من هناك :
عادة عندما نعود نحن المغتربون الى السودان في احدى الاجازات نفاجا او نصدم بوفاة احد المعارف .... شخص مثلا في السوق او زميل في الدراسة ... نحزن عليه فتره ثم نعود الى الرضى بقضاء الله وقدره لكن الذين حزنت عليهم اكثر من المتوفين هما زميلي دراسة في المرحلة الابتدائية .. احدهما اصبح مجنونا هائما في الاسواق والحواري بملابس متسخه يلقط الاوراق ويحدث نفسه .. والثاني اصبح مدمنا للكحول .. لايفيق من سكرة الا ويلحقها بالاخرى ... بل ربما لا يعطي نفسه فرصة حتى يفيق . عندما عدت للسودان عام 2006 لاول مره بعد غيبة دامت ثمانية سنوات غربة عدت الى مسقط راسي مدينة كسلا ( لماذا يقال لمكان الميلاد مسقط الراس؟) وانا في السوق لفت نظري منظر احد المجانين الهائمين في السوق ... مجنون مسكين صامت مسالم يكلم نفسه ولا ينشغل باحد .. بصورة جعلت حتى الاطفال يزهدون في مناكفته كما يفعلون مع المجانين عادة .. ولكن عندما اقتربت منه اكثر تبينت ملامحه وحسيت بان هذا الشخص غير غريب على ذاكرتي .. لاكتشف بانه احد الزملاء في المرحلة الابتدائية .. وتذكرت تحديدا جاءنا منقول من مدرسة اخرى في الصف الخامس الابتدائي .. وقد كان شخص هادئ الطباع صامت .. لا يتحدث الا ليرد على سؤال .. واذا رد يكون كلامه بقدر الاجابة ..وبصوت هادئ ليعود الى صمته من جديد ... تساءلت انا في نفسي هل هي عاقبة الصمت ام الصمت كان اعراضا مبكره للذي هو فيه الان ؟؟؟
تذكرت نفسي في تلك المرحلة انا نفسي كنت اميل للصمت ... لكنه كان صمتا مشوبا ببعض المشاغبات والشقاوة لم يكن صمتا مطلقا كالذي كان فيه هذا الزميل .. وحتى من المواقف التي اذكرها له .. انه هذا الاخ كان لنا زميل يتطابق معه في الاسم حتى الاب ... وفي يوم كتب حارس الفصل ( الالفه) قائمة المهرجين .. ومن ضمنها كتب اسم الزميل المشاغب ولكن عندما حضر الاستاذ واستلم القائمة بعث الالفة لاحضار مساحة .. وفي غياب الالفه نده الاسماء وخرج الاخ الصامت وتم جلده بالخطا .. ولكن عندما حضر الالفه قال للاستاذ انا قصدت طارق الاخر ليس هذا ... بعد ذلك عجز الاستاذ عن ارضاء هذا المجلود ظلما اذ انه دخل في موجة بكاء ,,,, بل هي دموع منهمره بدون صوت .. ورغما عن ان الاستاذ ضاعف الجلد لذلك المشاغب .. كل هذا لم يفلح في ارضاء هذا الصامت ... كل هذا الشريط عاد الى ذاكرتي وانا انظر للاخ طارق هائما في الشوارع يكلم نفسه تارة ويلتقط شئ من الارض تارة الاخرى ... حبست دمعات كادت تطفر مني حزنا عليه وحمدت الله على نعمة العقل .
المفضلات