كنت في جلسة سمر" ونسه" مع بعض زميلاتي في العمل ونحن خليط من جنسيات مختلفة، وأثناء الحديث تلقت إحداهن رسالة عبر جوالها وكانت طرفة متداولة عن سوداني أذن لصلاة الفجر وأغفل ذكر" الصلاة خير من النوم" وعندما سئل عن السبب قال: يعني أكضب؟؟. ضحكت الحاضرات بل قهقهن طويلا!! أما أنا فغلى الدم في عروقي، وكتمت غضبي ببسمة هادئة وقلت لهن: في هذه الطرائف الكثير من الإجحاف في حقنا... وقبل أن أنهي تعليقي بادرتني إحداهن بسؤال عصف بي وكدت أصاب منه بشلل في مسار تماسي وتفكيري لولا ستر رب العالمين: هل في السودان علماء وشيوخ متفقهين في الدين الإسلامي؟
كان أمامي سبيلان للرد عليها... إما أن أقلب هذه الجلسة رأساً على عقب وأعنفها وأتهمها بالجهل المفرط، وإما أن أكبح جماح نفسي وأسيطر على ثورة غضبي وأجيبها بهدوء.فهدوء الأعصاب في كثير من الأحيان يوحي بالعقلانية والجدية مما يكسب الحوار بعداً جديداً يتسم بالموضوعية.. حينها أسعفتني الذاكرة بما قد قرأته منذ فترة وجيزة من كتابيي أستاذي القدير البروفيسور إبراهيم القرشــي" السهل الممتنع" عن الشيخ عبد الرحيم البرعي و" الشريف محمد الأمين الهندي" قطب القرآن وخاتمة المحققين عليهما رحمة الله.
استعدت ثقتي بنفسي وبأسلوب أحسبه مليء بالتشويق حدثتهن عن الشيخين العالمين الجليلين مبتدئة ًبالشيخ الشريف محمد الأمين الهندي الذي كان يعلّم القرآن الكريم في " نوّارة" حيث توقد خمسين ناراً" تقابة" لتحفيظ القرآن وثلاث عشرة ناراً أخرى لتجويده. فحفظ على ضوئها قرابة الأربعة وعشرين ألف طالب من شتى بقاع الأرض. كما كان يتلو القرآن بقراءاته السبع وبرواياتها الأربع عشرة. ثم ذكرت لهن عن الشيخ البرعي حافظ القرآن ومادح الرسول صلى الله عليه وسلم ودوره في الإصلاح الاجتماعي ومحاربته للعادات الضارة والمحرمة وقصصت عليهن من طرائفه. ثم ختمت حديثي بتعريفهن بأن هاتين الشخصيتين العالميتين كانا ملء السمع والبصر ولهما احترامهما في ديار الإسلام وأوروبا وقد تقلدا العديد من الأوسمة، وحصلا على أكثر من دكتوراه فخرية من عدد من الجامعات منها العالمية. كما أنهما أنشئا العديد من مدارس تحفيظ القرآن الكريم والمجمعات الإسلامية في السودان على نفقتهما الخاصة وتكفلا بالصرف على الطلاب أثناء دراستهم بها. فهل هناك عظمة أكثر من ذلك؟.
بذلك حققت هدفي وأوضحت ما أردته وأنهيت جلستي وفي الأذهان تقدير وإجلال لهذين الشيخين، ولكن ظلت غصة في نفسي تمور وسؤالاً حائراً: هل نحن السودانيين قمنا بواجبنا كسفراء لبلادنا في الخارج، وعكسنا بافتخار مالنا من إرث وتراث غنيّ ثر لا يقل بأي حال من الأحوال عن رصيد غيرنا من الشعوب؟؟ الحقيقة أن معظمنا يهمل هذا الجانب فلا يستغل المواقف ويخلق الفرص لإبراز عظمة بلادنا ومفكرينا وعلمائنا وأدبائنا فظلت بلادنا قابعة في زاوية مظلمة في أذهان العامة من أبناء الشعوب الأخرى ووجدت فكرة السوداني الكسول المتقاعس الغير متفقه في الدين طريق سهلاً ميسرا فتفشت كظاهرة نسجت حولها الكثير من الفكاهات والطرائف وأصبحنا لوكة على لسان الخلق.
ومن هنا كان دورنا الذي أصبح الآن أكثر تعقيداً هو أن نرد بحزم وندحض الأفكار التي تكونت عنا وذلك باستغلال كل الفرص المتاحة لإعادة رسم صورة للإنسان السوداني بتاريخه وأصالته وهويته الإسلامية، وشمائله وخصاله في النجدة والمروءة والتكافل.
أنحنا ألفينا مشهودة وعارفانا المكارم خيلها بنقودها
والحارّة بنخوضها


رد مع اقتباس




المفضلات