في أحد أيام خريف عام 2004 ....
و الجو يكسبك عظمة متناهية ، وحباً لكل شيئ .... و مشاعر مترعةٍ تعج إلفة ومحبة و ود ....
كحال ريفنا الجميل في أيام الخريف ...
يمنحك هدوءً غريباً .. و يضفي على سريرتك نقاءً فريداً ...
سعادة حقيقية ....
وأجمل ما فيه عندما تخرج الى حواشي البلدة وأطرافها فتسحرك خضرتها الانيقة ولطافة الأنس مع الأصدقاء ...
سيما في تبادل النوادر وارتجال الشعر الفكاهي الخفيف ...
كان لزاماً علي أن أقوم بعمل مختلف في هذا الخريف ...
كان لزاماً علي أن أجعله كله خلفي وأرحل ....
الامر أثقل علي من جلامد الصخر .. وثقيل الجبال .. ولكنه لزاماً علي أن أفعله سعياً وراء لقمة العيش ...
ركبت في الأول من شهر يوليو من ذلك العام متوجهاً الى بورتسودان ....
ودعت كل شيئ .... وودعنى الناس ....
وصلت إليها متعب الجسد ... مرهق الأحاسيس ... متوجس الخطى ... يتنابني احساس بالفراغ والوحشة والألم والترقب ...
قمت بقص تذكرتي ... وذهبت الى أحد الفنادق ظناً مني بأنني سوف أنام من شدة الارهاق و التعب ...
ولكن لم يغمض لي جفن حتى بزوغ الفجر ...
ارتحلت في الصباح الى الميناء ....
أكملت الاجراءات في غوغائية زادت فرجة الارهاق ....
وامتطيت ظهر السفينة ... فلا هي حفلت بمقدمي ولا سعدت بمركبها ...
كأن لسان حالهايقول دعني ... ولسان حالي يقول اللهم سلم ... سلم ...
لا أدري لماذا شعرت أنني (كونتاكنتي) بطل قصة الجذور ...
فكأنما أقفلت على معصمي سلاسل الارتحال ... ورشفت من عبودية البعاد القسري ...
هل سأكون (كونتا) آخر؟؟؟
فالسفينة هي السفينة ... و سطوة الارتحال هي هي .....!!!
البحر مد البصر ... تتطلاطم أمواجه في أنفة و كبرياء وغموض ...
و الشمس أغمدت قرصها المصفر في جعبة الغروب ولا تزال السفينة قابعة في صمت...
ثم تحركت من دون أن أحس بها ... كأنها غافلتي وذهبت ....
خرجت ألقي نظرة الوداع على آخر جزء من وطننا الحبيب ...
وظللت أرمقه حتى تلاشت أضواؤه ...
وظللت ...
والليل ... والبحر ... وذكريات في الخاطر ....
و اصداء كلمات ذلك الرجل الكهل الذي قابلني في الميناء :
" يا ولدي .. الغربة دي مستنقع ، لو دخلت فيهو ما بالساهل تطلع" ..
والغربة لم أختارها .. ولكنني لجأت اليها ....
و هائنذا ألازمها وتلازمني ولسان حالي يقول :
والله مارق منها
وما كنت بحلم بالفراق
ولا درت أمرق منها
لكن زمان الفرقة حاق
جابراني امرق منها
رغم الوساع البيها، ضاق
باكياني بيضة سنها
ولا بالا بعد الفرقة راق
**
مارقاني والشوق البدافر
و وحشة السفر المشاتر
يستفز عصب المشاعر
ارثي من زمن الطفولة
وذكريات ملت الخواطر
ورغم عني افوت اسافر
وابكي زي مطر الفواصل
في بلاداً ماها هيلي
في بلاد ما فيها نيلي
في بلاد سرقت قليلي
نورا في عينيا حاضر
**
و وينا ويني!
كل لحظة تمر تجيني
في خواطري تزيد حنيني
وفيني من شوق ليها فيني
و من انين بعدي وانيني
رغم بعدها ساكنة فيني
**
ولسه فاكر
وبكرة فاكر
وبعدو فاكر
مهما جاوزت المداين
وضقت من حمل التذاكر
مهما زاد صلف المواني
والقطارات التدافر
لسه بحلم اعود اجيها
لسه مشتاق لي عنيها
ولسه فاكر
المفضلات