تنهد الشيخ الوقور بحرارة تعادل برودة القاعة الجميلة التي سلبت منه ما يتباهى به أمام الله والخلق وسالت دمعات حارقة بللت لحيته وكادت أن تذهب ببياضها الجميل كانت القاعة التي شهدت قضية غريبة نوعاً ما والتي تتوسطها طاولة تقف عملاقة يعتليها رجل يمثل الخط الفاصل بين الحق والباطل والخير والشر .. القاضي الذي فصل في قضية بين أخوين بعد معركة قضائية دامت شهوراً ... قضية قد يختلف في أمرها الكثيرين ... فقد عاش الشيخ الوقور أياماً زاهية في ماضيه فقد كان أحد الذين ينفقون بيمناهم ما لا تعلم يسراهم ... بسبب يسر الحال .. وكانت أمه والتي بلغت من العمر ما يكفي لرعايتها طوال اليوم تعيش معه أجمل أيامها والحق يقال فقد كان يحملها على كفوف الراحة والعناية يخدمها بكافة الوسائل التي تعينها على الحياة الكريمة ولكن دوام الحال من المحال تنكرت الأيام وقلبت له ظهر المجن وتبدل الحال وبدأ الفقر يكشر عن أنيابه فقد طفا على سطح حياته بسلاسة غريبة حتى بلغ الأمر اخيه الأصغر والذي يعيش في مدينة أخرى تبعد آلاف الأميال عنه فقد كانت أواصر الصلات بينهما موسمية وهم بطبيعتهم لا يتدخلون في شؤون بعضهما . وفي لحظة أرسلت السماء سحابات الهموم على الشيخ الوقور بحضور الأخ الأصغر مطالباً بأحقيته في رعاية أمه بعدما تدهور الحال بأخيه وأصبح أمر معيشتها معه ثقلاً يرهق كاهله ولكن الشيخ رفض بشدة كما أن الأصغر لم يزعن للشيخ واحتد الأمر بينهما حتى وصل للمحاكم وما هي إلا أسابيع وطلب القاضي حضورالأخوين والأم للقاعة وفي يوم الحكم رأى القاضي تحكيم الأمر للأم في أن تختار مع من تعيش بقية عمرها فقالت للقاضي : هذا ... وأشارت للشيخ الوقور هذا ابني الأكبر وعيني التي أرى بها الدنيا ثم أشارت للأخر وقالت هذا ابني الأصغر وعيني الأخرى التي أرى بها الدنيا ... وفقد أحداها يعني أن أصبح عوراء .... فاحتار القاضي كثيراً ولكن حسب ما جمع من معلومات فضل القاضي أن تعيش الأم مع الأصغر لكونه ميسور الحال .... وهنا اظلمت الدنيا في عيني الشيخ الوقور وبكى بحرقة ما لم يبكي من قبل ودارت الأسئلة في أذهان الجميع هل القاضي محق .؟ هل الإبن الأصغر مخطئ وهو الباحث عن البر ؟ أم ماذا يفعل الشيخ الذي نذر حياته لأمه باحثاً عن برها وعفوها ؟ وأنت مع من تكون ؟


رد مع اقتباس

المفضلات