ثمة يافطة صغيرة تنتصب بحياء حتى لا تكاد تتبينها غرب شارع مدني الخرطوم سبعة كيلومترات إلى الشمال من واد مدني خط عليها عند المدخل لطيبة الشيخ عبد الباقي (كركوج الجزيرة هنا كانت بداية المشروع ) مسقط رأس والدي حفظه الله مشرئبة إلى السماء بتبتل زاهد لم يحسب بلغة الأرقام عطاء قرابة قرن من الزمان يسبقه قلب و لوزة قطن هي الأخرى بيضاء حملها والمشروع وقبلها نفسه عن مزالق الغل و السـقوط لرحابات الثمر والنماء والجمال فسمى إنسان في فرحه وحزنه النبيل ، استرجعت هذه القرية المطمئنة وإنسانها الساخر كعمي خفيف الظل ( قربه) والذي لم اعرف أن له اسما غير هذا اللقب إلا وأنا برتبة ملازم في الشرطة عندما اقتادني يوما ما لاستخراج جنسية باسم أبو عاقلة ... ترددت في الشهادة له بهذا الاسم الذي لم يطلقه عليه احد من قبل فقال مازحا يا ولدي اكتب بس أنا ذاتي ما متأكد ... كان مزارعا لا ادري ان كان ناجحا ام ناجح حينها المشروع بيد ان الثابت انه في بحبوبة ومبسوط اليد والجيب يحكى في زواجه لعمتي حواء أيضا دفعه لعشرة جنيهات جنيه انطح جنيه ( كرية ) والكرية أن تتخلى العروس عن الحياء والخجل وتفتح خشمها وتتحدث مع زوجها للمرة الأولى وتوالت السنين وعاشا في سبات ونبات وخلفا بنين وبنات وعندما اشتد به الحال وسخنت به الظروف التي غشيت انسان المشروع سيما وان العمة حواء من الصباح ليست في صفاء وانتباه بقدر ما هي في صياح معه .... دائرين حق اللحمة حق الخضار واللبن والرغيف فقال لها بزهج واضح تتزكري يا حواء أنا يوم عرستك كريتك بكم عشان تفتحي خشمك ده فأجابت والله يا قربه اظنهم عشرة جنية فما كان منه إلا أن استخرج عشرة الف جنيه وقال ليها انطمي من الان وسدي خشمك وما تفتيحه ثاني ...
كركوج الجزيرة ما لذي يدفعني دفعا إليك والى يافطتك وهذه المرة تحديدا بسيارة لا ادري إن كنت أقودها أو تقودني إلى نفسي اقصد مدني من مطار الخرطوم في بداية الإجازة الصيفية هذا العام بعد أن أثر شقيقي الأصغر معتز ركوب المواصلات تاركا لي وللأسرة سيارته علها مرافقة صغاري لأول مرة فاسترجعت صغري مثلهم حينها كنت أجهد نفسي برفقة الوالد وشقيقي إسامة في مواسم العودة لمدني كنت اعارك اخي بغية الظفر بالمقعد الملاصق لنافذة بص مواصلات الجزيرة الابهة حينها مبلغ همنا رؤية هذه اليافطة لنصيح نحن من هنا (كركوج الجزيرة هنا كانت بداية المشروع) فينتبه جميع الركاب لقراءتها للتثبت من صحة ادعاء الصغار بينما يملؤنا فخر كبار كبير بالانتماء لكركوج ومدني والمشروع آسف نسيت ... أيضا البلد لعلها المرة الأولى التي تملكني إحساس أقوى وارتباط أوثق ربما تكرار المشهد بعد أكثر من ثلاثين عام وبأشخاص مختلفين باستثنائي بدور مختلف كأب يرافق صغاره للمرة الأولى يستدرجهم لأعلى درجات الإبهار للارتباط والإعجاب بهذه اليافطة وما تحمله من عزيز انتماء لهم كامتداد لوالدهم ربما يبدو الأمر صعب المنال بعد أخذتهم اسبيس تون ووالت ديزني لمساحات وفضائيات الأطفال الممتلئة زخما برحابات الإبهار ليبدو معها سخافة قد لا يحفلون بها أمري و المشروع و هذه اليافطة المهترئة اهتراء الزمن الذي أبدلها والمكان للأسف بنقطة جباية وإتاوات تتولاها شركة امن خاصة تجتبي السيارات العابرة أمامها بعد أن حلت محلها بوابة محكمة تبدو كارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد اللهم إلا شركات الأمن الخاصة المضافة إلى القوات المتضاعفة محليا وأمميا في بلادي بعكس الإنتاج المتضائل لسمسم القضارف وقطن الجزيرة وصمغ كردفان وإنسان السودان..
نواصل


رد مع اقتباس





المفضلات