مقدمة
هذا صوت خاص يسعى نحو غنائية شعرية تنسل من طابور الكلاسيك لتحاول الدخول والتمرغ في مروج الرومانتيك. هي نقلة من مساحات العقل والبحث الى فضاء الرؤية المفتوح على عوالم جديدة.
وكما نجد في الخطاب الشعري لجبران قوله: (لكم لغتكم ولي لغتي) نجد عند الشاعر بحيري ان الشاعر هو ابو اللغة وأمها، تسير حيثما يسير، حيث نجد:
(هناك)
قطعة من الليل ميتة
عند أقدام النهار
هذا هو تحسيس المفهوم في رؤيا القصائد داخل هذا الديوان، تتعدد الأبعاد في محاولة للخروج من وظائف النثر الثلاث: (1) الوصف (2) الأخبار (3) التقرير. وفيه رفض واضح للبنية الشعرية التقليدية، نحد هذا في شكل القصيدة (التلغراف)، في لغتها الخاصة جداً، وفي أجوائها النفسية التي تعاني من أمراض هذا العصر الحاد.. ولهذا يأتي (الهروب من الذاكرة) معادلاً موضوعياً لحجم الكارثة.
ومن حق الشاعر المعاصر ان يتنفس كيفما يشاء، وتحضرني وأنا أتصفح وأطالع قصائد الديوان أسماء بعض الشعراء الذين ترددوا بين القصيدة النثرية والقصيدة الشفوية؛ أمثال سليمان عواد، إسماعيل عامود، حامد بدرخان، سنية صالح، في الستينات من القرن الماضي، ومن جيل السبيعنات: نزيه أبو عفش، بندر عبد الحميد، عادل محممود، محمد منذر. وفي السودان نقف عند تجربة عاطف خيري ومحمد المهدي المجذوب في شحاذ في الخرطوم، وعادل عبد الرحمن في رابطة الحزيرة للآداب والفنون.
وفي البال تجربة مجلة شعر؟ توفيق صائغ، أودنيس، أنس الحاج، جبرا إبراهيم جبرا، عصام محفوظ، فاروق مرعشي.. ولقد كانو يدورون في رؤى الاحتجاج الفردي، والتمرد، والاغتراب والهلع الميتافيزيقي، ويتحسسون- كما يقول عبد الواحد لؤلؤة- النفي والغربة والوحدة والحرمان والرفض والاضطهاد اللامنطقي وعبودية المكان والزمان والموت الفاجع.
في الرؤيا يستدرج الشاعر العالم الخارجي إلى داخله ليتوحد معه وتنمحي الفواصل، وهكذا يفعل خالد بحيري.. إنه ينادي محيي الدين بن عربي الذي يرى أن الرؤيا هي الرحم، بمعنى انها ولادة، وهذا منطقي جداً لما يصاحب لحظات الخلق الشعري من معاناة ومخاض قاسي.
شكراً أخي خالد على إشراكي في معايشة هذا الألم الإبداعي، فعندما تعتصر الشمس قمصانها في ميقات إنزلاق البنفسج في رقصته المنسابة على سطح الجليد؛ يلاحق القارئ تفاصيل الأشياء التي تفر منه هاربة!
محمد الفاتح أبو عاقله
شاعر وباحث في الأدب الشعبي السوداني
ماجستير في اللغة العربية وآدابها- جامعة الجزيرة
المفضلات