الحلقة الاولى
قصة مغادرة الطائرة الطبية الخاصة لمطار الخرطوم .. وتفاصيل رحلة الوصول الي (ابن الهيثم)..!!
حقيقة الوضــع الصحي بعــد الوصـــول .. وصدمــة رؤيــة (الحــوت) بالعنايـــة المكثفــة ..!!
{.. وأكتملت كافة الإجراءات والترتيبات للطائرة الأردنية الطبية الخاصة التي ستصل مطار الخرطوم في تمام الساعة السادسة إلا ثلثاً فجر يوم السبت الخامس من يناير ،لذا علينا مغادرة المستشفى الآن فهاهو ليل الجمعة يكاد أن ينتصف تماماً .. فموعد عودتنا في الساعة الخامسة صباحاً لم يتبق منه سوى سويعات سيبدأ بعدها طاقم (رويال كير) في إعداد عربة الإسعاف بكافة الأجهزة الطبية المطلوبة لنقل محمود إلى مطار الخرطوم وما أدراك ما صعوبة نقل مريض في مثل حالته ...إفترقنا كي ينال كل منا قسطاً من الراحة ثم يهب في الفجر ميمماً وجهه شطر رويال كير ، ولأني (كائن ليلي) فمن الصعب عليَّ الاستيقاظ فجراً ولكن من السهل بالنسبة لي مواصلة السهر حتى صباح اليوم التالي رغم خطورة مواصلة يومين تباعاً دون نوم إلا أنه لم يكن أمامي خيار آخر ..قضيت ساعتين بشارع النيل مع مجموعة من الأصدقاء ثم أكملت ما تبقى من (السهرة) بصحبة الزميل الحبيب معاوية الجاك بشقته بحى الصفا، حيث كانت الدعوات بسلامة (الحوت) و قضايا المريخ معبرنا لإستبانة الخيط الأبيض من الأسود ..!!
{في الخامسة من فجر السبت وبعد إمتداد السهر و(عشرة الونسة وشراب الشاي مع ود الجاك) هاتفنى الفنان جمال فرفور وقال : إنه في الطريق لي حتى نذهب سوياً لمطار الخرطوم لتكملة إجراءات المرافقين لمحمود ومتابعة تفاصيل هبوط الطائرة الخاصة كى تتحرك من بعد ذلك عربة الإسعاف للمستشفى..وبالفعل اتجهنا للمطار، وأخجلنا هناك كل من وضعنا على طاولته أوراقاً تخص إجراءات السفر بسرعة التفاعل وتقدير الموقف ،فالكل يخدمك والابتسامة تزين وجهه.
*هبطت الطائرة في السادسة إلا ثلثاً بتصريح هبوط يحمل الرقم (7005) وبدأت في التزود بالوقود في ذات الوقت الذي كانت تعد فيه عربة إسعاف (رويال كير) لنقل محمود للمطار ..أسرته وأصدقاؤه المقربين موجودين بالمستشفى ..وفي الطريق للمطار عبد الحكم وأحمد الصاوي بينما اكتملت إجراءات سفر (خال محمود) أمين محمد الطاهر وشقيقه مأمون عبد العزيز كمرافقين..!!
{صوت سارينة الإسعاف التى وقفت أمام بوابة المطار يمزق الأفئدة..تصريح الدخول موجود والإجراءات مكتملة والطائرة تنتظر المريض ..تحركنا وصديقنا عبد الحكم وجمال فرفور من أمام البوابة الخارجية بعربة (نصف نقل) خلف عربة الإسعاف التى شقت طريقها داخل المطار متجهة نحو المدرج الذي تقبع فيه الطائرة الطبية ..توقف الإسعاف الذي رافقته الدكتوره إيناس وإحدى معاوناتها من مستشفى (رويال كير) أمام الطائرة ..بدأت عملية فك الأجهزة الملحقة بجسد محمود والغصة تعتصر الحلوق وتطعن كنصل سكين حاد .. (الحوت) يقاوم الألم ..آهاته المكتومة تشق الأفئدة نصفين ..ومن يعرف محمود جيداً يضع لآهاته ألف حساب فالفتى من النوع الذي يصارع الآلام في تحد غريب ..مهما اشتدت عليه المعاناة فإنه يتملل دون أن يشكو ولكنه هذه المرة يريد التعبير عن أوجاعه بنبرات لا سبيل إلى سماعها ..الدكتور الأردني المرافق للطائرة شرع في فك كافة أجهزة الإسعاف حتى يقوم بتركيب أجهزته الموجودة داخل الطائرة الصغيرة ..هاهو السرير الذي سيرقد عليه محمود في مقدمة الطائرة.. د. إيناس تساعد الطبيب الأردني بهمة عالية ..والموجودين يقومون بحمل (الحوت) من النقالة إلى الطائرة ويا سبحان الله ها هو محمود صاحب أقوى حنجرة عرفتها الساحة الفنية يصوم بأمر المرض عن الكلام ويتحدث معنا بتحريك عينيه بتعب، ونحن نحاول التخفيف عليه بكلمات تشجيع لا أظنه وقتها يسمعها أو يستوعبها مع أننا نحتاج إلى من يشجعنا حتى نصبر على رؤيته في تلك الحالة ولكنه ابتلاء كنا نسأل الله العلي القدير أن يعافيه ويعود لنا بهيبته المعروفة وسحره الطاغي وصوته المجلجل الذي يخلخل أوتار ثبات خشبات المسارح والصالات !!
{استقر جسد محمود عبد العزيز على السرير الموجود في بطن الطائرة ففارقنا نحن الثبات ..صارعتنا الدموع وانهمرت من أعيننا مدراراً حاولت أن أدس وجهي بين كفي فلحظات الضعف البشري قاسية ولكن دون جدوى ...استدار فرفور للوراء وأعطى الواقفين أمام الطائرة ظهره حتى لا يرون الدموع وهي تتساقط من عينيه ولكن محاولات إخفاء الحزن الدافق باءت بالفشل الذريع !!
{ولا أحد يستطيع أن يلومنا على غسل وجوهنا بالدموع طالما أن د. محمد فضل الله بكل جلده وصبره صعد للطائرة للإطمئنان على (الحوت) قبل الإقلاع فصارعته أحزانه عقب نزوله للأرض وصرعته فاستعان بالمنديل ..أقلعت الطائرة فتحركت عربتنا صوب البوابة الخارجية وليتها لم تفعل ..ما أن وقعت عينا والدة محمود (الخالة فائزة) وبناتها (سهام والهام) علينا ونحن نهم بالخروج حتى إنفجرن بالبكاء فتساقطت دموعنا من جديد.. وعندما عانقت الصاوي كانت حاجة فائزة تحتضن فرفور وكلاهما يبكي بصوت عالٍ ويعيد لنا مشهد نجاح عملية محمود قبل شهور مضت !!
{عجيب أمر (الحواتة) ..أنهم يمثلون سدرة منتهى الوفاء ..ها هو حامد ومحمد الطيب وبعض رفاقهما بالخارج ينتظرون خبر الإقلاع حتى يغادروا باحة المطار ...إنه اختلاف جمهور محمود عن غيره من محبي كل الفنانين ..يطاردون فنانهم المفضل في الحفلات ولا يبتعدون عنه في المحن والأزمات ..كثير ما رأيتهم يفترشون الأسفلت أمام بوابة المستشفى رافضين الذهاب إلى منازلهم، ووجدتهم أيضا على ضفاف شارع النيل بمدني قبالة قسم الشرطة إبان مشكلة (الحوت) الأخيرة على خلفية أحداث مسرح الجزيرة .. (الحواتة) يا سادتي نسيج وحدهم ولا يقبلون القسمة على معايير الإعجاب المعروفة وأسس الحب المألوفة..!!
{كانت الساعة السابعة والنصف من صباح ذلك اليوم تعنى مزيداً من القلق والتوتر فالطائرة حلقت متجهة صوب الأردن مجهزة بكل الاحتياجات الطبية التى كانت متوفرة بغرفة العناية المكثفة بالمستشفى ولكن الضغط الجوي والمطبات والتحليق لمدة ساعتين ونصف يزيد من حجم الخوف، لذا فإن فرحتنا وقتها بوصول الطائرة لمطار عمان ونقل (الحوت) لمستشفى ابن الهيثم لم تقل عن فرحتنا بنجاح العملية الجراحية التي أجريت له في يونيو من العام الماضي.
اللحاق بالحوت
{ غادرت عقولنا وأرواحنا وإهتماماتنا الخرطوم برفقة الطائرة الطبية التي نقلت محمود عبدالعزيز الي مستشفي (ابن الهيثم) بالعاصمة الأردنية عمان .. عدم وجود تأشيرة سفر للأردن وقفت سداً أمام مرافقتنا لـ(الحوت) علي ذات الطائرة ولكنها بالطبع لن تعني عدم وصولنا الي هناك ولو بعد يوم أو يومين ، لذا فقد كان التحرك سريعاً جداً وقنصل سفارة الأردن بالخرطوم يتجاوب مع ضرورة منح التأشيرة بسرعة البرق ويعود مشكوراً في المساء خصيصاً لإكمال إجراءاتها في تقدير يحسب له ولطاقم السفارة .
{ إكتملت الإجراءات ولابد من اللحاق بـ(الحوت) سريعاً فكانت الرحلة رقم (511) المتجهة الي عمان علي متن الخطوط الملكية الأردنية .. ودعت الخرطوم في الساعات الأولي من صباح الأربعاء برفقة صديقنا الحبيب الموسيقي عثمان محي الدين الذي أوصلني مشكوراً للمطار لم تنقطع دعواته ورجاءاته بألا ينقطع إتصالنا به حتي يقف علي الحالة الصحية لمحمود ..!!
{مرت الدقائق (طويلة النفس والأمد وعريضة المساحة) بمطار الخرطوم إلا أن الصدفة التي جمعتني بدكتور صلاح الدعاك المدير الإقليمي لمنظمة الإغاثة الإنسانية بعمان خففت عليّ من قلق الإنتظار .. تبادلنا أطراف الحديث في عدد من المواضيع وسألني د. الدعاك : (هل هي المرة الأولي التي تزور فيها عمان فالأجواء باردة وهناك موجة جليد .. وما سر سفرك يا تري )..؟؟
أجبته بأنها ليست المرة الأولي فقد سبق وأن كنت ضيفاً علي مهرجان (جرش) وإستمتعت بحفلات فضل شاكر ونوال الزغبي وهاني شاكر وحاورت ديانا كرزون بمنزلها بالصوفية .. كان البرد قارساً ولكنه لم يصل حد التجمد .. ولكني هذه المرة أزورها للإطمئنان علي صحة محمود عبدالعزيز ..!!
{ حط رحالنا بعمان يومها فوجدتها منزوعة الحرارة .. (درجة واحدة تحت الصفر) لا أكثر .. ودعت د. صلاح الدعاك الذي طلب من سائقه أن يأخذني الي مستشفي (ابن الهيثم) فشكرته وأعتذرت له فهناك سائق آخر بعثت به إدارة المستشفي ينتظر وأيضاً الرجل الفلسطيني الراقي هاني الذي يعمل بالعلاقات العامة بالسفارة السودانية يقف علي أهبة الإستعداد .. ودعت د. الدعاك .. وطلبت من هاني أن يبقي بالمطار ساعة لأن الأستاذ حسن فضل المولي مدير قناة النيل الأزرق الفضائية سيصل علي متن الخطوط الجوية المصرية ..!!
الطريق الي (ابن الهيثم) ..!!
{ 35 كيلو تفصل المطار عن المستشفي .. الأمطار تتساقط وبعض من ثلوج .. برد قارس لا يحتمل .. مدفأة العربة تخلق نوعاً من التوازن بالداخل بينما كثير من السيارات تركها أصحابها بعد أن تعلقت بالثلوج وهرعوا لمنازلهم مشياً علي الأقدام للإحتماء بين الجدران .. صوت المُقرئ الذي ينبعث من سماعات المسجل يبث في النفس الطمأنينة وآيات سورة (مريم) تعطر الأفئدة والآذان والمكان .. والتركيز يذهب مع قصة العذراء التي إنتبذت من أهلها مكان شرقيا حتي طلب الوحي منها أن تهز جذع النخلة فتساقط عليها رطباً جنيا .. (وآيات كتاب الله الحكيم تدفع المرء لتكثيف الدعاء وتعيده لمناطق التسليم بالإبتلاء والقضاء والقدر كلما ضعفت النفس البشرية) ..!!
{ قطعنا نصف الطريق ولا يزال ينتظرنا ذات الزمن الذي مضي وذات المشوار .. عزيمة الرجال التي شقت الجبال طريقاً معبداً بالإرادة تتضح بجلاء في شارع المطار .. حركة سير العربات يومها كانت أقل من عادية مع أننا نسير في أكثر الطرق أهمية وحيوية ، فوصول الحرارة الي (درجة واحدة تحت الصفر) و تساقط الثلوج وتجمد الإسفلت دفع المؤسسات الحكومية والخاصة الي إعلان عطلة لمنسوبيها فالمولي سبحانه وتعالي لم يأمر بالهلاك .. المناخ هناك يذكرك بمفخرة السودان الأديب الراحل المقيم الطيب صالح وحكاية البلاد التي يموت بالبرد حيتانها ونحن نزور عمان هذه المرة حتي نضخ الدم والحيوية في أوردة (الحوت) الذي غادر بلاده في حالة صحية متأخرة ووضع يرثي له .
{ الضباب الكثيف يكاد يحجب رؤية سائق عربة مستشفي (ابن الهيثم) والثلوج علي الأرض تشكل خطراً علي السيارات ومعوقاً للحركة .. لافتات المرشحين لإنتخابات البرلمان الأردني تغطي علي لوحات إعلانات الشركات التجارية ، وما بين المطالبة بضرورة التصويت لمرشح يدعي نصار القيسي بصلعته المهندمة وآخر يسمي عامر البشير يرفع شعار (بصوتك لا بصمتك) ما بينهما تصافحك وجوه عشرات المرشحين للبرلمان والكل يزعم أنه يخوض الإنتخابات لمكافحة الفساد مثلما يحدث هذه الأيام في كل مكان ..!!
مسؤول شؤون المرضي ينتظر ..!!
بالرغم من أن الموظفين بالأردن دخلوا في عطلة ذلك اليوم وثلاثة أشخاص ماتوا بسبب الثلج أو (الزائر الأبيض) طبقاً لخبر أوردته صحيفة (الدستور) إلا أن الأستاذ عمر محمود عبدات مدير مكتب شؤون المرضي العرب بـ(ابن الهيثم) كان ينتظرني في عربته قبالة المستشفي .. (الملابس الكاجول الثقيلة جداً) التي يرتديها توضح لك بجلاء أنه لم يأت للعمل إنما فقط لإستقبالنا وتنويرنا بالوضع الصحي للحبيب محمود عبدالعزيز ، وماذا فعلوا منذ أن وصلهم .. وكيف أصبحت حالته .. وما هي المشاكل التي يعاني منها .. وكيف ستكون الحلول والمعالجات .. وهل الوضع ينبئ ببشارات قادمات وغيرها من التساؤلات التي طرحتها علي مسؤول ملفات شؤون المرضي العرب بوضوح سنتحدث عنه غداً ، ونحكي صدمة رؤيتنا لـ(الحوت) داخل العناية المكثفة بعد دقائق معدودات من وصولنا للمستشفي ..!!
(وغداً للرحلة المأساوية بقية )....


[/IMG]
رد مع اقتباس
الحالة ميئوس منها .. والدكتور قال أنهم وصلوا مرحلة اللا عودة طبياً) ..!!
المفضلات