وأنا أذكر تلك المشاوير تقف أمام ناظري صورة أولئك الصبية الصغار عندما يصعدون الي البص أو الحافلة التي تنوي السفر الي مدينة أخري وهم يحملون ( الكرتونة ) وبها أشياء خفيفة ( بحثاً عن الرزق ) ,, بسكويت محشي , مناديل فاين , لبان , أحسب أنَّ التجارب منحتهم صفة الاحترافية في مهنتهم تلك حيث يقترب منك أحدهم ويرمي عليك جزء من بضاعته من غير أن تسأله ثم يذهب الي راكب آخر ثم يرجع من جديد لإستلام القيمة أو البضاعة التي غالباً ماتـُرد اليه كما رماها أولاً .. حتي الآن البص لم يكتمل نصابه ويأتي آخر يملك لحية طويلة وسوداء وهو ممسك بحزمة من الكُتيبات الصغيرة ويرفع جزء منها ويبدأ في عرضها وكأنّه في دلالة عامة ( كيفية الوضوء وكيفية الغسل والصلاة علي الميت ) ويختم دلالته بـ ( كتاب هدية ) هو عبارة عن توضيح سنن الوضوء والتيمم يأخذ وقته وينزل من غير أن يبيع منها شيئ إلاَّ ماندر .. ثم يصعد آخر بصحبة طفل صغير ممسك كل منهما بطرف العصا مع ترديد ( كرامة ) .. ويعقبه بائع وهو يحمل صنف واحد أو صنفين ( الاسبرين أو البندول ) .. وكثير من المشاهد التي تحدث خلال دقائق معدودة كل هذا كان يحدث في البصات السفرية ( عبر المدن ) أمَّا عن تلك المواصلات الداخلية فالمشاهد لاتحصـي وإني أحسب أنّي لم اركب حافلة إلاَّ وقد حصلت بها مشكلة رغم قصر المسافات .. ( ماتتكلم من الواطة ياخ وتقول ماعندي قروش ) عبارة ظلت ثابتة عند الكماسرة حينما ( يطقطق ) لأحدهم ويرد عليه الآخر ( والله معلـِّم الله عديل ) .. ثم تسمع جدالاً آخر حين تسمع ( طااااالب ) ويأتيه الرَّد من الكمساري ( بطاقتك ) .. ثم يأتيك صوت نسائي ( ياوقح ياحقير ماعندك أخوات ) .. وكثيراً ماكانت تتجه تلك الحافلات الي نقاط بسط الامن الشامل لفض نزاع نشب فيها اثناء المشوار في النهاية وفي اغلب الاحيان الكمساري هو من يكون مخطئاً في نظر الشرطي .. من المواقف الطريفة التي أذكرها سخرية أحد الكماسرة حينما أعطته إحدي البنات مبلغ ( الف جنية القديم ) وكانت التعريفة 300 جنيه فأعاد اليها مبلغ 700 جنيه بعد أن إستلمت البنت باقيها خاطبته ( أنا أدِّيتك ألف وإنت رجَّعت لي 700 يعني الراكب بي 300 ) بعد أن أظهر إبتسامة ماكرة جداً ردَّ عليها ( طيِّب إنت ماشاطرة أهـو ) ..
عندما يأتي ظرف هنا ( في السعودية بنين ) الي الواحد منا ويفرض عليه أن يسافر الي إحدي المدن ويستغل البصات السفرية سوف يصيبة الملل والكثير من الرتابة حتي وأن كانت الرحلة تستغرق 10 ساعات أو أكثر فما عليك إلاَّ وان تكون علي مقعدك وكل شيئ ساكن ( لاصوت لاصوة ) وإني اخالهم حتي لو قام السائق بتشغيل فيديو ( مصارعة دَيَكة ) يحسبونها حرااام قطعاً .. تعال شوف هناك اول ما البص يتحرَّك يأتيك الكمساري وهو يمد نحوك حلاوة لبن وبعد قليل تأتيك قارورة عصير طاعمة وفي الرحلات الطويلة تكون هناك وجبة مع باردها والفيديو شغال وعند إنتهاء الفيلم يمنحونك صوت غنائي جميل يريحك قليلاً من وعثاء تلك السفرية .. ( شِنْ جاب لي جاب ) ..
المفضلات