الفنان والانسان المبدع ابراهيم الكاشف
من أرض الجزيرة من أرض المحنة .... ومن هذه المدينة الهادئة الوادعة المتكئة على النيل الأزرق مدينة ود مدني مدينة الجمال والحسن شق الكاشف طريقه وسط تشجيع كبير من المثقفين من طلاب الجامعات ومن عامة سكان المدينة فخطا خطوات واثقة استطاع أن يصنع له اسم فني كبير وشهرة واسعة عمت كل أرجاء السودان وخارجه.
والمتابع لمسيرة الراحل المقيم الكاشف يلاحظ أن حياته كانت سلسلة من المثابرة الشاقة على الخلق والإبداع ، فهو واحداً من اكتشافات مطرب السودان الخالد سرور في العام 1931 ، فهو أول مطرب يخرج على تقليد جوقة الفرقة الموسيقية المصاحبة للمطرب والتي لم تكن تتجاوز الرق والطنبور والصاجات والصفقة فإذا به يفاجيء جمهوره عام 1934 بأدائه لأغنية ( أنا بقطف زهورك بعاين بعيوني ) في صحبة إحدى الفرق الموسيقية المصرية الحديثة التي كانت في زيارة ود مدني أنذاك ونجح نجاحاً مذهلاً جعله يكرر التجربة مرة ثانية عام 1940 حين قدم أغنيـــــــــة ( الشاغلين فؤادي ) في حفل نادي الخريجين ، وهو أول من استعان بالشيالين الكورس من الجنس اللطيف وعندما ذهب لمصر لتسجيل أشهر أغانيه لإذاعة ركن السودان وشاركت الإذاعية المصرية الكبيرة أمال فهمي صاحبة البرنامج الشهير ( على الناصية ) في الكورس الذي جمع عدداً من الرجال والنساء من مصر والسودان ومن أبرز الأغنيات التي تم تسجيلها في تلك الفترة ( الحبيب وين ) ( رسائل ) ( أسمر جميل ) .
كان الكاشف حريصاً على تلحين معظم أغانيه بنفسه ، وهو أول من استعان بعازف آلة القانون في فرقته الموسيقية الأستاذ مصطفى كامل مفتش الموسيقى في البعثة المصرية التعليمية بالسودان (1) .
أفرد الأستاذ الكبير السر أحمد قدور في جريدة الخرطوم عام 1996م في عموده المميز "أساتذة وتلاميذ" مقالات متسلسلة عن الكاشف ولأهمية ما جاء بها فضلت أن أدونها كما خطها قلمه بداية من العدد الثالث حيث لم أتحصل على العددين الأول والثاني ولتكملة الأعداد فالرجاء من يتحصل على العددين الأول والثاني من سلسلة الكاشف المذكورة أن يتكرم بإدراجها على الموقع للإستفادة منها ولتوثيق مسيرة هذا المبدع الراحل ... التحية والتقدير مرة أخرى للأستاذ السر قدور مع الأمنيات له بدوام الصحة والعافية .
إبراهيم الكاشف (3)
لم يكن إعجاب سرور بالكاشف وليد مصادفة أو نابعاً من فراغ فسرور هو عميد الغناء والخبير بفنون الطرب والمؤسـس لمدرسة الغناء الحديث في السودان ، ولم يكن إعجابه منذ الوهلة الأولى بإبراهيم الكاشف إلا بعد اقتناع بقدرته على الغناء والطرب وبموهبته الشابة المبشرة ، وبهذا الاقتناع فإن الحاج سرور اعتبر أن الكاشف سيكون خليفته على عرش الغناء ولا شك أن الكاشف ظل حتى رحيله أقوى امتداد لمدرسة سرور الغنائية المدرسة التي تعتمد على قوة الأداء والاستهلال المبهر واستخدام الإمكانيات الصوتية والتطريب في درجات الصوت العليا بل أن الكاشف ارتبط بأشهر شعراء سرور في تلك الفترة سيد عبد العزيز وعبيد عبد الرحمن الذي كان مقيماً في مدينة ود مدني ،وقد صعد إبراهيم الكاشف سلم الشهرة خطوة ... خطوة ... وهو ينتمي إلى طائفة النجارين التي قدمت للفن قبل ذلك الشاعر صالح عبد السيد أبو صلاح ، ثم أحمد وإبراهيم فلاح وكان صبي النجار إبراهيم الكاشف يتجول في سوق ود مدني يحمل المصنوعات الخشبية الدقيقة ، وذكر أن إبراهيم العبادي كان يداعبه ويشترط عليه أن يغني له إحدى أغنيات سرور قبل أن يشتري منه بضاعته ، وقد نال شهرة كبيرة بصوته الجميل وأدائه العذب وهو لا يزال في مرحلة الصبا وسرعان ما أصبح نجماً في مدينة ود مدني يردد الأغنيات القديمة المعروفة ويشارك في بعض الحفلات مردداً ألحاناً وضعها فنان مدني ( الشبلي ) وبعض الهواة ، وفي فترة أخرى التف حول الصوت الجديد بعض الشباب ومنهم أبناء ود مدني الطلاب بجامعة الخرطوم فكانوا عندما يعودون في الإجازات يبحثون عنه لمشاركتهم ليالي السمر وكان من بينهم من تعلم العزف على الآلة الحديثة ... فكان طلاب الجامعة هم الفرقة الموسيقية الأولى التي تمرن معها الكاشف على الغناء مع فرق الموسيقي وقد أفادته هذه التجربة في مسيرة حياته الفنية فكان أول فنان يسعى إلى الغناء مع الموسيقى .. بل يعتبر هو الرائد الفني الذي سعى إلى تكوين اوركسترا رغم أن الغناء عرف الآلات الموسيقية ولكنها كانت الآلات منفردة مثل ( اكورديون ) وهبة و ( كمنجة ) المرحوم السر عبد الله ، ثم ( عود ) عبد القادر سليمان ، وبعده الفنان حسن عطية .... ولكن الكاشف خطى خطوة متقدمة بالبحث عن فرقة موسيقية ... وكان نادي النيل بود مدني القاعدة القوية التي انطلق منها إبراهيم الكاشف إلى رحاب الفن لتخرج شهرته من المدينة الخضراء إلى كل أرجاء السودان .
أبو الفــــن .... (4)
مدينة ود مدني إحدى ثلاث مدن سودانية كانت بوتقة انصهرت فيها قبائل السودان ، وتشكلت على أرضها خميرة المجتمع السوداني الحديث مجتمع المدينة الموازي لمجتمع القبيلة ، فأم درمان عاصمة دولة المهدية ، ومدينة عطبرة المدينة الصناعية ، وود مدني عاصمة الإقليم الزراعي الأكبر هذه المدن الثلاث اجتمعت فيها ملامح المجتمع السوداني الحديث بعاداته وفنونه وآدابه وكانت هذه المدن صورة رائعة لنماذج الثبات والقبائل والثقافات السودانية المختلفة .
وتميزت ود مدني بأنها نشأت في إقليم عريق الحضارة هو إقليم المملكة السنارية وكانت دولة سنار الإسلامية معلماً حضارياً وثقافياً ظل يرسل إشعاعاته حتى عام 1821م .
وفي هذا الإقليم احتشد العلماء والفقهاء ورواد الصوفية ومشايخ الطرق الصوفية وإلى جوار هؤلاء ازدهرت الأنغام والأناشيد الصوفية والمدايح النبوية ، فقد تمايلت قرى ومدن هذا الإقليم على أنغام أحمد ود سعد ، ود نميم وأبو شريعة ، وطيفور الدقوني ، وسمعت أقوال الشيخ فرح ود تكتوك وتمايلت في حلقات الذكر الصوفية .
في هذا الإقليم وبين هذه المدينة ود مدني ومدينة المسلمية كانت بداية حياة إبراهيم الكاشف ينتقل بسمعه من أناشيد الصوفية والمدائح النبوية إلى دوبيت البطانة والأهازيج الشعبية ... ولم يكن غريباً أن يندمج الكاشف أبن الأسرة القادمة من سيناء في شرق مصر مع هذا الجو الفني الشديد الثراء ... وذلك للتشابه الشديد بين فنون سيناء في الغناء والرقص والفنون السودانية فكلها عميقة الارتباط بالتراث العربي وكلها تنتمي إلي فنون القبائل العربية التي عاشت على جانبي البحر الأحمر واندماج الكاشف مع فنون الجزيرة دليل على صدق الرأي الذي يقول بأن حركة الفنون تسير مع سواحل البحار لا مع شواطيء الأنهار ... ودليل على ارتباط الفنون الشعبية السودانية بأصولها العربية القديمة مع ما حدث لها من تأثير البيئة الأفريقية .
وعندما شب إبراهيم الكاشف وأصبح يرتاد حفلات الغناء والطرب كان الثلاثي سرور وكرومة والاستب برهان ملء السمع والبصر ونشأ في السودان لون جديد من الطرب والغناء وهو الذي أسميناه فيما بعد حقيبة الفن .
وعند بدأ هذا اللون من الفن على يد الحاج محمد أحمد سرور عام 1914 كان الكاشف دون العاشرة ولكن بعد سنة 1924 كان هذا الفن قد أصبح يغطي رقعة واسعة من أقاليم السودان وبرز في الساحة بعد هؤلاء الفنان الخالد خليل فرح ذلك الشاب المستنير الذي جدد في معاني الغناء وفي اساليبه ، وفي البداية اتجه الكاشف إلى ترديد الأغاني المشهورة في عصره وكان ميالاً إلى ترديد أغاني الحاج محمد أحمد سرور وأتاحت له قوة صوته وحسن أدائه شهر كبيرة في إقليم الجزيرة حتى أصبح مطربها المميز ... وأتجه إلى أن يكون له أغانيه الخاصة .
وشاء القدر أن يكون بمدينة ود مدني أحد شعراء العامية البارعين وهو الشاعر علي المساح وهو ينتمي إلى نفس البيئة التي ينتمي إليها إبراهيم الكاشف وكانت البداية أغنية زمانك والهوى أعوانك .. وهي مجاراة لأحد قصائد الشاعر سيد عبد العزيز .
ثم أنفرد الكاشف بلحنين صارا فيما بعد من أشهر ألحانه بل من أشهر الألحان السودانية وهما : (الشأغلين فؤادي) .... ( وأنت بدر السماء ).... وهما أيضاً من كلمات علي المساح .
وهكذا أصبح هناك مطرب ذو شخصية هو الفنان ( إبراهيم الكاشف ) .


رد مع اقتباس

المفضلات