وضربه بالسوط وشتمه ، وصاح به مستغربا دهشا :
كيف يجرؤ جروك الصغير على شتم حفيدي
الطاهر الشريف يا بهيم !!!
وغمز رجاله فتقدم اليه بعض رجاله الذين انتقاهم من الشبان
غلاظ القلوب لا يعرفون الرحمة .
زبانية الشيخ وانهالوا على المسكين لطما وصفعا
حتى سقط وتكور جسده
على الارض ، يتلقى الضربات .
ولم يسمع منه غير همهمة وانين متواصل ! ثم صاح بهم الشيخ
اتركوه وليرحل عن بلدنا الى جهنم !!!
قام المسكين بعد جهد كبير متثاقلا ، وجمع بعضه على بعض ، ونكس راسه ، واستطاع ان يمسح
ما تبقى من اثر البصاق في وجهه .
ومشى الرجل الى بيته يجر ذيول الخزى والعار لكنه يحمل في صدره
الالم والحزن والقلق والثورة المكبوتة التي ما يفكر بها الا ويشعر انه عاجز .
لقد قال شيخ البلد كلمته ،
فليفتش له عن بلد اخر .
واين سيجد المأوى والمسكن ! اين يذهب !
واين يقيم ؟! لقد ضاقت الدنيا
في وجهه مع سعتها !
وبجهد استطاع ان يعي ان له في بلد بعيد
بعض الاقارب وفكر بالنزوح اليهم ...
وكان ابن العجوز فرهود يلعب في الحارة ، مع بعض الصبية امام الاكواخ المتداعية على اصحابها.
ومر بهم حفيد الشيخ ، شتمهم بدون مبرر ولا سبب ،
واقترب من ابن فرهود اقرب صبي اليه ، ودفعه
قائلا : انت حمار !! واحس الصغير بالاهانة امام اترابه
فما كان منه الا الجواب : انت ستين حمار !!
وهم بضربه الا انه لم يكن يدري من اين اتاه الضرب ،
حتى ابناء الفلاحين والفقراء صفعوه وقذفوه
بالحجارة مع حفيد شيخ البلد ....
سمع الجبار القصة من حفيده المدلل ،
ونقلها له الرجال ، تشفيا من فرهود ، ذلك الرجل الذي
كان يدأب على عمله في الصباح ، ويعود في المساء .
انه حطاب يقطع الحطب من اشجار البلوط
والخروب والعبهر ويحملها على حمار له اشهب ،
ويبيعها في المدينة لاصحاب الافران ... ويرجع منها
الى البيت ، الى كوخه يحمل الخبز لاسرته ،
والعلف لحماره ، الذي كان يقول عنه دائما : انه يده
ورجله !!
ومع المساء ، مالت الشمس للغروب ،
كما اعتادت ان تميل وانحدرت بين غيمتين ، والفلاحون
عائدون من حقولهم وغيطانهم ، يسحبون البهائم
، ويحملون عشاءها فوق الحمير والبغال . وارتفعت
سحب الدخان من اسطح البيوت ، بيوت الطين والاكواخ وسقوفها ،
وهب النسيم مثقلا برائحة
الزيت والعيش ، وصعدت النساء فوق السطوح ،
وجهزن الطعام بعد ما انتهين من علف الدجاج
والبهائم . وجلست الاسر حول اطباق الطعام تلتهمه ،
وفي تلك اللحظه سقطت الشمس وراء البحر
بالقرب من راس الناقوره ، كدمعة حمراء ،
ملتهبة كالدموع المتساقطه على وجنات فرهود واسرته ....
خيم الظلام على الارض وفرش اجنحتة على الهضاب
والآ كام والحقول والبيوت ، وتمدد الناس
في فراشهم بعد تعب النهار الطوبل دون حراك .
وفي الطريق الوعر كان فرهود يسير ويتعثر وراءه ابنه
ومعه افراد اسرته وحماره ، والدموع تنحدر من العيون حمراء ساخنة !!!



رد مع اقتباس


المفضلات