الـــمــــقدمـــــة :
تتعرض ممارسات مشائخ الطرق الصوفية في مجال (الإستشفاء )
إلى نقد من قطاعين من الناس
*
قطاع يرى هذه الممارسات ضرباً من التأخر والرجعية وعدم التحضر
كما يرى فيها تعارض مع ضوابط مهنة الطب وتغولاً على إختصاص
الأطباء . وهذا القطاع الذي يقف هذا الموقف قد لا يعرف حكم هذه
الممارسات من وجهة النظر الشرعية بل قد لا يهمه كثيراً أن يعرف .
ومثل هذا الصنف من الناس قد تقنعه التجربة العملية يمر بها هو أو
يمر بها من يهمه أمره ، ومعلوم أن الطب مهنة التجاريب ، وما ثمة
كشف جديد في مجال الطب إلا عن تجارب على الحيوان أولاً وقد
تكون على بعض الإناس ثانياً ..
*
أما القطاع الثاني من الناس الذين يتعرضون لنقد ممارسات مشائخ
الطرق الصوفية في مجال الإستشفاء فهم اولئك الذين ناصبوا الصوفية
العداء ووقفوا منها موقف الرافض لكل ما يتعلق بالتصوف شكلاً
ومضموناً إسماً ومسمى ، ولو كان هذا الموقف الذي يتبعونه على
الرآي والفكر المستقيم لكان في الأمر متسع ولما كان ثمة تثريب
ولا تعقيب ولكنهم يقفون هذا الموقف المتشدد بإسم عقيدة الإسلام
وتحت راية سنة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم .. يجعلون من
فهمهم ديناً ومن قولهم حكماً وكل ما يفعله مشائخ الطرق الصوفية
يدور عندهم بين ثلاثة أحكام :-
1- الشرك
2- الكقر
3- البدعة الضلالة
ولقد ثبت لي بالتجربة والإستقراء لأحوال هؤلاء النفر أنهم قوم جدليون
نفعيون يتخذون للدعوة إلى ما هم فيه لفظاً شاتماً وأسلوباً شتيماًَ ،
وهذا منهجي بعد كثيراً عن فقه الدعوة وتربية الدعاة كما يبعد أكثر
عن ستة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يزعمون نصرتها وهم
يميتونها ببدع وضلالات لا ترجح في ميزان النقل ولا يقام لها وزن في
ميزان العقل وإلا فقل لي أين تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم سب المسلمين وشتمهم أحياءً وأمواتاً .
ويلاحظ بجانب بدعة سب المسلمين وشتمهم من هؤلاء النفر أنهم لا
يتعرضون في إيراد النقائض والمذام إلى الشرك الصراح من إلحاد
ووثنية يعج بهما العالم ولا إلى الكفر البواح يتخذ له في العالم منابر
إعلامية ذات أثر طاغ ، فلم نسمع يوماً داعية من دعاة هؤلاء النفر
يبذل جهداً أو ينفر جهاداً في محاربة الشيوعية وهي شرك وإلحاد
وكفر بواح ، ولم نسمع من دعاتهم في السودان من يتعرض للصهيونية
العالمية الغازية ولا للصليبية الحاقدة بل نجدهم يقصرون جهدهم على
معاداة المسابح والمسبحين ، ومعاداة الذكر والذاكرين ، ومحاربة حب
المصطفى صلى الله عليه وسلم والمحبين ، يبذلون في ذلك جهداً ومالاً
ووقتاً وطاقة ، وهي إمكانات لو وجهت لخدمة الدعوة الإسلامية ونشرها
بين غير المسلمين لكان في ذلك نفع عميم وخير كثير .
ولكنه الهوى الجهول والغرض المظلم يعمي القلوب ويعشي البصائر
ويجعل الخلاف الفقهي تجارة رابحة ومتاجرة ناجحة ..
وإني لأحسب أن معركة المسلمين ينبغي أن تكون على جبهة وآحدة هي
جبهة الكفر لأنه ملة وآحدة ، ولأن أعداء الإسلام والمسلمين لايفرقون
في عدائهم بين المسبحبن بالمسابح والمسبحين بالأنامل ولا بين ذوي
اللحى والحليقين ولا بين من أرخى ذؤابة عمامته أو لفها على رأسه
ولا بين قابض أو سادل في صلاته ولا بين زائري القبور وجفاتها ...
والخلاف بين الجماعات الإسلامية مهما بلغ فلزام عليهم الا يبلغ بهم
حد التدابر والتقاطع والقتال والسباب ، لأن سباب المسلم فسوق
وقتاله كفر ، وسباب المسلم وقتاله يتعارض أساساً مع ما دعت إليه
آيات الله من تعارف وتآلف مودة ورحمة .. كما يناقض مفهوم وحدة
المشاعر وإتحاد الإحساس بين المسلمين الذين وصفهم سيدنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم بقوله ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم
كمثل الجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى ) فأين نحن أمة المسلمين بإعتبارنا جسداً وآحدنا من تداعي
الأحاسيس بالألم يصيب أحدنا ، لقد قست القلوب منا حتى أننا لنؤذي
أنفسنا بإيذاء إخواننا المسلمين بأشد أنواع الأذى ثم لا نكاد نحس
بما نفعل بل قد يجعله بعض القساة الجفاة الجهلاء ضرباً من الجهاد
ونوعاً من الدفاع عن عقيدة الإسلام .. أي عقيدة هذه التي تميت في الإنسان روح الإخاء والطهروالشفقة والود ؟
نعم إنها عقيدة الهوى الجهول تجعل الفرع أساساً والأساسي فرعياً في
بناء الإسلام ثم لا يكون أثرها إلا وبالاً على الأساسيات والفروع كليهما .
ومن باب الغيرة على أساسيات الإسلام والدفاع عن فرعياته أكتب هذا
الذي أكتب لا شغلاً للمسلمين عن مهام الأمور وصرف اًللمجاهدين عن
المعارك الحقيقية التي يقتضيها العصر لخدمة الإسلام ولا إشاعة
للنقائض تفتيتاً لجبهة المسلمين الداخلية ، ولكن توضيحاً للحقائق
وتجلية للمواقف دفاعاً عن الفروع لتلحق بإصولها الإسلامية ولتكون
بهذا التأصيل مصدر إجتماع لا إفتراق وسبب إخاء لا جفاء وداعية
إتحاد ووئام لاتفرق وخصام ..
وسبيلي في ذلك أن أتخذ منهجاً في البحث ينحو نحو التأصيل التوثيقي
لمرتكزات ما اناقشه من ممارسات تؤخذ على مشائخ الطرق الصوفية
فإن لم أجد في دائرة التوقيف دليلاً لجأت إلى الإجماع كأحد مصادر
التشريع المتفق على الإحتجاج بها ، أقول هذا إعمالاً لقول الله تبارك
وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي
الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم
تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيروأحسن تأويلا ) .
والآية كما هو ظاهر تعلم آداب الحوار والتناظر فلا حكم بهوى ولا
إحتكام إلى رأي بل إلى العصمة يكون الإحتكام قطعاً للنزاع ودراً
للحجج والمكابرة والجدل ، فإلى المصدر المعصوم من الخطأ والزيغ
والهوى يكون الإحتكام عند التنازع وهذه كلمة سواء بيننا وبين
من يخالفنا في ما نزعم أن نرد الأمر إلى آيات الله ومل صح من
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسبانهما الحق الذي لا يجد
الباطل إليه سبيلاً . فإن رجح ما يمارسه مشائخ الطرق الصوفية من
أعمال في ميزان الحق لزم إتباعه وليس لأحد الخيرة من أمره بعد ذلك
لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال ويكون الرجوع ساعتئذ للحق وليس
إلى قولنا ، فالرجوع إلى الحق فضيلة يإعتباره مطابقة الإعتقاد للواقع
نلتزم به وهو واقع عاشه آبائي وأجدادي مشائخ الطريقة السمانية في
السودان .
وقدعقدت العزم بإذن الله ومشيئته على تأصيل ممارسات مشائخ الطرق
الصوفية بعرضها على الكتاب والسنة فإن قبلتها موازين الشريعة
أخذنا بها وإلارددناها على أصحابها لأنه ليس لمشائخ الطرق الصوفية
ولا لتلاميذهم مصلحة في إتباع ما عارض شريعة الإسلام أو صادم آي
القران أو ما جافى سنة النبي العدنان سيما وقد قال الأمام الجنيد
( علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ) .
ثم قال بعده الشيخ عبد القادر الجيلي بن الشيخ عبد المحمود نور
الدائم – خليفته من بعده –
من لم يكن متقيداً بـشريعـة ما ذاق كاسات الطلا الرباني
فأتبع إمام المرسلين محمداً وكتابه في السر والإعــلان
فالجنيد قال ما قال في هذا المضمار بإعتباره سيد هذه الطائفة وقد
أعطى من نفسه القدوة الصالحة والأسوة الحسنة ، كما أن سيدي
الشيخ عبد القادر الجيلي قد قال ما قال بإعتباره علماً من أعلام
التصوف والفقه في السودان وقد صدر عن إفادة الجم الغفير من
المرشدين والمسترشدين مما صيرهم الآن شموس هدى ومعالم
هداية ورموز حق ودعاة رشد ، وقد أصبت من تلكم الاخاذ سجلاً
يلزمني داعي الوفاء له وعهد الإلتزام به أن أبين للناس ما أعلم
من حق لأن السكوت عليه في معرض البيان شيطنة خرساء .
وإذ قد أمر الشيخ المريدين بلزوم كتاب الله وسنة رسوله فإني
سأكتب مستجيباً لهذا الأمر بإذن الله إلتزاماً بنهج الشيخ الجيلي
وإهتداء بهدي الرسول الكريم صلواته وسلامه عليه .
وفي مجال التعاويذ والرقى سيكون ما أكتبه في هذا البحث لأبرهن
أنها ليست من الدجل والشعوذة في شيء ولكنها من هدي المصطفى
صلى الله عليه وسلم في الطب والتداوي والعياذ ، وعندما يكون
الأمر من الهدي النبوي والعمل الرسالي فينبغي أن يقف المسلمين
منه موقف الإقرار والتسليم متى كان المقصد وجه الحق والأمور
كما هو معلوم بمقاصدها . فالحق نقصد والهدى نروم فإن جئنا
خلال هذا البحث بما يبرهن على زعمنا ويقيم حجتنا فينبغي أن
يكون الإذعان والتسليم والإقرار للحق الذي جئنا به وليس لنا ،
ومن حق البراهين والأدلة وإلى الرجوع إلى الحق .
فهو وما رضي لنفسه ولن تكون خصومة بعد ذلك معنا وإنما ستكون
مع الحق الذي رده مكابرة وتعصباً عبادة للهوى وطاعة للشيطان
الذي يصد أولياءه عن الحق بعد إذ تبين لهم صدودا والله وحده
المستعان على ما يصفون .. وعليه توكلت وإليه أنيب وأسأله
خلوص النية وخشوع القلب وحفظ اللسان وثبات القدم والإنتفاع
بالعلم والنفع به مع الستر والصفح وحسن الخاتمة .
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب
الرحيم ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ... إنك سميع قريب
الدعاء مجيب ....
كاتبه / الفقير إلى الله
عبد الجبار المبارك الحفياني
الخرطوم ـــــ الطائف
المصدر : موقع ناس طابت
منقول


رد مع اقتباس


المفضلات