بشرى التوبة:
فلما كانت الليلة الخمسين، وبعد أن أدى كعب الصادق صلاة الفجر يرقب رضا الله ورسوله عنه، أتته البشرى التي طال انتظارها، يقول: (ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلةٍ على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخٍ أوفى على سلعٍ يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالكٍ أبشر، فخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرجٌ، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا ... حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ حوله الناس ... فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يومٍ مر عليك مذ ولدتك أمك، فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال: لا بل من عند الله عز وجل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمرٍ.... وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (2/529)، باختصار].
ثم أنزل الله تعالى قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 117-119].
على خطى كعب بن مالك:
والله إن في هذه الأحداث لآيات وعبر لا يعقلها إلا أولو الألباب ممن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فلقد ضرب كعب أروع الأمثلة لشباب الأمة، وها نحن نذكر بعضًا من الفوائد التربوية على ضوء هذه القصة:
1. إنما نجاني الصدق:
ربما كثير من الشباب حينما يوضع في موقف صعب يخير فيه بين الكذب الذي يظن فيه النجاة، وبين الصدق الذي يظن أنه ستتبعه عواقب وخيمة، يميل إلى الكذب، ثم ما يلبس إلا أن يأتيه العقاب من ربه سبحانه وتعالى، جزاء وفاقًا ولا يظلم ربك أحدًا، أم كعب فقد كان واضحًا مع نفسه، لم يختلق الأعذار للنبي صلى الله عليه وسلم، لقد كان يريد التوبة حقًا، حتى إنه لم يستخدم ما آتاه الله من جدل في أن دفاع يحفه بكذب أو تبرير لعدم خروجه للغزوة.
فمن يظن أيها الشباب أن الكذب يأتي بخير فهو واهم، ومن يظن أن الصدق يأتي بشر فهو أشد وهمًا، لأنه يخالف سنن الله تبارك وتعالى، فسل نفسك ماذا حدث لكعب لما صدق؟ الجواب: لقد تعب قليلًا، نعم، ولكنه ارتاح كثيرًا ارتاح أولًا لأنه أرضى الله ورسوله، ارتاح ثانيًا لأنه يشعر أنه بوجه واحد، ما يبطنه مطابق تمامًا لما يظهره، وارتاح لأن الله أعلن توبته من فوق سبع سماوات، ثم تأتي الراحة الكبرى، مع أول قدم يضعها في جنة الرحمن.
المفضلات