الحصة الرابعة في أحد الأيام كانت تاريخ (1975) وسيدرسها الأستاذ الجديد الذي لا نعرف عنه شيئاً في فصل ثالثة (أ). حضر الأستاذ, طويل القامة وذو جسم رياضي, وكان يلبس نظارة سوداء. سلم على الفصل الذي يحوي عتاة المهرجلين ولم يتم الصمت إلا بعد فترة. عرف بنفسه: أستاذ الشامي. قرأ قائمة المهرجلين, حذرهم كلامياً وقال أنه لا يريد أي مهرجلين. لم تستمر الحصة كثيراً وخرج الأستاذ الذي كان انطباعنا عنه أنه "ثقيل". في حصة التاريخ التالية كان هناك عدد من المهرجلين: عصمت بحيري (نوبة), عبد الرحمن النور (مولّه), شخصي (عصام الفاضل), أبوبكر الألجن الخطاط (من أم سويقو), وآخرين لا أذكرهم. أُوقف المهرجلون, نزع الأستاذ النظارة والساعة!, ثم بدأت المجزرة. تقدم مولانا عبد الرحمن النور الجميع (راجل إبن راجل). كان الجلد يتم على الوضع راقداً. للدهشة الشديدة تململ مولانا بعد الجلدة الأولى, على الرغم من أن حركة يد أستاذ الشامي لم تكن عنيفة بل بالكاد كان يحرك المعصم. تحولت هذه الدهشة إلى خوف عندما تلوى مولانا أكثر في الجلدة الثانية. وعندما بدأ بالحك في الثالثة شعرنا جميعاً برغبة في التبول. في الجلدة الرابعة يبدو أن مولانا كان قد فقد الشعور ولكنه تحامل ورجع لدرجه وكان جلوسه على "جنب". أخذ البقية ينظرون لبعضهم من سيتقدم؟ ولما كنت أقرب للأستاذ فقد تنفس البقية الصعداء لتقدمي, فربما أموت أو يُغمى علي لصغر حجمي فيتوقف مشروع المجزرة. عندما "لت" جاء السوط الأول عرفت سر تملل مولانا. أنت لا تعرف من أين نزل كل ذلك الألم. في السوط الثاني فكرت في الجري ولكن مخافة ذلك مع أستاذ الزبير (رحمه الله) الذي كان زميلاً للوالد منع تنفيذ ذلك المشروع. في السوط الثالث كرهت التاريخ وفي الرابع قررت أن أشتغل في المنطقة الصناعية. متثاقلاً رجعت للدرج وظللت واقفاً لفترة قبل أن أجلس على جنب. عصمت صلاح بحيري لم يصدق كل تلك العلامات وتقدم بشجاعة نحو الجلد. تململ كثيراً بعد الجلدة الأولى (ما قلتو نوبة) وأكمل بقية الجلدات واقفاً. لم يقل أحد بِغِم قبل حصة التاريخ منذ ذلك اليوم.
تلك هي البداية: النهاية كانت مختلفة. تدريس ليس هناك مثيل له: مصادر معلومات خارجية, خرائط ملونة, رسومات, ولو كان البروجيكتور موجوداً عندها لاستعمله. صارت حصة التاريخ هي الأمتع. درسنا كرري كأننا قد حاربنا فيها. وحتى الآن غاضبين من رد شيخ الدين ود الخليفة على من نصحه بالهجوم ليلاً (نحن رجال الدين بنحارب عينك عينك).
النتيجة: التاريخ صار من أحب المواد لنا: في مدني الثانوية كنت سكرتيراً ثم رئيساً لجمعية التاريخ على الرغم من أنني ممتحن رياضيات.
دخل أستاذ الشامي بعدنا جامعة الخرطوم (وهي أقصر قامةً من إمكانياته الهائلة) وتزاملنا لفترة ولكن الزمن..
التحية له أينما كان, والتحية لكل خريجي الأميرية في الزمن الجميل.
المفضلات