لم يعد بمقدور أحد إنكار ما بات للإعلام الجديد من تأثير كبير في تشكيل الوعي المجتمعي داخل بلادنا العربية، عبر ما فرضه من تفاعل لحظي جماعي مع الأحداث سواء بالتعليق أو إبداء الرأي أو التحليل أو بالربط بينها، وكل ذلك كان له الأثر الكبير في زيادة الوعي بمختلف القضايا سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وغيرها من جوانب الشأن العام، غير أننا في المقابل بتنا نواجه تحديات كبيرة فرضها هذا النوع من الإعلام نفسه كتوجيه هذه الأحداث أو نشر الأخبار المغلوطة عنها، ما يستدعي يقظة أكبر في التحقق والتثبت منها ونقدها نقداً صحيحاً لمنع التلاعب بهذا الوعي والذي لا أبالغ في القول بأن مسارات الأمم والمجتمعات تتشكل وتتحدد بقدر ما تمتلك من هذا الوعي الجمعي.
ولعل الإشكال باعتقادي يتمثل في الخشية من عدم قدرة البعض على استيعاب هذا الواقع الجديد الذي بات يتغلغل في حياتنا بشكل متكامل يوماً بعد آخر وعاماً بعد عام، كونه يحتاج إلى تحليل تفاصيله وتعقيداته واستخلاص الدروس منه لاتخاذ قرارات مستنيرة، إذ يتطلب كل ذلك مهارات تحليلية ومعرفية عميقة قد لا تتوفر لكل الأفراد، خصوصاً مع ما انبثق من ظواهر سلبية صاحبت ذيوع الإعلام الجديد كضعف الجانب الأخلاقي وانعدام المهنية وظهور شكل جديد للديمقراطية والحرية غير المنضبطتين.
في عالمنا العربي، شهدت السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في دور وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، بعدما ساهم بدايةً في تعزيز الوعي الجماعي، وكان سلاحاً في يد الأفراد خاصة النخبة منهم للارتقاء بالوعي الجماعي لمن حولهم، إلا أنه بمرور الوقت بات سلاحاً مزدوج الحد، حيث تفطنت جهات سياسية بالعديد من الدول خاصةً تلك التي تعاني مشكلات اقتصادية واجتماعية من جهل وفقر وبطالة وضعف جودة التعليم فضلاً عن منظمات ذات توجهات متنوعة إلى دور هذه المنصات وأمست تستغلها لتوجيه الرأي العام وتشكيل الوعي وفق مصالحها الخاصة.

الإعلام الجديد.. سيف ذو حدين يشعل ثورات الوعي أو يغرقها في الزيف! هل ننتصر أم ننهار؟
وسائل التواصل الاجتماعي وتنمية الوعي
لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، تويتر (الآن إكس)، إنستغرام، ويوتيوب ثورة في نقل المعلومات في العالم العربي، ومعظمنا يتذكر قبل أقل من عقدين من الزمن كيف كان الوصول إلى الأخبار والمعلومات مقتصراً على الإعلام التقليدي ، الذي غالباً ما كان خاضعاً لسيطرة الحكومات أو للسيطرة الاقتصادية عبر القنوات الخاصة المملوكة لرجال الأعمال، أما اليوم فإن هذه المنصات تسمح للملايين من المستخدمين بمشاركة المحتوى الفوري، مما يعزز الوعي بكثير من القضايا المحلية والعالمية، فعلى سبيل المثال أدى انتشار الفيديوهات والمنشورات إلى زيادة الإدراك لدى الشعوب العربية بحقوقها المدنية، مثل الحق في التعليم، العدالة الاجتماعية، والمشاركة السياسية، كما ساهمت في تعزيز الطموحات نحو نماذج الدول المتقدمة، حيث يرى الناس صوراً حية للتقدم والحريات في أوروبا وأميركا الشمالية، والذي يمكن تفسير تأثيره من خلال نظرية "الانتشار الاجتماعي" للمعلومات، التي طورها علماء مثل إيفريت روجرز، والتي تؤكد على أن الابتكارات بما في ذلك الأفكار السياسية تنتشر عبر الشبكات الاجتماعية بسرعة أكبر من الوسائط التقليدية.
وسائل التواصل.. ثورة في الوعي العربي أم سلاح مزدوج يغرقنا في الزيف والاستقطاب؟ الوقت حاسم للتمييز بين الحقيقة والدعاية!
وفي السياق العربي، أدى ذلك إلى ارتفاع مستوى الوعي الجماعي، حيث أصبح الناس أكثر اطلاعاً على الأحداث العالمية، مثل النزاعات الدولية أو التغيرات المناخية، وأكثر قدرة على ربطها بسياقاتهم المحلية. ومع ذلك، فإن هذا الانتشار ليس خالياً من المخاطر، إذ يمكن أن يؤدي إلى انتشار المعلومات المضللة بنفس السرعة، فضلاً عن تحول هذه المنصات بيد البعض إلى أداة للتوجيه والاستقطاب بإمكانيات تفوق قدرات المستخدمين العاديين، وباستخدام خوارزميات متقدمة وحملات إعلانية وترويجية مدفوعة وحتى روبوتات إلكترونية لنشر المحتوى المستهدف، ونتيجة لذلك تحولت هذه المنصات من أماكن للحوار الحر إلى أدوات للدعاية الموجهة، وهو ما ولّد مفهوم "الفقاعة الإعلامية" (Echo Chambers) لوصف كيفية تصفية الخوارزميات للمحتوى بحيث يرى المستخدمون فقط ما يتوافق مع آرائهم ، مما يعزز الاستقطاب ويقلل من الوعي المتوازن.
وقد أدى هذا الاستغلال إلى اختلاط الحقيقة بالزيف، حيث أصبح التشكيك أداة شائعة لتقويض أي رأي مخالف، ما بات يحوج المستخدمين إلى مهارات تحليلية متقدمة، مثل التحقق من مصادر المعلومات وفهم السياقات التاريخية لتمييز الغث من السمين، وهذا التعقيد جعل معركة الوعي أكثر صعوبة، خاصة في ظل انتشار الشائعات والحملات المنظمة التي تهدف إلى تشويه الأشخاص والكيانات بل والواقع بأكمله، وجميعنا يذكر حين اندلاع احتجاجات 2011 بالعديد من الدول العربية والتي لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً حاسما في نشرها ثم كان للمنصات نفسها الدور الحاسم في توجيهها ونشر الدعاية المضادة حتى وصل الحال إلى الاقتتال الأهلي والاقتراب من حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي والفوضى التي لا زال العديد من بلداننا العربية يعاني منها كما في ليبيا وسورية واليمن والسودان، بعدما أصبح الوعي مشتتاً بين الروايات المتضاربة، وهو ما يظهر كيف يمكن للإعلام الجديد أن يكون محركاً للتغيير الإيجابي وكذلك أداة للدمار إذا لم يُدر بعناية.
التحديات الحالية وأهمية الرؤية المتوازنة
في العالم العربي، يواجه المتابعون تحديات عدة تتعلق بهذا النوع من الإعلام ومن أهمها صعوبة التمييز بين الحقيقة والزيف، مما يتطلب تدقيقاً في كل تفصيلة أو معلومة، لاحتمالية أن يفقد الفرد توازنه أمام تدفق هذا الكم الهائل من المعلومات، مما يجعل الرؤية المتوازنة أمراً حاسماً لاستعادة الوعي الجماعي، هنا تبرز أهمية الأقلام الصادقة والآراء المتخصصة ومراكز البحث والدراسات التي يجب أن تركز على تقديم رؤية واقعية دون تزييف أو إفراط، مستندة إلى الفكر العلمي بدلاً من العواطف.
الحاجة إلى استراتيجيات مستقبلية
الوعي الجمعي يشكل مسارات الأمم.. ففي عالمنا العربي يمكن للإعلام الجديد أن يبني الثورات أو يهدم الدول إذا لم نُدره بحكمة!
إن التحديات التي يفرضها الإعلام الجديد بكل ما له وما عليه تُلزم ببناء نظام تعليمي يتنبه إلى معالجة سلبيات هذه المنصات حتى لا تتحول هذه النعمة إلى نقمة، بما تشهده من نشر للمعلومات المغلوطة والمضللة وإضعاف الهوية الثقافية والبحث عن الإثارة وما ساهمت فيه من تغيير للسلوكيات وانتهاك الخصوصية وتسطيح القضايا الهامة وعزلة الأفراد وإدمان تصفحها وبث الآراء والأفكار المتطرفة من خلالها، ما يحوجنا إلى التركيز على المهارات النقدية، مثل تحليل المصادر وفهم الخوارزميات، إضافة إلى دعم مراكز البحث المستقلة لإنتاج دراسات موضوعية تساعد في إرشاد الجماهير وتثقيفهم، فيما على المستوى الفردي يمكن للأشخاص اتباع منهجيات علمية بسيطة، مثل التحقق من تعدد المصادر قبل قبول أي معلومة.
وفي الختام، تظل معركة الوعي ضرورية لتقدم العالم العربي، لكنها تتطلب جهوداً جماعية لمواجهة استغلال الإعلام الجديد، ومن خلال الاعتماد على الرؤية المتوازنة والفكر العلمي يمكن للشعوب العربية تحقيق طموحاتها نحو الحرية والتقدم، بعيداً عن الاستقطاب والتزييف، فالتصور الإيجابي المبني على الحقائق يظل هو المفتاح لتحويل الواقع إلى ما هو أفضل.

  • أستاذ زائر في جامعة أريزونا، توسان، الولايات المتحدة، مستشار بالجامعة الأميركية في بيروت



---
جريدة الرياض
http://www.alriyadh.com/2168831]لقراءة الخبر كاملاً فضلاً اضغط هنا[/url]