ان بدا ساخطا دوما، كانت اقامتى القصيرة في الميز وهى ثلاثة أشهر انتقلت بعدها الي شقة جميلة علي بعد خطوات من الميز في عمارة بنك التضامن في الطابق الثانى حيث اقمت مع اسرتى كل فترة عملي ببورتسودان ، ومن الصدف الغريبة جدا أننا حين تقطع الكهرباء عن الميز والمدينة كنا نلاحظ ان تلك العمارة تكون مضئية لوجود مولد ضخم خاص ببنك التضامن يضئيها كلها، فنجلس في الظلام وابصارنا متعلقة بضوئها وكنت ادعو الله في سري ان يكون لى نصيب للسكن فيها أو في موقع مشابه ، وكان من لطف المولى بى وكرمه على ان جعل لى نصيبا بالاقامة فيها والتمتع بمزاياها لمدة اربعة سنوات هى فترة اقامتى وعملى ببورتسودان. اما باقي الميز فكان عبارة عن ثلاث غرف داخل برندة مغلقة بالنملى والخشب وله باب خاص بها وباب آخر يفتح علي السوق وتحديدا علي مبانى الجامع الكبير . في ذلك الجزء كان يقيم شباب القضاة حاتم قرنى وادم حاج الطاهر وبيتر اوبج وابو القاسم (الشابي) ومحمد عبد الله ابو وكان هناك قاض جنوبي مهذب ورقيق آخر يدعي فيليب .
    العم حمام خزنة الأسرار
    كل التفاصيل الجميلة اتذكرها ، حتى ذلك الرجل الكبير في السن المقيم معنا بالميز، ذلك الرجل الخدوم الغامض ووجوده المؤثر وعلاقته بمجموعة الميز ، كان اسمه العم حمام،و كان حمامة جريحة حنونة تعطى بسخاء برغم جرحها الذى طوت عليه قلبها، كان واضحا ان الرجل له قصة ما حزينة الفصول آثر الا يرويها لأحد ، رجل مرتب ومنظم وحسن المظهر وكل شئ عنده مثل بندول الساعة لايتخلف عن موقعه أو زمنه ، كان يقاسمنا الميز ولديه اوقات يختفي فيها ويغيب ثم يعود في ميعاده بلا تأخير وفي بعض الأحيان يأتى من يزوره وكان وجوده بالميز وهو لايعمل بالمصلحة القضائية مثيرا للتساؤلات لكنه كان وجودا متوارثا ومستمرا فبات مثل كل غرفة وحائط في الميز مبررا وعاديا ولكنه يظل مثيرا للفضول والأسئلة خصوصا انه كبير في سنه فقد تجاوز منتصف الستينات لكنه يبدو أصغر وأوفر شبابا، كان طباخا ماهرا جدا وله نفس خاص في كل شئ تلمسه يده وخاصة السمك وكانت بينه وبين حاتم قرنى ضابط الميز النشيط صلات خاصة موضوعها تدبير كل شئ يتعلق بوجبات الميز الشهية وتحليته كان رجلا لايمكن نسيانه، حاولت التقرب اليه كثيرا للوقوف علي قصة حياته وسره الغامض الظاهر للعيان لكن محاولاتى باءت بفشل ذريع ، فالرجل يتحدث في كل شئ الا عن نفسه...رحمه الله رحمة واسعة فقد عرفت فيما بعد بسنين عديدة انه رحل عن الفانية حاملا كل الاسئلة حوله وحول حياته معه الي هوة صمت أبدى ولكنه ظل ويظل رجلا جميلا احببناه بصدق.

    قطط الميز

    كانت الظاهرة الملفتة الاخري في الميز وربما في بورتسودان كلها هي ظاهرة القطط الكثيرة المنتشرة التي تتجول في المكان بحرية وغطرسة ولاتتهش ولاتتنش، مما يعمق الرهبة في النفوس تلك الرهبة التي تنبع من حكايات كثيرة تروي عن قطط بورتسودان وسواكن فتجعل الدم يتجمد في العروق، اظن تلك القطط تعلم ا ن بنى البشر يخافون منها ويتحاشون ضربها أو الاقتراب منها أو محاولة ايذائها بأي شكل بسبب تلك الأساطير والحكايات التى يسمعونها وينسجونها عنها، ولهذا السبب فانك اذا نهرتها فلن تهتم بك بل تنظر في عينيك مباشرة وقد تتمطى في كسل فتجد نفسك انت الهارب من المكان، كان الميز يعج بالقطط وكانت أكثر من سكانه، تأتى من أمكنة مجهولة وتبقي ماشاء لها البقاء وتذهب وقت تشاء، ومن الصور المحفورة بذاكرتى مشهد الهرة التى أكلت بنيها ذات ليلة في الميز وذلك الصراخ الشبيه بصراخ طفل وليد الذي شق سكون الليل، تكرر الصراخ وتكررت أصوات أخري وبدت الأصوات المستغيثة أصواتا إنسانية تمزق نياط القلوب ، وبقيت قابعا في غرفتى ولم اجروء علي الخروج لمشاهدة المنظر حين تصورته من خلال تحليل أحد الزملاء لما يجري خارجا حسب خبراته، وفي الصباح لم نجد أيا من القطط الصغيرة الوليدة في مكانها الذى كانت تحتله وكانت أمها التى ولدتها هنالك وظلت ساهرة عليها طيلة الفترة السابقةغير موجودة هى الأخرى، سألت عما جري ليلا، فعرفت ان هناك احتمالين: اما ان تكون قطط دخيلة قد أكلت الصغار بعد معركة مع الأم ، وإما ان تكون الأم نفسها هى الفاعلة، لم ابحث كثيرا عن حقيقة كل وجه محتمل لها هو وجه قبيح، وبات تناول الطعام صعبا لعدة ايام وانا اتخيل القطة الأم وهى تنهش بنيها، كانت القشعريرة تسري في كل جسدي ، فألوذ بالصمت.سألت نفسي والآخرين عن مدى صحة مقولة ان القطة تأكل بنيها فتعددت الاجابات وكثرت ، بعضهم يقول

    أن القطة حينما ترى أن فرصة عيش أحد صغارها مستحيلة تقوم بأكله لكي تقوى على إرضاع باقي أطفالها لأنها تكون منهكة جداً بعد الولادة.. وهناك أقوال تقول أن القطة تعتقد أن هذا الصغير إن لم تأكله فسيقتلها عندما يكبر.. وهناك أقوال تقول أن القطة تأكل أول مولود لها وهو يكون أقواهم وأكثرهم حملاً للفيتامينات والعناصر المفيدة فتأكله القطة فتقوى على تربية باقي أولادها لذلك هناك مقولة تقول أن أول مولود للقطة إذا أخذته فور ولادته وكبر فسيصبح قط قوي وكبير. ويري البعض ان القطط لا تأكل صغارها ابدا ولكنها عند ولادتهم تبدأ الام بقطع الحبل السري للقطط المولودة باسنانها كما هو الحال عند الانسان فيتوهم البعض ان الام تأكل صغارها وهذا غير صحيح. عموما لازلت حائرا في هذا الصدد ولم اركن الي صحة أي اجابة ولم اتيقن من حقيقة ما حدث في الميز لكن الحقيقة المؤكدة ان صغار القطة اختفوا جميعا في الصباح التالي ولم يظهروا أبدا ولازال صراخهم الذي فيه شئ آدمى يرن في اذنى كما سمعته في تلك الليلة ولازلت اتخيل القطط الصغار الجميلات في فك امهن أو في أفواه قطط ضالة شرسة انتزعتهن من حضن الأم في غيبتها أو حضورها وركضن بهن بعيدا لينهشن الاجساد الغضة..

  2.  
  3. #27
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    بورتسودان رحلةالدموع والغمام
    صورة رجل برتبة فارس( جعفر أركا أبو طاهر)
    في ذلك اليوم نهضت باكرا فقد كنت انتظر شمس الصباح في شوق كي اذهب لمقابلة رئيسي الجديد واستلام عملى في بورتسودان محطة عملي الجديدة، كنت اعرف بحكم التجربة والتنقل الكثير سيناريو المقابلة ، لم تعد هناك رهبة كتلك الرهبة الأولي ، ولم يعد هناك تهيب للمقابلة، وكنت اعرف بالخبرة ماذا سافعل وماذا ساقول وما الذي ينبغي الا أقول، لذلك لم يكن الترقب بسبب شئ مما تقدم، بل كنت اريد تجاوز تلك اللحظات واستلام عملي والاندماج فيه حتى يزول ذلك الاحساس الملازم باننى قد انتزعت من حياة احببتها الي مكان ليس في حاجة الي ولست في حاجة لاضافته الي حصيلتي من المدن والأمكنة، كنت اعرف ان كل سأم وضجر وقلق يذيبه شئ واحد فقط هو الاندماج في العمل، لذلك كنت متلهفا الي تجاوز ايام السكون وحمى الفواصل،دلفت الي ذلك المبنى العتيق غريب الهيئة في الصباح ، وقفت كثيرا امام المبني الذي يبدو مرقعا كجبة الدرويش ففيه جزء عتيق يشكل أصل المبنى ، وهناك جزء يشبه مبانى السجون بجداره العالي الخالي من النوافذ ويبدو مضافا للمبنى لكنه قبيح المعمار ويبدو مشيدا كيفما اتفق ، اكثر شئ مثير للدهشة في مبنى رئاسة الجهاز القضائي لولاية البحر الاحمر القديم هو كون سلم المبني يواجه القادمين مباشرة معطيا إياهم ظهره بدلا من ان يكون منبسطا أمامهم، فيبدو اقرب الي مدخل سرداب منه الي سلم لمبني من طابقين (ارضي وأول فقط)، ارتقيت درجات السلم فاصابني وضعه المقلوب بالدوار والغثيان ، ثم انحرفت ناحية اليمين حيث مكتب رئيس الجهاز القضائي مولانا جعفر اركا أبوطاهر والذى تعرفت به في وقت سابق ابان فعاليات اليوبيل الذهبي للقضاء السودانى في العام 2005 بالخرطوم حيث كنت اعمل بالمكتب الفني للمحكمة العليا وكنت عضوا بلجنة اليوبيل ومسؤولا عن معارض الاجهزة القضائية المقامة بدار القضاء بالخرطوم علي شرف المناسبة، خلال تلك الايام الجميلة عرفت الرجل عن قرب فلمست فيه انسانا بسيطا متواضعا ودودا ومرحا وكريما ولم يكن يخطر علي بالي ابدا ادنى احتمال للانتقال الي بورتسودان والعمل مع الرجل سنوات كما حدث بعد عدة أشهر من تلك الايام ، وكان للرجل فضل لن انساه ، فقد سبقنى مؤلفي الوجيز في دعاوي قسمة الإفراز والإجبار علي البيع الي بورتسودان بمبادرة كريمة منه حين اشتري كمية منه ووزعها علي القضاة هنالك ، فكان الكتاب سابقا لصاحبه في ولوج عروس البحر الأحمر والإقامة في قلوب وعقول زملاء المهنة هنالك،دلفت الي مكتب السكرتارية وكان مكتبا متواضعا ككل المكان وتهيأت نفسيا لدخول مكتب أكثر تواضعا، وبالفعل لم ابق في الانتظار ودخلت الي مكتب واسع نوعا ما ، أثاثه من الخشب الموسكى وثمة زهور صناعية في المنتصف تقول ملامحها من بعيد انها صناعية لاروح فيها ولارائحة وتبدو في المكان الخطأ ولاتتناسب مع الجو العام للمكتب الذي يشي بالوقار والقدم، كان مولانا جعفر بجلابية بيضاء ناصعة ونظارة سوداء علي العيون ووجه باسم قد نهض من كرسيه ولم ينتظر بمكانه كما يفعل الروساء بل تقدم نحوي ببشر وترحاب وقابلني في منتصف الطريق بابتسامة واسعة تميز الرجل ولاتغيب عن صفحة وجهه الا نادرا، صافحني بحرارة كما يصافح المرء صديقا قديماً ، وقال مباشرة بعد السلام معاتبا( مابينا مالك يازول ؟ معقولة تخلي الشغل عشان جايبنك لينا؟) لم يكن لدى ما اقوله ، فاطرقت وتجاوز هو الأمر سريعا وشرع في الترحاب من جديد مؤكدا لى باننى سيطيب لى المقام هنا كثيرا وانهم قادرون علي مسح الصورة التي في خيالي عن بورتسودان، كان يتحدث بلطف وعلي وجهه ابتسامة تتسع كلما تحدث لكنه كان صادقا في عتابه بشأن عدم ترحيبي بنقلي الي بورتسودان، ذاب الجليد شعرت في التو والحين أننى نزلت بلدا طيبا وسط أناس طيبون، كانت مقابلة ذكرتنى طعم البطيخ في الصيف في مدنى ايام الطفولة، كانت اجمل هدية يمكن ان ينالها طفل في مدنى في هجير الصيف شقة بطيخة حمراء حلوة تنزل في جوفه بردا وسلاما، واتذكر جيدا اننا كنا نفترش الارض في موقف اللواري في مدنى في الهجير ونتقاسم البطيخة التي نشتريها بنقود قليلة وكل بما ناله منها فرح وسعيد، كنا وقتها نعمل في الاجازة كى نوفر مصاريف الدراسة واحتياجاتنا من كراسات وشنط وغيرها، وكان عملنا غالبا في الهجير وكان البطيخ استراحة محارب نحظى بها، كانت مقابلتي للرجل تماثل ذلك الشعور الجميل الذي يخلفه البطيخ في الصيف، المهم اننى دخلت ذلك المكتب وخرجت منه شخصا آخرا مقبلا بحماس علي واقع جديد بدت بشائره مبشرة بالخير فقد علمتنى التجارب ان بيئة العمل الصالحة ترتبط دوما برب العمل الصالح الذى يؤثر ايجابا في كل من حوله والعكس صحيح بالطبع ،كان الرجل بحق هبة من السماء بقلبه الكبير الذي اتسع لجميع زملائه وبساطته وتواضعه وأدبه الجم وروحه المرحة وانسانيته المتدفقة التي جعلت كل من حوله يحاول أن يحذو حذوه في احترام الاخرين والمساواة بينهم في المودة والاهتمام والتواصل والزيارات في البيوت والمكاتب والتفهم الكبير لظروفهم والتفاعل معها دون ان يدفعهم للسؤال أو الطلب، طيلة فترة عملنا مع الرجل لم نسمع من تذمر من تمييزه لفلان أو علان ولم نسمع صوته يعلو في وجه مرؤس أو زميل ولم يعد من طرق بابه خائبا ولم تسمع شماله بما فعلت يمينه، وهناك الكثير مما يعرف ولايقال من كريم خصاله وسجاياه ، وحسبه انه لم يفتح بابا لوشاية أو نميمة ولم يعامل مرؤوس بالانطباعات او الاراء المسبقة وكان دوما خط الدفاع الاول عن مصالح المسؤول عنهم ولم نعرف عنه تدخلا في عمل او تأثيرا بأي شكل علي مجري العدالة أو حطا من قدر أي قاض أو عامل،لذلك نال الرجل محبة الجميع وثقتهم وتفانيهم في العمل إكراما لمن أكرمهم وسهر علي حقوقهم وعلي توفير بئية صالحة لعملهم، كان العمل يسير بتناغم بديع كفرقة موسيقية متمكنة من عملها وكان الجميع إخوة وأحبة يتنافسون في تجويد العمل فقط ، وفي عهد الرجل شهدت بورتسودان تغييرا كبيرا في حقل العدالة تمثل في هدم ذلك المبنى القديم الكئيب ونشوء قصر جميل للعدالة في مكانه، قصر فخم يليق بالقضاء ومكانته وبورتسودان وجمالها، كان الرجل شريكا فاعلا مع قادة السلطة القضائية في قيام ذلك الصرح ونال شهادة لاتنسي من رئيس القضاء السابق حين تحدث في حفل الافتتاح عن جهوده، و أتذكر الان تلك الدموع الصادقة التى زرفناها سرا وعلانية حين حان وقت فراق ذلك الرجل نادر المثال حين واتته فرصة انتداب خارج البلاد وكان علينا ان ننتظر قادما آخرا من المجهول لاندري كيف يكون وماذا سيفعل بجمهورية أركا المثالية، هل يعمل فيها هدما وتفكيكا ؟ هل يحيل بساتينها الخضراء وأجوائها الصحية إلي خراب وسموم أم يكون كما نرغب ونشتهي امتدادا لذلك الثوب الأبيض الناصع؟طارت طائرة وحطت بجعفر اركا ابوطاهر في الخليج وبتنا يتامى علي رصيف الايام ، ثم مالبثنا ان تفرقنا أيدي سبأ من بعده ،طالنا سيف النقل ولم يبق الا نذر يسير، وبقيت ذكريات تلك الايام وخلاصتها محبة دائمة تربط بيننا مهما تفرقنا وتواصل دائم وحنين دائم اليها، اما بورتسودان، فاظنها لاتزال تبحث عن فارسها الهمام ابن سنكات الشفيف الانسان جعفر اركا ابو طاهر وتلعن الخليج والمحار والدولار والزمن. اطال الله عمر الرجل الذي سكن قلوبنا جميعا بلا استئذان والي الابد.

  4.  
  5. #28
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    قصتى مع المحاماة من الألف الي الياء (1
    )/ سيرة
    لماذا وكيف اخترت قراءة القانون والاشتغال به ؟

    لا أدرى بالضبط متى بدأ حلم الاشتغال بمهنة القانون يراودنى، لكننى أعرف أن اكبر المؤثرات علي اختيارى كانت صدفة جعلت ثلاثة محامين تحت التمرين يكونوا أساتذة للانجليزية بمدرستنا الثانوية ( مدرسة السنى) بمدينة مدنى في مطلع الثمانينات، هولاء الثلاثة الذين صاروا فيما بعد من أشهر المحامين في المدينة كان لوجودهم تأثير بالغ علي أحلام التلامذة الذين كنت أحدهم،كان الفرسان الثلاثة هم الأستاذ حسن حسين حمد الذى صار فيما بعد معلمى في مهنة المحاماة، والأستاذ مرشد الدين محمد يوسف، والأستاذ صالح محمود، كان ثلاثتهم متخرجين حديثا من جامعة الخرطوم كلية القانون ويتهيأون للجلوس لإمتحان مهنة القانون وكانوا يعملون محامين تحت التدريب مع الاساتذة عبد المنعم الخضر جكنون المحامى وسيف الدولة خضر عمر المحامى وأحمد عباس المحامى(الثلاثة من أعلام المهنة في مدنى) بذات الترتيب الوارد للثلاثة،واختار الثلاثة أن يلتحقوا بوظيفة التدريس كمحطة مؤقتة الي حين الانخراط الكامل في المحاماة فتم استيعابهم الثلاثة كمعلمي لغة إنجليزية، وكان لنا نصيب معهم الثلاثة في حصة الأدب الانجليزي فقد درسنا كل واحد منهم رواية من الروايات المقررة علي طلاب الثانوى آنذاك فتعرفنا عبر التدريس علي شخصياتهم الشفيفة وبرزت أمامنا منظومة أفكار كل منهم وإطلاعه وكان ثلاثتهم ذوي ميول اشتراكية واضحة واسعى الإطلاع يتعاملون مع مهنة التدريس كرسالة انسانية وفكرية فكانت حصة الأدب الانجليزى معهم تحليقا جميلا في فضاءات فكرية وثقافية واسعة،كانت حصة الأدب الانجليزى معهم تماثل سفرا بعيدا وسياحة ممتعة في بلدان غريبة وتعرف علي ثقافات جديدة واختزان لقصص ومشاهد ومشاعر انسانية تمس شغاف قلوبنا الصغيرة برغم بعد المسافات واختلاف الثقافات واعتقد ان تلك الحصص وتلك الروايات العظيمة كانت بوابة عبرنا من خلالها الي فضاءات أوسع من فضاءاتنا ولامسنا فيها عظمة الأدب وتعلمنا فيها عشق الروايات وطرق السرد وهو أمر شكل اهتماماتنا وشخصياتنا لاحقا بشكل مؤثر. كنا ننتظر بفروغ صبر وشوق شديد حضور الاستاذ حاملا معه رائعة الكاتب الايرلندى أوسكار وايلد
    (أهمية أن تكون جاداً (The Importance of Being Earnest)
    المكتوبة في 1895. وهي عامرة بالروح الساخرة وتصور النفاق الاجتماعي للطبقة الوسطى في العصر الفيكتورى حيث يحاول الابطال الظهور بشخصيات مختلفة في كل واقع مختلف،وهناك موقف ساخر من الحرب وأبطالها المرسومين في المخيلة عند بعض الناس البعيدين عن واقع الحرب القبيح.
    كانت شخصيات الاساتذة الثلاثة متباينة، فبينما كان حسن حسين صارما جدا، ينهمك في التدريس كمن يؤدئ صلاة في استغراق وتركيز ويحرص حرصا بالغا على النطق الصحيح الواضح للمفردات وشرح المغزى بطريقة مفصلة والتوقف عند معانى الكلمات الجديدةثم ينصرف بهدوء كما جاء، كان الاستاذ صالح محمود مدرسة أخري تتشابه مع الاستاذ حسن فيما سبق ، لكنه كان مسكونا بحب كبير لمسقط رأسه دارفور،فكان ينتهز كل مناسبة عابرة ليحدثنا عنها بلغة انجليزية سليمة ومشوقة ، تجعل من الحصة سياحة داخلية وخيالية معاً،كان حب الرجل لموطنه ملهما وملفتا جعلنا نتوقف عنده كثيرا،كان الرجل فخورا بجذوره بشكل رائع وفريد.أما الاستاذ مرشد الدين فقد كان ساخرا بطريقة لاتجاري وكان موجزا دوما في شرحه ولكنه يتميز بالعمق والمعلومات الغزيرة المصاحبة للشرح فهو يملك معارف خاصة تتجاوز حدود الكتاب والحصة ولكنه لايسرف فيها فيجعل فضولنا في أعلى مستوياته فيتحرك فينا حب المعرفة. هكذا كان كل منهم ملهما بطريقته الخاصة. كان حسن حسين من أبناء الجزيرة أبا وسط السودان وصالح محمود من ابناء جنوب دارفور منطقة نيالا زالنجى بينما كانت جذور مرشد الدين من مناطق كردفان. كانوا ثلاثة أقمار من الريف زينوا سماء مدينة ودمدنى بعلمهم وتميزهم وشكلوا أفقا للعديد من تلامذتهم عبر قوة المثال ودفعوهم الي رحاب مهنة القانون، لذلك لم تكن صدفة أبدا أنني اتجهت لدراسة القانون واننى حين أكملت دراسة القانون بعد ذلك بسنوات عديدة جئت فطرقت باب الأستاذ حسن حسين الذي بات من أعلام المحامين في المدينة والتحقت بمكتبه محاميا تحت التمرين ومن ثم محاميا محترفأ ونهلت من معارفه حتي بات لى مكتب محاماة خاص في عمارة كان من أبرز المحامين فيها أستاذ صالح محمود المحامي ولم يكن الأستاذ مرشد بعيدا فتلاحقت الكتوف في المحاماة بين التلميذ وتلامذة آخرون وبين معلميهم الثلاثة.ولم يكن أمرا مدهشا أن الثلاثة استقروا بالمدينة وتزوجوا فيها وبقوا بها حتى اصطادت المنافئ الاستاذان حسن حسين ومرشد الدين في نهاية التسعينات فيمما صوب الخليج بعد سنوات عامرة بالبذل والنجاحات في المحاماة في مدنى.
    بين ذلك الحلم الذى شهق في مدرسة السنى الثانوية في داخلى وبين اشتغالى بالمحاماة سنوات عزيزة شهدت احداثا كثيرة لاتنسي في حياتى ، منها ماكتبت عنه مثل قصة استشهاد طه يوسف عبيد وعلاقتنا برابطة الجزيرة للاداب والفنون وبعض ملامح حياتى في ودمدنى ومنها ما لم اكتب عنه بعد وهو سنوات الجامعةالتي وجدت نفسي استعير بعض شخوصها واحداثها في راوياتى، فعلت ذلك في الرمال يافاطمة وعدت وفعلته في روايتى نيران كامنة ولكن القسم الأهم من احداث وشخوص الجامعة استعرته وحورته وجسدته في روايتي بحيرة التماسيح التي رأت النور الكترونيا تحت اسم خطوات وبصمات وستري النور ورقيا قريبا تحت مسمى بحيرة التماسيح،فقد كانت فترة الدراسة الجامعية بجامعة القاهرة الفرع خريفا ماطرا وغنيا بالاحداث والبذور الصغيرة التي باتت مشاريع عملاقة، كنت فتى نحيلا مشتعلا بالحزن والغضب والثورة وشغوفا بالشعر والقصة والرواية والتواصل مع الاخرين وأدوار البطولة، فقد كان استشهاد طه يوسف عبيد مؤثرا علي شخصيتى بشكل كبير، لذلك اندفعت الى قلب الحياة الجامعية بتهور واندفاع كبير، كانت جامعة ذلك الزمان بركاناً ثائراً وبرلمانا ثقافىا وفكرىا وسياسىا دائم البريق والتوهج
    وجدت نفسى في أعلى تلك الموجات منذ الوهلة الأولى

    جئت حاملا غضبى
    وصاحب موقف واضح من السلطة التى قتلت صديقه ونثرت دمه فوق قميصه
    جئت ومشهد قصف جنازة طه يوسف عبيد بالرصاص امام المؤسسة الفرعية للحفريات بمدنى فوق شارع الاسفلت هو المشهد المسيطر على ذاكرتى والمصاحب
    لكلمة مايو واسم النميري
    (وهو مشهد تسلل غصبا عنى ووجد طريقه الي رواياتى)
    لم يكن لدى خيار سوي العمل السياسى لاسقاط نظام
    جعلنا نرى الدم بدلا عن الزهور ونحن لانزال في مقتبل عمرنا
    الفراش الجائل

    كانت الدهشة الأولى موجودة بالطبع فقد كان الانتقال الى المرحلة الجامعية انتقالا فيه كثير من الأشياء الجديدة، ففى المراحل الدراسية السابقة كنا نأتى من البيت واليه نعود يوميا ولكن الجامعة ارتبطت بالانتقال الي مدينة كبيرة كالخرطوم والى حياة جديدة مختلفة بعيدة عن الأسرة ودفئها والى نظام تعليم يقوم على الحرية الشخصية في الحضور والمواظبة بخلاف نظام المراحل التعليمىة السابقة الذي يبدو أكثر صرامة وتقل فيه مساحات الحرية الشخصية، لكن الحرية الشخصية فى المرحلة الجامعية ترتبط بالمسؤلية الشخصية عن نتائج تلك الحرية، بالامكان الا تتابع المحاضرات وان تتغيب ولكن يجب ان تبذل جهدا أضافيا لكى لايفوتك شئ وتنجح برغم عدم المواظبة،ونفس المبدأ يسود فيما يتعلق بخياراتك الأخرى الثقافية والسياسية والاجتماعية، فالاهتمام بالأدب مثلا كان مكانه في المراحل السابقة حصة أو حصتان في الاسبوع وبعض المناسبات الثقافية والوطنية، أما الجامعة فهى مائدة عامرة بالجمعيات والروابط والفرق الثقافية والأنشطة التى أقبلنا عليها في نهم وشراهة، ولم يكن نهمنا وقفا علي حامعتنا وحدها فقد كنا نهاجر مثل أسراب الطيور الي كل الجامعات ومواقع الأنشطة الثقافية والأدبية فلا نفوت محاضرة ولا أمسية شعرية ولامنتدى ولامسرحية أو معرض أو مهرجان ونقتنى الكتب في كل صباح بكل الطرق : استعارة وشراء ومبادلة وأختلاسا بالقراءة حيث هي في مكتباتها التجارية أو العامة أو بيوت الأصدقاء أو غرف الداخليات في الجامعات التى بها داخليات حين نغشاها في زيارات الي الأصدقاء هناك، كان نهمنا للقراءة لاينتهى أبداً وكانت مناسبة مثل احتفالات االتخريج في معهد الموسيقي والمسرح حدثا أكثر أهمية عندنا من أي حدث آخر، فكنا نركض الى مسرح قصر الشباب والأطفال لنتابع بشغف ودقة كل العروض ونتناقش عقب كل عرض حوله نقاشا لاينتهى، عرفنا داخليات جامعة الخرطوم داخلية داخلية واقتحمنا سفرات الطعام فيها مع طلابها وتقاسمنا معهم طعاما شهيا كانت تقدمه حكومة السودان لطلابها دون شعور بالغيرة أو التهميش ودون شعور منهم بأننا دخلاء، كنا لانغيب عن حدث هناك فنحن حاضرون في المعارض وحفلات الروابط والأركان السياسية والقراءات الشعرية ونقرأ صحف النشاط الحائطية قبل المعنين بها أحيانا ، وكنا منفتحين علي كلية الفنون الجميلة ونشاطاتها وخصوصا معارض التخريج وكانت ظلال الأشجار هنالك سكنا دائما لنا حيث نقضي سحابة النهار للمذاكرة أيام الامتحانات وللثرثرة والأنس في الأيام الأخرى، كنا كالطيور
    والفراش نتنقل حيث شئنا وكيفما شئنا سيرا علي الأقدام قاطعين المسافات جائلين في العاصمة المثلثة من أقصاها الي أقصاها لانستخدم وسائل النقل إلا مكرهين .
    الحنينة السكرة
    جامعة القاهرة الفرع

    كانت جامعة القاهرة الفرع ذات طبيعة خاصة جدا، فهى معرض دائم ومهرجان متجدد ونهر متدفق من الشباب من الجنسين ، من كل انحاء البلاد الكبيرة تجمع طلابها في حشد نادر المثال، فليس ثمة مكان أو زمان آخر قادرعلي الجمع بين ذلك المزيج الذى يشمل قادمين من كل بقعة صغيرة وكبيرة في السودان، فقد كانت الجامعة توفر فرصا كبيرة للقبول في كلياتها التى تزدحم بطلاب نظاميين وطلاب منتسبين يشملون كل الأعمار تقريبا، ولكنك تجدهم جميعا في حوش الجامعة الفسيح الذي ينطبق عليه ذلك المثل الساخر لصديقنا عادل سعيد اب جقادو وهو أحد ظرفاء الجامعة من ابناء مدنى من جيلنا فقد كان يقول كلما نظرنا الي ارتال البشر من الطلاب الذين تعج بهم ساحة الجامعة الضيقة المسماة الحوش ( صحى النفوس كان اتطايبت السرير بشيل المية والحوش بشيل من غير حساب)، كان ذلك تلخيصا ساخرا لحالة ذلك الحوش الممتلئ بالجميلات الخائفات من غباره علي تسريحاتهن واناقتهن وهو ممتلئ باصدقاء لهم كتاحة تسبقهم اكثر خطرا من ريح العتويت في طوكرالشرق الشهيرة بكتاحتها الفريدة،كانت جامعة غريبة في كل شئ، بائعات الطعمية وسلطة الأسود بجوار حوائط بيوت الاشلاق المحيطة بالجامعة وهن مقنطرات علي بنابر وهيطة وحولهن قفف من السعف وحلل من الألمونيوم تحتوى علي الأطعمة التى تباع للطلبة والطالبات الذين يقبلون عليها في طمأنينة كانت هي سمة ذاك الزمان الذي كان أمانه في نقاء القلوب وطهرها، باعة السجاير والحلوى ومناديل الورق داخل الجامعة وأشهرهم ابو دقن الذى لايفوت صلاة في مسجد الجامعة الصغير ويرتزق من بيع السجاير والاقلام والمناديل واللبان ولم ينج من تصنيفات السياسة التي نسجت حولها روايات مشوشة حول علاقة مزعومة له بالأمن تارة وتارة بفصيل سياسي بعينه ، من المعالم مكتب البريد الذي يحتل زاوية في الجامعة يتحلق حولها الطلاب وهو محاصر دوما بالاركان السياسية الملتهبة التي تبدأ بجمع صغير ثم تمسي مظاهرة حاشدة يلتف حولها المنتمون واللا منتمون والعابرون وحتى ضيوف الجامعة ليشاهدوا عروضا حية في فنون الجدال السياسي ونماذج عملية لكيفية مسح الأرض بالخصم والحط من قدره ثم التصدى لهجوم مضاد يمارس فيه الممسوح به الأرض مسحا مماثلا للمتحدث وجماعته بالأرض، كان صراعا للديكة بكل ماتعنى الكلمة من معنى، صراعا لايستسلم فيه طرف ولايكف فيه المتعاركان عن اطلاق قنابل الكلام الموجهة للاخر ، وفي بعض الاحيان يتعدى الأمر قنابل الكلام الى ما هو اخطر وأكبر،وفي قلب هذا الضجيح هناك حالمون وحالمات ينتحون أركانا قصية وينسجون عالما ورديا لاينتمى الي مركب الضجيج الذي يجلسون في قلبه، تجدهم يجلسون ساعات طوال يتهامسون ويبتسمون ويحتسون العصير من الكافتيريا المزدحمة علي مهل وبتلذذ
    وينسلون بين الفينة والاخري للحصول علي شاي أحمر لايغيب عن الجلسات وحين تعلو اصوات مكرفونات الجدال علي همسهم يخرجون من الحوش ويذهبون الي حوش كلية التجارة أو يحتمون بسلم الاداب الذى اشتهر بكونه ملاذا للعشاق والصداقات البرئية والهاربين من الغبار والضجيج وفي وقت الامتحانات مكانا مميزا للمذاكرة. كانت للجامعة وجوه أخري عديدة، هناك معارض الروابط الأقليمية التى تعج بها الجامعة فهى تحيل الجامعة بصيواناتها الكثيرة الي معرض دائم يعكس ملامح تلك الأماكن القصية والقريبة التي جاء منها الطلاب وتتبارى الروابط في ابراز مايميز مناطقها من تاريخ وجغرافيا وفلكلور وفنون وفنانين، فتتحول الجامعة في مواسم استقبال الطلاب الجدد الي مهرجان قومي للثقافات، يوما يحتل النوبيون برطانتهم الجميلة وجرجارهم ورقصاتهم المميزة المشهد، ويوما تتحول الجامعة الي طنابير شايقية ملئية بالحنين ، ويوما يتفنن أهل الشرق في عرض ملامحهم الفنية المميزة، ويوما ينبرى أهل مدنى فتصدح اصوات ابوعركى وود الأمين وصديق متولى وصديق سرحان، ثم يحتل أهل كوستى المشهد بابداع يميزهم وتتوالى الايام والليالي الثقافية والمعارض ، ثم تأتى دورة لمعارض الكتاب والندوات الثقافية والدينية، تبدو الجامعة سوق عكاظ كبير في ناحية المنتدى الادبى وجماعة الجو الرطب وعشاق الحلمنتيش، ثم تخطف الصحف الحائطية للجماعات السياسية في الجامعة الأبصار بمانشيتاتها الصارخة

    ومعارضتها المعلنة للسلطة في بلد صامت خارج أسوار الجامعة، كان أولئك الذين يحررون تلك الصحف الجرئية يبدون أشخاصا ساحرين قادمين من كواكب بعيدة بجرأة فعلهم وعباراتهم، هكذا وقفت في وسط ذلك الحوش صغيرا ضئيلا مندهشا وباحثا عن موطئ قدم في بحر متلاطم الأمواج، خائفا ذهبت أبحث عن رابطة ابناء مدنى عساها تبدد شعورا بالغربة والضآلة وقلة الحيلة أعترانى.

    رابطة ودمدنى بالفرع عالم ساحر
    كانت رابطة مدنى بالجامعة خلية نحل ونجمة كبيرة في سماء الجامعة، كانوا في استقبالنا بحفاوة ظاهرة تمارس في الجامعة مع البرالمة سنويا، لكنها حفاوة تختلف عن غيرها في كونها حفاوة نابعة من القلب وفي كونها امتداد لعلاقات سابقة علي الجامعة بين ابناء الرابطة، قد تكون علاقة قربى أو جيرة حي أو زمالة دراسة في مرحلة سابقة أو علاقة رياضية أو حتى سياسية أو ثقافية، لذلك كانت الرابطة بيتا يشعر فيه المرء بالإلفة ويذوب سريعا في سكانه الذين يعرف الكثير منهم سلفا وثمة الف باب ونافذة تنفتح بينه وبين من لم يعرفهم قبلا، فالقواسم المشتركة كثيرة جدا،عن نفسي فقد اندمجت في مجتمع الرابطة ووجدت نفسي علي الفور، قابلت الاخت رجاء حسن هاشم التى كانت بكلية التجارة وهي من بنات الدرجة وكنت اعرفها قبل الجامعة بحكم الجوار وبحكم زمالتها في الدراسة مع اختي الكبرى وباتت فيما بعد سكرتيرا عاما للرابطة وعملت نائبا لها في احدى الدورات، وكانت هناك ايضا الراحلة ثورة عبود بنت المزاد التي كانت بكلية الاداب وكانت هناك معرفة سابقة علي المستوى الأسرى، وكان هناك الاخ الفاتح خضر الكاشف المحامى وكان من قادة الرابطة وكان بالسنة الاخيرة بكلية الحقوق وهناك الاخ الصديق ابراهيم تاج الدين حمد النيل الذى كان ابرز سكرتير رياضي للرابطة لعدة دورات والاخ عصمت محمد يوسف امين مال الرابطة وكانا بكلية الحقوق وبلجنة الرابطة وهناك الاخ عادل الباهى والاخ عبد العزيز محمد احمد والاخ عبد الله خالد من ابناء دردق الذى شغل منصب السكرتير العام للرابطة والاخ خالد عبد الوهاب من ابناء جزيرة الفيل وهناك الاخت فوزية من ام سنط والاخت منى ادريس من بانت ومجدى برير من الدرجة وقائمة طويلة من الاسماء اللامعة التي عايشناها في الرابطة، فتحوا لنا قلوبهم من الوهلة الأولى وبت من أول سنة سكرتيرا اجتماعيا بالرابطة وفيما بعد سكرتيرا عاما بعد تخرج من وجدناهم امامنا بالرابطة.كانت رابطة مدنى مجتمعا جميلا قائما علي المحبة والترابط دونما اعتبار للاختلافات السياسية وغيرها، لذلك كان العمل فيها يشكل واحة في هجير لافح، كان تركيز الجميع علي مايقوى الصلات بين الاعضاء وعلى ما يقدمونه من برامج لمجتمع المدينة التى جاؤوا الي الجامعة منها فكان جل النشاط في العطلات في مدنى. واتذكر أن أول التحديات التى واجهتنا كانت كيفية الحصول على موافقة الفنان الكبير ابو عركى علي الغناء في حفل الرابطة لاستقبال الطلاب الجدد الذين كنت أحدهم ، كانت المشكلة ان اعضاء الرابطة في دورة سابقة خلقوا جفوة مع الفنان المرهف عندما اتفقوا معه ولكنهم لم يلتزموا ولم يعتذروا له، فبات الطريق مفروشا بالأشواك، لكننا لم نيأس اصطحبنا معنا الأخ سلمان محمد احمد عضو الرابطة وقريب الفنان ابو عركى وذهبنا الي الفنان الكبير الذى استقبلنا ببشاشة وسماحة ووافق علي الحفل مجانا دون قيد أو شرط، ولازلت اتذكر كيف انتظرت الجامعة كلها ذلك الحفل الفريد الذى كان في الهواء الطلق في الشارع الواقع بين حوش الجامعة الرئيسي ودار الاتحاد، واتذكر كيف افترش ابناء رابطة كوستى المحبين لعركى الأرض أمام المسرح( (منهم اتذكرزكي منصور المحامى وعبدالسلام ابو ادريس ونجاة وصلاح عبد الله وود الرضى ) وأتذكركيف غنى الطلاب مع أبو عركى (ياتحفة حواء ياروح ادم ياست الكل)، وغنوا معه( مرة ناحت في المدينة الحمامات الحزينة قامت ادتا من حنانا)، كان أبوعركي يغني وعروقه نافرة كحصان يركض في مقدمة السباق وعرقه يغطي جسده اللامع وعيونه تلمع وكان الناس سكارى بخمر الأغنيات وكنا سكارى بما حققنا من نجاح ساحق وباهر. كان يوما لاينسي ابداً.كان الدرس الأول الذى خرجت به من تلك التجربة هو أهمية أن تكون دوما جزءا من كل وان تقبل علي الناس بلا هواجس مسبقة فعندها تذوب كل الهواجس التى تسكنهم تجاهك،أبو عركى ضرب مثالا في الولاء لمسقط الرأس والتعامل الراقى مع أبناء مدينته، كان بسيطاً وحازماً وعفيفاً حين قال عن نفسي أنا متبرع بالحفل لكننى لا أستطيع اجبار العازفين على التبرع، عليكم فقط ترحيلهم وتخصيص ما يرضيهم،وكان عازفيه عند حسن ظننا بهم حين جاروه في التبرع تقديرا له ولكوننا طلاباً، كانت تجربة جميلة حقاً،والجميل ان مبدعى المدينة كانوا دوما عند حسن الظن بهم وهم يزينون حفلات الرابطة سنويا بالمجان أو فئات رمزية جداً، ومن تجارب الرابطة الفريدة في تمويل أنشطتها اننا ذات مرة سافرنا الي مدينة كوستى حيث كانت السينما هناك تعرض فيلما هنديا لعدة ايام لصالح رابطة مدنى وكان فرسان التجربة الأخوة عصمت محمد يوسف وعبد الله خالد. ومن الأنشطة الجميلة للرابطة حفل التخريج للخريجين الذى كان ينظم بمدينة مدنى بطابور للخريجين يجوب المدينة قبالة المسرح وشارع النيل وحفل تخريج بمسرح الجزيرة تحشد له الأسر في منظر جميل وأجواء احتفالية وانسانية رائعة ولن أنسي ماحييت تخريجنا ودموع والدة زميلينا سيف الفاضل وعبدالله الفاضل المحاميان فيما بعد تلك السيدة المكافحة النبيلة التى كانت أما للجميع. كان عملنا بلجنة الرابطة قد أتاح لنا فرصة القيام بتخريج من قبلنا ومعايشة تجربة تخريج الآخرين لنا. كان مهرجانا جميلا في الحالتين.
    ولازلت اتذكر تلك المدحة المحورةعلي يد اخونا عادل اب جقادو لتصبح نشيد الوداع الرسمي للجامعة في أوساط الطلاب الخريجين:
    الجامعة مابتدوم
    ياحليل فرع الخرطوم
    من جيتا داب برلوم
    في حوشا حايم حوم
    نخلط بنات بالكوم
    في تجارة والعلوم
    وسلم الحقوق
    ياحليل فرع الخرطوم
    الجامعة ما بتدوم
    يا حليل سلم الاداب
    وقعادنا جنب الباب
    يا حليل ود العباس
    الشايو يزبط الراس
    والجامعة ما بتدوم
    ياحليل فرع الخرطوم.

    النشاط السياسي في الجامعة
    كانت الجامعة في ذلك الزمان تجسيد حي لتناقضات المجتمع السودانى، ففي حين كانت الأفواه مكممة خارج الجامعة والصحف والأحزاب وكافة أنواع النشاط السياسي محظورة خارج أسوار الجامعة فيما عدا نشاط الحزب الحاكم الاتحاد الاشتراكي السودانى وتنظيماته الفئوية، كانت الجامعة تموج بنشاط سياسي فعال تشارك فيه كل القوى السياسية المحظورة خارج الجامعة بقسط وافر وفعال يتمثل في الندوات والأركان السياسية اليومية والصحف الحائطية الناطقة بأسم الاحزاب والجماعات السياسية المختلفة التي كانت تتنافس تنافسا محموما من أجل استمالة الطلاب اليها والي برامجها ورؤاها ومرشحيها في انتخابات اتحاد الطلاب السنوية وانتخابات الروابط الاقليمية نفسها لم تنج من أثار ذلك الصراع، كانت الحياة السياسية الصاخبة داخل الجامعة بمثابة صدمة قوية تواجه الطلاب القادمين من لجة الصمت المفروض خارج أسوار الجامعات الي هذا البحر الصخاب داخل الجامعات، بالنسبة لى لم يكن هناك صدمة فقد تلقيت صدمة أكبر في وقت مبكر حين أغتالت سلطة مايو رفيقي في الدراسة الثانوية وكشرت عن أنيابها في مواجهة مظاهرات طلابية وشعبية مسالمة في يناير 1982 في مدينة مدنى وسال الدم الطاهر وبلل قميصي فولجت طائعا في بحر السياسة معاديا لسلطة مايو وواقفا بجانب كل من يبشر باقتلاعها ويسعي له، جئت الجامعة وأنا جزء من الفعل السياسي ولست مجرد متفرج عليه، فكنت من السنة الأولى خطيبا سياسيا معارضا يخلط الشعر الثورى المقاوم بافكار ترسم جنة حالمة وطريقا للخلاص من طغمة مايو، كان غضبي الخاص ونيرانى الكامنة بداخلى أقوي من صغر سنى وقلة تجربتى فاندفعت في بحر السياسة الصخاب مستعينا بالشعر المقاوم الذي احفظه وبغضبى الخاص الذى يشد من عضدى ويقوى حجتى ويعطيها مصداقية يشعر بها من يستمع الى كلماتى التى تخرج من الأعماق حيث صورة طه ودمه النازف فوق الأسفلت وصورة والده يوسف عبيد وهو ممسك بقوائم السرير الذي يضم جثمان ابنه بعد سقوطه في وسط شارع الأسفلت والرصاص منهمر والكل منبطح ارضا وذلك الشيخ ممسك بالسرير الذى قاطع الرصاص رحلته الي المقبرة . كان ذلك المشهد يدفعنى دوما في قلب لجة السياسة ونشاطها مهما روادتنى نفسى الي حياة وادعة فقد كنت أتوق دوما الى اجواء جامعية عادية لا تأثير للسياسة عليها كما كانت حياتى قبلاولكن السيف سبق العزل ولم يعد ثمة مجال للتراجع، فقد صنفت نفسي فصنفنى الاخرون وحكم على القدر حكما لايرد.ولامجال للتراجع, ليس سوى ان تريد أنت فارس هذا الزمان الوحيد كما قال "أمل دنقل.

    لم يكن الطريق طريقى ، لكنه بات كذلك،كانت الجامعة حين ولجناها ممتلئة بلافتات كثيرة تنادى بأطلاق سراح المناضل فلان والمناضل علان وأخرى مبهمة تطالب بأطلاق سراح المعتقلين السياسين دون إيراد أسماء، وكان للجامعة نجومها في مجال السياسة مثلما كان لها نجوم في مجالات أخرى، ولعل أبرز نجوم ذلك الزمن كانوا ( ياسر عرمان وعادل فيصل وأبوبكر محمد أبكر وعبدالله كوبيل ومجدى محمد أحمد وعادل عبد العاطى وهدى عبد الحميد ) من الجبهة الديمقراطية، و(بيرم وجودة وحاتم بيرسي والمرحوم سرى وعمر عبدالله ) من الناصريين ، و(نادر السمانى ومحمد عبد الجليل) من جبهة كفاح الطلبةحزب البعث ،و( محمد عثمان الفاضلابى ومحمدعكاشة ) من الحزب الاتحادى الديمقراطى ، و(مكين ويوسف وصديق الأنصارى) من حزب الأمة وكان للاتجاه الأسلامى وجوه بارزة كثيرة منها( أبوبكر دينق الجاك ووفاء جعفر وعبدالهادى وعثمان الكباشي ومعتصم الفادنى وعمر نمر وعادل عبد الرحمن والأخوين بلل (حسن وحسين ) كان هناك تنظيم المؤتمر الوطنى الأفريقي
    anc
    وهو خاص بطلاب جنوب السودان وأبرز قياداته (قيري رايمندو/ وجون كلمنت ، وجيمس الالا دينق، وجورج أنقير، وجورج لادو، والبينو وزكريا وميانق وافات) وهناك مؤتمر الطلاب المستقلين وابرز قياداته المرحوم محمد الهزيل حاج حسن والاخ محمد زين وحتى الاتحاد الاشتراكى كان له قيادة معروفة ممثلة في عبد السلام حمزة، وكان هناك تنظيم الاخوان الجمهوريين ومن أبرزهم خالد بابكر. وكان هناك تنظيم للاخوان المسلمين جناح صادق عبد الله عبد الماجد وتنظيم لجماعة أنصار السنة المحمدية. أما أنا فقد كنت بتأثير أصدقائي في مدنى وحدث استشهاد طه يوسف عبيد قد انخرطت في الجبهة الديمقراطية منذ العام الأخير في المرحلة الثانوية، كان الشعر صاحب تأثير كبير في اختيارى فقد كانت دوواين الشعر الثوري لشعراء المقاومة الفلسطسنيةلاتفارق اصدقائي وبت مدمنا للشعر والمقاومة وكانت أشعار محجوب شريف عالما جميلا جذبنى كالمنوم مغناطيسيا الي عوالم الثورة والشهداء والحنين الي الأمهات

    والتغنى بالمستقبل ، كنت مفتونا بمحجوب شريف حد اننى كنت افتتح خطابتى بإشعاره وبها اختتم وكان البرنامج السياسي الذى نبشر به خليطا من تصوراتنا البرئية عما يجب ان يكون عليه الكون حولنا وخليطا من غضب شخصى وغبينة شخصية وخليطا من أحلام الشعراء، لذلك اعترف الان اننى كنت ابيع بدون مقابل لزملاء الدراسة حلما طوباويا غير قابل للتحقيق ولكننى كنت أظن وأؤمن وقتها بقابليته للتحقيق وأراه طريقا وحيدا للخلاص وأركل كل ماعداه، كان العمل السري نفسه مغامرة تستهوي من هم في سننا بالغموض الذى يحيط بكل شئ والأعمال الخارقة التى تنسب لرجال غامضين نراهم مختفين ومحلقين مثل سوبرمان والوطواط في عوالم خفية بقدرات خفية، كنا خارجين من عوالم الغاز المغامرين الخمسة وسمير وميكى والوطواط وسوبرمان اللذان يعيشان مثل ابطالنا الغامضين حياتين واحدة علنية يتسترون فيها خلف شخصية ساذجة وأخرى سرية يمارسون فيها دورا خفيا في انقاذ العالم من الشرور والأشرار، وهكذا بالضبط كانت نظرتنا للعمل السرى في زمن مايو عندما دخلنا الجامعة،أردنا ان نكون جزءا من رجال خارقون يمارسون مهمة نبيلة هى تغيير العالم الي الافضل، لذلك كان شيئا مشوقا ان نكون اعضاء في جماعة سرية نحمل فيها اسماء مستعارة اغلبها لها علاقة بالسير المبهرة التي قرأناها وسمعنا بها عن شعراء وقادة ثوريون مثل جيفارا والشفيع وعبدالخالق المشهور بالرفيق راشد ومثل الشاعربابلو نيرودا وسلفادورالليندى الرئيس التشيلي التقدمى المنتخب الذى ازاحه انقلاب امريكي قاده الجنرال بينوشيت وقاتل الرجل الانقلابيون حتى آخر طلقة وقتل والشاعر التركى ناظم حكمت ،كان عالما فانتازيا مبهرا ذلك الذي وجدنا انفسنا في قلبه، فاندفعنا بحماس الي قلب المظاهرات والاركان الملتهبة ومعارك الانتخابات الطلابية التى نتخيل انها ستغير الكون باكمله نتيجتها، وكانت كتابة الجريدة الحائطية ولصقها بالجامعة مغامرة مثيرة الفصول تجعل صورتنا كرجال خارقين تبدو أقرب الي الحقيقة، وكان مرور بعض زملائنا الذين يظنون انهم كوادر سرية غير معروفة في الجامعة أمام الصحيفة المعلقة وتوقفهم عندها للقراءة ببراءة مفتعلة وهم من حرورها وشاركوا في كتابتها حدثا يشعرنا بأننا نملك مفاتيح الأسرار
    ويجعلنا نحس بخطورتنا وخطورة مهمتنا التى نباشرها سرا وعلنا.

    أتذكر طاقم تحرير صحيفة الشرارة صوت الجبهة الديمقراطية بالجامعة في ذلك الزمان والتى اشتهرت بعبارة ثابتة بها تقول( ومن الشرارة يندلع اللهيب)، كانوا خليطا متنافرا منسجما، أحدهم حلفاوى يسمي محمد فتحى محمد جبارة نحيل العود حتى انك تخشي عليه من أي ريح مهما صغرت فهى قد تتلاعب به كما تللاعب بورقة صغيرة، لكنه كان صبورا جلدا يعمل بلاكلل ساعات طوال في أي وضع و أي مكان في كتابة الجريدة الحائطية باقلام الشينى الملونة بخط جميل مقروء، وهناك نحيف آخر من ابناء كوستى يسمي عبد السلام كان فنانا في الخطوط وصاحب شخصية ساخرة وساحرة ونكتة حاضرة وروح عالية لايعرف الغضب أو الانفعال طريقا اليها، وهناك ثالث يتميز بعلاقته القوية بالتدخين والحكايات أثناء عمله وهو قبطى ظريف يسمي فرانسوا تراه دوما مرتديا بنطلون الجينز ونظارته الطبية علي وجهه وسيجارته لاتفارق يده ، كنا نسميه القسيس وكان مخزن حكايات لاينضب حتى اننى استطيع الجزم انه لو حضر زمان القنوات الفضائية لكان لوحده انجح قناة قادرة علي جذب انظار وآذان المستمعين اليها، كانت كل ثانية معه عبارة عن نكتة وكل موقف يسرده عبارة عن حكاية مشوقة الفصول وكان دوما مركز اهتمام واستماع الحاضرين، كان صبورا هو الآخر وفنانا في التنسيق الفنى واستخراج العناوين الجاذبة والمثيرة، كانت له لازمة لطيفة جدا فهو لايورد أسم احد الاصدقاء الا كاملا متبوعا باسم الاب ماعدا اسم صديق واحد اشتهر بيننا باسم كامل الحلبي بسبب لونه فكان يقول أسمه مجردا ، كان هناك عوض الله الحلفاوى البدين نوعا ما، وهو رجل ضاحك دوما كطفل واذا قابلته في الجامعة يوما فلن يخطر علي بالك أبدا أن صاحب هذا الوجه الضاحك منخرط في أي نشاط من أي نوع سوي الضحك وربما الملاكمة ، وكان هناك شخص آخر نحيف قصير القامة لكنه مثل ابو الدقيق في سرعة انفعاله ومثل النحلة في لسعة تعليقاته الساخرة ولعل ذلك كان سبب شهرته باسم (على الوجيه) وهو علي ابكر الحصان الضاحك دوما
    الذى تزوج فيما بعد زميلة دراسة ومشاوير ذات ملامح آسيوية وهى خرطومية فأطلق عليها الاصدقاء أسم أوشين بطلة المسلسل الشهير بسبب ملامحها الآسيوية، علي هذا حكاية شيقة الفصول وكان لنا معه وفي بيتهم باركويت ذكريات جميلة وضحكات طاولت عنان السماء واجتماعات ظننا لسذاجتنا انها قد تغير العالم أو علي الأقل وطننا لكنها مضت مثل دخان السجائر العالق المصاحب لها ولم تترك إلا الذكريات المتعلقة بها وبمن كانوا فيها وبعض ما جرى هنا أو هناك،تفرقنا أيدى سبأ وبتنا حين نلتقى بعد غياب السنين نلتقي لقاءات عامرة ببعض الدفء الذى مضى ولكن بلا أحلام وبلا شرارة يندلع منها لهيب ،لم يبق لنا شئ سوى المحبة فقط لذلك الزمان البرئ الذى كنا فيه في كوكب من الأحلام ندور وندور، لم أكن أملك أي موهبة فيما يتعلق بالخط والكتابة بالقلم الشينى ولكننى كنت ولازلت عاشقا لكتابة النصوص من أي نوع فوجدت نفسي محررا مهمته كتابة مسودته والدفع بها للخبراء لإخراجها في ثوب قشيب ، وهكذا عرفتهم وبت جزءا من عالمهم المثير، لا أدرى أين غابوا الآن في الزحام لكن ليس هناك على حد علمى من اشتغل منهم بالصحافة سوى فرانسوا لوقت قصير وفي مهام ادارية، أما انا فاشتغلت بالصحافة حينا مستفيدا من تجربة التحرير المبكرة التى يجب أن أقول اننى بدأتها منذ الثانوى قبل ولوج الجامعة حيث كنا نصدر صحيفة حائطية بمدرسة السنى الثانوية بمدنى وهي صحيفة ذات طابع ثقافى عام، وقبل ذلك كنت اشارك في صحيفة نادي حي 114 الحائطية .
    وجوه كثيرة تطرق أبواب القلب والذاكرة هنا وتتزاحم علي مسرح الأحداث باحثة عن موطئ قدم،وجه يرتدى صاحبه نظارات طبية تقليدية الإطار ويرسم الجدية دوما علي محياه ودوما يحمل كتابا ذو عنوان معقد ومثير وغامض فهو عاشق للقراءة وغارق حتى أذنيه في القراءة في كل فروع المعرفة فهو طالب حقوق لكنه مغرم بالفلسفة وكتبها ذات المصطلحات الغامضة والمخيفة وهو مغرم بالاقتصاد السياسي ونظرياته وشروحاتها ، ومغرم بالروايات والأشعار وسير المفكرين واالفلاسفة
    كان صاحب مصطلحات تتكرر في مناقشاته كثيرا
    فتجعل البعض ينزوى جانبا ثم ينسحب خوفا من إبراز جهله
    أما صاحب الوجه فقد كان في الحقيقة حالما كبيرا
    وجائعا كبيرا الي المعرفة ومرهفا الي حد انك تخاف عليه من النسيم
    فيما بعد أدخلته تلك الرهافة في أزمات أخذت من وقته كثيرا حتى استطاع تجاوزها
    كان دوما زهرة تعلم انها ضعيفة فتحيط نفسها بالأشواك
    كان دوما طفلا كبيرا يكسو وجهه بقناع الكبار حتي لايتم ضبطه متلبسا بطفولته
    كان فيه شبه أدركته مؤخرا من أبطال رواية أوسكار وايلد

    (أهمية أن تكون جاداً (The Importance of Being Earnest)
    من حيث محاولة الظهور بمظهر مغاير للحقيقة
    وكانت تلك المحاولة دلالة نبل وليس العكس
    يا الله كم تترابط الأشياء في الحياة إذا تمعنا فيها جيدا
    فلم يضع جهد اساتذتنا الذين درسونا الأدب الانجليزى هباءا منثورا
    بل بقيت كلماتهم في القلب والذاكرة
    وأضاءت لنا كثيرا من ظلام الحياة.

  6.  
  7. #29
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    قصتى مع المحاماة من الألف الي الياء ( 2) حكايات في دروب المحاماة
    قصة الموكل الكاذب
    كان قصيرا، مربوع القامة، له عينان صغيرتان ماكرتان ولحية صغيرة، كثير الكلام والابتسام، كنت بطبعى أحب المرح والمرحين والبسطاء وكان ظاهريا ينتمى الي ذلك كله، فهو يعمل سائقا لعربة نقل تجارى للركاب والبضائع ، وهى عربة عتيقة من النوع المشهور في ذلك الزمن باللاندكرور برغم أنها سيارة يابانية الصنع تنتمى الى السيارات اللاندكروزر ولكن التسمية السودانية لها (اللاند كرور) جاءت من كونها موديل قديم أكل عليه الدهر وشرب ولكنه لقوته لازال وسيلة النقل التجارى القوية المفضلة التى تخضع لتعديلات محلية كثيرة من الحدادين السودانيين فهم يتفنون في عمل إضافات تجعل من العربة ذات المقعدين حافلة صغيرة بها مقاعد متقابلة ولها سقف يقى ركابها من الشمس واحيانا يصمم الصندوق الخلفى بحيث يكون صالح لحمل البضائع والركاب معا بجعله به ارائك خشبية على الأجناب بلا سقف ،المهم كان صاحبنا يقود سيارة من هذا النوع لها مقعدين أمامين ولها صندوق خلفى مصمم لحمل الركاب والبضائع معا وكان حسب تعبيره الدارجى ( يجازف بها رزقه) مابين مدنى والقرية أربعين الفاو ،ولكنه اثناء قيامه بعملية نقل برئية وجد نفسه متهما بارتكاب جريمة سرقة من أحد المخازن الحكومية بالاشتراك مع آخرين،كانت قصته كما رواها قصة بسيطة يمكن أن تحدث لأى إنسان شريف فيجد نفسه خلف القضبان متهما بتهمة خطيرة بلا ذنب جناه، فقد استأجره أشخاص لايعرفهم من مدينة مدنى ليحملهم الي القرية أربعين بمقابل وقد كان العرض جيدا فلم يرفضه وقام بالنقل واستلم نقوده وأراد العودة حين طلب منه الذين استأجروه انتظارهم وأعادتهم بعد الفراغ من مشوارهم وكان الليل قد بدأ يرخى سدوله ولن يجدوا وسيلة للعودة ولن يجد هو ركابا فقرر قبول عرضهم والانتظار، وفي طريق العودة طلبوا منه التوقف علي جانب الشارع بالقرب من المخزن المسروق الذي لايعرفه،وكان هناك من ينتظر علي جانب الشارع ومعه بضاعة في جوالات رفعت بالعربة وواصلت العربة سيرها حتى بلغت مدنى، وفي الصباح التالى تم القبض عليه بواسطة الشرطة وتبين أن من كانوا علي متن عربته لصوص وان البضاعة التى حملوها عليها مسروقة من مخزن حكومى مجاور،حضر الي مكتبى في مدينة مدنى في مطلع التسعينات بتوصية من أستاذ محام أحاله الي لأن القضية بدت له أصغر من صيته الكبير من جهة ولأنه أراد مساعدتى في بداية مشواري في المحاماة بمدى ببعض القضايا والزبائن، كنت لازلت في بداية حياتى المهنىة ولازلت من ذلك النوع الساذج من المحامين الذي يصدق كل رواية تروي له ويقبل القضية بلاتمحيص في مرحلة الاستماع لرواية من يقصده ليفاجأ فيما بعد في كل جلسة بحقيقة جديدة كانت خافية عليه ويصبح مسخرة في المحكمة ومحرجا علي طول الجلسات وقد أحرق سفنه قبل أن يتفقد جيشه ويعرف علي أي أرض يقف، المهم صدقت دموع التماسيح التى ذرفها موكلى القصير المكير وتوليت قضيته وبت أسافر بصحبته لحضور جلسات المحاكمة المنعقدة بمدينة الفاو بعربته اللاندكرور وكان خط دفاعى انه كان ناقلا حسن النية ولم يكن شريكا في أي مشروع إجرامى ، بل تجرأ وهمس في أذنى انه ربما تكون قصة السرقة المزعومة مختلقة والأمر ربما يكون تغطية لفساد في المخازن ، فصادف قوله قبولا عندى، وسارت الاجراءات حتى صدر حكم ببراءة موكلى وذلك أمر طبيعى ومتوقع في ظروف القضية وما بذلت فيها من جهد مؤمنا بقضيته وبراءته، كانت المفاجأة في انتظارى حين خرجنا من مبني المحكمة متجهين صوب سيارته لنسافر الي مدينة مدنى عائدين، فرك القصير المكير يديه بفرح حقيقي وهتف بصوت عال: والله خطير يا استاذ...خطير جد....والله ماكنت قايل نفسي اطلع منها.
    توقفت والتفت نحوه وانتهرته قائلا: ماكنت قايل تطلع منها؟ قصدك انك عملتها؟
    ضحك بصفاقة وقال بطريقة سوقية فظة: ومال ايه؟ انت صدقت اللاكونة دي يا استاذ والله شنو؟
    هتفت بكل الغضب الذي في الدنيا في وجهه أن يغرب عن وجهى هو وعربته اللعينة، وقلت له والله لو كان بمقدورى ان اتقيأ كل مليم أخذته منك لتقيأته....اغرب عن وجهى وإلا.....وقف محتارا....انتهرته بحزم فهرول نحو عربته وادار المحرك وذهب، بقيت وحدى
    مشيت مسافة كيلو متر حتى شارع الزلط ، كان الغروب مقبلا والمكان موحشا، ولم اك املك مالا وقتها، لكن الله قيض لى شاحنة تحمل بطيخااعتليت ظهرها عائدا الي مدنى والهواء يعبث بالكرافتة كأنه يضحك مني ...كنت غاضبا وحزينا وفيما بعد كانت تلك الحادثة أحد اسباب هجرتى من المحاماة الي القضاء، فقد بت أري في كل موكل شخصا وضيعا كاذبا مثل ذلك الذي جعلنى أحصل له على براءة لايستحقها.
    قصص موجعة
    وجه ملائكي
    كانت صاحبة وجه ملائكي ، وجه صغير جميل باسم وشعر جميل وقوام دقيق وأنف مرسوم وعينان تخترقان كل شئ حتى الحجر فيرتجف، الي ذلك كانت أنيقة لطيفة، ظهرت في مجتمع المحامين بغتة فادرات الرؤوس كعادة المحامين مع الجمال، ولم تجد صعوبة في الانتماء الي أحد المكاتب والتجول في المحاكم من أقصاها الي اقصاها باعتبارها محامية متدربة وأفسح لها وجهها الطريق فأنفتحت كل الأبواب والقلوب لها، وباتت كأنها ولدت محامية وكأن الجميع قد عرفوها عمرهم كله، ثم خفت الاهتمام بها بعد ظهور وجوه أخري جديدة، لكنها ظلت موضعا للحفاوة والإهتمام حيثما ظهرت، ثم علا همس غريب عنها ، تزايد الهمس حتى بات عالياً كطبول حرب، تبين ان صاحبة الوجه الملائكى ليست محامية ولم تدرس القانون مطلقا، لكنها احبته وعاشته وهماً جميلاً ودكت حصونه واخترقتها بلا أي مؤهلات أكاديمية سوي رغبتها في ان تكون من سدنته، وتبين انها تعانى نفسيا وانها تستحق الشفقة والرحمةأكثر مما تستحق عقابا أو احتقارا، فلملم الناس خيوط الحكاية بهدوء وأختفت صاحبة الوجه الملائكى من كل المواقع بلا وداع ولا ضجيج، ثم طواها النسيان.

    ( الحقيقة العارية)

    هي قصة الإحسان الذي ينقلب سيفاً بتاراً يغوص في أحشاء المحسن اليه ويمزقه إربا ، كان شابا مرموقاً وسيماً ساحراً محبوباً من الجميع في تلك المدينة التى تشبه قرية من فرط ترابط أهلها وتشابك علاقاتهم الاجتماعية،نشأ صاحبنا في أسرة عريقة ممتدة الجذور وذات مال وصيت وكان والده مالكا لعقارات كثيرة بالمدينة وتاجرا وقطبا كبيرا فيها، كان هو الولد الأكبر الذي لايعرف سره إلا الأم والأب،كان الأب متشوقا في بدء حياته للذريةوحين تأخر الانجاب قرر أن يتبنى لقيطاً يبدد وحدته فاختاره وأخذه ورباه ومنحه أسمه ولم يبح للناس بسره، ثم توافد الابناء والبنين من صلبه بعد ذلك وفتحوا أعينهم فوجدوا صاحبنا أخا أكبرا ناجحا ومتفوقا في دراسته ومحل محبة والديه الذين رأيا فيه فألا حسنا وابنا لم يلداه ولكن شعورهما بالابوة والأمومة تجاهه لاينتقصه ذلك أبدا، وهكذا مضت السنين وصاحبنا يعيش حياة حقيقية رائعة كانسان جميل رائع يملك أسرة ودفئها وصيتها ويجول المدينةمن أقصاها الي أقصاها مفعما بالكبرياء والكرامة ومحاطا بالمحبة أينما حط رحاله،وحين جاءت موجة الأغتراب غادر صاحبنا الوطن ميمما صوب إحدى الدول الخليجية وغاب هناك سنينا طويلة وعاد ذات مرة وتزوج زواجا أسطوريا تحدثت عنه المدينة طويلا وتمنت كل بناتها أن يكن مكان تلك السندريلا التى ظفرت به، مضت الحياة، غاب البطل في خليجه وغيب الموت أبيه الذي أوصي الأم والإخوة جميعا بأخيهم خيرا بعد ان شرح لهم الحقيقة طالبا منهم ألا يخبروه الحقيقة لانها ستحطمه ولكنه في الوقت نفسه طلب منهم ألا يقعوا في المحظور باعطائه في الأرث نصيبا لم يعطه الله له موضحا انه سجل له عقارات وخصص له أموالا تكفيه وتجعله في وضع مماثل لأوضاع أخوته واخواته وذلك في شكل وصية يجب ان تنفذ دون اعتراض منهم، كانت الصدمة قاسية عليهم لكنهم تحملوها وساعدهم غياب الأخ المفترض بعيدا، لكنه عاد من اغترابه الطويل حين راسله أحد أقاربه معزياً ومستنكراً توزيع التركة بشكل لايطابق الشرع وفيه ظلم له، استعان بمحام وتبين له فعلا ان نصيبه في الأرث أقل مما يستحق ولم يدرك لذلك سببا،تحدث الي أمه واخوته فحاولوا تبريره بشتى الطرق ولم يفلحوا، ولم يبوحوا له بالحقيقة فزاد صاحبنا في عناده وظل يضغط بكل السبل القانونية ليظفر بما يظنه حقه وما دري انه يحفر قبره بيده، تحت ضغط شديد منه لم يجد اخوته وامه بداً من هتك ستار الحقيقة النائمة وقذفها في وجهه عارية كما هي، فقد كانوا محاصرين بوصية الاب من جهة وبفضوله وعناده هو من جهة أخري، ولم يكن من بد مما ليس منه بد، ترنح الرجل تحت وطأة الحقيقة وأنهار كما تنهار بناية شاهقة تحت وطأة قصف صاروخي، نظر الي نفسه في المرآة فلم يجدها، نظر الي حياته كلها فلم يجدها، كانت كلها وهما وأكذوبة مثله هو، تبخر الرجل واختفي من كل مكان ومجلس ولم يعثروا له علي أثر بعدها، بقيت أسرته مغروسة في المدينة بلا هوية بعد تمزيق بطاقة هوية رب الأسرة، وبحث الأهل المفترضين عنه في كل مكان بلاطائل، اغلقت المحكمة ملف التركة الموجعة ونامت المدينة حزينة.

  8.  
  9. #30
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    نقوش بالدم في ذاكرة صغيرة
    كنت صغيرا... صغيرا وممتلئا بآمال كبيرة... خرجت من بيت صغير في حي عمالي صغيرفي مدني ولكن احلامي كانت بحجم الكرة الارضية وبحجم تأثير القصيدة السحري في القارئ ...كانت ثمة شجرة قرض كبيرة تتوسط بيتنا الصغيرفي 114 ، كانت اجمل الامكنة في الدار ففيها مرجيحة اطفال الفقراء المصنوعة من حبل من التيل وفيها كانت كعاكيل الصمغ التي يشكل انتزاعها من الشجرة متعة لاتجاريها متعة.. كنت اركض مسرعا من المدرسة القريبة لكي اركض صوب شجرتي الاثيرة... ذات الشجرة كان الخروف يعلق فيها للسلخ بعد ذبحه وكنت انفر من ذلك المشهد واختلق الاعذار لكي اغيب مثلما كنت اهرب من لحظة الذبح ومرأي الدماء الراعفة... واتذكر تلك الحالة من الكآبة التي سيطرت علي بعد أول مشاهدة حية لخروفي الجميل ساعة ذبحه... كانت مفاجأة قاسية... كنت قد احببته وتفانيت في خدمته وسقياه وطربت لصوته الذي بدا لي فيما بعد كالاستغاثة... كنت اظنه سيدوم الي الابد معنا وان علاقتي مع وبره الجميل ستدوم طويلا...ولكن حين حانت تلك اللحظة وانفجر الدم كنافورة وجحظت العيون الجميلة وجدتني اركض بعيدا ابعد مدي استطاعت قدماي حملي اليه..لم انم وعافت نفسي اللحم تماما...واختلست النظر الي أبي مرارا متسائلا في سري من اين أتي أبي الشفوق بهذه القدرةالغريبة علي الايذاء ولماذا؟
    حين هجعت الي مرقدي لم انم... كانت عيون الخروف الحزينة في جحوظها الاخير تملأ الفضاء وتخنقني كحبل تيل معلق في شجرتنا صباح العيد في ذات مكان المرجيحةوصوته اصبح عبارة عن صراخ طفل صغير هو أنا ونافورة الدم كانت تتدفق من رقبتي أنا ووجه أبي شاحبا مرتاعاوالسكين تقطر دما وهي تضحك.... صرخت بأعلي صوتي وافقت علي يد امي وهي تمسح علي جبهتي بحنان ومحبة وهي تتمتم بآيات القرآن وتستعيذ بالله بصوت خفيض من الشيطان... قلت لها بلاتفكير:لماذا يذبحونه؟!قالت بارتياع: بسم الله الرحمن الرحيم.. منو هو؟
    قلت لها بصوت خفيض: الخروف!
    ضحكت حتي بانت سنها الذهبية الوحيدة
    وضمتني اليها وهي تمسح علي شعري وهي تقول
    غدا تفهم.. نم ياصغيري... لكنني لم أنم أبدا.

  10.  
  11. #31
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    عصام... شرفة مطلة علي البحر (1) (2)
    (1)

    الجزء الاول:الخوف قاسم مشترك
    كان صديقي وكان نافذتي الي عوالم كثيرة جديدة لم تتحها لي الحياة قبل معرفته.. كان عالمي محدودا فانفتح معه علي فضاء فسيح...انتقلت معه من قراءة ميكي والشياطين ال 13 والمغامرين الخمسة الي عوالم اخري...قصائد من نار وسير ثوار ومناشير سرية وقصص مثيرة عن ابطال اليسار وحكايات عن المختفين تحت الارض الغامضين تحاكي في الكثرة كرامات الاولياء الصالحين.. وفي الغموض غموض اللص الظريف ارسين لوبين الذي احتل صدارة صبانا....كان صديقي ينتمي الي اسرة متعلقة باحلام اليسار وكان البيت يضج بكتب الشعر والفلسفة والتاريخ وبالحوار والاغاني والاخبار وكان كالمزار..كنا صغارا في مدينة تتنفس شعرا وتتحرق شوقا الي منشور او مظاهرة.. وكنت خائفا وانا اقترب من حقل الالغام...ففي قاع ذاكرتي كانت صورة ذاك الرجل الاحمر الذي قاسمنا دارا ذات يوم في طفولة باكرة تلتمع، كان دنقلاويا يعمل بالسكة حديد معقل اليسار في ذاك الزمان.. طيبا وبشوشا ضاحكا يتحدث العربية بلكنة من يرفض شئيا هو مكره عليه اما امرأته فكانت تتحدث اغلب وقتها برطانة اهلها.. كان لون الجدار احمرا والستائر حمراء والنوافذ والشبابيك والترابيز جميعها مطلية بالاحمر..وكنت صغيرا جدا في اول سنة دراسة في حياتي حين طوق الجنود تلك الدار التي كنا نسكن نصفها في احداث يوليو 1971 للقبض علي حسن ساتي .كنت مرعوبا وانا انظر الي الجنود الذين تبين احذيتهم وبعض ملامح شراستهم وبنادقهم من خلال ذلك الجزء المتهدم من سور البيت والذي كان مغطي بصورة مؤقتة بالزنك القديم الذي يعلوه صدأ وبه فتحات هنا وهناك..جاءت القوة الكبيرة بالباب ورابطت مجموعة هنا عند فتحة السور خوفا من هروب حسن...كنت خائفا وانا انظر اليهم.. ركضت الي حيث الباب حتي لايفوتني شئ ...خرج الرجل الهادئ الطويل القامة بذات ملامح وجهه الباسمة كالذاهب الي ليلة عرس وسط مجموعة من الجند وكانت هناك مجموعة اخري لاتزال بالداخل تنقب عن شئ ما... انفتح الباب وكان الشارع مكتظا بالجيران والفضوليين الذين جلبهم منظر الجند... خلف ظهر الرجل والجنود كانت زوجته تصرخ بعربيةمكسرة في وجه المتفرجين: (تعايني مالكن؟ما راجل...مالا.. لاكتلت لاسرقت....)... كانت تقصد ان زوجها لم يرتكب جرما تخجل منه ولكن تأنيثها للمذكر كعادة النوبيين حديثي القدوم الي المدينة جعلت فهم المعني عسيرا علي من لم يعتاد علي ذلك، انطلقت العربة والرجل نقطة صغيرةوسط غابة من الجند لكنه وابتسامته كانا الاكبر والأكثر حضورا في ذاكرة تتوهج كلما بعدت الشقة بينها وبين تلك اللحظة.وبقيت المرأةتصرخ في المتفرجين بعربية مكسرة كمن يهش ذبابة ملحاحة. كنت اقترب من صديقي ووكره اليساري وذاكرتي تختزن تلك الصورة الغامضة المشوشة التي تحمل في ثناياها اكثر من اشارةوهاجس ولكن الفضول البشري والدفء الانساني الحميم الذي يبعثه صديقي في نفسي كانا اكبر من المخاوف الكامنة هناك في ذاكرة حائرة في تفسير مشهد وحيد مقتطع من مشاهد اخري لم أرها...
    كنت مفتونا بكرة القدم والسينما الهندية والعربيةوالقراءةلما يعجب مراهق في الثانوية العامة آنذاك :الالغاز وقصص اجاثا كريستي وارسين لوبين المتخصصة في الجريمة الغامضة وميكي وسميروالمغامرين الخمسةوال13 وغيرهم وكتابات جرجي زيدان والمكتبة الخضراء واليس وبلد عجائبها وقصص الاقزام والعمالقة وقصص الانبياءوغيرها وبدايات خجولة مع الانجليزية وقصصها الملونة الانيقة في البرتش كانسل في مدني وكانت اول علاقتي مع القصةوالشعر جدتي وحكاياتها الآسرة المغناة بصوت عذب عن فاطمة السمحة والغول وحكايات البنات الفقيرات والاميرات والسلاطين... ولعل ذلك السرد الرابط بين الغني والفقر وصراع الحطاب والاميرة والبحث عن الكنوز المخبؤة وصراعات الخير والشركان تهئية لاحلام كثيرة فيما بعد وقعت في حبائلها وطاردت فراشها الحائر اينما حط ورحل...حتي انني ايام فتنتي الكبري بالاسقاط كدت اكتب عن جدتي المدركة لصراع الطبقات وحسنا فعلت بعدم الكتابة ففضاء جدتي الفسيح اكبر من كل الاختزالات والعناوين والاحكام المسبقة فهي عصفور طليق تقتله زنازن التصنيفات المسبقة وهرطقة المثقفين الباحثين لكل ظل عن شجرة ينتمي اليها ولو كان ظلالجناح نسر طائر اختطف جيفة وهرب ...وهانذا بعد ان دخلت راضيا اقفاصا عديدة اعود واحاول التحليق مثلها من جديد حرا طليقا مكتويا بنيران عديدة ومثقلا باحزان كثيرة وخيبات بعدد الظلال التي بحثت لها عن اشجار واتخذت منها دليلا فانكر الظل الشجر وشنق الشجر نفسه حين ادرك الي اي ظل يساق وينسب، فوقفت بين الظل المتلون والشجر الواجم حائرا والمرارة في فمي ودمي!!!

  12.  
  13. #32
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    دخلت الي عالم صديقي حاملا شكي وخوفي وانطباعاتي وآ ثار ظنون اخرين وافكارهم المسبقة عن الاخرين، لكنني وجدت نفسي
    امام دنيا عادية .. مختلفة ولكنها عادية جدا...كان صديقي بحسب وظيفة والده ينتمي الي طبقة مختلفة عن طبقة العمال التي ينتمي لها ابي،كنا نسكن حيا عماليا صرفا يتشابه اهله في كل شئ...حتي ملاءات الاسرة ونوع حلوي العيد وقطع القماش التي تصنع منها الفساتين للبنات في العيدجميعها واحدة لكون مصدرها واحد هو دكان تعاون حي 114 للعاملين بوزارة الري ومؤسساتها...في اغلب الاحيان تكون وجبة الافطار في كل البيوت هي نفسها ...وكان الحي ينقسم رياضيا الي فريقين(الوحدة والنجمة) في زمن وفي زمن اخر وهو زماننا (المشعل والمجد)كنت العب في فريق المجد واخي الاكبر احمد الشهير باحمد حربة كابتن فريق المشعل .. وكانت الرياضة محبوبة الكباروالصغار في حينا فكنت تراهم عصرا في ميدان الوحدة الواقع بين مدرسة شدو العامةومدرسة النيل الازرق الثانوية العليا التي صارت فيما بعد السني الثانويةواستولت بمسماها الجديد علي الميدان الحبيب لاهل الكمبو الذين كانوا يحضرون بكراسيهم للمشاهدة...
    وكان صديقي يسكن حي الدرجة وهو حي يقطنه كبار التجار والموظفين...كنا عالمين مختلفين...ولكن دائما هناك ثمة اشياء تقرب المسافات بين الغرباء....وكان الشعر والادب هما قنطرة عبور الرياضي العاشق للسينما الهندية الي عالم جديد
    سيضطر فيه الي انكار ذلك العشق وممارسته سرا مع الشلة القديمة التي لاتعرف من الدنيا سوي كرة القدم والضمنةوالافلام الهندية والصعوط..

  14.  
  15. #33
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    كان الشعر في ذلك الزمان بندقية مغموسة في اللهب... وكان دعوة جرئية للثورة والتمرد علي الواقع والقيود.. وكان يعج بسير الابطال والحالمين ... كانت القصيدة مظاهرة كاملة العدد...
    ومع عصام وعبر شرفته قرأت لاول مرة وعود العاصفة التي اطلقها محمود درويش وانفعلت بها:
    و ليكن ..
    لا بدّ لي أن أرفض الموت
    و أن أحرق دمع الأغنيات الراعفه
    و أعرّي شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة
    فإذا كنت أغني للفرح
    خلف أجفان العيون الخائفة
    فلأنّ العاصفة
    وعدتني بنبيذ.. و بأنخاب جديده
    و بأقواس قزح
    و لأن العاصفة
    كنست صوت العصافير البليده
    و الغصون المستعارة
    عن جذوع الشجرات الواقفه.
    و ليكن..
    لا بدّ لي أن أتباهى، بك، يا جرح المدينة
    أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة
    يعبس الشارع في وجهي
    فتحميني من الظل و نظرات الضغينة
    سأغني للفرح
    خلف أجفان العيون الخائفة
    منذ هبت، في بلادي، العاصفة
    وعدتني بنبيذ،وبأقواس قزح

    وفي بيت عصام سمعت اسم مارسيل خليفة للمرة الاولي وصوته القوي ينبعث من جهاز التسجيل مرددا هذا النشيد
    وذلك النشيد الاخر الرائع الفريد:
    أحنّ إلى خبز أمي
    و قهوة أمي
    و لمسة أمي
    و تكبر في الطفولة
    يوما على صدر يوم
    و أعشق عمري لأني
    إذا متّ،
    أخجل من دمع أمي!
    خذيني ،إذا عدت يوما
    وشاحا لهدبك
    و غطّي عظامي بعشب
    تعمّد من طهر كعبك
    و شدّي وثاقي..
    بخصلة شعر
    بخيط يلوّح في ذيل ثوبك..
    عساي أصير إلها
    إلها أصير..
    إذا ما لمست قرارة قلبك!
    ضعيني، إذا ما رجعت
    وقودا بتنور نارك..
    وحبل غسيل على سطح دارك
    لأني فقدت الوقوف
    بدون صلاة نهارك
    هرمت ،فردّي نجوم الطفولة
    حتى أشارك
    صغار العصافير
    درب الرجوع..
    لعشّ انتظارك!

    وازدادت الصورة روعة ونحن نشاهد مارسيل بشحمه ولحمه وهو يغني من خلال جهاز الفيديو الساحر وظللت اقطع المسافة من بيتهم الي بيتنا مرددا تلك الاناشيد وصورة مارسيل تملأ الفضاء امامي ثم سمعت شعر محجوب شريف
    بايقاعاته السودانية الخالصة واحزانه الكثيرة وتحديه الظاهر وشوقه الي مريم محمود امه التي كتب عليها ان تدفع كام ثمن خيارات الابن المحبوب المحب الذي يتمزق بين نداءات الطريق الذي اختاره وبره لامه ....كنت منجذبا الي تلك العوالم كصوفي في حلقة ذكر ليلة المولد ... سعيدا وراضيا ومستسلما لمصيري.

  16.  
  17. #34
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    اظن ان افتتاني بالقصة بدأ هنالك مع عصام وعوالمه الجديدة فكل شئ كان حكاية مثيرة الفصول لها بداية صاخبة وذروة وسنام وبينهما خيول تصهل بلا انقطاع... محجوب شريف كان حكاية .. رجل غامض يكتب شعرا لامثيل له شعرا يختلط فيه دم الشهيد بالثورة والاحلام بالمشانق والحزب والشعب والام والحبيبةوالحبيبة والوطن والغضب والحب والوعيد والوعد والبندقية والسنابل...
    استمعت بكل دهشة شاب لم يبلغ العشرين الي منشور المحبة الرائع يا والدة يامريم وبقيت بداخلي غصنا لايموت ولايشحب ونهرا خالدا يتدفق من اعماق بعيدة:
    يا والدة يا مريم ... يا عامرة حنية
    أنا عندي زيك كم ... يا طيبة النية
    بشتاق وما بندم ... اتصبري شوية

    يا والدة يا مريم

    ما ني الوليد العاق ... لا خنتّ لا سراق
    والعسكري الفراق ... بين قلبك الساساق
    وبيني هو البندم ... والدايرو ما بنتم

    يا والدة يا مريم

    عارف حنانك ليّ راجيك تلوليني
    دايماً تقيليني وفى العين تشيليني
    ألقاه عز الليل قلبك يدفيني
    ضلك عليَّ مشرور قيلت فى سنيني
    أنا لو تعرفيني لو تعرفي الفيني
    أنا كم بحبك كم
    والعسكري الفراق بين قلبك الساساق
    وبيني هو البندم ... والدايرو ما بنتم
    يا والدة يا مريم

    طول النهار والليل فى عيني شايلك شيل
    لكني شادّي الحيل لا خوف عليَّ لا هم
    هاك قلبي ليك منديل الدمعة لما تسيل
    قشيها يا مريم
    والعسكري الفراق بين قلبك الساساق
    وبيني هو البندم ... والدايرو ما بنتم
    يا والدة يا مريم

    كنت اتصور محجوب شريف بملامح سودانية مميزة داخل القضبان يسهر الليل مخاطبا امه بكل تلك اللوعة معتذرا عن غيابه الاجباري عنها ومعتذرا عما يسببه لها من لوعة والم
    ويخبرها بكل الحب كم هي غالية دموعها عليه ويطلب منها ان تصبر كأنه الطليق وهي السجينة وكنت اتصور امه بشلوخ عريضة وبنية نحيلة ودموع لاتجف... كنت اقرأ القصيدة فتتوجع بين اناملي واجدني غاضبا ومتحفزا وباحثا بنهم عن كل اشعار محجوب شريف
    وكانت والدة عصام حافظة للكثير من تلك الاشعار خاصة الاشعار التي تتحدث عن احداث يوليو 1971 وكان ثمة حكايات اخري عديدة تنداح من بين الاشعار وثمة وجوه وأحزان واسئلةلاتنتهي وفضول يدفعني من السؤال الي السؤال ومن الكتاب الي الكتاب والقصيدة الي القصيدة كان نهرا من اقصي الغابة يندلق وكنت اندفع مع امواجه اينما ذهبت...وحين نعي الناعي مريم محمود ذات يوم كنت ابكي مع الشاعر وانوح:

    مجنون الحزن المسجون
    بارود الحزن المسنون
    جواي أنا شافع محزون
    عن أمو بيفتش فتيش ..
    فتش فتيش هبش هبيش
    دقش دقيش يصرخ يا ناس
    مريم محمود راحت شقيش ؟!
    في زنك اللحمة وفي الزحمة
    مريم محمود راحت شقيش ؟!!
    في منحنيات الأسواق
    مريم محمود راحت شقيش ؟!!
    وأنا أأه يا مريم محمود
    آاااااااااه يا مريم محمود
    يا ذات الضل الممدود
    يا ذات القلب الساساق
    حتلت جواي الأشواق
    حتلت جواكي الأشواك
    وأنا كنت الولد المحبوب
    لا هجرا ليك ولا عاق ..
    حبيتك زي ما حبيت
    الوطن الوارف والبيت
    منك خطفوني تماسيح
    كم مرة وخلو تباريح
    كم جيتك راجع مسحور
    بذاك الوجه المفرور
    البيني وبينك عصفور
    على قلبو منشن صياد!

    ظلموك يا مريم ظلموك حرموك يا مريم حرموك ..
    خلوكي الدمعة تفصد خدك في الأعياد
    والشوق في الشوف على حد السيف
    إتعلمتي الشك في الغربة وكنتي ملاذ الشتاء والصيف
    سرقو أمانك وإطمئنانك
    قلبك كل ما باب الشارع دق يدق
    إيدك ترجف في الصقاطة ووشك شاحب :
    ربنا يستر أمكن هم !!

    تفرحي فرحاً قدر الدنيا
    إذا ما كان الطارق صاحب
    حالاً نارك بالهبابة لهيبا يبق

    بكيت مريم محمود بدموع حقيقية وانا اري عذابها يرتسم بادق تفاصيله بكلمات القصيدة ، بكيتها وانا اراها بالخيال باكية طول عمرها كالخنساء حتي ذهاب البصر
    وسمعت محجوب شريف يبكي وينوح عند قبرها:
    حتلت جواكي الأشواك
    وأنا كنت الولد المحبوب
    لا هجرا ليك ولا عاق ..
    حبيتك زي ما حبيت
    الوطن الوارف والبيت

    ورأيته ينتصب واقفا عند حافة القبر
    وهو يمسح دموعه ويخاطب محبوبة وطنا:
    مشتاق ليك كتير والله

    وللجيران وللحلة

    كمان قطر النضال ولىَّ

    وغالي عليَّ أدلىّ

    محطة محطة بتذكر عيونك ونحن فى المنفى

    بتذكر مناديلك خيوطها الحمرا ما صدفة

    بتذكر سؤالك ليَّ متين جرح البلد يشفى

    متين تضحك سما الخرطوم حبيبتنا ومتين تصفى

    سؤالك كان بيعذبنا ويقربنا ويزيد ما بينا من الفة

    ويزيدني حماس

    وكم فى قلبي دق نحاس

    وطار من عيني باقي نعاس

    ونحن اتنين بنتقاسم هموم الناس

    أعاهدك يا أعز الناس

    أسامحك لو نسيتيني وأهنتيني وبكيتي عليَّ

    لو فى يوم رميت سيفي ورفعت ايديَّ

    وخنت الثورة جيت والذلة فى عينيَّ

    حرام عيونك يناغموني ويرحبو بىَّ

    حرام ايديك ينومن تاني فى ايديَّ

    بس لكن يا ويلي يا ويلي

    أقبل وين وأقول يا منو

    لمن أخون صباح العين وأخون جيلي

    أعاهدك يا قمر ليلي

    وحاة أمنا الخرطوم

    أشيل شيلي وأموت واقف على حيلي

    وأقول ليك يا أعز الناس

    على الوعد القديم جايين

    ما بين الثورة والسكين

    ثوريين حتى الموت ثوريين

    وأقول ليك يا صباح العين

    بنادق وين بتمنعنا العديل والزين

    قنابل وين بنادق وين


    كانت تلك قصيدة بندقية مصوبة نحو صدور الاعداء والطغاة وشكلت وعينا المبكر.

  18.  
  19. #35
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    كانت مدرسة فريني الثانوية العامة محطة مهمة في حياتي... كان الطلاب في مدينتنا في ذلك الزمان عندما يقفون عند اعتاب الثانوي العام يحلمون دائما بمدارس بعينها كان لها صيت ومكانة متميزة وتأتي المدرسة الاميرية الواقعة علي شاطئ النهر في مدني قبالة جامع الحكومة علي رأس قائمة الاحلام وتأتي بعدها مدرسة الأهلية بقسميها أ وب في المرتبة الثانية وهن جميعهن مدارس حكومية وتأتي بعد ذلك بقية المدارس الحكومية والمدارس الخاصة في آخر الترتيب،لم يؤهلني مجموعي المتوسط لدخول الاميرية التي كانت محط الانظار وكان نصيبي مدرسة فريني العامة الحكومية التي كانت تتميز بالقرب الجغرافي لموقع سكن الاسرة فالمدرسة في المزاد وسكن الاسرة 114 .كان الزي المدرسي الجديد بلونه الكاكي قميصا ورداءا حدثا مهما يفتخر به كل من ودع اللون الازرق الذي كان زي الابتدائي آنذاك. واتذكر الرحلة مع ابي الي الاكشاك الواقعة بقرب حديقة سليمان وقيع الله حيث تباع مستلزمات مدرسية من أحذية وشنط وأقمشة وذهبنا الي دكان عبد الواحد الذي اعرفه منذ كنت طفلا حيث قاسمنا لفترة السكني في منزل بحي البيان يملكه باشا جد لاعب الكرة الشهير حموري، وكان أبي حريصا علي الشراء منه دائما بحكم العلاقة القديمة التي لم يقطعها انتقالنا الي منزل حكومي بحي 114، دلفنا الي دكان عبد الواحد المزدحم
    حيث اشتري لي كبكا جميلا من صناعة لاركو وشنطة مدرسيةصناعة محلية تصنع من مشمع يشبه المشمع الذي يستخدم كغطاء للترابيز ولها سستة من اعلي وسستة اخري تسخدم كجيب للشنطة واتذكر لونها الرمادي وكانت نفسي تنازعني للون آخر لكنني لم أنبس بنت شفة.ذهبنا بعد ذلك للترزي لاخذ المقاسات
    وكنت مزهوا وهو يقوم بأخذ القياسات وأراقب طريقته الغريبة في الكتابة للمقاسات علي القماش نفسه. ثم ذهبنا الي مكتبة مضوي ولم تكن تلك زيارتي الاولي لها لكنها الاولي بعد انتقالي الى الثانوية العامة وكانت تلك أول مرة امتلك فيها قلم حبر ومحبرة وأودع قلم الرصاص الى الأبد وابتاع لي ابي علبة الوان وعلبة هندسة جميلة الشكل مرسومة عليها خريطة العالم. وكالعادة صحبتنا الكراسات ومعها الجلاد بلونه المميز. كان اليوم الاول في فريني يوما لاينسي فقد كان اول يوم تقع فيه عيني علي شخصية رافقتنا في سني دراستنا الثلاث بمدرسة فريني وكانت محورا لاحداث عديدة.. تلك هي شخصية (ابو قبورة ) ذلك الرجل الطويل ضخم الجثة أخضر اللون والذي يعمل فراشا بالمدرسة ولم نعرف له أسما خلاف لقبه الذي اطلقه عليه التلامذة، كان الرجل هو الأسرع استجابة في قطع سيطان من الاشجار التي تملأ باحة المدرسة لمعاقبة المهرجلين بها سواء داخل الفصول او في طابور الصباح اليومي وكان يتلذذ بمراقبة عملية الجلد وتغيظ من تقع عليه العقوبة ابتسامة شماتته أكثر من العقوبة نفسها، وكان بعض التلامذة الاشرار ينتظرون الفرصة لكي يصيحوا فيه من مكمن لايتبين منه هويتهم بانه ان لم يكف عن قطع السيطان فسوف تطالهيا اب قبورة احسن ليك... يا اب قبورة
    سوطك برجع ليك....) ثم يولوا هاربين قبل ان يتبينهم فيشكوهم ويرتد الوعيد اليهم.

  20.  
  21. #36
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    مدرسة فريني كانت دنيا باكملها، يجتمع فيها طلاب ينتمون سكنا الي احياء المزاد والحلة الجديدة وشندي فوق والابحاث و114 والدرجة الاولي والثانية والسكة حديد وبيوت الادارة المركزية للكهرباء والمياه، ومن النادر جدا وجود طالب من خارج هذه الاحياء التي تشكل مايعرف بمدني جنوب، ونفس هذا التجمع السكاني كانت روابط الناشئين تقسم علي اساسه فكانت الرابطة الجنوبية تتكون من فرق ناشئ احياء المزاد والحلة الجديدة و114 والادارة بينما تتكون رابطة الدرجة من الدرجة الاولي والثانية والسكة حديد وهناك رابطة ثالثة كانت تضم فرق الابحاث وشندي فوق.لذلك كانت فريني تجمعا لمواهب متعددة من الصعب اجتماعها في مكان واحد، اجتمع اولاد تجار المدينة الاثرياء ممثلين في حي الدرجةالاولي والثانية(واكتشفنا فيما بعد ان الدرجة لم تكن حيا خالصا للاثرياء كما كنا نظن) ولكن يمكن القول ان الاثرياء كانوا يقيمون فيه بكثرة وكانت علامات ثراءهم تظهر في حضور اولادهم المدرسة بالعجلات الرالي والفونيكس الجديدة وتظهر في مواسم الحج حين يستعرض اولادهم هدايا الحج في المدرسة.أما بقية الاحياء فهي احياء الكادحين وجميعها احياء شعبية بحتة.لم تكن الفوارق تشكل مشكلة ابدا فالجميع يرتدون زيا واحدا ويعاملون معاملة واحدة ويتكتلون علي اساس الفصول والاهتمامات المشتركةوليس علي اسس جغرافية او طبقية، كان حوش المدرسة فسيحا يتوسط المباني ، كانت المدرسة مسورة بالكتر والسلك الشائك وهي مقابلة لمدرسة المزاد الابتدائيةالتي تقع شمالها وملاصقة لمدرسة الهوارة الثانوية العامة التي تقع غربها وهي ملاصقة لمدرسة الامير الثانوية العليا التي تقع جنوبها مباشرةوالاخيرة ملاصقة لمدرسة الهوارة الثانوية العليا صاحبة الصيت الكروي في الدورات المدرسية والتي قدمت سامي عزالدين والطاهر هواري وغيرهم من النجوم.كانت مدرسة فريني مبنية في شكل حرفي e متقابلين.
    وعندما تدخل من البوابة الرئيسية يكون مكتب الناظر علي يمينك يفتح شرقا ويقابله مكتب الوكيل يفتح عليه وبينهما ردهة صغيرة بمجرد ان تنتهي يكون علي يمناك فصول وعلي يسراك فصول تفتح جميعها جنوبا وتسمي هذه الفصول الثلاث أولي شمال وثانية شمال وثالثة شمال وامامها مباشرة ميدانين مفصولين بممشي تصطف فيه اشجار خضراء ذات زهور وردية كبيرةعلي اليمين واليسار وفي نهاية الممشي يوجد قسم جنوب المقابل لقسم شمال والذي يفتح شمالا ويحمل تسمية اولي جنوب وثانية جنوب وثالثة جنوب ويتوسطه مكتبان كبيران للمعلمين بذات الوضع الخاص بالمدير والوكيل.وكان بالمدرسة مبنيان اخران مهمان الاول في القسم الشمالي في الجزء الغربي وهو فصل كبير يعرف بفصل اتحاد المعلمين وهو لطلاب قبول خاص بالرسوم. والثاني في القسم الجنوبي مقابل لفصل اتحاد المعلمين وكان يسمي المعمل وهو مخصص للتجارب العلمية وفي وقت ما اصبح مكتظا بالالعاب التي جلبها الاستاذ سيف المسؤول عنه وهو استاذ العلوم. في قسم جنوب هذا قضيت اعوامي الثلاث بصحبة رفقة رائعةوكانت لنا صولات وجولات ضد اولاد شمال في منافسات كرة القدم والرينق والطائرة والجمعية الادبية وكانت لنا حكايات مع استاذ عبدالله ربشة استاذ الانجليزية واستاذ ترنتي(عمر) استاذ الجغرافيا واستاذ شمس الدين (الشايقي) استاذ اللغة العربية والاستاذ عمر الحاج استاذ الادب الانجليزي الذي صار صحفيا مرموقا والاستاذ حسن عوض الله استاذ الجغرافيا والعلوم عند اللزوم والناظر عبد اللطيف بحيري .

  22.  
  23. #37
    وسام التميز الثقافي

    Array الصورة الرمزية مصطفى هاتريك
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    2,423



    السلام عليكم مولانا

    أتابع دوما كتاباتك بانصات المتعلم

    عذرا دعني أتبتل في في هذا المحراب من الادب

    منو الزيك ولد وإستالد الأولاد
    منو الزيك بجيبم ديمة عشرة أنداد
    منو الزيك ببز الدنيا موية وزاد
    منو الزيك ضروع وزروع ونيل مداد
    منو الزيك بطانة وغـابة دون حداد
    منو الزيك سهول وادي وجبال أوتاد
    منو الزيك أصل موروث من الأجداد
    منو الزيك جراتق دم قُــدام وجداد
    قشي الدمعـة يا بت الرجال ما بحكموك أولاد
  24.  
  25. #38
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى هاتريك مشاهدة المشاركة


    السلام عليكم مولانا

    أتابع دوما كتاباتك بانصات المتعلم

    عذرا دعني أتبتل في في هذا المحراب من الادب
    صديقي المبدع مصطفى هاتريك
    كم هو رائع مرورك وكم هى سخية وبهية كلماتك المضئية هنا

  26.  
  27. #39
    عضو ذهبي
    Array الصورة الرمزية عاطف عولي
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    مدني مارنجان حلة حسن محطة الصهريج جوار نادي حلة حسن
    المشاركات
    5,744

    الصمت في حرم الجمال جمال

    دعنا في دهشتنا وأصنع لنا المزيد

    بوركت

    بورك خيالك الخصب

    وقلمك المشرئب نحو قمم الجمال

    لا تقرأ وترحل ساهم برد أو موضوع وتذكر جهد غيرك في كتابة المواضيع ومساعدة الأخرين

    [IMG]
  28.  
  29. #40
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عاطف عولي مشاهدة المشاركة
    الصمت في حرم الجمال جمال

    دعنا في دهشتنا وأصنع لنا المزيد

    بوركت

    بورك خيالك الخصب

    وقلمك المشرئب نحو قمم الجمال
    الجميل هو القلم المحفز مثل قلمك ياصديقي
    شكرا عاطف عولى

  30.  
  31. #41
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    رحيل الشهاب الى مجرته البعيدة
    [ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ] البقرة/154-156

    قدر الله وماشاء فعل، انتقل الى رحمة مولاه العبد الفقير الى ربه والدى العزيز سر الختم على كرم الله فى 19 يناير 2014 بعد حياة عامرة بالبذل والعرق الطاهر والأعمال الصالحة ، فقد فتح عينه على الدنيا فى مدينة ابو هشيم حيث جذوره ولم يقو عوده بعد حين انتقل والده الى رحمة مولاه وهو لايزال صبيا دون الثالثة عشرة فوجد نفسه مسؤولا عن اخواته وهو الابن الوحيد لوالده ،فكافح ونافح فى دروب الحياة وعمل صغيرا وهاجر فى أرض الله الواسعة فى بلاد السودان الكبيرة حتى استقر به المقام فى مدينة ودمدنى فى قلب الجزيرة وحيدا صغيرا يبحث عن لقمة حلال بسواعد نحيلة وتعليم قليل لم يتعد الخلوة وبدايات الدراسة المنتظمة، كافح الرجل وحيدا واشتغل عاملا بوزراة الرى وتنقل فى الخلاء في كل مشاريع التنمية عاملا صغيرا حتى اجاد قيادة الكراكات التى تعمل فى حفر القنوات والترع التى تروي أراض بكر عطشي للمياه وللخضرة فيظل يعمل سحابة نهاره كله فى هجير لافح ، يئن الحديد ولايئن هو، ويفترش الأرض في مخيمات صغيرة مع رفاق العمل فى مناطق موحشة وخالية من مظاهر الحياة والمدنية يطهون لانفسهم من زاد قليل ويهجعون ساعات قليلة ليواصلوا رحلة الكفاح، وحين تتدفق المياه وتخضر الأرض يتجهون نحو أرض عطشي وبكر أخرى في موقع آخر، وهكذا جاب أبى السودان من أقصاه الى أقصاه مانحا الأرض الخضرة والناس الثمار والطير الحب والمياه، واستطاع الرجل ان يتزوج ويؤسس أسرة صغيرة فى مدنى متنقلا في بيوت مستأجرة، يتقاسم بعضها مع البعض في البدء ، ثم بات مستقلافى السكنى، حتى منح منزلا حكوميا صغيرا فى مطلع السبعينات بقينا فيه سبعة عشر عاما ثم انتقلنا منه الى دار مشيدة بعرق طاهر ومال حلال لرجل أبى حلقه اللقمة الحرام والهبات من أى نوع،كانت داره داراً فسيحة وجميلةفى مدينة ودمدنى بحي مايو شاركنا فى بناءها بعملنا مع البناء كعمال انا واخى احمد، ولم ينس أبى أن يغرس في وسط الدار نخلة من النخل المعروف بالمشرق جلبها من جذوره بالرباطاب وتعهدها بالرعاية حتى أثمرت وغرس الى جوارها شجرة ليمون أثمرت هى الأخرى وظلت الشجرتان وظلهما مكانه المفضل فى الدارحتى غادرهابعد سنوات الى دار جديدة بالخرطوم العاصمة وفشلت محاولته لنقل النخلة الى هناك حيث لم تنجح عملية النقل وماتت النخلة العزيزة فحزن عليها كما يحزن المرء على ابن من صلبه وظل يذكرها على الدوام حتى لحاقه بها ، كبرت شجرته العائلية وتخرج ابنه البكر طبيبا وظابطا عظيما بالجيش السودانى وحمل مع الأب الحمل وولج بقية الابناء والبنات فى دروب الحياة محققين نجاحات كبيرة ومؤسسين أسراًوبيوتا مفتوحة بانفاس عميد الأسرة الطيبة ، كان الرجل الحصان الحر يصهل ويعطى بلاكلل حتى بلغ المعاش، كان يعمل بصبر وصمت مكرسا حياته لاسرته وابنائه الذين يأتيهم بضعة ايام كل شهر في حياته العملية القاسية، لكنه ما استدان ولا طلب غوثا ولا نظر الى لقمة فى يد غيره قط، عفيف اليد واللسان ، يتحدث همسا ولايخوض في سيرة أحد ولايدخل فى نزاع و جدال أو يطرق باب سلطان، كان فرسا نبيلا عصيا على الترويض وعلى السخرة والاسترقاق والتدجين، وكان قلبا كبيرا عامرا بالمحبة، بارا بوالدته التى بقيت تحت مسؤوليته وفي بيته وتحت رعايته حتى اختارها الله الى جواره مارفع عليها صوتا ولا خالف لها أمراً ولا انعقد جبينه أمامها، وكانت هى امرأة عظيمة ملأت طفولتنا بالجمال فهى أمية تنظم شعرا فصيحا وتسرد سردا بديعا ومنها تعلمت شخصيا فنون السرد وسمعت قصصا ساحرات ،كانت وهى الضريرة تحلق بنا فى سماوات بعيدة نرتاد فيها اكواخ فقرائها الطيبين وقصور الملوك الظالمين وكهف الغول المظلم ونشم رائحته النتنة و ونرى ضفائر فاطمة السمحة الجميلةالتى احبنناها وتعلقنا بها، كانت اجمل قناة متخصصة فى السرد للاطفال فى زمنها وكانت تحب ابنها محبة لاتخطئها عين وكان يجلها اجلالا فيه ابلغ الدروس والعبر، كان البيت يتنفس محبة وكانت أمى قمرا ثالثا فى سماء بهية عشنا تحت ظلها كالعائش فى جنة بالأرض، كان الطعام وفيرا وحلوا والشاى متعة والقراءة فتحا جميلا يرى الأب انه سبيلنا لعيش حياة كريمة ، كان يأخذنا الى الحلاق أول كل شهر وينتظر حتى نخرج سعداء بالحلاقة، فيأخذنا الى المكتبات لشراء احتياجات الدراسة والى حيث الأحذية لشراء حذاء الدراسة، والى الحلوانى عند الجامع فى السوق الجديد بمدنى لنأكل المخبوزات ونشرب عصائر طبيعية ونستمتع بجلسة فى مكان لم نكن نحلم بدخوله الا معه، كانت الرحلة الى الترزي متعة اخرى فى بداية العام وفى الاعياد، كنا نتعثر خلف قامته الفارعة وهو مبتسم ، كان ابا نادر المثال،حين يكون في البيت يعمل على شئ ما، يرتق ملابسه بنفسه، يزرع شئيا، ينظف مكانا، يصلح أداة، أو يستمع الى الراديو باهتمام وزير ثقافة يطمئن على الكون وعلى سير عمله،وحين يبتسم تبتسم الدنيا، نكاد نستقر في جوف ذلك القلب الكبير، ماسمعناه يقول كلمة فظة للوالدة عليها الرحمة وماسمعناه يغلظ قولا لأحد حتى فى لحظة ارتكابنا الأخطاء الصغيرة، كان كونا من الوسامة والسلام والمحبة والصفاء الداخلى والخارجى، كان طفلا كبيرا جميلا محبا للاطفال كطفل، تعلمت منه ذلك حد اننى اغيب عن الكون حين اقف امام طفل، من أين اتيت بكل هذه الوسامة يا أبى؟ من ابيك الذى لم نره والذى اشتقت له في أسبوعك الأخير فى الفانية وبت تطلب بإلحاح أخذك إليه وتصر على انه لا يزال حيا ؟ أم من أمك الشاعرة الجميلة فاطنة بوجهها الأبيض المضئ كقمر وقامتها الفارعة وشعرها الطويل كحورية؟
    من أين جئت بسلام الأنبياء الداخلى وعفتهم وطيبتهم ونقائهم؟ من أين جئت بنكران ذاتك النادر؟!ومن أين جئت بتلك الابتسامة؟! ومن أي كتاب من كتب لم نقرأها ومعارف لم نعرفها جئت بوصيتك الأخيرة (أن تدفن بجوار من زينت حياتك كلها بوجودها فيها زوجا وأما وقمراً لايتدلى من سماه ولايعرف الغياب) من أين جئت بعجينة الوفاء تلك؟ ومن أين جئت بكل هذا الحب النبيل لتلك النبيلة؟! ومن أين جئت أيها البهى الوضئ المضئ الشهم الكريم الحنون الحازم الطيب الأمين الهمام العفيف النظيف المهووس بالنظافة والمحب للعمل حد التقديس؟! ليتك رأيت الدموع والحيرة فى عيون أحفادك الصغار، ليتك رأيتهم وهم يجوبون الدار المنطفئة بعد رحيلك فى سهوم وهم يسألون عنك الجدران والسماء والغرفة الخاوية التى ياطالما اضاءت بوجودك، ليتك رأيت لينا وهى صامتة واجمة والدموع تقف عند أحداقها وحين سألتها مابك؟ انفجرت باكية وهى تهمس انها تفتقد جدها الذى لن يعود، وفى الغرفة الأخرى كان مبارك واجما ساهما فى البعيد وحين ربت على ظهره وسألته مابه بكى وهو ينعى حاجته اليك وشوقه ، كنت أستدعى كل قوة فى الكون كى لا أشاركهم البكاء واشرح لهم بكلمات ميتة ان هذا هو مصيرنا جميعا وان الدعوات الصالحات لك هى أفضل وسيلة للتعبير عن الحب، وحين ادرت ظهرى وعدت وجدت مبارك الصغير غارقا فى الصلاة والدعاء بعيون محمرة وصوت باك.
    هل تصدق يا أبى اننى غاضب من نفسى لاننى كنت قويا ولم أنهار بعد فى حضرة رحيلك؟ شعرت أن قوتى خيانة لك وأن تماسكى جحود وانكار.
    سلام عليك أيها الصقر المجنح
    سلام عليك أيها البرق المضئ
    سلام عليك أيها النهر السخى
    سلام عليك أيها الطفل الكبير البهى
    سلام عليك يامن تدثرت بالصدق
    سلام عليك يامن تجملت بالصبر
    سلام عليك يامن صنت نفسك عما يدنس نفسك
    سلام عليك يامن أفنيت ذاتك لأجل الاخرين
    سلام عليك ياصديق الطير والأطفال والفقراء
    سلام عليك أيها النبيل
    سلام عليك أيها الأب والأخ والصديق والمعلم الكبير
    سلام عليك يامن رأي رحيله قبل الرحيل
    فلم أفهم رؤيته إلا حين حم القضاء
    فقد قلت لى بصوتك الخفيض قبل أسبوع واحد من الرحيل( منذ أخذت الرايات ياصلاح وصدرى لايريحنى أبدا)...لم أفهم ماهى الرايات ولاعلاقتها بصدرك ولا كيف أخذتها أنا، لكننى الآن فهمت، فبعد أسبوع كنت تشكو ألما بصدرك وكان الألم سببا للرحيل
    هكذا كنت تهمس فى أذنى مودعا برمزية شفافة حتى لاينجرح قلبى الصغير
    كنت وحدك ترى
    وكنا جميعا لانرى
    كان ذلك درسك الأخير البليغ
    عشت شفافا ورحلت شفافا
    عشت صموتا قليل الكلام كثير الحكمة ورحلت كذلك
    لله درك أبى
    لله درك أبى
    نم هانئيا سعيدا
    طب مقاما
    وكن أيها القبر عليه سلاما
    اللهم أغفر لعبد ك الفقير اليك سرالختم على كرم الله
    وأكرم مثواه وأجعل الجنة هى المأوى
    اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار .
    اللـهـم عامله بما انت اهله ولا تعامله بما هو اهله .
    اللـهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الأساءة عفواً وغفراناً.
    اللـهـم إن كان محسناً فزد من حسناته , وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته .
    اللـهـم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب .
    اللـهـم اّنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.
    اللـهـم انزله منزلاً مباركا وانت خير المنزلين .
    اللـهـم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا .
    اللـهـم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ,ولا تجعله حفرة من حفر النار .
    اللـهـم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة .
    اللـهـم اعذه من عذاب القبر ,وجاف ِالارض عن جنبيها .
    اللـهـم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
    اللـهـم إنه فى ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة الفبر وعذاب النار , وانت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه انك انت الغفور الرحيم.
    اللـهـم انه عبدك وابن عبدك خرج من الدنيا وسعته ومحبوبيه وأحبائه إلي ظلمة القبر وماهو لاقته .
    اللـهـم انه كان يشهد أنك لا إله الا انت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت اعلم به.
    اللهم ثبته عند السؤال
    اللهم انا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك ان ترحمه ولا تعذبه
    اللـهـم انه نَزَل بك وأنت خير منزول به واصبح فقير الي رحمتك وأنت غني عن عذابه .
    اللـهـم اّته برحمتك ورضاك وقه فتنه القبر وعذابه و أّته برحمتك الامن من عذابك حتي تبعثه إلي جنتك يا أرحم الراحمين .

  32.  
  33. #42
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    أمى شمعة في الظلام
    أحن اليك يا أمى حنينا ماج في صدري، كم احتاج حكمتك وقدرتك الفريدة علي تجاوز الصغائر والنفاذ الي جوهر الاشياء، كم أحن الي صوت المطر وهو يهطل بغزارة ونحن محبوسون في تلك البرندة الصغيرة في بيتنا بحي مايو وانت تهمهمين حامدة الله وشاكرة سرا وجهرا، كنا بجوارك كعصافير صغيرة تلوذ بأمها وتختبئ في جناحيها من المطر وكل انواع الخطر، تزداد الأمطار ضراوة فيتملكنا الخوف أكثر ونقترب منك فترتسم الابتسامة علي وجهك الوضئ المضئ ، تنقطع الكهرباء، يظلم المكان فيضئيه وجهك ويتملكنا خوف من الظلام يبدده صوتك الدافئ، نضحك مع كلماتك ويعود الدفء، ينقلب المشهد الي ضده تماما، نتباري في الضحك وسرد الحكايات وخطف كرة الحديث من الاخرين، ننسي الظلام والمطر والخوف ويحلو السمر بلاقمر في السماء ولكن قمر الأرض أجمل ولسانه ينثر شهداً وعطراً، كانت تعرف كيف توزع علينا الإهتمام بالتساوى والقسط ابتداء من توزيع الألقاب فأنا ( ابو الصلح الكلامو سمح) وعبد العظيم ( عظوم الخاتى اللوم) واقبال (قبولة السمح قولا) وامال هى (أمولة) وعماد هو( العمدة) وسهام هى( سهومة) ، ثم توزع علينا انصاتها وردودها الحاضرة علي ضجيجنا الكثير وأسئلتنا التى لاتنتهى حتى يصمت نقيق الضفادع ويخفت صوت المطر تدريجيا ويستغيث الظلام منا بادارة الكهرباء فيبق النور علي حين غرة فنهب صارخين بصوت واحد
    الكهرباء جات
    الكهرباء جات
    ونركض صوب الحوش الوسيع لنتفقده ونهرول الي الغرفة الأماميةلنرى ماذا فعل بها المطر ، وربما تسللنا الي الشارع لنتفقده ونتفقد الجيران ثم نعود علي عجل لنقف بجوارك وانت تعدين الشاي باللقيمات علي عجل ليسكت جوعنا وشعورنا بالبرد، تلك الابتسامة الفرحة علي جبهتك وفمك من أين تجئ دائما هكذا بذات الاتساع والفرح ؟!
    نحتسي الشاي ونحن متحلقون حولك مثلما يتحلق المريدون حول شيخهم
    وأنت توزعين الابتسامات علينا بالقسط، واللقيمات الصغيرة تهاجرمن الصحن الي الأفواه الصغيرة والأيدى تلمع بزيت تساقط عليها من اللقيمات
    والابتسامة علي وجهك لاتموت، اختلس اليك النظر خلسة واتساءل متى تأكل أمى شيئا؟! هل تفعل كل الأمهات هذا؟ هل يظلن العمر كله يطعمن ولايأكلن ، يغسلن الأجساد الصغيرة ويكنسن الحيشان الوسيعة بمكانس السعف القاسية علي الأيدي في الهجير بلا كلل ولاملل ، ويمسحن دموع من يبكى ويغثن المستنجد بهن مهما كان سبب الاستغاثة تافها أو جللاً، يغسلن الأوانى والملابس في كل صباح وظهيرة، يواجهن نيران العواسة علي الصاج ويخرجن طرقات الكسرة الجميلة وهن يبتسمن وعرقهن الطاهر يقبل الأرض بلا إنقطاع؟! وحين يجأرن بشكوي أو يبكين لايجدن مثلنا من يمسح دمعهن ويغثهن، كنت اتساءل دوما متى تأكلين أماه؟! وكيف تكون الحياة لو كنت لست بها؟
    الآن أواجه الاجابة علي سؤالى، وحيدا، وانت حمامة بيضاء حلقت نحو السماء، المطر والرعد والظلام والصمت يحاصرنى
    أبحث عنك
    فيجيبنى العدم

  34.  
  35. #43
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    صدمات موجعة في الحياة
    من الاشياء القاسية في الحياة ان تضطر اضطرارا للتخلى عن تصوراتك الجميلة الحمقاء عن الآخرين
    وجه الجمال اننا كلما احببنا شخصا أو شيئا جملناه بمحبتنا حتى رفعناه الي مراتب سامية وعالية لم يبلغها هو في الحقيقة أبدا لكن محبتنا له ورغبتنا في رؤيته في أسمى وأعلى موقع هى التى تصنع ذلك
    ووجه السذاجة هو اننا ندرك متأخرا جدا ان ليس كل مايلمع ذهباً
    وليس كل من نحبه في مستوى ظننا فيه بالضرورة
    لكننا للأسف ندرك ذلك دائما متأخرا جدا ، بعد ان نكون قد مشينا بقلبنا فوق الشوك والجمر وأدميناه وأوجعناه
    حدث ذلك معى كثيرا جدا
    لا أدعى اننى ملاك صغير أو اننى بلا عيوب ولكن أستطيع القول بلا تردد انه ليس من عيوبى أو محاسنى سوء الظن بالاخرين
    واستطيع القول أننى اندفع بكل مشاعرى تجاه من احببت وصادقت ومن حسبته ذهبا
    لكن أقسي تجاربى هذه كانت انقلابا كاملا في حياتى
    فقد أفقت يوما والعالم الجميل الذي بنيته في خيالى وعشته وهما جميلا لايأتيه الباطل من بين يديه أو من فوقه أو من تحته
    أفقت فوجدته سرابا كاذبا
    وخيالا بعيدا
    كان صرحا من خيال فهوى
    وكان بيتا من رمال ابتلعته موجة واحدة من موجات البحر
    وكان حلوى ذائبة مثل تلك التى نسميها ( حلاوة قطن) ذابت في فم صغير ولم يبق إلا
    طعمها وصورتها في الذاكرة
    لا استطيع الكتابة الا رمزا للأسف
    فما أقسي الحقيقة حين تجرح وتدمى وتفضح من نحبهم ومن أنفقنا العمر في تجميل صورتهم وعبادة أصنامهم وصنعها والترويج لها
    ما أصعب أن يكون المرء مثل تلك المرأة الخرقاء بمكة التى كلما أحسنت غزلها نقضته من بعد احكام وقوة (التى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا}
    لم يكن غزلى عهدا
    ولكنه كان ظنا حسنا
    وأمنيات ذرتها الرياح وبعثرتها كيفما أتفق
    كنت أصنع وهمى وأصدق ماصنعت وأعيش فيه
    فيأتى طفل صغير وبشكة دبوس صغيرة
    ينفجر منطاد الوهم وتسفر الحقيقة عن وجه قبيح عار
    لامساحيق تجمله
    ولا مصابيح العالم كله بقادرة علي محو ظلمته
    ياصديقي فلتكن الحقيقة عارية
    ولتكن الحقيقة جثة باردة
    ولتكن الحقيقة لطمة علي الوجه
    وبصقة علي الوجه
    ولكنها لن تكون أبدا
    في قبح الزيف
    ولا فى وضاعة كاذب صغير أو كبير
    ولا فى دناءةمن يبيعون الوهم والأكاذيب
    ويسحقون القلوب بلا أدنى شعور بالذنب
    ينامون علي عروش منهوبة
    ويشربون بجماجم مثقوبة برصاص قناصتهم
    ويأكلون لحم من صافحوه في الظهيرة مساء
    ويفعلون كل قبيح سرأ
    ويتجملون بكل جميل علناً
    ليس بحثا عن الجمال
    ولكن بحث الذئاب عن التستر خلف وجوه الحملان
    قبل الهجوم علي القطعان
    ومثل إختباء الثعلب وسط الدجاج قبل الإنقضاض عليه
    هم ليسوا هم أبدا
    بسماتهم مزيفة
    كلماتهم منمقة مجوفة
    عطورهم دماء
    صلاتهم رياء
    وصالهم خداع
    خصامهم فجور
    بيوتهم قبور
    زهورهم مسروقة
    صدقهم محال
    وكذبهم كثير
    وكرمهم ستار

    نماذج موجعة
    بيت الأخطبوط وبنات أفكاره
    كانت بنت الجيران أو من في حكمهم تقريبا إن شئنا الدقة، تنحدر من أسرة فقيرة وليس لها حظ من مال أو علم
    كان اعتماد الأسرة منذ أن فتحت عينها علي الغير

    فالأب رحل باكرا وترك تركة ثقيلة وبيت صغير مكتظ في مدينة صغيرة
    تولى الأقارب تحمل التركة
    ونشأت صاحبتنا هناك في ذلك البيت الصغير المفتوح بالهبات
    وعينها علي أمان مفقود وخزانة تنفتح فتخرجها من بيت العنكبوت أو فلنقل الأخطبوط إكراما للعنكبوت وتنزيها له عن التشبه بهن وقد سجل التاريخ له موقفه مع سيد البشرية ونبيها الكريم في الغار
    فهن الي الأخطبوط أقرب منهن الي العنكبوت
    كانت تلك بعض أحلامهن التى تقاسمنها في ليالي الشتاء الطويلة
    التى مرت عليهن في بيت الأخطبوط
    فالكبري استخدمت مهارات الأخطبوط و ظفرت برجل مال له حظ من المال ولاحظ من العلم له
    ولكن أسمه الكبير الذي يرن كطبل بات نافذة انفتحت أمامهن ليصطدن بالأسم الكبير أسماكا أكبر كما فعلن حين اصطدن الأول بصيت يملكه أحد الأقارب
    كن يملكن قدرة غريبة على أن يبدون كأميرات وهن بنات الحطاب
    وكن يملكن قدرة غريبة علي الإحاطة بالصيد البرئ إحاطة السوار بالمعصم
    وعزله عن محيطه الأسري والاجتماعى كما يفعل الأخطبوط بعد اختراق ذلك المحيط والتودد لمن فيه في المرحلة الأولى وكسب ودهم وسحر البابهم الي حين
    ومن ثم تبدا رحلة عزل الضحية عن محيطه
    فلايعود الصيد يعرف أهلا سواهن ولا أصدقاء سواهن
    ولايعطى أذنه وخزانته لغيرهن
    وكلما كان مطيعا
    كان حصاره يتم احكامه أكثر
    وكان القضاء علي شبكة الأهل من طرفه واصدقائه غير المرغوب فيهم يزداد شراسة وضرواة
    هكذا اختارت هى ضحيتها
    وهكذا اشتغلن سويا عليه
    حتى بات عجينة طيعة
    وسجين مؤبد لافكاك منه لديهن
    نما
    وزادت عزلته
    وسكناه في بيت الأخطبوط
    فبات كالمنبت لا أرضا قطع
    ولاظهرا أبقي
    (المنبت: هو الذي يواصل السير مواصلة مستمرة، ثم يكون من آثار مواصلته أنه يسير مثلا خمسة أيام ما أراح نفسه ولا أراح جمله. ففي هذه الخمسة قد يسير ويقطع، يقطع مسيرة خمسة عشر يومًا في خمسة أيام، ثم يبرك به جمله ويهزل وينقطع به، فينقطع في برية يعني صحراء، فلا هو الذي رفق ببعيره حتى يوصله ولو بعد عشرين يومًا، ولا هو الذي قطع الأرض كلها، بل برك به بعيره في برية؛ وذلك لأنه كلف نفسه، وكلف بعيره فسار عليه حتى أهزله.
    هذا يسمى المنبت؛ لا أرضا قطع لا قطع الأرض كلها التي هي مسيرة شهر، ولا أبقى ظهره؛ يعني: رفق بظهره أي: ببعيره الذي يركب على ظهره. تسمى الرواحل ظهرا. أما إذا سار برفق؛ فإنه يصل ولو بعد مدة طويلة.)
    وان كان المنبت يصل في خاتمة المطاف، فان صاحبنا لايصل أبدا الي مكان
    يظل ضرعا يدر اللبن علي بنات بيت الأخطبوط حتى يصيبه الهزال والضعف فيرمينه رمية الكلاب.

  36.  
  37. #44
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    التربية في المدارس والوجه الآخر للأشياء
    تعود بنا الذاكرة الى الماضى البعيد، إلى كهوف الطفولة، نتذكر الأشياء كأنها معروضة على شاشة أمام أعيننا، بكل تفاصيلها الصغيرة الجميلة والمؤلمة، لكن نظرتنا تختلف إليها، فلاتعود الأشياء هى الأشياء بحكم الوعى الجديد المكتسب وتراكمات السنين وخبرات الحياة والمعارف الجديدة التى لم تكن متوافرة لنا في ذلك الزمان البعيد،أتذكر الآن بذهن صاف ممارسات تربوية كانت سائدة بالمدارس ولعلها لاتزال سائدة، كانت تبدو شيئا عاديا ومشروعا في زمنها، أما الآن فحين أنظر إليها بوعى اللحظة أجدها جرائما مكتملة الأركان اٌرتكبت بحق الأجيال، من تلك الممارسات أتوقف عند ظاهرتين:1/ ظاهرة الألفا.2/ ظاهرة العقاب الجماعى حين يُجهل الفاعل.
    الظاهرة الأولى( ظاهرة الألفا) هى ممارسة شاعت في المدارس بتعيين المعلم المسؤول من الفصل طالبا ليكون مسؤولا عن ضبط النظام بالفصل في فترات الفواصل بين الحصص وحصر المهرجلين كتابة وتقديمهم للأستاذ لمعاقبتهم، الغرض كما هو واضح تربية التلاميذ على الإنضباط والمسؤولية ومعاقبة المتسببين بالفوضى، لكن الجانب الآخر للمسألة هو تعيين أحد الطلاب ليقوم بدور مخبر ضد زملائه ، وفى أغلب الأحيان يستخدم المخبر سلطته هذه لإبتزاز زملائه والحصول لنفسه على ميزات صغيرة نظير عدم تقديمهم للعقاب المستحق أو غير المستحق، الميزات قد لاتتعدى منحه حق قيادة دراجة أي منهم في الفسحة مثلا، لكن العبرة ليست بتفاهة المقابل ، بل العبرة بخطورة تحول الطالب الى مبتز صغير وهو إعداد مبكر لمبتز كبير مستقبلا، فضلا عن ذلك فتدبيج التقارير في الزملاء نظير الإفلات من العقاب والحصول على حصانة ضده بالحصول على مركز (الواشي) المعتمد رسميا هو مران مبكر للقيام بتدبيج التقارير مستقبلا للحصول على ميزات شخصية وحصانات مقابل الإضرار بالمكتوب عنهم، هنا تنشئ الدولة عقليات أنانية لاتتورع عن الصاق كل شئ بالآخرين نظير إمتيازاتها هى، مثل هذا الوجه الكالح لوظيفة (الألفا) يجب وضعه فى الإعتبار عند جعلها جزءا من مؤسسات التربية والتعليم.
    أما ظاهرة العقاب الجماعى فهى ممارسة قبيحة متفشية في المدارس ، يصدر أحد الطلاب صوتا أو يرتكب أى حماقة ولاتراه عين الأستاذ ولا عين مخبره (الألفا) ولايعترف هو بأنه الفاعل، حينها يأمر الأستاذ بمعاقبة كل الفصل بالجلد مثلا، فيُجلد المذنب والأبرياء، هذه الممارسة تولد الأحقاد وتؤسس لمشروعية أخذ البرئ بجرم المذنب وهو أمر لايجوز شرعا ولاقانونا، فالدين يؤسس لمبدأ الحساب الفردى والعقاب الفردى في القرآن الكريم في أكثر من آية،فهى قاعدة من القواعد القرآنية العظيمة، التي تؤسس مبدأً شريف القدر، سامي الذرى، إنه مبدأ العدل، وهذه قاعدة طالما استشهد بها العلماء والحكماء والأدباء؛ لعظيم أثرها في باب العدل والإنصاف، تلكم هي ما دل عليها قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7](1).
    والمعنى: أن المكلفين إنما يجازون بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وأنه لا يحمل أحدٌ خطيئةَ أحد ولا جريرتَه، ما لم يكن له يدٌ فيها، وهذا من كمال عدل الله تبارك وتعالى وحكمته.ولعل الحكمة من التعبير عن الإثم بالوزر؛ لأن الوزر هو الحمل ـ وهو ما يحمله المرء على ظهره ـ فعبر عن الإثم بالوزر لأنه يُتَخّيَلُ ثقيلاً على نفس المؤمن(2).
    وفي القانون لاجريمة ولاجزاء الا بنص تشريعى سابق، ويتعين ثبوت الجرم لإستحقاق العقاب، فإن جُهل مرتكب الجرم سقط العقاب ولم يٌستحق. ولعل فلسفة العقاب الجماعى عند جهل الفاعل المتفشية فى المدارس هى ذاتها التى أسست لممارسات الكبار المتعلقة بالانتقام الجماعى من الأبرياء والمذنبين في الحروب القبلية وهى ذاتها التى أسست لسياسة المناطق المحروقة التى اتبعهانظام عبود العسكرى في الجنوب وسيلة لمكافحة التمرد ، وسيلة تأخذ المدنيين الأبرياء بذنب المقاتلين المتمردين، ولعلها هى ذاتها التى أزكت الصراع الدامى في دارفور الذى كانت خلفيته حملات عقاب جماعى في حروب القبائل وهو مايجرى الآن بين الرزيقات والمعاليا، نعم هذه الممارسات هى وليد شرعى لتلك الممارسةغيرالتربوية المتفشية في المدارس التى تسمى العقاب الجماعى. ولكن الفهم الدينى الصحيح للظلم يلغي مرارة الشعور بالقهر ، ويلغي الحقد المدمر ، ويلغي الانتقام العشوائي، لأن قوله تعالى :
    ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ٌ ﴾
    [ سورة النجم: 36-44 ]
    الدين يمنع الثأر
    العشوائي ، ويدفع إلى المطالبة بالحق الذي شرعة الله له في محكم كتابه.
    وفي حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام:
    ( إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ - أي الحرص على تملك القوة، ومع القوة المال، ومع المال الشهوة- وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّهُ دَعَا مَنْ قَبْلَكُمْ فَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ وَسَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَقَطَّعُوا أَرْحَامَهُم).
    هى دعوة للنظر في ثمار الحاضر من خلال إعادة النظر فيما جرى في الماضى، فالحاضر يحمل دوما سمات الماضى الذى كان حاضرا ومستقبلا يوما ما. كل هذه الأفكار تداعت وصديق يحكى عن ذكرياته في المدرسة وكيف كان يقوم باتلاف اطارات عجلة زميله في المدرسة بانتظام وأخذ (البلوف) معه حتى لايتمكن صاحبها من ملئها بالهواء مجددا، وكان السبب هو الانتقام من ذلك الزميل لانه كان (ألفا) وتسبب في جلده عدة مرات، وكانت الأخيرة جلدة جماعية بنظام العقاب الجماعى لكل الفصل لأنه قام بقذف الألفا بطينة مكورة بعناية من الخلف وجُهل الفاعل فقرر المعلم جلد الفصل كله إلا ( الألفا) ، فكان ذلك الانتقام الذى ارتقى لمرتبة الجريمة، الذى قد يراه البعض سوء تربية من المنتقم ، ولكنه في الحقيقة نموذج لما تقود اليه المعالجة الخاطئة للقضايا التربوية، وتلك المعالجة الخاطئة هى الجريمة الحقيقية.

  38.  
  39. #45
    وسام التميز الثقافي

    Array
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    الدولة
    أم درمان / الثورة
    المشاركات
    528

    أستاذي الجليل / صلاح سر الختم علي

    (أهمية أن تكون جاداً (The Importance of Being Earnest)
    من حيث محاولة الظهور بمظهر مغاير للحقيقة
    وكانت تلك المحاولة دلالة نبل وليس العكس
    يا الله كم تترابط الأشياء في الحياة إذا تمعنا فيها جيدا
    فلم يضع جهد اساتذتنا الذين درسونا الأدب الانجليزى هباءا منثورا
    بل بقيت كلماتهم في القلب والذاكرة
    وأضاءت لنا كثيرا من ظلام الحياة.

    مولانا الفاضل صاحب التجربة السحرية لحياة يجب أن يعيشها الجميغ

    يآآآآآآه هنا تجربة حياة وحرف ناضج وحقيقة يجب أن تري النور ,,,,,
    هنا كنت أنا بكل معالم حياتي حلوها ومرها بألوانها وقبلياتها بجمالها
    وشفافية أهلها برموزها وعوالمها التي لاتموت بروحها وألقها برغم
    ضبابية مانري الآن ,,, كم مكثت هنا ؟؟ لاأعلم ولكني كنت حيناً طفلاً
    وأخري ثائر متمرد يتخلل بعضهما بضع دمعات سخينة من بعض مواقف
    في كهوفك الحزينة حيناً ...
    أستاذي السامق ...
    هي تجربة حياة واستنطاق لحرف إستطاع أن يرسم شكل المشوار
    ويقود كتائب نهضة في زمن صعب غدّار تعلمنا من شكل ثوابته أن نشدد
    عصب الإصرار علّمنا أن الأغنية ستحارب كل الأشرار علمنا صبراً ينقصنا

    وطريق الخير فنختار ....

    يااااااه كم كانت تفاصيلك نقية
    والأجمل حضورك وأنت بذلك النقاء ..

    أستاذي الفخيم أحياناً يعيبنا الحرف لترجمة مانحس
    وانت كنت هنا كل الإحساس ....

    ربي يمتعك بالصحة والعافية .

    التعديل الأخير تم بواسطة أبا إيثار ; 26-08-2014 الساعة 09:15 PM
    لِم كلّما أوغلت في عينيك يقتلني الظمأ
  40.  
  41. #46
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبا إيثار مشاهدة المشاركة
    أستاذي الجليل / صلاح سر الختم علي

    (أهمية أن تكون جاداً (The Importance of Being Earnest)
    من حيث محاولة الظهور بمظهر مغاير للحقيقة
    وكانت تلك المحاولة دلالة نبل وليس العكس
    يا الله كم تترابط الأشياء في الحياة إذا تمعنا فيها جيدا
    فلم يضع جهد اساتذتنا الذين درسونا الأدب الانجليزى هباءا منثورا
    بل بقيت كلماتهم في القلب والذاكرة
    وأضاءت لنا كثيرا من ظلام الحياة.

    مولانا الفاضل صاحب التجربة السحرية لحياة يجب أن يعيشها الجميغ

    يآآآآآآه هنا تجربة حياة وحرف ناضج وحقيقة يجب أن تري النور ,,,,,
    هنا كنت أنا بكل معالم حياتي حلوها ومرها بألوانها وقبلياتها بجمالها
    وشفافية أهلها برموزها وعوالمها التي لاتموت بروحها وألقها برغم
    ضبابية مانري الآن ,,, كم مكثت هنا ؟؟ لاأعلم ولكني كنت حيناً طفلاً
    وأخري ثائر متمرد يتخلل بعضهما بضع دمعات سخينة من بعض مواقف
    في كهوفك الحزينة حيناً ...
    أستاذي السامق ...
    هي تجربة حياة واستنطاق لحرف إستطاع أن يرسم شكل المشوار
    ويقود كتائب نهضة في زمن صعب غدّار تعلمنا من شكل ثوابته أن نشدد
    عصب الإصرار علّمنا أن الأغنية ستحارب كل الأشرار علمنا صبراً ينقصنا

    وطريق الخير فنختار ....

    يااااااه كم كانت تفاصيلك نقية
    والأجمل حضورك وأنت بذلك النقاء ..

    أستاذي الفخيم أحياناً يعيبنا الحرف لترجمة مانحس
    وانت كنت هنا كل الإحساس ....

    ربي يمتعك بالصحة والعافية .
    وكم كان حضورك هنا بهيا وسخيا وجميلا ياصديقي
    كل حرف كتبته هنا أسعدنى كثيرا وحفزنى كثيرا
    على مواصلة الكتابة
    صدقت هى تجربة حياة حاولت نقلها بكل جوانبها عسي ان يجد فيها الاخرون فائدة وعلما ومعرفة بالحياة تجنبهم الكثير من الآلام
    وتقربهم من السعادة الضائعة في هذا العالم والتى أضنى البحث عنها البشر وهى تحت الأقدام وعلى مرمى حجر منهم

  42.  
  43. #47
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    رماد الذاكرة

    كنت صغيرا .. عند اعتاب الثانوية العامة... مفتونا بالقراءة والاشعار... لازال عودي طريا ولازلت في مرحلة اكتشاف الاشياء...كانت المعارض المدرسية مسألة رائجة في مدينتنا في ذلك الزمن الجميل...كان المعرض نشاطا ثقافيا واجتماعيا يبرز فيه الطلاب مقدراتهم ومواهبهم ويأتي المعلمون والطلاب واولياء الامور لمشاهدة ابداعات الطلاب وتشجيعهم باختصار كانت المعارض بروفات ساخنة للتحديات القادمة التي تقابل الطلاب في الحياة... واتذكر ان معارض مدارس البنات كانت تشتمل علي عرض منتجات الطالبات من عمليات التطريز وغيرها ...في معرض لمدرسة عبد الستار الثانوية العامة التقينا... براءة وفضول وعيون واسعة وثقة بالنفس ... ذلك ما جذبني... كان الرداء المدرسي مفتونا بها ويأبي ان يفارق قوامها الجميل....
    في المعرض التقينا .... كانت لغة العيون طريقنا الي التعارف.... ذلك الفضول شدني بالف خيط الي تلك العيون....اتذكر الان ان شعري كان غزيرا كموضة تلك الايام واسودا صافيا لم تسرح فيه أي شعيرات بيضاء... كنا براءة تمشي علي الارض... تعارفنا وتوقفت طويلا وهي تمارس عملها المرسوم في المعرض وتشرح لي ولغيري بثقة ظاهرة بالنفس...اتذكر انها قدمت لي قطعة حلوي في لحظة خف فيها الزوار ولم يبق سوي بعض زميلاتها وبعض رفاقي الذين كانوا يرقبون في فضول حوارنا المتقطع المثير.... كانت امالا لمعت واحتلت اياما وشهورا عديدة في حياتي ... كانت تبدو دوما اكبر مني وتبدو كمن يدرك ان احلامي مستحيلة لكنها لم تقلها ابدا ... ثم دارت الحياة دورة تباعدت اللقاءات ...ثم غابت في الزحام وسقطت من جدار الذاكرة...ظلت تومض بين الحين والاخر كلما جاءت سيرة اخيها الذي كان لاعب كرة شهير...ثم غابت وتلاشي ذلك البريق الذي يحيط بالذكري وحلت محله ابتسامة رجل كبير يتذكر اوهام طفولة باكرة...
    وغابت في رماد الذاكرة وغابت الامال التي احتلت جدار القلب كشهاب ومض سريعا وانطفأ..........

  44.  
  45. #48
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    كنا ثلة من الاصدقاء.... جمعتنا اشياء.... كنا اشتاتا .... خليطا متنافرا... احياؤنا مختلفة... اعمارنا متقاربة لكنها مختلفة... مدارسنا مختلفة.... اهتماماتنا مختلفة... خالد كان مفتونابالعلوم فتنة مبكرة جعلت منه فيما بعد طبيبا متميزا واخذته منا الي بلاد تموت من البرد حيتانها.... خالد الاخر كان رساما مهووسا بالرسم..
    مجدي كان مفتونا بالشعر والشعراء وسيرة العظماء....عصام كان مهووسا بالسياسة والسينما واخبار الغرام....الطيب كان محبا للسينما الهندية والغناء الهندي والتمباك والدور الثاني في السينما...انا كنت محبا لكرة القدم والشجار وقراءة الالغاز والصداقة والاصدقاء... عبد الحميد كان سوسة كتب يقرأ الكتاب في اي وقت واي مكان ....وجدتني متوزعا بينهم : مع خالد استمع للاخبار العلمية واحاول مجاراة صديقي وملاحقة عبقريته الفريدة:: مع مجدي كنت احفظ القصيدة واتبادل الدوواين والمعلومات والمقالات واكتب شعرا امزقه وشعرا اقرأه علي استحياء ...ومع عصام كنت اقضي الساعات الطوال امام الفيديو نشاهد الافلام والمسرحيات واغاني مارسيل ....وكنت اتزود منه بالمنشورات والقصائد المخيفة التي نتبادلها كالممنوعات...
    كنا نسهر حتي الصباح نتحدث عن مفهوم من مفاهيم الحب والغرام...كم كانت افكارنا الخطيرة حينها ساذجة ومضحكة بمقاييس اليوم....اما الطيب فقد قادني نحو السينما الهندية وقصصها الرومانسية وببطلها الذي ينتصر دائما علي الاشرار ..علمني الطيب اسماء نجوم الشاشة الهندية وكنت احاول مجاراته وهو يغني مع دهرمندرا وشاشي كابور... كان يحفظ احداث الفيلم كما يحفظ الشاعر قصيدته الاثيرة...حتي اننا كنا نشترط عليه ألا يبوح بأي حدث حتي لايفسد متعة المشاهدة البكر علينا...كنت اذهب وحيدا نحو عالم الكرة عالم اولاد الفريق الذين لايعرفون من تلك العوالم الاخري الا السينما الهندية.... الغريب انني كنت استحي من ذكر سيرة نشاطي الكروي في حضرة اصحابي المثقفين....دارت الايام ... وجدت كل صديق زرع في داخلي من روحه شئيا ما....

  46.  
  47. #49
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436


    (طه يوسف عبيد_ زهرة في البستان)
    كناصغارا مفتونين بالجمال عشاقا للشعر والقصة والرسم والتشكيل والقراءة والكتابة،مهووسون بالثورة والتغيير بفضول من فتح عينه واذنه علي الثورة في كل مكان ووكان ذلك قدر جيلنا من مواليد الستينات... خرجنا الي العالم وهو يمور بالثورة والافكار الجديدة في كل مكان.. في السودان كان وردي ومحمد الامين يغنيان لثوار اكتوبر صناع المجد وللثورة حتي القصروالملحمة والقرشي شهيدنا الاول ويا اكتوبر انحنا العشنا ثواني زمان في قيود ومظالم وويل وهوان
    وباسمك الاخضر يا اكتوبر الارض تغني والحقول اشتعلت قمحا ووعدا وتمني
    وكانت اغاني البنات تمجد ثوار كوريا" ياشباب كوريا
    وثوار الصين: ياجني الماو ماو
    وكانت اناشيد العاصفة والثورة ترن في الاذن من راديو فلسطين المنطلق من القاهرة حينا ومن دمشق حينا اخرا
    وكانت المكتبات عامرة بالكتب عن سيرة جيفارا والثورات ضد الاستعمار واشعار المقاومة الفلسطينية
    وحتي المنهج المدرسي كان ملئيا بمفرادات الثورة والتعاطف مع الثوار.....
    كان الكون كله ثائرا ولم نكن استثناء بل استجابت ارواحنا الصغيرة للثورة واحلام التغيير وتعلقت بها وكان مدخلنا الادب
    فكل كتاب او قصيدة كانت مانفيستو ثورة وتغيير.... وكل شاعر افتتنا به كان يشبه جيفارا ويتشبه به....
    كنا ثلة اصدقاء جمعت بينهم محبة الفنون الجميلة والادب... كنا صغارا حين ترددنا علي رابطة الجزيرة للاداب والفنون واصبحنا من اعضائها
    وحضورها بانتظام.... كان طه بابتسامته الدائمة ووجهه الضاحك ورسوماته الجميلة الاكثر تميزا ونضجا
    كان رساما بامتياز
    وكانوا ثلاثة رسامين
    طه يوسف عبيد
    خالد كودي
    اسماعيل عبد الحفيظ
    وكانوا ضمن المجموعة
    اسماعيل كان موظفا بالمحكمة وقتها وهو من ابناء المزاد شقيق لاعب الدفاع الفنان عادل عبد الحفيظ
    وخالد كودي كان بمدرسة مدني الثانوية بينما كنت وطه ومجدي النعيم وعبد الماجد عبد الرحمن في مدرسة السني الثانوية
    كنا نتردد بانتظام علي رابطة الجزيرة للاداب والفنون التي كانت عامرة بالنشاط... نستمع الي الشعراء( القدال/ محمد محي الدين/ محمد الفانح يوسف ابو عاقلة/ عادل عبد الرحمن/ نجاة عثمان/ عبد العظيم عبد القادر/ السر الزين/عبد الرزاق.)
    ونستمع للنقاد( مجذوب عيدروس/ علي مؤمن/ محمد عوض عبوش/ ) ونستمع الي قراءت قصصيةونقدها(احمد الفضل ا حمد/ عادل عبد الرحمن/ مجدي النعيم/ عبدالله ابكر) وكنا نستمتع بفنون الرسم والتشكيل من عمالقة(بابكر صديق / الاستاذ بشير عبد الرحيم زمبة/ محمد عبد النبي/ الفاتح علما/ اسماعيل عبد الحفيظ/ علي الامين/طه يوسف عبيد/ نجاة عثمان/خالد كودي/ نادر وطارق مصطفي)
    وكان بالرابطة عمالقة في مجال المسرح كذلك.
    واتذكر الان التفاصيل الدقيقة الموجعة لاستشهاد طه يوسف عبيد في يوم الاحد العاشر من يناير (1982) صباخا علي الاسفلت
    كنا عائدين للتو من المشاركة في الدورة المدرسية القومية بمدينة الابيض
    حيث شارك طه ضمن مجموعة مدرسة السني المشاركة بمسرحية البشارة للكاتب محمد محي الدين

  48.  
  49. #50
    عضو برونزي
    Array الصورة الرمزية صلاح سر الختم علي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    ودمدني سابقا 114 ومايو
    المشاركات
    1,436

    واخراج الاستاذ بشير عبد الرحيم زمبة وبطولة قيس حيدر الكاشف وهو قاض الان وناجي و اخرين
    وكان طه مسؤولا عن تصميم الديكور وقد فازت المسرحية بالمركز الاول والميدالية الذهبية علي مستوي الجزيرة والسودان
    وكنت مشاركا ضمن فريق كرة القدم
    المهم عدنا في نهاية ديسمبر1981 ووجدنا مدني تغلي بالمظاهرات ضد سياسة نميري فيما عرف بمظاهرات السكر حيث كان السبب زيادة اسعار السكر وندرته
    فانخرطنا من فورنا فيها بحماس شباب مفتون بالتغيير..
    في يوم الاحد 10 يناير كانت هناك مسيرة كبري بمشاركة الاطباء والمحامين والطلاب
    تجمعت المظاهرة جوار السينما الوطنية بمدني
    وذهبنا جميعنا الي هناك فقد كنا اصدقاء لانفترق ابدا
    ولم يفرقنا الا الموت
    ولاحقا فرقت الحياة بقيتنا
    كنا حضورا كلنا في ذلك الصباح وتلك المظاهرة وذلك الرحيل
    كان طه سعيدا كانه يزف عريسا
    ضاحكا كطفل لا كرجل ذاهب الي احضان الموت
    تحرك الموكب عبر شارع المكتبة الوطنية وهو الشارع الذي يشق سوق مدني
    حتي السكة حديد
    عبر الموكب سور السكة حديد وتجمع في ميدان السكة حديد امام كلية المعلمات
    وهو يزمع السير الي تجمعات العمال في الادارة المركزية للكهرباء والمؤسسة الفرعية للحفريات
    وكنا سويا ذات الاصدقاء
    كان طه في المقدمة وجواره الاستاذ الراحل المحامي صلاح دفع الله والاستاذة ناهد جبرالله
    وكنت خلفه تماما
    حين دوي الرصاص ونحن في قلب شارع الاسفلت
    تشتت المتظاهرون
    وساد صمت قصير
    ارتفع هتاف الرصاص فشنك)(الرصاص لن يثنينا)
    كان ذلك صوت طه
    رددت الجموع خلفه وبدأوا التجمع مجددا حين دوي الرصاص ثانية
    التفت طه الي الخلف وهو يصيح: الرصاص.....
    لم يكملها وانفجر الدم الطاهر نافورة وتلون وجهه بالالم
    تحسست الدم في ملابسي
    كان دمه علي قميصي
    نظرت اليه وهو يهوي ارضا كما تهوي شجرة في النهر

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
by boussaid